برامج جسورة لليسار الراديكالي

قضايا

08  نوفمبر  2018

((كُتِب النص التالي في أعقاب نقاش بيني وبين مجموعة من الزملاء في حزب “فرنسا التي لا تنصاع” بقيادة ميلانشو. وإذا كانت الاقتراحات التالية تنبثق من الواقع الفرنسي، إلا أن المبادئ التي تقوم عليها هذه الاقتراحات تنطبق على جميع المجتمعات الصناعية المتقدمة (أوربا، روسيا، الصين، أمريكا الشمالية، الهند، البرازيل..) بل تنطبق أيضًا على المجتمعات الأقل تقدمًا التي لم تدخل بعد عصر التصنيع الحديث مثل مصر، شرط أن تُترجَم هذه الخطة في برنامج عاجل لإقامة منظومة إنتاجية صناعية بالمعنى الصحيح للكلمة))

أنظم المقترحات التالية في ثلاثة عناوين رئيسية: (1) السيطرة المجتمعية على الملكيات الاحتكارية، (2) إنهاء الطابع المالي في إدارة الاقتصاد، (3) إنهاء عولمة العلاقات الدولية.

السيطرة المجتمعية على الملكيات الاحتكارية

تتطلب فعالية الاستجابة البديلة بالضرورة وضع مبدأ الملكية الخاصة لرأس المال الاحتكاري موضع السؤال.

فاقتراح “تنظيم” العمليات المالية، والعودة إلى “شفافية” الأسواق بما يسمح لتوقعات الوسطاء بأن تكون “منطقية”، واعتبار وجود توافق حول هذه الإصلاحات دون القضاء على الملكية الخاصة للاحتكارات.. كلها لا تعدو أن تكون ذرًا للرماد في عيون المواطنين البسطاء. حيث يُطلب من الاحتكارات أن “تدير” الإصلاحات ضد مصالحها الخاصة، في تجاهل لحقيقة أن هذه الاحتكارات تحتفظ بألف طريقة وطريقة لإبطال أهداف تلك الإصلاحات.

وينبغي على المشروع الاجتماعي البديل أن يناقض تمامًا اتجاه النظام الاجتماعي (بالأحرى: اللانظام الاجتماعي) القائم الذي أنتجته استراتيجيات الاحتكارات، وأن يضمن الحد الأقصى من التوظيف واستقراره، والأجور المعقولة التي تنمو بالتوازي مع إنتاجية العمل الاجتماعي. وهي أهداف من المستحيل أن تتحقق بدون نزع سلطة الاحتكارات. كما يجب إعادة بناء “برمجة النظريات الاقتصادية” (حسب تعبير فرانسوا مورين). فالنظرية الاقتصادية السخيفة والمستحيلة عن “التوقعات” تستبعد الديمقراطية من إدارة صنع القرار الاقتصادي. وتتطلب الجرأة في هذا الصدد إصلاحًا جذريًا في التعليم لإعداد ليس الاقتصاديين وحدهم وإنما جميع من سيشغلون مواقع في الإدارة.

والاحتكارات كيانات مؤسسية يجب أن تدار وفق مبادئ الديمقراطية وفي صراع مباشر مع من يقدسون الملكية الخاصة. ورغم أن مصطلح “المشترَكات/ العموم” commons المستورد من العالم الأنجلوسكسوني مصطلح ملتبس بسبب فصله دائمًا عن الجدل حول معنى الصراعات الاجتماعية (تتجاهل اللغة الأنجلوسكسونية عن عمد واقع الطبقات الاجتماعية) فإنه من الممكن استخدامه على وجه خاص لاعتبار الاحتكارات جزءًا من المشتركات. وتتم تصفية الملكية الخاصة للاحتكارات عن طريق التأميم. وهذا هو أول الأعمال المشروعة المتاحة. لكن الجسارة هنا تعني الذهاب إلى ما هو أبعد من هذه الخطوة، باقتراح الخطط اللازمة لفرض السيطرة المجتمعية على إدارة الاحتكارات المؤممة وتشجيع النضالات الاجتماعية الديمقراطية المنخرطة في هذا الطريق الطويل. وأقدم هنا مثالاً ملموسًا لما يمكن أن تتضمنه خطط فرض السيطرة المجتمعية.

ويُعتبر الفلاحون “الرأسماليون” (في البلدان المتقدمة صناعيًا) مثل فلاحي البلدان النامية (فيالجنوبأساسًا) أسرى لكل من الاحتكارات الكبرى التي تقدم المدخلات والائتمان، والاحتكارات الأقل مرتبة التي تعتمد عليها الأولى في معالجة ونقل وتسويق منتجاتها. لذلك هي مستقلة استقلالاً حقيقيًا في “قراراتها”. وبالإضافة إلى مكاسب الإنتاجية التي تضخها للاحتكارات، فإنها تختزل المنتجين إلى وضعية “مولي الباطن”.

فما هو البديل الممكن؟

يجب أن تحل محل الاحتكارات مؤسسات عامة عاملة داخل إطار شرعي يحدد نمط الحوكمة. ويمكن أن تتشكل هذه المؤسسات من ممثلي: (1) الفلاحين (المصالح الرئيسية)؛ (2) الوحدات العليا (مصنعي المدخلات، المصارف) والوحدات الأدنى (الصناعات الغذائية، سلاسل البيع بالتجزئة)؛ (3) المستهلكين؛ (4) السلطات المحلية (المعنية بالبيئتين الطبيعية والاجتماعية- المدارس، المستشفيات، التخطيط الحضري والإسكان، النقل)؛ (5) والدولة (المواطنون).

ويتم اختيار ممثلي هذه المكونات ذاتيًا وفق إجراءات تتسق ونمط إدارتها المتخصصة، مثل وحدات إنتاج المدخلات التي تُدار هي نفسها بإدارات عمالية موظفة بواسطة تلك الوحدات، إلى جانب أولئك الموظفين بواسطة وحدات مقاولة البطن وما إلى ذلك. ويجب تصميم هذه الهياكل وفق صيغ تربط بين المشتغلين بالإدارة في كل تلك المستويات، مثل المراكز البحثية المعنية بالتكنولوجيا العلمية والمستقلة والملائمة. ومن الممكن حتى تصور تمثيل مقدمي الرأسمال (صغار المساهمين) الموروث من التأميم، إن كان هذا مفيدًا.

ويؤدي الإجراء المقترح إلى تصفية موضع السلطة التي تستغلالاحتكاراتالعمال ومقاولي الباطن من خلالها، باستخدام الهياكل السعرية المفروضة عليهم. وبديلاً عن ذلك يجب أن تتأسس سلطة قائمة على التضامن الاجتماعي، وأسعار عادلة حقًا تقوم على أساس معدلات الربح المتساوية لكل المشروعات. ويؤدي هذا إلى السماح بتنمية مختلفة، أكثر كفاءة وعقلانية حيث تجيب على الخيارات الجماعية للمجتمع، وتضع كل المنظومة الإنتاجية على طريق التقدم، وتدرأ كل التأثيرات التدميرية التي تتصف بها الرأسمالية الاحتكارية.

هذا نموذج لرأسمالية الدولة مصمَّم ليكون منفتحًا على التطور بطرق يحكمها منظور اشتراكي: ويجب النظر إليه كشكل لـ “اشتراكية السوق” المطلوبة في المرحلة الحالية. ومن الواضح أن هذا التدبير يقتضي القضاء على مبدأ ضرورة تعظيم قيمة الأسهم لأصى حد، وهو المبدأ الذي يشكل أساس الأمولة التي تخدم مصالح الاحتكارات المعممة وحدها.

لذلك نتحدث عن المقاربات المؤسسية الأكثر تركيبًا من أشكال “الإدارة الذاتية”، أو الأكثر “تعاونية” مما عرفنا. ويجب ابتكار طرق في العمل تسمح بممارسة ديمقراطية حقيقية في إدارة الاقتصاد، تقوم على التفاوض العلني بين الأطراف ذات المصلحة. وهناك حاجة إلى صيغة تربط بشكل نظامي بين دمقرطة المجتمع والتقدم الاجتماعي، وذلك على النقيض من واقع الرأسمالية التي تفصل الديمقراطية- المختزلة في الإدارة الشكلية للسياسة- عن الشروط الاجتماعية التي يتم التخلي عنها لصالح “السوق” التي يسيطر عليها رأس المال الاحتكاري. عندئذ فقط يمكننا الحديث عن شفافية حقيقية للأسواق التي يتم تنظيمها بأشكال مؤسسية للإدارة المجتمعية.

وقد يبدو المثال هامشيًا في البلدان الرأسمالية المصنَّعة حيث يشكل الفلاحون نسبة ضئيلة من السكان العاملين (3-7%). غير أن هذه المسألة تعتبر أساسية بالنسبة للجنوب حيث سيظل سكان الريفيون يشكلون نسبة كبيرة لبعض الزمن. ومن فإن ضمان حق النفاذ إلى الأرض للجميع (بأقل قدر من التفاوت) يعتبر أساسيًا لمبادئ الزراعة الفلاحية المتقدمة (أشير هنا إلى أعمالي السابقة في هذه المسألة). ويجب ألا تُفهَم “الزراعة الفلاحية” على أنها مرادف “للزراعة الجامدة” أو “التقليدية والفلكلورية”. فالتقدم الضروري للزراعة الفلاحية يتطلب بالفعل بعض “التحديث”، وإن كان هذا المصطلح مغلوطا لأنه يفترض على الفور أن يجري كثير من التحديث بواسطة الرأسمالية. فالمدخلات والائتمان والإنتاج وسلاسل العرض الأكثر فعالية ضرورية جميعًا لتحسين إنتاجية العمل الفلاحي. وتتفي الصيغ المطروحة هنا الهدف الخاص بتمكين هذا التحديث بطرق وروح “غير رأسمالية”، أي تتم بمنظور اشتراكي.

ومن الواضح أن النموذج الخاص المختار هنا هو ذلك الذي يجب أن يكون مؤسسيًا. وينبغي النظر بنفس الروح للتأميم/ فرض السيطرة المجتمعية على إدارة الاحتكارات في قطاعات الصناعة والنقل والمؤسسات المالية الأخرى، مع الأخذ في الحسبان خصائص وظائفها الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في الوثائق الملزمة لإداراتها. ومرة أخرى نؤكد ضرورة أن تضم هذه الإدارات عمال الشركة إلى جانب مقاولي الباطن وممثلي الصناعات الموردة والمصارف والمؤسسات البحثية والمستهلكين والمواطنين.

يتعامل التأميم/ فرض السيطرة المجتمعية على الاحتكارات مع حاجة جوهرية في المحور الرئيسي للتحدي الذي يواجه العمال والشعب في ظل الرأسمالية المعاصرة للاحتكارات المعممة. وهذه هي الطريقة الوحيدة لإيقاف التراكم من خلال انتزاع الثروة الذي يقود إدارة الاحتكارات للاقتصاد. وفي الحقيقة أن التراكم الذي تضطلع به الاحتكارات لا يمكن أن يعيد إنتاج نفسه إلا من خلال التوسيع المتواصل للمجال الخاضع لـ “إدارة السوق”. وهو ما يتحقق بالخصخصة الواسعة للخدمات العامة (نزع الملكية من المواطنين) والنفاذ إل الموارد الطبيعية (نزع الملكية من الشعوب). بل إن استخلاص الاحتكارات للأرباح من الوحدات الاقتصادية “المستقلة” هو نوع من نزع ملكية رأسمالية لصالح الطغمة المالية.

وربما يمكن تلخيص التحدي الذي سوف يواجهنا بمجرد الشروع في الطري الطويل نحو الشيوعية فيما يلي: كيف يمكننا فرض الصبغة المجتمعية على “الإنتاج كبير الحجم” الذي يشمل الكثير من تعاونيات العمل الاجتماعي (وهي نفسها كبيرة أيضًا) وهي الكيانات التي تتفاعل أيضًا فيما بينها على المستويات المحلية والقومية والعالمية؟ في رأيي أن هناك شيئًا واحدًا مؤكد، وهو أن التاريخ لا يرتد إلى الوراء. ولا يمكننا ببساطة تَخيّل أن إنتاج الحرفيين الأفراد والتعاونيات المحلية الصغيرة يمكن أن يحل محل العمليات الإنتاجية كبيرة الحجم، والتي تعتبر الأساس للنشر الكامل للقدرات العلمية والتكنولوجية المنحدرة من مبادرات الرأسمالية، حتى وإن كانت بسيطة. ويحاول الافتراض الذي قدمته على سبيل المثال الإجابة عن ذلك السؤال الرئيسي. أما رفض هذا الفرض بدعوى أنه ينطوي على تعريف لاستراتيجية سياسية يطبقها “حزب” (أو مجموعة أحزاب ومنظمات اجتماعية) فينزلق إلى الاعتقاد بأن العفوية وحدها يمكن أن تنجز كل ما هو مطلوب.

والآن كيف نمضي قدمًا؟ إن الاشتراكية ليست شكلاً محسنًا من الرأسمالية. وقد طرحت هذه الرؤية في كتاباتي كما يلي: الاشتراكية ليست “رأسمالية بدون رأسماليين”، إنما هي مستوى أعلى في الحضارة. والأهداف الأكيدة للفكر الثوري (الماركسي، حسب فهمي لهذا المصطلح) تتمثل في استئصال كل أصناف القهر الناجمة عن الاستغلال، وكذلك كل أنواع الاغتراب المتضمنة في أعمالها، والقضاء على العمل المأجور والآلية السعرية. لكنني ما زلت مقتنعًا بأنها أهداف طويلة الأجل وع ذلك لا يمكن الاستغناء عنها ونحن نحدد أهدافنا الاستراتيجية المباشرة.

ود احترمت عند وضع المقترحات حاجتنا إلى الانطلاق من أوضاعنا الحالية، وبخاصة من الأشكال الراهنة للإنتاج الكبير. وهناك غاية واحدة للأساليب المقترحة لإعادة التنظيم الاجتماعية: القضاء على سيطرة رأس المال (الاحتكارات المعممة) على كل أشكال الإنتاج، لتحل محلها أشكال الحوكمة القائمة على الديمقراطية والرابطة محل التفاوض بين الشركاء في التسيم الموسع للعمل في العصر الحديث.

إن التأميم/ فرض السيطرة المجتمعية على الاحتكارات يمثل إجابتنا على المتطلبات الرئيسية التي تشكل المحور المركزي للتحدي الذي يواجه العمال والشعوب في ظل الرأسمالية الاحتكارية- المعممة المعاصرة. فهو وحده الذي يجعل من الممكن إنهاء عملية التراكم بنزع الثروة التي يمليها منطق السيطرة الاقتصادية للاحتكارات. ولا تسعى هذه الصيغة إلى تحديد تركيب عضوي للمجتمع الشيوعي المقبل. إنما هي ببساطة استجابة للتحدي المباشر بالإفلات من الرأسمالية من خلال تدشين مرحلة أولى في الانتقال الاشتراكي طويل الأمد. وتنشأ هذه الاشتراكية بالكاد “من رحم الرأسمالية”- كما قال ماركس- وستحمل صيغتها علامات مولدها. ولكنها لما كانت مبنية على تصفية ملكية الاحتكارات الرأسمالية، فإنها تعني- بالنسبة لي- تقدمًا ثوريًا يعمل من خلال الحوارات الديمقراطية على تمهيد الأرض للمزيد من التقدمات على الطريق الطويل صوب الشيوعية.

إنهاء الأمولة: عالم بدون وول ستريت

سيؤدي التأميم/ فرض السيطرة المجتمعية على الاحتكارات في حد ذاته إلى إلغاء مبدأ “قيمة المساهم” الذي تفرضه استراتيجية التراكم الخادمة للريوع الاحتكارية. ويعتبر هذا الهدف ضروريًا لأية أجندة تسعى للإفلات من الروتين الذي يشوب إدارة الاقتصاد اليوم. إذ يؤدي تطبيقه إلى سحب البساط من تحت أقدام أمولة السيطرة الاقتصادية. فهل نحن بصدد العودة إلى مقولة كينز الذائعة في وقته عن “القتل الرحيم للريعي”؟ ليس بالضرورة، ومن المؤكد ليس بالكامل. فيمكن تشجيع المدخرات بالحافز المالي، ولكن بشرط التحديد الدقيق لمنشئها (المدخرات العائلية للعمال ورجال الأعمال والجماعات) وشروط اكتسابها. ويخفي خطاب النظرية الاقتصادية التقليدية بشأن مدخرات الاقتصاد الكلي تنظيم نفاذ الاحتكارات الحصري إلى الأسواق الرأسمالية. ولا يعدو ما يسمى التعويض الذي تقوده السوق أن يكون أكثر من وسيلة لضمان نمو الريوع الاحتكارية.

ومن الطبيعي للتأميم/ فرض السيطرة المجتمعية على الاحتكارات أنينطبق أيضًاعلىالمصارف، الكبرى منها على الأقل. ولكن فرض السيطرة المجتمعية على تدخلاتها (السياسات الائتمانية) له سماته الخاصة التي تتطلب تصميمًا مناسبًا لتكوين إداراتها. ويقتضي التأميم بمعناه الكلاسيكي فحسب إحلال الدولة محل مجالس الإدارة التي يشكلها المساهمون الخواص. ويسمح هذا مبدئيًا بتطبيق سياسات الائتمان المصرفي التي تصوغها الدولة، وهو ليس بالأمر القليل. ولكن من المؤكد أنه غير كافٍ بالنظر إلى أن فرض السيطرة المجتمعية يتطلب المشاركة المباشرة للشركاء الاجتماعيين المناسبين في إدارة المصرف. وهنا لن يكون مناسبًا “الإدارة الذاتية” للمصرف بواسطة موظفيه. ويجب أن يُعنَى هؤلاء بالقرارات الخاصة بظروف عملهم ولكنهم لا يكونون في وضع يسمح لهم بتحديد السياسات الائتمانية التي يجب تطبيقها.

وإذا كان من واجب الإدارات التعامل مع تضارب المصالح بين من يقدمون القروض (المصارف) ومن يحصلون عليها (المشروعات) فيجب على صيغة تشكيل الإدارات أن تأخذ في الحسبان نوعية المشروعات واحتياجاتها: إعادة هيكلة المنظومة المصرفية التي أصبحت مركزية بشكل واضح حيث تم التخلي في العقود الأربعة الأخيرة عن الأطر التنظيمية لقرنين قبلها. وهناك رأي قوي يبرر إعادة بناء التخصص المصرفي طبقًا لاحتياجات طالبي الائتمان ووظيفتهم الاقتصادية (توفير السيولة صيرة الأجل، المساهمة في تمويل الاستثمارات في الأجلين المتوسط والطويل). فيمكننا مثلاً إنشاء “بنك زراعي” (أو مجموعة منسة من البنوك الزراعية) لا يقتصر عملاؤه على الفلاحين والمزارعين، وإنما يشملون أيضًا الوحدات الزراعية العليا والدنيا سابقة الذكر. وقد تضم إدارة البنك “مصرفيين” (كبار المسئولين الفنيين في البنك والذين تعيّنهم الإدارة) وعملاء (مزارعين وفلاحين وكيانات زراعية).

بالإمكان تصور مجموعات أخرى من المنظومات المصرفية المناسبة لقطاعات صناعية مختلفة، على أن تشمل إداراتها: عملاء صناعيين، مراكز بحثية وتكنولوجية وخدمات تضمن التحكم في الأثر البيئي للصناعة، ومن ثم تقليل المخاطر لأدنى حد (مع الإقرار بأنه لا يوجد نشاط إنساني خالٍ من المخاطر تمامًا) وإتاحة الجدل الديمقراطي الشفاف.

كما يتطلب إنهاء أمولة الإدارة الاقتصادية مجموعتين من التشريعات. تتعلق الأولى بسلطة الدولة ذات السيادة في حظر عمليات صناديق المضاربات (صناديق التحوط) على أراضيها. وتتعلق الثانية بصناديق التقاعد التي تعتبر الآن من المشغلين الرئيسيين لأمولة النظام الاقتصادي. فقد صُممت تلك الصناديق في الولايات المتحدة أولاً، وبالطبع كي تنقل إلى العاملين المخاطر التي يتسبب فيها رأس المال، وهي ذات المخاطر المستخدمة لتبرير تعويض رأس المال! وهو تدبير فضائحي يتناقض بوضوح حتى مع الدفاع الأيديولوجي عن الرأسمالية. لكن هذا “الاختراع” يعتبر أداة مثالية لاستراتيجيات التراكم الي تسيطر عليه الاحتكارات.

ويعتبر إلغاء صناديق التقاعد ضروريًا لصالح نظم تقاعد توزيعية تتطلب وتسمح بطبيعتها بالجدل الديمقراطي بشأن تحديد الكميات وفترات التقييم والعلاقة بين كميات المعاشات والتعويض المدفوع. وتكون نظم التقاعد هذه متاحة لجميع العاملين في الديمقراطيات التي تحترم الحقوق الاجتماعية. ومع ذلك يجب عدم منع جماعة من الأفراد من تحقيق رغبتهم بأن ينشئوا عند الحاجة صناديق تقاعد مكملة.

وتقود كل إجراءات إنهاء الأمولة المقترحة هنا إلى نتيجة واضحة: من الممكن والمرغوب الوصول إلى “عالم بدون وول ستريت”، ونستعير هذا التعبير من كتاب فرانسوا مورين. وفي عالم بدون وول ستريت يظل الاقتصاد محكومًا إلى حد كبير بواسطة “السوق”. ولكن هذه الأسواق تصبح لأول مرة شفافة بحق وينظمها التفاوض الديمقراطي بين الشركاء الاجتماعيين الحقيقيين (ولأول مرة يصبح هؤلاء غير متناحرين مثلما كان الحال بالضرورة في ظل الرأسمالية). فما تتم تصفيته هي “السوق” المالية المعتمة بطبيعتها والخاضعة لاحتياجات الإدارة لصالح الاحتكارات. وبالإمكان التحقق مما إذا كان من المفيد أم لا إغلاق البورصات بصور مختلفة، آخذين بالاعتبار حقوق الملكية الخاصة أم الاجتماعية. بل يمكننا النظر حتى فيما إذا كان إعادة تأسيس البورصات بما يخدم الغاية الجديدة. غير أن الرمز الخاص بـ “عالم بدون وول ستريت” يجب أن يحتفظ بقوته.

ومن المؤكد أن إنهاء الأمولة لا يعني القضاء على سياسات الاقتصاد الكلي، وبالأخص الإدارة القومية للائتمان. بل على العكس تستعيد كفاءتها بالتحرر من الخضوع للاستراتيجيات الاحتكارية الساعية للريع. وبالنسبة لاستعادة سلطات البنوك المركزية الوطنية، التي لم تعد “مستقلة” وإنما تابعة لكل من الدولة والأسواق، وتنظيمها بالتفاوض الديمقراطي بين الشركاء الاجتماعيين، فإنه يضفي الفعالية على سياسة الائتمان على المستوى الوطني، وبما يخدم إدارة الاقتصاد وفق السيطرة المجتمعية.

فك الارتباط على المستوى الدولي

أستخدم هنا مطلح “فك الارتباط” الذي اقترحته منذ نصف قرن، وهو المصطلح الذي يبدو أن الخطاب المعاصر قد أحل محله مصطلح “إنهاء العولمة”. إنني لم أتصور فك الارتباط قط بمعنى الانغلاق على الذات، وإنما كرد فعل استراتيجي في مواجهة كل من القوى الداخلية والخارجية، وكاستجابة للمتطلبات التي لا يمكن تجنبها للتنمية المحددة ذاتيًا. ويدعو فك الارتباط إلى إعادة بناء عولمة مبنية على التفاوض، وليس الاستسلام حصرًا لمصالح الاحتكارات الإمبريالية. كما يجعل من الممكن تقليل اللامساواة الدولية.

وفك الارتباط ضروري لأن الإجراءات المذكورة في القسمين السابقين لا يمكن أن يتم تطبيقها أبدًا على نطاق دولي، أو حتى على مستوى إقليمي (أوربا مثلاً). فلا يمكن مباشرتها في سياق الدول/ البلدان إلا بنضالات اجتماعية وسياسية جذرية ملتزمة بعملية فرض السيطرة المجتمعية على إدارة الاقتصاد. وقد خلقت الإمبريالية- بالشكل الذي اتخذته حتى بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة- التناقض بين المراكز الإمبريالية المصنَّعة والأطراف المسيطَر عليها والتي يحظر عليها التوجه نحو التصنيع. ودشنت انتصارات حركات التحرر الوطني عملية التصنيع في الأطراف، عن طريق تطبيق سياسا فك الارتباط الضرورية لخيار التنمية المحددة ذاتيًا. وإلى جانب الإصلاحات الاجتماعية التي كانت راديكالية في عصرها، خلقت عمليات فك الارتباط تلك الشروط اللازمة “للصعود” الحتمي للبلدان التي قطعت أشواطًا بعيدة في هذا الاتجاه، وبالطبع كانت الصين هي من بلغت أعلى الدرجات في ذلك.

لكن الإمبريالية في العصر الحالي، إمبريالية الثالوث، المضطرة إلى التراجع والتكيف مع شروط العصر الجديد، أعادت بناء نفسها على أسس جديدة، قوامها “التفوق” الذي سعت إلى تحقيقه عبر ميزات حصرية سب أن صنفتُها في خمسة عناصر. وأقصد بها السيطرة على:

  • التكنولوجيا،
  • النفاذ إلى الموارد الطبيعية في الكوكب،
  • الإدماج العالمي للنظام النقدي والمالي،
  • نظم الاتصال والمعلومات،
  • أسلحة التدمير الشامل.

وهكذا يمكن التعريف الدقيق للصيغة الرئيسية لفك الارتباط اليوم بتحدي الميزات الخمس للإمبريالية المعاصرة. وتنخرط البلدان الصاعدة فعليًا في فك الارتباط مع تلك الميزات، بدرجات مختلفة طبعًا من حيث السيطرة وتقرير المصير. ورغم أن النجاح السابق لفك الارتباط خلال العقدين الماضيين قد مكّن بعض البلدان من تسريع تنميتها- خاصة من خلال التنمية الصناعية في سياق نظام “ليبرالي” معولم باستخدام وسائل “رأسمالية”- فإن هذا النجاح قد خلق أوهامًا عن إمكانية المواصلة في هذا الطريق، أي الصعود كـ “شركاء رأسماليين متساوين” جدد. ومما ساعد في نشر هذه الأوهام محاولة استيعاب البلدان الأكثر نجاحًا عن طري إنشاء مجموعة العشرين.

ولكن من المرجح أن تتبدد هذه الأوهام مع التفجر الحالي المتواصل في النظام الإمبريالي (المدعو بالعولمة). فالصراع بين القوى الإمبريالية للثالوث والبلدان الصاعدة أصبح جليًا بالفعل، ويتوقَّع أن يزداد حدة. وإذا أرادت مجتمعات البلدان الصاعدة أن تستمر في التقدم للأمام، يتوجب عليها أن تتحول أكثر صوب أنماط التنمية المعتمدة على الذات، من خلال خطط وطنية وتقوية التعاون الجنوبي- الجنوبي.

وتتطلب الجسارة في هذه الظروف الانخراط الشجاع والمتماسك لتحقيق الغاية باتخاذ التدابير الضرورية لفك الارتباط، إلى جانب تحقيق الإنجازات المرغوبة في مجال التقدم الاجتماعي. وناك ثلاثة جوانب لهذه الراديكالية المستهدفة: دمقرطة المجتمع؛ التقدم الاجتماعي؛ اتخاذ مواقف مناهضة للإمبريالية. ومن الممكن بالفعل الالتزام بهذا الاتجاه، ليس فقط في مجتمعات البلدان الصاعدة، وإنما أيضًا في البلدان “المستبعدة” أو “المشطوب عليها” في جنوب العالم. لكن هذه البلدان الأخيرة د أعيد استعمارها فعليًا من خلال برامج التكيف الهيكلي في الثمانينيات. وتعتبر شعوبها اليوم في حالة تمرد صريح سواء تمكنت من تحقيق انتصارات (كما في أمريكا الجنوبية) أم لا (كما في العالم العربي). والمقصود بالجسارة هنا أن يتحلى اليسار الراديكالي في هذه المجتمعات بالشجاعة الكافية في مواجهة التحديات التي تواجهها، وأن تواصل زيادة الطابع الراديكالي لنضالاتها في اتجاه التقدم.

إن فك ارتباط الجنوب يمهد الأرض لهدم المنظومة الإمبريالية ذاتها. ويبدو هذا واضحًا بشكل خاص في المناطق المتضررة من إدارة النظام النقدي والمالي العالمي، ونتيجة هيمنة الدولار. ولكن يجب أن نكون على حذر: فمن قبيل الوهم توقُّع أن يحل محل النظام القائم “نظام نقدي ومالي عالمي آخر” يكون أكثر توازنًا ومواتيًا للتنمية في الأطراف. فدائمًا كان البحث عن “توافق” على إعادة بناء دولية من أعلى مجرد تفكير بالتمني يتوق إلى معجزة. فما على الأجندة اليوم هو هدم النظام القائم- تفجيره- وإعادة بناء نظم وطنية بديلة (للبلدان أو القارات أو الأقاليم) كما بدأ البعض يعمل بالفعل في أمريكا الجنوبية. والجسارة هنا تعني شجاعة التقدم للأمام بأقوى عزيمة ممكنة ودون المبالغة في القلق من ردود فعل الإمبريالية.

وتنطبق معضلة فك الارتباط/ التفكيك هذه على أوربا هي الأخرى، والتي تخضع لعولمة تسيطر عليها الاحتكارات. وقد تم تصميم المشروع الأوربي منذ البداية، وبُني منهجيًا، لنزع القدرة من شعوبها على ممارسة حقوقها الديمقراطية. فقد تأسس الاتحاد الأوربي كمحمية للاحتكارات. ومع الانفجار الداخلي في منطقة اليورو، تَسَبب الرضوخ لإرادة الاحتكارات في تقويض الديمقراطية التي اختُزِلت إلى وضعية هزلية اتخذت أشكالاً مبالغًا فيها، ولا تركز إلا على مسألة واحدة: ما حال “السوق” (أي: الاحتكارات) وما رأي “وكالات التصنيف” (أي: الاحتكارات أيضًا)؟ أما ما هو رأي الناس فلم يعد يلقى أدنى اعتبار. ومن الواضح إذن هنا أيضًا أنه لا بديل عن الجسارة: “عصيان” القواعد التي فرضها “الدستور الأوربي” والبنك المركزي المتخيَّل لليورو. وبعبارة أخرى: لا بديل عن تقويض مؤسسات الاتحاد الأوربي ومنطقة اليورو. وتلك هي المتطلبات التي لا يمكن التهرب منها من أجل إعادة بناء حقيقية لـ “أوربا أخرى” للشعوب والأمم.

الجسارة، مزيدًا من الجسارة، الجسارة دائمًا

ما أعنيه بالجسارة هنا:

  • بالنسبة لليسار الراديكالي في مجتمعات الثالوث الإمبريالي: الحاجة إلى الانخراط في بناء تحالف اجتماعي بديل في مواجهة الاحتكارات.
  • بالنسبة لليسار الراديكالي في مجتمعات الأطراف: الحاجة إلى الانخراط في بناء تحالف اجتماعي بديل مناهض للكمبرادور.

وقد يستغرق الأمر بعض الوقت لتحقيق التقدم في بناء هذين التحالفين، ولكنه يمكن أن يتسارع إذا تحرك اليسار الراديكالي بعزم وانخرط بقوة في التقدم على الطريق طويل الأمد صوب الاشتراكية. لذلك من الضروري اقتراح استراتيجيات ليس “للخروج من أزمة الرأسمالية” وإنما “للخروج من الرأسمالية المأزومة”، حسب عنوان أحد أعمالي الأخيرة.

إننا نمر بفترة حاسمة في التاريخ. حيث تتمثل المشروعية الوحيدة للرأسمالية في كونها قد خلقت الشروط للمضي نحو الاشتراكية، كمرحة أعلى في الحضارة. والرأسمالية اليوم نظام بالٍ، ويقود استمرارها إلى البربرية. ومن غير الممكن ظهور رأسمالية أخرى. ومن غير المؤكد دائمًا توقع نتيجة صدام الحضارات. فإما أن ينجح اليسار الراديكالي من خلال جسارة مبادراته في تحقيق إنجازات ثورية، وإما أن تنتصر الثورة المضادة. ولا توجد أية تسوية ناجعة بين هاتين الاستجابتين للتحدي. فكل استراتيجيات اليسار غير الراديكالي ليست في الحقية استراتيجيات بالمرة، وإنما هي مجرد تكيفات يومية مع تقلبات النظام المتفجر. وإذا كانت القوة مطلوبة، مثل le Guépard (الفهد)، “لتغيير كل شيء بحيث لا يتغير شيء” فإن مرشحي اليسار يعتقدون أنه من الممكن “تغيير الحياة دون المساس بسلطة الاحتكارات”. ولن يوقف اليسار غير الراديكالي هكذا انتصار البربرية الرأسمالية. ود خسروا المعركة بالفعل لافتقاد الإرادة في المضي قدمًا.

إن الجسارة ضرورية للتعجيل بخريف الرأسمالية، والذي سيعلن عنه انفجار نظامها وميلاد ربيع حقيقي للشعوب. الربيع ممكن.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أيام يوليو

دانيل جايدو

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي