صراع في إفريقيا بين دول الخليج و تركيا

قضايا

22  نوفمبر  2018

تعتبر القارة الإفريقية من بين الضحايا المجهولة للمنافسة بين السعودية والإمارات وقطر وتركيا (ناهيك عن إيران)، حيث أصبحت حلبة لصراع سلاحه الدولار.

في يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، خلال “دافوس الصحراء” الذي نسفته الى حد بعيد قضية الخاشقجي، صافح الوزير الأول الإثيوبي بحرارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في وقت أضحى هذا النوع من مظاهر التعاطف نادرا.

وقبل أسبوعين من ذلك كان حليفه الإماراتي يدشن أشغال إعادة تأهيل ميناء “بربرة” بأرض الصومال (الصوماليلاند)، وهي بلاد غير معترف بها دوليا وبالتالي ليس لها مقعد في منظمة الأمم المتحدة. ولكي “تغطي” أبو ظبي على نفسها دبلوماسيا اكتفت بإرسال سلطان بن سليمان، المدير العام لموانئ دبي العالمية، الشركة شبه الحكومية، لمراسم فتح الورشة. مما يوحي بأن ذلك يمثل استثمارا وليس شكلا من أشكال الاعتراف.

ما الذي يجب استنتاجه من هاتين الإشارتين الغامضتين؟ بأن نزاعات العالم العربي/ المسلم لها ارتدادات أبعد من العالم العربي تصل الى كل أنحاء القارة الافريقية.

غالباً ما تم النظر للأزمة التي نشبت في 5 جوان 2017 بين العربية السعودية وحلفائها من جهة، وقطر وأصدقائها من جهة أخرى، على أنها شرخ في العالم العربي/المسلم. لقد شكل “الربيع العربي” خطرا بالنسبة للقوة الضخمة والهشة في آن معاً والمتمثلة بالعربية السعودية، كما كان الحال بالنسبة للاشتراكية الناصرية ثم للثورة الدينية الخمينية. فالإسلام الثوري والديمقراطية الليبرالية المتنافسين في العالم العربي منذ 2011 يشكلان خطرا على السلطة الدينية المحافظة في السعودية السنية التي ترتكز على أرضية قَبَلية ضمت إليها التيار الأصولي السني السلفي المحلي. ألا أنه لم تكن لقطر ولا لحلفائها الفعليين، الأتراك والإيرانيين، نفس القراءة للأحداث. وقد تحول تنافسهم مع الرياض، الذي كان ذا طبيعة أيديولوجية في أحد جوانبه، إلى تنافس جيوسياسي أقحمت فيه قطاعات متزايدة من إفريقيا.

الأثر الأول على شطري السودان

وقفت الخرطوم عسكريا إلى جانب السعوديين منذ بداية تدخل الرياض في اليمن في 2015 لأسباب مالية أساسا. ولم ترسل الخرطوم جيشها بل الميليشيا المكونة من بعض القبائل العربية ـ على الخصوص الرزيقات من عشائر الماهرية ـ تحت اسم “قوات الدعم السريع” (Rapid Security Forces). لا تتلقى هذه الأخيرة الأوامر من وزارة الدفاع بل من جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الذي يستعملها كقوة ضاربة في دارفور، وهي تعتبر مسؤولة عن انتهاكات خطيرة ضد السكان المدنيين.

تم اقحام قوات الدعم السريع فقط في الجبهة الشمالية حيث لم تحقق نجاحات ضد الحوثيين وتكبدت خسائر فادحة. والخرطوم غير راضية عن تدخلها في اليمن لأن الرياض كانت قد وعدت بخمس مليارات دولار في حين أن المبالغ التي تم دفعها أقل بكثير. وقصد التصعيد في المزايدات، استقبل الرئيس محمد عمر البشير رئيس الدولة التركية، رجب طيب أردوغان، يومي 24 و25 ديسمبر 2017.

وكان أردوغان قد تدخل لإنقاذ قطر في جوان 2015 في وقت كان فيه الأمير محمد بن سلمان، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارة القطرية، يفكر جديا في الاطاحة بالشيخ تميم بن حمد الثاني بالقوة. وقد أرسل آنذاك أردوغان قوة عسكرية صغيرة إلى الدوحة مع إعطائها الأمر بإطلاق النار عند الحاجة. وكان لذلك التحرك تأثير رادع على الرياض.

كما قام أردوغان منذ ذلك الحين بتعزيز تحالفه مع الخرطوم حيث حصل على شبه تنازل على مدينة سواكن الساحلية التي كانت العاصمة القديمة لمستعمرة السودان خلال هيمنة الحكم التركي المصري. وقد توجه إليها الرئيسان ووعد أردوغان نظيره السوداني “بإعادة بناء المدينة”. وقد قام برفع الراية التركية وهو عمل لم يستسغه لا الأمريكيون الذين يواجهون جيش أردوغان في كردستان السورية ولا السعوديون.

غير أن “الفتنة” انتقلت إلى جنوب السودان حيث يقوم الجنرال الليبي خليفة حفتر بتقديم دعم لوجيستي ومالي ل“جيش تحرير السودان ـ فصيل ميني مناوي”، وهي مجموعة مسلحة دارفورية يقودها ميني آركو مناوي الذي يدعو إلى الإطاحة بحكومة الخرطوم بالعمل المسلح. ومن خلال هذا الأخير وحليفه “الحركة من أجل العدالة والمساواة” التي يقودها جبريل إبراهيم وجدت الخرطوم نفسها متورطة في دوامة من الصراعات التي تمتد إلى البحيرات العظمى. وبالفعل انحازت مجموعتين من دارفور إلى جانب حكومة جوبا “الحركة الشعبية لتحرير السودان” التي يقودها الرئيس سلفاكير ميارديت.

وفي مفارقة دبلوماسية غريبة تقوم المجموعتان الدارفوريتان المتمردتان بدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان المتحالفة مع الخرطوم. لماذا؟ لأن بقاء كلتيهما مرهون بمساعدة نظام يوري موسيفيني الأوغندي الذي يدعم سلفاكير ميارديت ويضمن بقاء سلطة جوبا. لهذا السبب تمت “اتفاقات السلام حول جنوب السودان” في سبتمبر 2018 بالخرطوم. وهي تهدف إلى “فصل” مزدوج: انسحاب الدارفوريين من الجنوب وموافقة موسيفيني على وقف مساعداته للمتمردين ضد الخرطوم بكردفان.

من ليبيا إلى إثيوبيا تحالفات في غلية الغرابة

أصبح انتشار قوات التحالف المناهض للحوثيين والمناهض لقطر حقيقة ملموسة في إريتريا حيث تتوفرله قاعدة في ميناء عصب وله القدرة على توسيع مجال نشاطه إلى بربرة في أرض الصومال. غير أن الحوثيين أعلنوا منذ الآن بأن أي تمركز للقوات الإماراتية في بربرة يجعل منها هدفا للعمليات العسكرية. ويبقى هذا التهديد نظريا حاليا، غير أن تسليم الصواريخ الإيرانية لحكومة صنعاء والتي تم استعمالها ضد العربية السعودية يشكل سابقة.

ومن جهة أخرى يواصل الإماراتيون تقدمهم على طول الساحل الإفريقي، حيث أمضوا اتفاقا آخر مع السلطة الفعلية بأرض البنط (البوتلاند) بخصوص ميناء بوصاصو على المحيط الهندي.1

وفي الجنوب، بمقديشو، شيد الأتراك قاعدة كبيرة مع مراكز تجمع لآلاف الرجال ومرافق ميناء.2

أما الحكومة الصومالية المعترف بها دوليا والتي يرأسها محمد عبد الله “فرماجو” فقد تعرجت بين تحالف مع قطر (في البداية) قبل “أن تتبع حركة” دول القرن الإفريقي الأخرى، لتقترب من الرياض باتباعها النهج الإثيوبي- الإريتري. ولكن هذا التحول ليس كاملا ولا زال العملاء القطريين والإماراتيين يتصادمون داخل أجهزة المخابرات الصومالية – كما وداخل الجيش الصومالي الصغير- ويجري ذلك ضمن أحداث جديرة برواية مغامرات.

وهناك تداخل آخر بين الخليج والقرن الإفريقي ويتمثل في التخوف المصري من أن يؤثر البدء بملء سد النهضة الإثيوبي على موارد مصر المائية بشكل خطير. وقد أدى ذلك بالقاهرة إلى الارتماء في أحضان إريتريا من خلال الإماراتيين.

وردا على زيارة أردوغان إلى سواكن و“استلامه” للمكان وصلت قوات عسكرية مصرية بسرية إلى إريتريا ابتداء من يناير/ جانفي 2018 وقامت بالتموقع على الحدود السودانية (شمالا)، في النقطة التي تلتقي فيها البلدان الثلاث، السودان وإثيوبيا وأريتريا. وأخذت هذه الوحدات الصغيرة، القليلة العدد ولكن المدربة جيدا، تحت رعايتها كل من مناضلي التحالف المناهض لأثيوبيا الذي أنشأته إريتريا ومقاتلي الجبهة الشرقية المناهضة للسودان والتي تجند عناصرها من عشائر البجا.

طرأ على كل ذلك “تسارع” عندما تم التوقيع على اتفاقية سلام في 9 يوليو/تموز 2018 بين أسمرا وأديس-أبابا وقرر البلدان رسميا توقيف دعمهما لجماعات المتمردين في كليهما. وحاولت السودان ومصر خلال قمة الاتحاد الأفريقي في يوليو/ جويلية 2018 التقليل من خلافاتها والتي تقتصر فعليا على نسبة تدفق مياه النيل، ولكن ذلك لا يخفي انتصار إثيوبيا التي تواصل بناء سد النهضة.

ومع ذلك فإن غرب إريتريا ليس الميدان الوحيد للمواجهة بين القاهرة والخرطوم حيث أنهما يدعمان فريقين متعارضين في الحرب الأهلية الليبية. تدعم الخرطوم الحكومة “الرسمية” للوزير الأول فايز السراج بطرابلس في حين تقدم القاهرة دعمها ـ غير الرسمي ـ إلى سلطة بن غازي التي يقودها الجنرال خليفة حفتر .3

فيما وراء القرن الإفريقي

إذا كان القرن الإفريقي يشكل خلفية تقليدية لشبه الجزيرة العربية فإن الفتنة الحالية واصلت وتواصل توسع مجالها. هكذا قامت في جوان/ يونيو 2017 كل من موريتانيا والنيجر وتشاد والسنغال بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة أسوة بالعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين4. في نفس الوقت قامت بلدان إفريقية أخرى، مثل سيراليون أو غانا، بعمل مناقض تمثل في فتح سفارات لها بقطر.

هل هي دبلوماسية ذات أهداف مالية؟ نعم ولكن ليس ذلك فقط. ويمكن إدراك ذلك عبر تحليل مواقف التحالف العسكري المصغر الذي ترعاه فرنسا والمسمى مجموعة الخمس منذ اجتماعه الأول في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017.

فإذا كانت مالي وبوركينا ترفضان لحد الآن قطع العلاقة مع الدوحة5، جاءت القطيعة الأكثر حدة من رئيس تشاد، إدريس ديبي، لأسباب سياسية مباشرة: حيث يقيم عدوه الأخطر، تيمان أرديمي، بالدوحة تحت حماية قطرية.

فالفتنة الكبرى لم تعد فقط صراعاً بين السلطات القائمة والمتمردين الإسلاميين بل تعدّت ذلك عبر “معسكر الأمراء” (ولي العهد في السعودية وكذلك بالإمارات) إلى الحالة التي سيكون عليها -أو لا يكون- تحديث العالم الإسلامي. بل وإلى من يكون حلفاء هذا العالم غداً.

فقد منح امتداد “الفتنة” طابعا عالمياً للصراع السياسي الذي وصل حتى البحيرات العظمى، مستخدماً في ذلك طرق أقل ما يقال فيها انها مليئة بالمفارقات، وبالتالي انتقل الأمر الذي بدأ في جوان/ يونيو 2017 في شكل خلاف للاستراتيجيات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي والذي مس الجميع ـ وجعلهم شبه رهائن فيه ـ إلى قطاع واسع من القارة الإفريقية وبعض الفاعلين الخارجيين مثل فرنسا، إلى جانب مجموعة الخمس وهم بالكاد واعون بذلك.

كتب: جيرار برونيي

ترجم المقال من الفرنسية حميد العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة