ضرورة الجدل حول السياسة الثقافية

قراءات, قضايا

19  نوفمبر  2018

(1)

في صيف 2014 كلف الوزير جابر عصفور الأستاذ السيد يسين بإعداد ورقة عن “رؤيته لسياسة ثقافية مقترحة لمصر”. فأعد الأستاذ الورقة، وتكونت لجنة لمناقشتها تضم عددا من الشخصيات العامة وضمنها الأمين العام الحالي للمركز الأعلى للثقافة لمصر د. سعيد المصري فاجتمعت اللجنة في 4/8/2014 وناقشت الورقة على أن تستكمل ببرنامج ثقافي لأربع سنوات، وأن تعد اللجنة خريطة سوسيولوجية للثقافات الفرعية للمجتمع، وخريطة معلومات عن الأوضاع الإجتماعية والثقافية. ونشر الأهرام الورقة يوم 9 أغسطس 2014

وتقوم الورقة التي نشرت على عدة محاور سنحاول تلخيصها هنا، وكنت كتبت تعقيبا عليها، بناء على طلب مقرر اللجنة لمناقشتها مع ما يصلهم من تعقيبات. لكن مشروع اللجنة نفسه توقف بسرعة مدهشة لأسباب لا نعرفها، واكتفي الأستاذ سيد يسين بالتعقيب على ورقتي في إحدى مقالاته، في أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر 2014، معتذرا لي بتوقف أعمال اللجنة…!

 وفي تقديري أن الورقة المنشورة بقلم الراحل سيد يسين، تظل في رأيي مثيرة للجدل، ومازالت تسمح بعرضها للحوار، خاصة أن الوزير الذي وجه بإعدادها مازال من رموز وضع تصوراته للسياسة الثقافية، آخرها ما نشره في الأهرام 9 /11/2018

        لكن المساحة لا تسمح هنا بتلخيص جيد للأوراق السابق الإشارة إليها، حيث يمكن للقارئ العودة إلى الأصول في الأهرام، وأجد أني لا أملك بعد – تلخيصا سريعا لها – إلا تقديم تعقيبي الذي وضعته بهدف تعميق الحوار حول الأفكار الرئيسية، وهو في القسم الثالث هنا.

(2)                                  

 بدأ سيد يسين ورقته بتعريفاته المعروفة للثقافة، وأهمية رؤية العالم والمناخ الثقافي والإبداع ونوع الحياة.. الخ. ثم تحدث عن السياسة الثقافية، التي تعني “توجهات الدولة الإيديولوجية مع البعد عن الثقافة اللامادية.”

 في عرضه لملامح المجتمع بعد ثورة 25 يناير2011، رأى أنها ” غيَّرت بشكل جذري المجتمع السياسي السلطوي…. وحولته إلى” مجتمع ثوري بكل ما في الكلمة من معانٍ”.. وغيَّرت عديدا من الملامح.. وأبرزت الطاقة الثورية الهائلة الكامنة لدي جموع الشعب..

 وبعد الحديث عن عصر ما بعد الحداثة، وسقوط السرديات الكبرى، والمصمتة مثل الماركسية المتطرفة والرأسمالية الجامحة، يبدأ بتعريفاته لملامح المجتمع الثوري المصري الوليد التي تتمثل في سقوط دور المثقف التقليدي لصالح الناشط السياسي، واحلال الحشود الجماهيرية الهائلة مكان الآلاف التي كان يمكن محاصرتها، ولكن الجماهير يثيرها المحترفون الثوريون مع الانقسامات الخطيرة بين اليساريين والاسلاميين، اخوانا أو متطرفين.

  ثم يعرج على الصراع بين الشرعية الثورية والشرعية الديمقراطية، لكنه يري أن الانتخابات عقب 25 يناير، اثبتت اصرار الجماهير على الشرعية الديمقراطية.

 في تحليله للأوضاع الاجتماعية يصارحنا بالأرقام عن السكان، والفارق بين العشوائيات والمنتجعات وسكان الحضر والريف، وما قدمه الفقر من أجواء للإخوان والسلفيه والتيارات المتطرفة دينيا، ثم يذكر” يسين” مسألة هامه حيث شيوع الآراء الدينية المتطرفة ورسوخ العقل التقليدي المغلق، يقابله تبعية العقل الحديث لينشأ العقل الإرهابي، كتصور لأداة التغيير.

وعن التنمية يتحدث سيد يسين عن التنمية الجماهيرية من أعلي ومن أسفل، وأن المهمة الأولي في ذلك هي محو الأميه، وتنشيط دور الثقافة وكيف يبدع المجتمع ثقافته في الريف والحضر، ويرسم لكل ذلك بعض الخطط لتجسير الفجوة بين التعليم الديني والمدني، لأن الأول يقوم على النقل والثاني يقوم على التلقين، ويقترح هنا البحث عن خطاب إسلامي وسطي، حيث يقوم الأزهر بدوره الهام في هذه العملية الضرورية، على ألا يترك الاصلاح الديني للمتخصصين في الدين “وانما لرجال الحقوق المتخصصين في الفقه”…

وبمناسبة التعليم الديني والثقافة الحديثة، فان خطة السياسة الثقافية المطروحة تتجاهل تماما مسالة “تحرير الثقافة الوطنية” التي لا تتحقق الا في جذورها في الثقافة والتعليم على السواء. ذلك ان الوضع الحالي رغم حديثه عن الاصالة والعولمة.. ألخ تجاهل علاقة ذاك بالجذر الاستعماري والطبقي لمخططات التعليم التاريخية والحديثة مصر. وترويج المنطق الغربي حتى الحقهما بأنماط الهيمنة والعولمة السائدة، ولذا يتوجب على خطة للسياسة الثقافية الانتباه إلى ما يعرف بتحرير الثقافة….. تحريرها من جذور المفاهيم التراثية الدينية المتطرفة، وما يسمي بالحداثة المرتبطة بأنماط العولمة الامبريالية باعتبارهما ضربا من الوعي الزائف بينما هما قاعدة تحريف الثقافة والتعليم في بلادنا، ودعم الطبقات التي تحميها بينما تستثمر الدين والحداثة معا..

  ثم يبدو جوهر المقال فيما يسجله “يسين” على ثوار يناير من أخطاء “الخلط بين الثورة والفوضى”، وبالتالي الصدام الدائم مع الأمن وسقوط عشرات الشهداء…  نتيجة الإصرار على تصور الثورة فقط بشرعية الميدان.

 وفي أزمة القيم التي تواجه المجتمع بعد يناير يري يسين أن ثمة أزمة تنسف التراتبية الاجتماعية ويتصورها فقط في عدم الاعتراف بالمديرين والرؤساء وشرعية الانقلاب عليهم… اي عدم الاعتراف بالمكانات الإدارية والاجتماعية…

 بعد ذلك يتحدث عن استنكاره للحديث عن دولة العواجيز من قبل النشطاء الشبان. بدلا من الحديث عن الدولة المدنية واعلاء قيمة النقد الذاتي. ويقترح مجموعة من التوصيات حول التطوعية، واحياء الذاكرة المصرية (الفرعونية والقبطية والإسلامية) وكذا احياء الذاكرة العربية والنهضة العربية الأولي بشخوصها الهامة. وفي المجمل فقد حمَّل الكثير لوزارة الثقافة في مجال الطبع والنشر، والعمل بهمة في مجال التنمية الثقافية القاعدية…

   -3-

 ورغم اعتماد الورقة مسبقا” كرؤية ثقافية” فانني اخشي من سيطرة الموقف الدولتي المعتاد في صياغة الاستراتيجيات، لكن هاهي المسالة مطروحة للنقاش، مقدرين للراحل السيد يسين جهده التأسيسي بالطبع. رغم انه لم ير اية نتائج لعمله حتى رحيله

ولأنه كان عملا تأسيسيا؛ فانني اشير إلى سابق عمل كبير آخر أشرف عليه الأستاذ يسين بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، باسم” المناخ الثقافي في مصر” عام 2000، والملفت ان يرتبك القارئ امامهما لعدم حسم موقف الكاتب أو اللجنة…. احدهما كسياسي، ينظر إلى السياسة الثقافية” باعتبارها توجهات الدولة الايديولوجية معبرا عنها في مجمل القرارات والتدابير… الخ، بهدف تحقيق غايات تتفق وتوجهات الدولة الأيديولوجية…”، والآخر كسوسيولوجي، ينظر اليها باعتبارها “مجمل التوجهات الثقافية … تعكسها ايديولوجيات القوى السياسية والاجتماعية..” ولان هذا المفهوم الاجتماعي الأخير لا تعكسه الورقة المطروحة أمامنا بما تتطلبه الاوضاع الراهنة، فاني اتصور وزارة الثقافة ملتزمة باكتمال تماهيها مع ثلاثية الدولة\الثقافة\المجتمع، لتقوم الجماعة الثقافية بواجبها

ولن نتحدث هنا عن خبرة مثقفي مصر الصعبة  في النقاش العام لأوضاع الثقافة، وما واجهوه من تحديات دائمة، وأزمتهم مع السلطة بين فترة واخرى، وخاصة منذ بدء سياسات “الانفتاح” عند تأسيس اتحاد الكتاب (1975)، أو عقب اتفاقيات “كامب ديفيد” وحركة مثقفي الثقافة الوطنية 79-1980، بل ومحاولات عقد مؤتمر عام للمثقفين في أكتوبر 2001، وما واجه محاولاتهم  من مشكلات مفهوم الهيمنة والدولتية، وتمثل ذلك أحيانا كثيرة في اللقاءات الرئاسية بمعرض الكتاب، وحتي ثورة  المثقفين في مايو/يونيو 2013 على وزير الثقافة الإخواني لمفاهيمه  المتردية في الثقافة، مما قاد لتحرك المثقفين ضده  ضمن بشائر 30 يونيو ، وهذه كلها مما لا يجب نسيانه الآن  خاصة بعد ثورة  25يناير 2011 وامتدادها في 30 يونيو إيجابا وسلبا.

 لم يكن المثقفون إذن غائبين كما يتصور البعض، أو كانوا دائما في انتظار خطط الدولة الثقافية ومقابلة الرؤساء وفق أيديولوجية رسمية كما يتصور آخرون، وإنما قامت الجماعة الثقافية، مثل الرموز التاريخية المذكورة في الورقة – بواجبهم الثقافي.. غير الممتد للأسف، وهو ما يتوجب الآن أن ندعم تفعيله ولا نسهم في تآكله.. والورقة المقدمة للنقاش الآن تنطلق من مفاهيم هامة بعضها لابد من مراجعته، وطبيعي أن يكون الاستاذ يسين قد اختار بينها بحكم خبرته الطويلة، لذا نضع هنا بعض هذه المدركات المختلفة لتوضع موضع النقاش الموسع على النحو الذي نرجوه…

 ولنبدأ ببعض النقاط التي أري أن الورقة تثير التحفظ على المفهوم المقدم لها. كما أن ثمة نقاط أخري أرى أن الرأي بشأنها قد غاب بدرجة أو أخري عن الورقة.

أولا: النقاط الجدلية

  • تنطلق الورقة من ثقة فياضة بأن ثورة يناير استطاعت “أن تغير بشكل جذري المجتمع السياسي السلطوي الذي كان قائما… بل واسقطت النظام بالفعل في فترة قياسية…!”. ولا أظن من جانبي أن كثيرين ولا حتى “الثوار” أنفسهم يقولون بذلك، بحكم ما جرى من مياه عقب انتفاضة الملايين مباشرة… وبصرف النظر عن مناقشة هذه المسألة بتفاصيلها هنا، فإني أري تأثيرها الأكبر على خطط وضع السياسات الثقافية، لأن ثمة فرق بين خطة تنطلق من “بنية ثورية، أو بنية تكتمل ثورتها” وهذا غير قائم، وخطة تقوم في أحسن الأحوال على ضرورة “تطهير” الثقافة المصرية القائمة من بُنى مترهلة وأوتوقراطية واتسمت لعشرات العقود بل ومئاتها بالجمود والعزلة.
  • تتردد الورقة بوضوح بين حق جماهير يناير في “الشرعية الثورية ” وبين تناولها بشكل يكاد يكون سلبيا تماما لمعني “سيكولوجية الحشد” التي تؤدي إلى “الاندفاع”.. والتطرف في رفع الشعارات، ورفع سقف المطالب… كما تؤدي “الشرعية الثورية ” في رأي الورقة – إلى زعم بعض شباب الثوار أن ميدان التحرير ومظاهراته هي المعبر عنها، حتى لو خالفت “الشرعية الديمقراطية.. الخ، وتؤدي هذه الصورة التي أسماها ثورية من قبل بالمخطط، إلى التحفظ على مفهوم الحركة الشعبية والثقافة الجماهيرية، أو اتهام التحركات الشعبية “بالعفوية ” الدائمة بما لا تلزمه بأي عمل تثقيفي في اتجاهها، أو التاريخ الصحيح لها.
  • و تنتقل الورقة وبنفس الروح إلى مجرد صيغة مربكة للعلاقة بين “المثقف التقليدي”، والناشط السياسي.. فالأول، له باع طوال القرن في رؤية نقدية لأحوال المجتمع.. وتَبَني أيديولوجيات متعددة…أما الثاني، فليس من الضروري أن يصدر عن أيديولوجية محددة.. لأنه يصدر عن قدرته الفائقة على تحريك الشارع ” بعشوائية ملحوظة… أو انه- في موقع آخر- من “المحترفين الثوريين” الذين يصيغون التطرف…الخ

 المشكلة هنا هي ارباك دور “المثقف” ودور “الناشط السياسي”، بينما الجدل كما أتصوره بين المثقف التقليدي الذي سرعان ما يميل للمحافظة، والمثقف العضوي الذي أصبح دوره مؤكدا في عملية التغيير الاجتماعي، والالتزام بالتحرر والتقدم. وهنا مطلبنا تجاه السياسة الثقافية التي لابد أن تدعم دور المثقف الجديد أو المجدد، ودور الشباب، واتاحة فضاءات الثقافة المختلفة لأفكار التجديد، لا المحافظة التي تخدم ايديولوجية الدولة أو اتهام الناشطين الدائم بالتطرف سواء كانوا شبابا أو شيوخا.

  • تضع صياغة الاستاذ يسين معني ” التراتبية الاجتماعية” ضمن أزمة القيم، وليس ضمن معالجة أزمة الفوارق الطبقية التي تقترب من حالة ” الأبارتهيد” في مجتمعنا! فبعد أن تسخر الورقة –تقريبا- من حالة التناقض بين “شرعية الميدان” و”شرعية البرلمان”، فإنه يرى في مجال أزمة القيم ان ما يسميه ” نسف التراتبية الاجتماعية – عند المتطرفين والتي تعني عنده فقط عدم الاعتراف بالمديرين والرؤساء وشرعية الانقلاب عليهم… وعدم الاعتراف بالمكانات الادارية…الخ.”، وبهذه الطريقة وحدها تمضي معالجته للأزمة بين الأجيال، أو تصور شعار تسقط دولة العواجيز..!

   ولا أظن أن ” السيد يسين ” كان بغافل عن أهمية التحليل الاجتماعي الجدلي لربط الثقافة بمفهوم التحليل الطبقي والديمقراطية الاجتماعية، التي يدعمها التغيير الثقافي المنشود، خاصة وانه سبق وتحدث عن الخريطة الاجتماعية، وثقافة الريف والمدن وسكان المنتجعات وسكان العشوائيات.. الخ ونعرف من خبرتنا ان ذلك لن ينطلق في السياسة الثقافية في أجواء الأوتوقراطية والبيروقراطية الضاربة. ولا في أجواء التسلط المستدام للاستبداد الدولتي القديم والعميق! ذلك لأن الأمر يحتاج إلى رؤية مجتمعية مختلفة تماما.

  • طرح الاستاذ” يسين” حديثا طيبا عن سيكلوجية العلم والتعليم، وضرورة معالجة الفجوة بين التعليم الديني والتعليم المدني…الخ. لينتقل لمطلب” الخطاب الاسلامي الوسطي”، والاشارة لدور الأزهر، مرتبطا بعدم اعترافه بالكهانة في الاسلام،  ويتحفظ على ترك عملية التطوير “للمتخصصين في الدين” فقط،  لكنه يقتصر هنا بدوره على القول بأن تجديد الفكر الاسلامي إنما يجب أن يفتح ” للمفكرين المؤهلين للتجديد ” بما يلائم حاجات العصر، وخص منهم خريجي الحقوق من مثل شيوخهم القدامى… ويعرف الأستاذ “يسين” أن عملية تطوير الموقف الثقافي من المسألة الدينية وغيرها يحتاج إلى تطوير ثقافي وتعليمي شامل، سيرتبط بالضرورة بالتحولات الاجتماعية، بل والثورية، بما لا يبقي معه  للأزهر  من دور إلا كجامعة متخصصة وليس “مؤسسة الدين” في مصر “ذات المفسرين المتخصصين” ، كما هو الحال الآن ، فتنخرط  في السياسة وقتما تشاء أو يشاء لها الحاكم… وهنا لابد أن ندخل الكنيسة دائما في مثل هذا المطلب الاصلاحي للظاهرة الدينية، وذلك بسبب  مخاطر تسييسها فقط بين حين وآخر..

 ثانيا القضايا الغائبة:

سأطرح هنا عناوين القضايا التي أري أنها غابت عن النص، لأهمية انشغال خطة ثقافية بمعالجتها لتأثيرها البعيد في العمل الثقافي نفسه

  • المفهوم الجدلي حول “الهوية الثقافية “، وامتدادها الرأسي التاريخي والأفقي الاجتماعي. تذكرها الورقة متناثرة في الصياغة (حول الفرعوني والقبطي والإسلامي)، بينما الجدل واسع الآن بين ثقافة مصرية أم عربية؟ وعربية أم إسلامية؟ وبين مكانة الفرعوني والقبطي؟ أو مكانة النخبوي والشعبي في العمل الثقافي. الخ؟ وهذا ما يتطلب ابرازه إزاء المناهج الجديدة في تحليل التفاعل الثقافي، والثقافة الجماهيرية…الخ وكنت اتصور أن تعطي الخطة مساحة أكبر للثقافة الشعبية والفولكلور والانتقال من الانثروبولوجي للسوسيولوجي في معالجة الثقافة. وهناك ثمة محاولات مستمرة لتطوير المسرح لثقافة “الجرن” المسرحية (أحمد إسماعيل) أو الثقافة غير المادية بأسلوب حديث (عز الدين نجيب. الخ)
  • الثقافة السياسية: وتترك في مصر دائما للإعلام بينما مكانها التأسيسي ثقافي بالضرورة، فنحن أمام أوضاع ثقافية راسخة، تستنكر “العمل في السياسة ” (بلغة الفنانين..) أو تضييق فضاءاته بلغة الأمن، بينما نحن في أشد الحاجة لتنشئة ثقافية سياسية تعرف قيمة تنظيم المجتمع السياسي التعددي الديمقراطي، وبالمثل نحتاج إلى صياغة وضع مصر مع الثقافات الأفريقية والآسيوية، إزاء النمط “غير الديمقراطي” لجوهر الثقافة الغربية، والوعي الفكري بقيمة تحدي ثقافة الجنوب، لثقافة العولمة، والتعريف بمثقفي وعلماء القارات الثلاث، وبقضايا مصر مع العالم، ورؤية المصري للعالم من حوله عربيا وأفريقيا.. ولو أن معهدا للثقافة الشعبية توفر له الوعي الحقيقي بذلك لحصلنا على خبراء في الثقافة الشعبية للالتقاء بثقافة العالم الثالث.
  • يرتبط بالنقطة السابقة، ضرورة الحديث عن طبيعة الحوار الحضاري، أو التفاعل الثقافي العالمي. لقد استحوذ على هذا المجال لفترة طويلة، الحوار الديني (وكان يتوقف للأسف على حوار الإسلام والمسيحية وليس حوار/العقائد والفكر على مستوي عالمي…) وفي فترة أخرى ساد الحوار الحضاري (ليقتصر بدوره على الحوار العربي الأوربي) … فهل هذا هو “مفهوم العالم” الذي انشغل به سيد ياسين مع تفهم حدود آليات العولمة…؟ وماذا عن طبيعة الحوار الديني والثقافي في مجتمعنا نفسه؟ ألا نعاون المثقف أو المواطن المصري ليقارن بين هيمنة العولمة المتوحشة، ومطالبة دولته بحضور ثقافي اقليمي وعالمي، يحول دون عزلته التي فرضها عليه النظام السابق عن عالم الجنوب. وحتى عن حوض النيل!
  • سأنتهي إلى أخطر ما تجاهلته الورقة عما قلت إن السيد يسين نفسه قد نبه إليه في مواقع سابقة – بينما تغيب هنا- وهو أن “التوجهات الثقافية” تنعكس أيضا في أيديولوجيات القوى السياسية والاجتماعية المختلفة وتنظيماتها الحرة، بكل ما تحمل من صراعات وجدل. الخ. وهنا أتوقع أن يبادر “المسئول” إلى المحاججة بأن” وزارة الثقافة لا تعمل مع الأحزاب…الخ.! وأرى من جانبي أن هذا هو الموقف الدولتي المتخلف بامتياز، والذي أشرت إليه سلفا. إن ورقة عن استراتيجية الثقافة لابد أن تصدر عن “تجمعات ثقافية”، ورؤى ثقافية واجتماعية لمختلف القوى الفاعلة، لكي تحتوي هي وزارات التعليم والثقافة، والاعلام…الخ، ولا تحتويها الدولة… فلا يعقل أن يغيب ما يسمي المجتمع المدني عن الثقافة والسياسة في وقت واحد.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة من؟

أحمد حسن

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان