فرصة لاستعادة الشعبوية

قراءات, قضايا

15  نوفمبر  2018

بعيد الظهيرة من يوم الأحد 21 تشرين الأول الماضي “أيام قليلة قبل حلول موعد تجديد الاتفاقية التلقائي”، يخرج الملك عبر تغريدة على موقع تويتر (منصة تواصل اجتماعي)، معلنا إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام، ومؤكدا على أن الباقورة والغمر لطالما كانت على رأس أولوياتنا بحسب تعبير الملك، الذي أنهى العمل بالملاحق الخاصة بالمنطقتين “انطلاقا من حرصنا على اتخاذ كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين.”
خطوة الملك التي فاجأت الكثيرين جاءت بعد الكثير من التقارب مع الكيان الصهيوني في عهده، عبر مشاريع اقتصادية متعددة تمثل الطور التنفيذي لبنود اتفاقية وادي عربة، ولكنها تأتي بعد إهانات عديدة وجهها اليمين المتطرف الحاكم في “اسرائيل” للأردن، على غرار حادثة استشهاد القاضي زعيتر ومن بعدها نقل السفارة الأمريكية الى القدس، فيما شكل استقبال رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو لقاتل الأردنيين في حادثة سفارة الكيان في الأردن، إهانة بالغة للأردن الذي تعاون كثيرا في القضية التي تدخل فيها الملك شخصيا محاولا حلها، ليفاجأ بوقاحة نتنياهو منقطعة النظير.
اسقاط حكومة الملقي والغليان الذي يعيشه الشارع الأردني، الذي تجاوز إلى حد بعيد نهج الحكومات المتعاقبة نحو اعادة تقييم لنهج النظام السياسي الذي يقوده الملك، ساهمت في تراجع شعبية الملك وظهور مطالبات واضحة له بتغيير نهج الحكم وبالتالي العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع الأردني “العقد الاجتماعي”، ليلتقط الملك فرصة قرب موعد تجديد العمل بملاحق الباقورة والغمر ويبادر إلى استغلالها أملا في استعادة شعبيته بعد عقد من التقهقر.
لكن لنعد قليلا إلى الوراء ونراجع كيفية التخلي عن السيادة على المنطقتين لفائدة الكيان الصهيوني، لقد قدم النظام السياسي ممثلا في الملك الحسين ونخبة وادي عربة الباقورة والغمر على طبق للكيان، مخفين القضية برمتها عن الشعب الأردني وممثليه “لم تعرض الملاحق على مجلس النواب الذي أقر وادي عربة..عرضت على لجنته القانونية فقط”، مخالفين المادة الأولى من الدستور التي تحرّم التنازل عن الأرض الأردنية، ودون حتى وجود أدنى مسوغات “قانونية” استدعت التنازل في ظل عدم وجود ما يثبت ملكيات أو ما شابهها لفائدة الكيان، الذي يهيمن على المنطقتين منذ 24 عاما كدولة وليس كمواطنين يهود كما ظل يردد المجالي!
الحركة الوطنية الأردنية..انبعاث جديد
انطلق نضال الحركة الوطنية الأردنية مثلما انبعثت أفكارها الراسخة بالتزامن مع انطلاق الحركة الصهيونية، ولكنه تزامن ينطلق من موقف التضاد التام مع المصالح والأطماع الصهيونية في الوطن العربي عموما وفي الأردن وفلسطين خصوصا، وعليه فقد شكلت نضالات الحركة الوطنية الأردنية ضد هذه الأطماع أحد أهم عوامل نضجها واشتداد عودها، قبل سحقها من قبل النظام السياسي بالتعاون مع المصالح الغربية المدافعة عن الكيان الصهيوني بعيد انشاءه، لتتقهقر هذه الحركة وترضخ لحكم القوة الذي أنهكها ولكنه لم ينه قيمها وأفكارها التي قامت وتأسست بناء عليها.
بعد حراك شعبي أسهم ضعف تأطيره في هزيمة ساحقة تلقاها على يد النظام السياسي الحاكم ابان الربيع العربي، ساهم بث الخطاب الجذري للحركة الوطنية الأردنية في ما يسمى بأحداث الرابع، عبر توجيه الاتهام مباشرة “خصوصا في المحافظات” للتحالف الطبقي النخبوي الحاكم (الكمبرادور) ولارتباطاته مع المؤسسات الامبريالية كصندوق النقد وغيره، ساهم بث هذا الخطاب في بعث بارقة أمل بامكانية استعادة الحركة الوطنية الأردنية ألقها وخروجها من التوظيف الهوياتي البحت لخطابها.
لم تبادر القوى الوطنية التقليدية لقيادة الحملة لاستعادة الباقورة والغمر من براثن العدو الصهيوني، حتى أن بعضها رفض التعاون في الجهود المشتركة لاستعادتها “التيار الوطني الشوفيني”، مما حتم على طلائع الحركة الوطنية الإمساك بزمام المبادرة، عبر بث خطاب الحركة المناهض للأطماع والهيمنة الصهيونية على المنطقتين، مع محاولة جذب أنظار الشارع الأرني نحو مسألة تخص السيادة الوطنية الأردنية، وخلق موقف شعبي موحد بالتالي حول القضية لا مطلب له سوى الاستعادة الكاملة للأرض والسيادة في الباقورة والغمر.
نجاح الحركة الوطنية في قيادة النضال الخاص باستعادة الباقورة والغمر، ينذر بمرحلة جديدة من النضال الوطني يعود صوب قواعده الجذرية، بعيدا عن التحركات النخبوية أو الاستعراضية التي اعتادت القوى التقليدية القيام بها “ضمن نطاق وقواعد النظام السياسي المهيمن”، والحركة الوطنية هنا تطرح مشروعا لا بد له من بلورة فعلية مستندة إلى تنظير وازن يرتفع بمستوى العمل الوطني، ويمكنه من أن يكون مشروعا وطنيا أردنيا متماسكا وعلى قدر من النضج يتناسب مع الحقبة الصعبة التي يعيشها البلد.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة