التحرش بالعاملات جريمة المجني عليهن في بيئة عمل بلا حقوق

قضايا

01  نوفمبر  2018

تحولت ظاهرة التحرش الجنسي خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم الموضوعات النقاشية في أوساط المثقفين ورواد موقع التواصل الإجتماعي، وأنتجت تلك الحالة من الجدل المتواصل آليات للحماية، لكنها تبقى الى الآن خطوات مرتبكة لعدم قدرتها على التوصل لفئات أكثر فقرًا وضعفًا وعرضة للتحرش وافتقادًا لأقل آليات الحماية الحقيقية.

لقد نجحت الحملات المضادة للتحرش بالفعل في طرح القضية، وجعلت أعدادا معتبرة من النساء قادرات على المواجهة والمقاومة، ولكن حتى الآن تبقى القضية مثارة في أوساط اجتماعية وثقافية تتمتع فيها المرأة ببعض المزايا والحماية، لا تتوفر لقطاعات واسعة من النساء خاصة في الطبقات الفقيرة التي تتضاعف فيها معاناة المرأة. لا يقلل ذلك من أهمية إثارة القضية وطرحها في أوساط النخبة. على العكس، إثارة القضية على النحو الذي جرى، قد يمثل خطوة هامة على طريق توسيع قاعدة المقاومة لاضطهاد المرأة في في الأوساط الأكثر اضطهادا للمرأة، مثل أماكن العمل، والتي تقع فيها المرأة تحت السلطة المباشرة للرجل ما يجعل قدرتها على المقاومة أقل كثيرا، وهو ما تظهره حكايات عاملات الملابس الجاهزة والتمريض والعاملات المنزليات.

بينما انهمك زملاؤها في تنظيم اعتصامهم ضد إدارة الشركة، وانصب حديثهم على زيادة ساعات العمل، وحرمانهم من الأجازات السنوية، وتعنت رئيس قسم الجودة معهم، كانت هي شاردة في أمرٍ آخر.أمرٌأرق مخدعها وأدمى عيونها، ولم تقو يومًا على الحديث عنه ولا البوح به، وكيف تتحدث عن تحرش رئيسها المباشر بها يوميًا، وهي تعلم جيدًا أنه لا جدوى من ذلك، بل يمكن أن تلام هي في مجتمع يتعامل معها باعتبارها مذنبة، لأنها قررت الطلاق من زوجها، وأنها هي المخطئة إذا قرر شخص ما التحرش بها.

تروى “ن.ع” إحدى عاملات مصانع الملابس الجاهزة بشبرا الخيمة كيف تحولت حياتها لجحيم، بعدما بدأ رئيسها المباشر فى التحرش بها، وتقول: “مجرد الاستيقاظ والذهاب إلى العمل، كان معاناة حقيقية، كادت أن تدفعني للانتحار، خاصة وأني على علم بأن رئيس القسم الذي أعمل به ينتظرني ليقهرني،فإما أن يتحرش بي، أو يخصم من أجري”.

وتستطرد، أنه كان ينظر إليها نظرات مريبة عندما كانت متزوجة، وكانت تتغاضى وتتعامل مع الأمر باعتباره مجرد معاكسة عادية، لكن النظرات المريبة تحولت فور طلاقها، إلى ملامسات مستمرة، طالما حاولت الهرب منها، بالابتعاد عن أي مكان يجمعها به، أو الاستغناء عن ساعات “الأوفر تايم”، التي كانت تساعدها في تربية أبنائها.

وتابعت ن: “حاولت مرات أن أشكي لزميلاتي في العمل، فوجدت أن أغلبهن يعانين مثلي من تحرشه وممارساته، ولكن كان هناك اتفاق ضمنى بأن نصمت، ونحافظ على لقمة العيش التي نطولها بالكاد”.

تستكمل ن.ع. حديثها:”عندما زاد الأمر ووصل لعروض مباشرة لممارسة الجنس، قررت التوجه لمدير الأمن في الشركة عله ينصفني، فكان رده بيده،حيث تحسس جسدي، وبعد أن رفضت طلبه بأن يتزوجني عرفيًا، سلمت أمري لله وقررت أن أصمت للأبد، لأني أعلم جيدًا أنه لا حقوق لي، ولا عقد تعيين ولا تأمين، ولا أي شيء يضمن لي البقاء في العمل إذا تحدثت”.

ووفقًا لدراسة أجراها مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالتعاون مع وزارة القوى العاملة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، نشرت في أواخر 2014، فإن 60% من النساء العاملات في القطاع الخاص لا يتمتعن بحماية تعاقدية أو تأمينية.

وفي دراسة أجرتها مؤسسة المرأة الجديدة، فإن آليات مقاومة التحرش لدي النساء العاملات في مجال التمريض والتعليم،تراوحت بين القيام بفضح المتحرش، ومواجهته، حتى لا يكرر هو أو آخرون هذه الجرائم، وتحدثت عدد من المبحوثات عن قيامهن بالسب، ولم تستبعد أخريات الاعتداء على المتحرش بالضرب، بينما ذكرت بعض المبحوثات أن السبيل الوحيد هو محافظة النساء على مظهرهن وطريقة كلامهن،وقالت إحداهن “يجب على المرأة الاحتشام وارتداء اللبس الفضفاض وعدم وضع مكياج، لأن ذلك يعطي ضوءًا أخضر للرجل للتحرش بالمرأة”.

اختلفت نساء أخريات مع هذا الرأى، وذكرن أن الزي ليس له علاقة بالتحرش، وأن الأمر يرجع لسلوك الرجل وأخلاقه.

تقول سامية محمد، ممرضة بالقصر العيني: “في التمريض يتعامل الجميع مع أجسامنا باعتبارها هدية فوق الخدمة، ونلجأ لآليات حماية فردية، والنقابة وعدتنا بوضع آليات ضد التحرش لكن لم تفعل”.

وتستطرد سامية ساخرة: “من كتر اللي بنشوفه بقى التحرش مش كلام يتقال، ولا حتى لمسات سريعة، بقى أكتر من كده بكتير”.

توضح سامية أن أغلب الممرضات يتعاملن مع التحرش اللفظي باعتباره مجرد معاكسة.

تشير سامية إلى أن قطاع التمريض من أكتر القطاعات التي يعمل بها نساء، وعلى الرغم من ذلك لا أحد يلتفت لكل الشكاوى التي تقدمها الممرضات، ومطالباتهن بتوفير حماية وأمن للممرضات، خاصة فى شيفتات الليل.

تذكر ساميه إحدى وقائع التحرش التي وقعت لزميلتها في الشيفت الليلي، حيث يعملن بقسم أمراض النساء والولادة، وتقول “جاءت إلينا مريضة وشقيقها، وبعدما أنهينا العملية الجراحية لشقيقته، ظل يلاحقنا بنظرات مريبة، وكالمعتاد صمتنا لكي لا نثير مشاكل مع أحد، فلم يكتف بهذا ومد يده ولامس يد زميلتي التي غضبت لوهلة، ثم أنهت عملها واتجهت لغرفة التمريض، فجاء هذا الشخص وحاول الاعتداء الجنسي الكامل عليها، فصرخت ولم ينقذها أحد سوى زميلاتها في التمريض، وانتهى الأمر دون عقاب أو محاسبة لهذا الشخص”.

أوضحت سامية أنه بعد هذه الواقعة ابتكرت الممرضات وسيلة وآلية حماية فردية، في ظل غياب آليات حماية قانونية في أماكن العمل، وكانت الآلية ألا تدخل ممرضة السكن دون أن يكون معها زميلاتها، وألا تصمت من البداية، خاصة بعدما حضروا مجموعة من ورش العمل حول مفهوم التحرش، وكيفية الحماية منه مع إحدى منظمات المجتمع المدني، وحاولن مرارا المطالبةعن طريق النقابات بآلية أو قانون لحماية النساء من التحرش، إلىأن صدر قرار بحل النقابات التي كانت تعبر عن أوجاعهم.

وذكرت دراسة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء في العمل، صادرة عن مؤسسة المرأة الجديدة،أن الكثير من النساء على علم بوجود قانون يجرم التحرش الجنسي بشكل عام، لكنهن لا يعلمن تفاصيل العقوبات ونصوص القانون،وعدد قليل لم يعرف مطلقا بوجود قانون،وكان هناك اتجاه عام كشف عنه الرصد بشأن عدم جدوى القوانين، والتشكيك في تطبيقها، وأشارتعدد من المبحوثات، إلى أن أقسام الشرطة غير مؤهلة لاستقبال الشكوى وتحرير محاضر التحرش.

عاملات المنازل الحلقة الأضعف على الإطلاق

ومن قطاع التمريض إلى قطاع الخدمات المنزلية تتشابه المعاناة بين سامية و”أم ملك”، التي توفى زوجها وترك لها أربعة من الأبناء يحتاجون للتعليم والأكل والسكن، ما دفعها للعمل في البداية بمسح سلالم العمارات المجاورة، علها تجد الحماية في الجيران والأقارب. لكن لا أحد يرحم النساء في مصر، هكذا تقول ” أم ملك” التي تروي حكايات عديدة للتحرش.

تقول:”تعرضت لكل أنواع التحرش، من الكلام البذيء لمحاولات الاغتصاب، لكن مثلي لا يحق له أن يئن، ولكن أقسي المرات التي تعرضت فيها للتحرش، كانت من شيخ مُسن عملت في منزله،وحاول مرات أن يقيم علاقة جنسية معي، وكنت أرفض، وعندما صرخت في إحدى المرات، وعلمت زوجته،انهالت علي بالضرب والسب، وطردتني دون أن توجه كلمة واحدة لزوجها، وكأن الجميع اتفق على إهانتي والتعامل معي باعتبارى الحلقة الأضعف”.

ووفقًا لدراسة أجرتها سكرتارية المرأة العاملة بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر، فإن 30% من النساء العاملات يتعرضن للتحرش اللفظي داخل مواقع العمل.

هنا انتهت قصص نماذج ثلاث قطاعات من أكثر القطاعات تعرضا للتحرش، ولكن لم ينته سيل من الاسئلة حول إمكانية أن تتخطى الحركة النسوية ذاتها، وتكسر العزلة شبه الاجبارية وتصل الى النساء الاكثر فقرا، والأكثر تعرضا للتحرش، لعلهن يكن قادرات على أن تعميق آليات الحماية من التحرش، وأن تتخطى المعركة النسوية حدود مواقع التواصل الإجتماعي لتعمق ذاتها في صفوف عاملات النسيج والتمريض والعاملات المنزليات. وكما أكدنا، ليس الهدف هنا التقليل من شأن الحملات التي انطلقت بالفعل، ونجحت في طرح القضية ووضعتها أمام الرأي العام، وتحملت الكثير من ضيق أفق المجتمع الذكوري وتحدت التقاليد البالية. على العكس تماما، فقيمة ما أنجز بالفعل تتمثل في تحويله لحركة أكثر قاعدية، وقادرة على حشد النساء في أوساط مختلفة وتطوير آليات مقاومة جماعية، وفرض قواعد صارمة في أماكن العمل ضد التحرش بكافة أشكاله، ونزع الحماية عن المتحرشين لتكون حركة أكثر جذرية وقدرة على التواجد والتحدي وإكتساب مزيد من القدرة على إبداع سبل يمكنها ان تكون طريقًا حقيقيًا في مجتمع ذكوري لا يرى المرأة سوى أداة لتلبية رغبات الأقوى.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة