خاشقجي: ذبح الصحافة سبق ذبح الصحفي

قضايا

26  نوفمبر  2018

“إني خائف”.. جملة إن لم يقلها كل الصحفيين في العالم من قبل، فقد قالها أغلبهم بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا. أما أنا فأعترف أنَّني واحد من هؤلاء الذين يتملكهم الخوف كل ليلة من مصير مشابه، فقط لأنّني أشتغل بهذه المهنة.
عملية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي الوحشية، التي فاجأت العالم في مطلع أكتوبر الماضي، سبقتها عملية قتل بطيئة ودؤوبة للصحافة في المنطقة التي خرج منها ومات فيها خاشقجي، وبينما بدت الدهشة والمفاجأة على الجميع مع تأكيد أنباء القتل، فإن عملية القتل المنهجية للصحافة، والتي جلس المندهشون الآن يشاهدوها في صمت، بل وشارك بعضهم فيها، ما كانت لتفضي لنتائج أخرى سوى قتل الصحفيين أنفسهم.
صورة جمال خاشقجي في زيِّه الوطني وابتسامته البسيطة تطارد الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الفضائيات والصحف (الأجنبية بشكل خاص). الصورة بما بها من وداعة تبدو في البداية مصدرا للراحة، من يصدق أن هذا الرجل قتل بكل هذه الوحشية التي تتحدث عنها مصادر أمنية تركية؟ (لم يتم التأكد من مدى صحتها حتى الآن منذ منتصف نوفمبر 2018).
كان يمكن ألا أكونَ حيا إلى الآن، لو أنني كتبت ما يغضبهم. هل هناك تعريف للخوف أكثر من هذا؟ الموت ينتظرني على الباب كل يوم، ربما يأتي على شكل رصاصة أو انفجار أو كيس يحكمون غلقه على رأسي، الموت ليس ببعيد، لكن هذا بالتأكيد ليس مجرد هاجس شخصي.
عندما أعدت منظمة “مراسلون بلا حدود” تقريرا عن عام 2018 اختارت له عنوانا عريضا يقول إنها “من أسوأ السنوات على الصحفيين”، ربما لأنها من أكثر السنوات التي شهدت تحريضا على العاملين في الإعلام بشكل عام. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصف الإعلام دائما بأنه ينشر الأخبار المزيفة، واعتبره “عدوا للشعب”؛ الرئيس الفلبيني رودريغودوتيرتي صرح بأنه: “كونك صحفيا أمر لا يحميك من الاغتيال”، وظهر رئيس جمهورية التشيك موريس زيمان خلال ندوة صحفية، مُشهراً نموذج لبندقية كلاشينكوف كُتبت عليها “هذه للصحفيين”، وفي اليمن، اعتبر زعيم جماعة أنصار الله (الحوثيين) في خطاب متلفز أن “المرتزقة والعملاء من فئة المثقفين والسياسيين والإعلاميين أخطر على هذا البلد من المرتزقة المقاتلين في الميدان إلى جانب العدوان… يجب على الجيش واللجان الشعبية التصدي لهم بحزم”.

“من ليس معنا هو بالضرورة عدونا” والمنطق الوحيد في التعامل مع العدو هو قتله، لذلك كان قتل جمال خاشقجي ضرورة.

مصادفةً لم نمت، حتى الآن، ليس لأننا في وضع أفضل بل لأننا لم نكتب ما يدفعهم لقتلنا، ينتظر الصحفي الرصاصة من اتجاهين متناقضين شكلا، من الشرطي ومن اللص، من الجندي النظامي والمسلح المتمرد، من السلطة والجماهير، يقتل الصحفي وهو في الغالب لا يعرف من أين جاءته الرصاصة. تقول منظمة اليونسكو الأممية إنه من 2006 وحتى 2017 قتل 1010 صحفي، سبع من أصل عشر حالات قتل لا تزال “غير محلولة”، وأن المتهمين بقتل الصحفيين يفلتون من العقاب في 89% من هذه الحالات.
لا توجد أرقام حكومية ترصد القتلى من الصحفيين، ويُعتمد على تقارير حقوقية، تجمع من المنظمات المحلية غالبا، لإعطاء أرقام تقريبية حول أعدادهم. فبحسب منظمة “Press Emblem Campaign”غير الحكومية، والتي تعمل بصفة استشارية في الأمم المتحدة، فإن العشرة أشهر الأولى من عام 2018 سجلت قتل 104 أشخاص يعملون في مجال الإعلام، وهو الرقم الذي يتجاوز عدد قتلى الصحفيين خلال عام 2017، حيث سجل قتل 99 شخصا يعملون في الصحافة.
أما منظمة “مراسلون بلا حدود” فرصدت حسب تقرير لها نشر في أكتوبر 2018، مقتل ما لا يقل عن 56 صحفيًا حول العالم بسبب نشاطهم الإعلامي، وأكدت أن هناك أكثر من اثنتي عشرة حالة أخرى لا تزال قيد التحقيق من قبل المنظمة.
بينما رصدت لجنة حماية الصحفيين، التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، قتل 45 صحفيا حتى أبريل 2018، وتأكدت اللجنة أن دافع القتل يتعلق بصميم العمل الصحفي.
وبين هذا وذاك، أعلنت منظمة اليونسكو (نوفمبر 2018) إنشاءها مرصداً لحصر عمليات قتل الصحفيين، وفجرت مفاجأة بأن العالم يشهد عملية قتل صحفي أو أحد العاملين في الإعلام كل أربعة أيام، ورصدت المنظمة 1300 جريمة قتل بحق صحفيين أو عاملين في الإعلام منذ عام 1993 وحتى الآن، بينهم 80 جريمة قتل وقعت منذ بداية العام الجاري وحده.
يمكن فهم هذا الاختلاف في إطار عدم وجود تعريف واضح ومحدد للصحفي/ الإعلامي في الأمم المتحدة، واعتبرت المادة 4 من الاتفاقية الثالثة أن الصحفيين مدنيون ولا ينبغي أن يتمتعوا بأي حماية إضافية أكثر مما للمدنيين العاديين وإلا ستكون هناك ضرورات لاستحداث قوانين خاصة لأفراد فئات عديدة ممن قد لا يكونون في مأمن من الخطر في أوقات النزاعات المسلحة.
ويختلف تعريف الصحفي في كل بلد عمن سواه، ففي الوقت الذي يعرف القانون المصري الصحفي بأنه كل عضو مقيد بجداول نقابة الصحفيين، والإعلامي هو كل عضو مقيد بجداول نقابة الإعلاميين، ويعتبر القانون أن الشخص الذي يعمل بالإعلام دون الانتساب لهذين الكيانين “منتحل صفة صحفي”، بينما في لبنان يُعرَّف الصحفي بأنه كل من اتخذ الصحافة مهنة ومورد رزق، دون الاشتراط أن يكون عضوا منتسبا في نقابة الصحفيين، وكذلك في العراق الصحفي هو كل من يزاول عملاً صحفياً وهو متفرغ له.
قبل أن يدخل جمال خاشقجي مقر القنصلية، لم يكن يعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى فيها الشمس، لو عرف ربما تراجع، هرب، نجا من الموت. لا نعرف ما هي آخر كلمة نطق بها، هل توسل لهم، هل بكى، هل تذكر حياته خارج هذه الجدران؟ أفكر؛ ماذا لو كنت مكانه، يعتصرني الخوف، يحاوطني الرعب. أهرب إلى الفيسبوك لأجد خبرا عن مرصد جديد دشنته منظمة اليونسكو للصحفيين المغتالين، مسحوب الإرادة أتصفح المرصد، جمال لا يحتل ذيل القائمة وهناك ثلاثة لحقوا به في ذات الشهر، أكتوبر، قتل جمال في 2 أكتوبر، فضولي دفعني لمعرفة التفاصيل، لقد قتلوا بوحشية لا تقل عن الوحشية التي حدثت مع جمال.
بخوف أقرأ حكاية الصحفية البلغارية، فيكتوريا مارينوفا، والتي تعمل في قناة “تىفى إن” المحلية، عثروا على جثتها في حديقة بمدينة روزا البلغارية. الجثة كانت عليها أُثار تعذيب واغتصاب وممزقة الملابس. قبل وفاتها بأيام أذاعت فيكتوريا ببرنامجها “الكاشف”، حوارات بشأن تورط شركات خاصة في قضايا فساد مرتبطة بسوء إنفاق أموال الاتحاد الأوروبي.
حكاية ماريو غوميز مرعبة أيضا. يعمل الشاب مراسلاً لصحيفة محلية في المكسيك، تلقى تهديدات تتعلق بعمله الذي يقوم من خلاله بتغطية أخبار الجريمة والعنف في المنطقة، لم يأخذ التهديدات على محمل الجد، فجاءه الرد صباح 19 أكتوبر الماضي، أمطره مسلحان بوابل من الرصاص من على دراجة نارية بينما كان يغادر منزله.
المغتال الثالث بعد خاشقجي، هو الصحفي الباكستاني سهيل خان، الذي أطلق مسلحون مجهلون الرصاص عليه في الشارع، ومات في الحال. قال زملاؤه إن اغتياله يرتبط بنشره تقريرا عن تهريب المخدرات، في صحيفة محلية.
يزداد الرعب مع الإحصائيات التي نشرتها اليونسكو، وكيف لا نصاب بالفزع وهناك 436 صحفيا قتلوا في المنطقة العربية ما بين 2005 وحتى النصف الثاني في 2018.

تعود صورة خاشقجي لتطل من جديد، لكنها ملطخة بالدماء هذه المرة، تسقط نظارة جمال، وتطرح معها سؤالاً: هل هو وحده من قتل في تلك الظروف الغامضة؟

يعتقد الكثيرون أن ما حدث مع جمال خاشقجي هو حالة فردية، بينما يشير تقرير للجنة حماية الصحفيين الدولية التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، نشر في 25 سبتمبر، (قبل مقتل جمال خاشقجي بأسبوع واحد)، عن السعودية اعتبر أن المملكة تضع أسسا قوية لخلق مناخ أكثر قمعا للصحفيين، وقالت اللجنة إن السلطات السعودية استخدمت في عهد ولي العهد محمد بن سلمان آليات رسمية للتضيق على الصحفيين وتقييد حريتهم، تركز في الظاهر على الإرهاب، من أجل إسكات الصحفيين. ووثقت اللجنة في فبراير، الطريقة التي حكمت بها المحكمة الجزائية المختصة على الكاتب الصحفي صالح الصالح بالسجن خمس سنوات بتهمة “الإساءة للديوان الملكي” عقب تعليق للصالح عبر شاشة التلفزيون وفي كتابته تناول فيه مزاعم بوجود فساد.
وتقول منظمة “مراسلون بلا حدود” إن المملكة العربية السعودية وحدها ألقت القبض على أكثر من 15 صحفيا ومدونا منذ سبتمبر/أيلول 2017، إلى الآن “وسط تعتيم تام”، وتؤكد المنظمة أن العديد من الحالات، “لا يتم أبدا تأكيد اعتقالهم رسميا، ناهيك عن التكتم حول مكان احتجازهم أو حتى التهم المنسوبة إليهم”.
نفس المنظمة قالت في مقياسها السنوي لعام 2018 إن عدد الصحفيين المسجونين حتى الآن (نوفمبر 2018) وصل إلى 168 صحفيا، و151 مواطناً متعاونين مع صحفيين، و19 متعاوناً مع وسائل إعلام، على رأسهم تركيا بعدد 28 صحفياً مسجوناً، تليها مصر 27 مسجوناً، ثم الصين 14 صحفياً.
بينما تقول لجنة حماية الصحفيين الدولية إن عام 2017 شهد حبس 262 صحفياً حول العالم، وهو بحسب اللجنة رقم قياسي في حبس الصحفيين، إذ سجل 2016 حبس 259 صحفي، وكان هذا أيضا رقما قياسيا منذ بدء اللجنة في اصدار تقاريرها السنوية بداية تسعينيات القرن الماضي.
وفي 2017 جاءت تركيا والصين ومصر على رأس قائمة سجاني الصحفيين في العالم، والتهمة الموجهة في الدول الثلاث للصحفيين غالبا ما تكون الإرهاب ومناهضة الدولة.
يقف الآن جمال خاشقجي في طابور طويل من القتلى الصحفيين، ينتظرون من سيأتي بعدهم. وقد أكون واحدا منهم.
وبينما تتنازع قضية الصحفي المغدور الكثير من الأطراف، وتتفاعل فيها المصالح السياسية والاقتصادية، في محاولة للوصول لتسوية ترضي جميع سجاني وقتلة الصحفيين، فإن الأكيد أن ذبح الصحفيين لن يتوقف ما لم يتوقف أولا ذبح الصحافة.

 

اضافة تعليق جديد