محاولة لقراءة أبعد في مباراة كرة القدم

مبروك للترجي و”هارد لك” للأهلى

قراءات, قضايا

18  نوفمبر  2018

ثمة من يرى أن “كل شئ في  كرة القدم”. وهناك أيضا من يقول: ” أبدا لا شئ”. فكيف لمن لا يشجع بحماسة ولابجوارحه ـ كالعبد لله ـ أن يخوض مغامرة فك لوغاريتمات شعبين إثنين تحولا إلى كتل من مشاعر متدفقة عارمة تحيط بمباراة نهائي دوري أبطال إفريقيا بين الأهلى المصري والتر جي التونسي. وهما الأكثر شعبية في بلديهما دون منازع. وأيضا الأكثر فوزا وإحرازا للبطولات محلية وقارية بين فرق كرة قدم البلدين. والالتباس المحمولة عليه المغامرة يبدأ بمفارقة أن “الناديين” بالمصرية و”الجمعيتين” بالتونسية يقال بأنهما الأقرب الى جماهير “الناس الغلابة أو “العباد الزوالي”. لكنهما وبحق أيضا “دولة”. وهذا بظلال وتلميحات كونهما على صلة أوثق بسلطة الدولة وكبار رجالها قططا سمان أو ديناصورات سياسة. وأيضا لأن فرق كرة القدم ذات الشعبية كانت هدفا لسطو الطغاة. وفي النادي الملكي الأسباني “ريال مدريد” قدوة خلال عهد الدكتاتور “فرانشسكو فرانكو”. كان ناديه المفضل في أوج تفوق وتألق فريقه للكرة زمن نجومه “بوشكاش” و”دي استيفانو”و “خنتو” بين عقدي الخمسينيات والستينيات بالقرن العشرين. وكذاكديكتاتور شيلي “أوجستو بينوشيه” الذي فرض نفسه على رئاسة أوسع الأندية شعبية في بلاده “كولو كولو”.

وعندما رجعت الى كتاب “أدواردو جاليانو” “كرة القدم في الشمس والظل” ـ الذي ترجمه للعربية صالح علماني ـ خدعتني حروف لغة الضاد، ومن البداية مع كلمات الإهداء. هو ببساطة يهدى كتابه الى أطفال التقاهم مرة في “كاليا دي لاكوستا” (1) قال أنهم كانوا عائدين من مباراة كرة قدم وهم يغنون: “ربحنا أم خسرنا لن تتبدل متعتنا .. متعتنا تبقى كما هي.. سواء خسرنا أو ربحنا”. لكنني ونحن هنا على بعد آلاف الأميال من الأورجواي بلد المؤلف ومن كتالونيا بأسبانيا حيث التقى هؤلاء الأطفال ومايزيد على العشرين عاما من كتابة النص الأصلي للكتاب بالأسبانية في عام 1995 وجدتني وقد قرأتها للوهلة الأولى: “متاعبنا” وليس “متعتنا”. ولعلها قراءة من وحي الزمن العربي، وسواء في مصر أو تونس.

من أين ضربة البداية؟..

لتكن من الفيس بوك. وقد أصبح عندي بحكم الإقامة لنحو العامين بتونس وعديد الزيارت إليها بعد ثورتها قائمة معتبرة من الأصدقاء التونسيين. أعرفهم عن قرب. وهم ليسوا كلهم محض “شخصيات افتراضية” بالنسبة لي. ولعل أكثرهم من “المكشخين” أي “أحباء”(2) أو مشجعي الترجي بدرجات متفاوتة من الجنون هياما بفريق الأحمر والأصفر والأسود وأقلهم عددا من بعض مشجعي الأفريقي (زمالك تونس) المعروفين بـ”الكليبيست” ممن جرفتهم استثناءا عاطفة “الاصطفاف الوطني” حول الراية التونسية والممزوجة بمنطق “وأنا وابن عمي على الغريب”. ويبدو أن الوطنية الشوفينية عندنا لا تخلو من سلبيات ثقافة القبيلة والبداوة، وحتى بين شعوب شمال أفريقيا. وبالطبع كان هناك من بين اصدقائي “الكليبست” حانقون دائمون على الترجي حالمين بهزيمته فآثروا في الأغلب الصمت على الفيس. ولكني أتوقف بين سيل التدوينات عقب فوز الترجي عند ماهو أبعد من نشوة الفوز التونسي والشماتة في الأهلى والمصريين. حقا هناك ما هو أبعد من دوران الساحرة المستديرة في ملعب بعينه (رادس) و في زمن محدد (ليلة السبت 9 نوفمبر 2018) عندما يتكرر عند أصدقاء تونسيين ـ وبعضهم من أهل الثقافة ـ النسج على حصيلة المباراة على هذا المنوال:

“الثورة 3 / الانقلاب 0”.

وبالطبع فإن الترجي لا يختصر تونس ولا الأهلي يختصر مصر. كما استبعد ان تلخص رمزية الترجي بوجه عام وحالته في الملعب الثورة في تونس. وكذا فيما يتعلق بالأهلى والانقلاب لا رمزا ولاحالة. ومن قال أن في أي من الناديين (الجمعيتين) والبلدين يدين الجمهور والشباب والألتراس بالمطلق بدين السلطة ولها بالولاء. وفي الماضي والحاضر وعند كل منهما ما يفيد بالصدام بين بوليس السلطة وشباب الألتراس. وهل يمكن أن انسي ما ابلغتني به الصديقة التونسية نزيهة رجيبة (أم زياد): “في الأعوام السابقة على اندلاع الثورة من سيدي بوزيد بدأ مشجعو كرة القدم في مدرجات الملاعب بالهتاف ضد بن على وعائلته المتنفذة واقارب ليلى الطرابلسي”(3). وفي 15 يناير هذا العام 2018 كان بإمكاني أن أتتبع بتونس خيوط علاقة متوترة لا تندمل جراحها بين ألتراس الترجي والشرطة من ضواحي العاصمة وأحيائها الشعبية إلى اقتحام الغاز المسيل للدموع (الكريموجان عند التونسيين) للأبواب والنوافذ الموصدة بوسط العاصمة تونس حيث سكنت، ومعه أصداء اشتباكات بمناسبة تنظيم مباراة بمناسبةالذكرى 99 لتأسيس ناديهم. وكان هذا في اليوم التالي مباشرة للاحتفال بمرور سبع سنوات على الثورة التونسية وبعد نحو أسبوع عاصف من الاحتجاجات الواسعة على غلاء الأسعار والبطالة عمت انحاء البلاد، وأسفرت عن شهيد واحد. ولاشك أن أشياء قريبة مما عايشته في تونس يوم 15 يناير الماضي حدثت و تحدث وستحدث بين ألتراس الأهلى وغير الأهلى في مصر مع السلطة وشرطتها ورموزها. ولاشك أن كرة القدم بتونس ومعها الألتراس محظوظون جدا اذا ما تذكرنا مذبحة استاد بورسعيد 1 فبراير 2012 وضحاياها 72 شهيدا من ألتراس الأهلى ومذبحة استاد الدفاع الجوي 8 فبراير 2015 وشهدائها العشرين من ألتراس  الزمالك. وأيضا إذا لم ننس العديد من شباب الألتراس في مصر المحبوسين وأمام المحاكم خلال السنوات القليلة الماضية.

حقا في البلدين ما يفيد بعد انتفاضة شعبيهما (2010/ 2011) بارتفاع منسوب التوتر مع سلطة طالما سعت هنا وهناك إلى توظيف الكرة وشعبيتها واستثمارها لصالحها. وكذا مع بوليس متهم بأنه متوجس وخائف ومرعوب من الشباب غير المحظوظ و”غير المسنود” بالسلطة والثروة وبخاصة من شباب كرة القدم وبأنه لا يتوقف عن التعامل معهم بلا آدمية. وخلف كل هذا هنا وهناك من يحيل إلى أسباب مجتمعية أبعد مشيرا إلى البطالة والتهميش وإهدار الكرامة ومعها السؤال المؤرق حتى في حالة الانتقال إلى الديمقراطية الأكثر نجاحا في تونس: لماذا لا يقبل الشباب على صندوق الاقتراع بينما يزيد تزاحمهم على مدرجات ملاعب كرة القدم؟.  وأيضا وحتى في تونس ـ التي لم يسقط بها إلا شهيد واحد من الألتراس غرقا أثناء مطاردة الشرطة لمحبي الأفريقي قرب ملعب رادس (1 إبريل 2018) ـ تهدد الحكومة ووزارة الرياضة بوقف المسابقات بين حين  وآخر متعللة “بعنف الملاعب”. وتفرض مرة تلو الأخرى قيودا على دخول الجمهور إليها. كما هو الحال وإن كان على نحو أكبر وأخطر في مصر. وهكذا وفي البلدين يبدو أن السنوات الاخيرة شهدت اتساعا في المسافة بين السلطة وجمهور الكرة الشباب. فتلجأ السلطات هنا وهناك إلى حرمان الجمهور لتضفي على ملاعب كرة القدم كآبة. ولعلها كآبة تستدعي وصف “جاليانو” حين قال في كتابه: “يعرف اللاعبون بدورهم بأن اللعب دون مشجع أشبه بالرقص دون موسيقى”.

يجانب الصواب كل تعميم شوفيني. وهو بالأصل وبالضرورة مغلوط. ولذا فإن اسقاط الاعتراض السياسي من تونسيين على نظام الحكم في مصر ورأسه على نتيجة مباراة 9 نوفمبر يثير الدهشة والعجب. وقد بلغ هذا التعميم والخلط  في بعض تدوينات الفيس بوك اعتبار أن معنى هزيمة الأهلى المصري في ملعب رادس أمام الترجي التونسي وضياع البطولة منه هو أنه “يسقط يسقط حكم العسكر”. هو بحق أمر مثير للدهشة والعجب لأن نتيجة مباراة واحدة في كرة القدم هي بالأصل محصلة عوامل عدة في الملعب وخارجه. وتتصل باعتبارات اللعبة بالأساس. وهو مجانب للصواب لأن العديد من المثقفين التونسيين يعلمون ويقولون ليل نهار: و”من قال أن الثورة عندنا انتصرت ؟”. وبين من فسروا فوز الترجي على الأهلى بثنائية (الثورة/ الانقلاب)من أعلم تماما عدم رضاهم عن مسار التحولات في بلدهم. بل العديد منهم يذهب ساخطا الى حد التعبير ـ ولك كمصري ـ بأن الأوضاع في القاهرة أفضل منها في تونس. بل وإذا صادف و بدر من مصري محتج على حال بلاده شكوى سارعوا باسكاته بالقول:” وهل تونس خير (أي أفضل)”. وهي جملة تفتح الباب لمونولوج طويل لا ينتهى عن فساد الطبقة السياسية وتدهور الإقتصاد والمعيشة والخيبة في صندوق الانتخاب والأحزاب، وحتى من الجمعيات والمجتمع المدني وحرية تعبير ليست محل مقارنة مع ما وصلت اليه مصر. و يدعو إلى مزيد التأمل تجاه كل هذا الاسقاط السياسي  لمعادلة (الثورة و الفوز الكروي/ الانقلاب والهزيمة كرويا) على الأهلي/ مصر والترجي / تونس الكيفية التي استقبل بها طيف واسع من المثقفين التونسيين  للمأساة الملهاة لانتخابات الرئاسة المصرية في ربيع 2018، إلا نفر قليل. حقيقة رأى من عاش بتونس خلال هذه الفترة  تجسيدا لحالة متغلبة من اللامبالاة والإعراض عن الشأن المصري وآلام المصريين. وهذا إلى حد أن الغالبية الساحقة من الأحزاب والشخصيات العامة لم تنطق ببنت شفة. وهذا مع أنها لم تدخر كلمة ولم تفوت فرصة في التعبير عن مواقفها من 30 يونيو/ 3 يوليو 2013. ويكاد سيء الظن أن يفكر في “انتهازية” ما تضرب تلك النخبة التونسية بإسلامييها وليبراليها ويسارييها وقومييها. وسوء الظن ـ وأنا لست معه بالمطلق ـ مفاده حسنا استخدم كل منهم على قياسه ولمصالحه الداخلية الحدث المصري صيف 2013 ووظفه في صراعات الداخل. لكن سرعان ما أخذت الأمور مسارها بتونس. ولم يعد لنا مصلحة فيما يجرى لمصر وللمصريين). وكأن فرقاء القوم أداروا ظهورهم وركبوا القطار وغادروا المحطة. ولم تعد لهم حاجة حتى بالتذاكر فألقوا بها من النوافذ.
يصدق على تونسيين ما يصدق على مصريين من انقسامات وصراعات المصالح التي تضرب بين النخبة والمجتمع حول التغيير والثورة. كما يصدق هنا وهناك تداعيات توالي الاحباط والاخفاق و خيبة الأمل. وثمة من يعتقد ويقول ـ وحتى في تونس ـ بأن الأمور لم تتغير كثيرا عما كانت قبل الانتفاضات. أو هكذا يبدو. وهذا بالطبع يسهم في تفسير حالة “الجوع للفرح العام” ولو بمناسبة كرة قدم. وقد جاء الدور على “المكشخين” بخاصة والتونسيين إجمالا مع نتيجة مباراة 9 نوفمبر. إلا أن هذا الفرح قد لا يخلو من تشف في الخصم الذي هزم الترجي على ملعب رادس في سبتمبر 2017. وفي هذا السياق يمكن أن نقرأ تدوينة أعلم أن كاتبها  بدوره لم يبد من قبل اكتراثا بمعاناة المصريين: “ونادي على الصعيدي وابن اخوك البورسعيدي والشاب الاسكندراني يستنوكم في المطار”.
على الجانبين مصريا وتونسيا هناك تدوينات بالفيس بوك تترفع عن الحماس لكرة القدم وتستنكر وتخشى توظيفها سياسيا من السلطة ورجالها. وكأنها بدورها “أفيون الشعوب”، وبخاصة الشعوب العربية، وإن كان “جالياني” قد سبق وطرح السؤال في عنوان جانبي في كتابه:”أهي أفيون الشعوب؟”. وثمة في تدوينات أصدقاء تونسيين استدعاء بالسخرية ونشوة التجاوز لما كان زمن الدكتاتور بن على من “إهداء الانتصار لصانع تغيير 7 نوفمبر” (4). وفي هذا السياق يتبدى قدر من الرضا عن مغادرة تونس هذا المربع بعد ثورتها. لكن وفي السياق ذاته انتباه وحساسية في تدوينة تسأل: “وهل حضور الشخصيات السياسية المقابلات الرياضية يزيد من شعبيتهم؟”. وواقع الحال أن الأضواء في هذه المباراة تركزت على يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية الذي حضر إلى استاد رادس. وعلما بأنه في مباراة الترجي والأهلى السابقة لم يكن حاضرا، فيما حضر غريمة الآن المدير التنفيذي لحزب نداء تونس “حافظ” نجل الرئيس الباجي قايد السبسي. هذه المرة في مباراة 9 نوفمبر بدا وكأن لم يهدر الفرصة واستثمر بقوة في هذا الحضور وفي انتصار الترجي. وبالفعل استخدم في تصريح لاحق للمباراة مصطلح “الوحدة الوطنية”، وأشاع تفاؤلا عن قدرة التونسيين على الإنجاز وكسب التحدي. وهذا الحضور وعلى هذا النحو بدا وكأنه خصما من رصيد “العائلة الرئاسية” وبعدما أصبح الصراع معلنا ومفتوحا منذ الصيف الماضي بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة. وهاهو يبلغ محطة مهمة مع التعديل الوزاري الذي أعلنه الشاهد قبل أربعة أيام فقط من مباراة الأهلى والترجي، فيما شكا الرئيس السبسي من تجاهل استشارته. وإذا ما وضعنا جانبا مزاجا سائدا بين التونسيين بأن “الكل فوق يلعب لمصالحه الشخصية” وأن الخلافات التي نشبت داخل حزب نداء تونس بين جماعتي حافظ السبسي ويوسف الشاهد لا تدور حول سياسات وبرامج ومناهج بل حول السلطة والمزيد من السلطة، يتعين ألا نتجاهل ما قد لا يلفت اليه العديد من التونسيين المستوعبين في الاصطفاف حول الاستقطابات السياسية نه أنأوأو اليائسين من فساد اللعبة برمتها. فهنا بلد عربي يشهد خروجا ـ ولوعسيرا ومتعثرا ـ عن النظام الرئاسوي وعبادة الحاكم الفرد، ويعيش لحظة تتجلى فيها عملية تحجيم صلاحيات الرئيس في مواجهة رئيس الحكومة وتشديد على كون البرلمان هو الحكم. وهذا مع جملة تشوهات من بينها غياب محكمة دستورية الى الآن. لكن كل هذا لم يمنع، ومع غلبة الشعور بالأزمة السياسية بتونس، من ظهور تدوينة فور انتهاء مباراة الترجي والأهلى تقول:”الظلم منح لاعبي الترجي أجنحة الانتصار .. فمتى يمنح الشعب إرادة للانفجار”.
في زمن الانتفاضات والثورات تنعتش المراجعات. لكن مع إحكام السلطة قبضتها من جديد على المجتمع سرعان ما يجرى استبدال المواطن كأولوية في الواجهة بقداسة الدولة. وسريعا ما يتلاشى الاهتمام بالسعي لتصحيح علاقة مختلة بين السلطة والمجتمع. كما يزيد قرع طبول ما يمكن أن يسمى بـ”الوطنية الشعاراتيه” على غرار  تحيا مصر ” و” فبحيث تحيا تونس” (5). وفي الحالتين المصرية والتونسية معا جرى استدعاء “الدولة الوطنية” و”البورقيبية” و”الناصرية” و”جيشنا” لصرف “عفريت الاسلاميين” وإبعادهم عن الحكم. وتختلف السياقات والتوظيفات وحدة الصراعات هنا وهناك، لكن كرة القدم تعود لتلعب دورها كأداة للتعبئة حول هكذا “وطنية”.  وهذا ما تؤكده العديد من التعبيرات الإعلامية وتدوينات الفيس بوك حول مباراة الأهلى والترجي. لكن كل هذا لا يجب ألا يعمي الأعين عن أمور لافتة جرت وتجرى في  تونس يصعب تصور مثيل لها في مصر 2018. ففي مواجهة حملة “التجييش” على خلفية شوفينية ضد الأهلى والمشجعين المصريين المصاحبين لفريق كرة القدم، أصدرت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) نداءا صباح يوم المباراة  لكافة القنوات التفزيونية والإذاعية بتونس كي تلتزم بالقوانين والقواعد المهنية والاخلاقية في تغطيتها وحذرت من أنها رصدت خطابات تحريض وكراهية في برامج سمعية وبصرية. وكانت الهيئة ذاتها قد أثبتت قدرة ما في ردع هذه الخطابات في مناسبات عدة وباستخدام ما لها من صلاحيات عقابية وردعية. والمهم هنا أن تونس تشهد صراعا حول قوة وصلاحيات هيئة دائمة جديدة مستقلة للإعلام السمعي والبصري في مواجهة سعي قوى داخل السلطة السياسية وبين رجال الأعمال والبزنيس لإعادة السيطرة على ما يسمى بالإعلام العمومي، وكذا لتأمين انتهاكات قنوات واذاعات رجال الأعمال لحقوق الجمهور ولأخلاقيات مهنة الصحافة واستقوائها بعلاقات مع السلطة. وعلى أي حال، فإن الهيئات المستقلة العديدة التي تشكلت بعد الثورة التونسية وميزت مسار مرحلة الانتقال تستند الى القوة النسبية للمجتمع المدني وتنظيماته مقارنة بالمحيط العربي.
أمران آخران يستحقان النقاش. وربما كادا أن يضيعا في ضجة “الأفراح الوطنية” للتونسيين وفي “الفخار الوطني” بأن المدير الفني للترجي “معين الشعباني” من أبناء البلد (مدرب وطني) وليس أجنبيا كما هو حال الأهلى المصري.  فالشعباني شاب عمره نحو 38 سنة. كما أنه من أبناء المناطق المهمشة الأقل حظا في التنمية والثروة والسلطة. أباه من ولاية “القصرين” بالوسط الغربي لتونس حيث قدم أهلها أكبر عدد من شهداء الثورة وأمه من ولاية “باجة” الريفية إلى الشمال الغربي. ويمكن أن نضيف إلى هذا أن صاحب الهدفين الأول والثاني اللاعب “سعد بجير” هو من ولاية “تطاوين” بأقصى الجنوب والتي اجتذبت أضواء الإعلام المحلي التونسي والعالمي عام 2017 باعتصام شبابها في صحراء الكامور على مقربة من مصادر البترول طلبا للحق في العمل والثروة.  ولعل في هذا وذاك ما يستدعى للأذهان ما تجرأ الأدب التونسي بعد الثورة من طرحه ولم تعرفه مصر بعد على ما أظن. وأقصد رواية “باغندا” لشكري المبخوت التي استقصت حياة نجم كروي من الأحياء الفقيرة وموته الغامض بينما كان نظام الاحتراف في كرة القدم آخذ في التشكل بتونس. وهناك الكثير من المسكوت عنه بشأن هذا النظام الكروي الملطخ بسوءات الرأسمالية المتوحشة على الرغم من انجازاته ومن خلال الرواية المستمدة من حياة اللاعب التونسي الملقب بـ”الجوهرة السوداء”. لكن وكما قال صديق وباحث في الانثربولوجيا ومن سكان سيدي بوزيد (6) في تدوينة على صفحته بالفيس بوك: “أجمل ما في تونس سبعتاش ( يقصد ثورة 17 ديسمبر 2010 بانحيازات أهل الجنوب والداخل لتقويمهم) هو تقلص مساحات الخوف في نفوس المحكومين على حساب توسعها في نفوس اللصوص. شعوب تقاوم مهما توهم الطغاة ترويضها”..  أو هكذا يظن.
أمر آخر بدا غائبا أو غير ظاهر في تدوينات للتونسيين والمصريين. فقد كان من المتوقع إسناد فوز الترجي على الأهلى وتعزيزه بقيم وثقافة النفور من الاحتكار، وذلك في بلدين شهدا تحديا لاحتكار الحاكم السلطة شبه المطلقة والاستئثار بها سنوات طوال (30 سنة في حالة مبارك و23 عند بن على). وحقيقة  بحثت عبثا ودون طائل في التدوينات التي توفرت عندي على ما يفيد بالتقاط قيمة تحدي احتكار البطولات حيث فاز الأهلى بدوري أبطال إفريقيا ثمان مرات فيما كان حظ منافسه التونسي مرتين فقط قبل أن يخوضا مباراة 9 نوفمبر. وهذا مع كون الترجي ينظر إليه من خصومه أنصار الأفريقي وكذا النجم الساحلي وغيرهما بأنه أيضا في وضع المحتكر للبطولات المحلية بتونس. وأخشى أن يكون لهذا الغياب ـ أو بحذر لنقل الحضور الهامشي ـ دلالاته التي تمتد الى الثقافة السياسية في كلا البلدين.
كانت هناك مخاوف أن تسفر المباراة عن تكرار لسيناريو العنف والتحريض العنصري الشوفيني القبيح بين مصريين وجزائريين على نحو يعيد انتاج أزمة مباراة أم درمان نوفمبر 2009. و حسنا أن مرت الأمور في ملعب رادس وتونس بسلام. لكن بقاء شبح ماجرى بين مصر والجزائر معلقا على هكذا مباريات بين فرق شمال أفريقيا يستدعى مزيد الوعي والانتباه للتوظيفات الرديئة لرياضة كرة القدم .

وعلى أي حال مبروك للترجي و”هارد لك” للأهلى .

___________________________________________

(1)  سألت الصديق الدكتور ماجد الجبالي دارس واستاذ اللغة الاسبانية ورئيس ومؤسس أول قسم للغة البرتغالية في مصر (بجامعة أسوان)، فأبلغني مشكورا بأن أصل تسميتها هو “كليلة دي لاكوستا” وبأنها تقع على أطراف مدينة برشلونة ويقال بأن الرومان أسسوها في شبه الجزيرة إيبيريا في القرن الأول الميلادي واشتهرت منذ القدم بأنها بلدة للصيادين.

(2) مفردها “مكشخ” .وفي العامية التونسية تعني الضاحك أو المسرور كناية عن توالى انتصارات فريقه.

(3) رواية “أم زياد” وثقتها في كتاب “سيدي بوزيد: حكاية ثورة يرويها أهلها” ، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ، ص 32.

(4) المقصود في تونس انقلاب رئيس الحكومة ووزير الداخلية زين العابدين بن على ضد الرئيس الحبيب بورقيبة في 7 نوفمبر 1987.

(5) على  التوالي، شعارا الحملتين الانتخابيتين للرئاسة لكل من عبد الفتاح السيسي في مصر والباجي قايد السبسي في تونس.

(6) الأستاذ الأمين البوعزيزي أحد الروايين الشفويين لمجريات الثورة التونسية بسيدي بوزيد في كتاب: “سيدي بوزيد: حكاية ثورة يرويها أهلها “.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي