حضور الفكر الإفريقي…في صراع العولمة

” نص خطاب الافتتاح للمؤتمر الدولي للادب المقارن بقسم انجليزي جامعة القاهرة”

قراءات, قضايا

30  أكتوبر  2018

الأستاذة الدكتورة رئيسة المؤتمر

مجتمع الجامعة الكريم

السيدات والسادة

مدخل:

ها أنذا في رحاب جامعتي العزيزة، جامعة القاهرة، وكليتنا الغالية على نفوسنا، كلية الآداب، وحول موضوع يمتد من الماضي للمستقبل، هو التفكير الأفريقي، الذي تمتد تحولاته وتصارعه مع العولمة من القاهرة إلى كيب تاون على مدي قرون خلت.

سأتناول في هذه الوريقات بعض النقاط الاساسية في موضوعنا هنا كالاتي:

1-الهجوم الانثروبولوجي على افريقيا   2- الفكر الافريقي كرد فعل

3- تفاعلات الفكر الافريقي بعد الاستقلال 4- بين السلفية والنهضة

5-موجات التراجع والتمرد (الربيع الافريقي) 6- تصفية الكولونيالية

    وها أنذا، أستحضر عقودا، كنا هنا منذ عام 1955، نشهد أقساما تنشأ، وأخري تتحول أو تتفرع، وأنظارا تتجه لتطوير دراسات السودان إلى معهدٍ جامع للبحوث والدراسات الإفريقية. وكانت الانثروبولوجيا؛ الجاذبة لي، دفعتني مرة لميدان الثقافة الشعبية (الفولكلور) المسمي في ذلك العصر بالثقافة البدائية، كما دفعتني إلى دراسة أحوال الشعوب الإفريقية: سياسة واجتماعا…واقترن كل ذلك بعملية التحرر الإفريقي نفسه، من صورة فرضتها شخصيات أجنبية عالمية من مستشرقين ومستفرقين، كان بعضهم في المؤسسات المصرية نفسها. وشهد “بوفيه الآداب” الذي اختفي الآن من موقعه؛ لمن يذكرون أيامه ومجتمعه، شعراء وأدباء ونقاد وفلاسفة، معروفين في مقارعات حول القومية العربية، والماركسية الاممية، وحول معركة الفن للفن أو الفن للحياة. وقد جاء الشباب من أنحاء الوطن العربي لهذه الجامعة، كما جاء معظم شباب إفريقيا إليها وإلي الأزهر. وفي قاعات هذه الجامعة، ومباني كلياتها، وغرف مدينتها الجامعية، شاهدت في أول يناير 1958 أكبر تجمع شعبي لأبناء الشعوب الإفريقية والآسيوية، عقب اتفاق الرئيسين عبد الناصر ونهرو أساسا على الانتقال من صيغة  مؤتمر “باندونج” الدولتي  عام 1955 في اندونيسيا ( 29  دولة ) إلى مؤتمر جامع لحركات الشعوب المناهضة  للاستعمار والتبعية باسم ” تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية (1) “، ومع زخم وأنفاس  المئات من أبناء القارة الإفريقية في هذا المؤتمر تحديدا، أمكنني أن أصطحب العشرات من هذا المؤتمر إلى أنحاء مدينتا  التي كانت هادئة في ذلك الوقت. ومنذئذ أصبحت القاهرة ملتقي للتفكير الحر في الاستقلال وتبعاته، وفي مسئولية الدولة المستقلة عن تحرير شقيقاتها الأقربين حتى بدأ يتحقق التحرر الكامل لكل أبناء القارة…وفق شعار نكرومي  وناصري حفظناه  عندئذ…وكانت مثل هذه الشعارات هي التي سلمت باستقلال السودان ( 55/ 1956)، كما خاضت معركة لحماية الثروة الوطنية في القنال ضد مستغليها الاستعماريين 1956، وبالوقوف صمودا إلى جوار الشعب الجزائري، كما وقفنا مع ثورة  “الماو ماو” طوال الخمسينيات، وثورة الكونغو اللومومبية وغيرها عقب ذلك.

الهجوم الأنثروبولوجي على إفريقيا:

    لم تكن موجة التحرر الوطني هي فقط تلك الموجة السياسية التي كاد يشوهها إلى حد كبير ضجيج الإعلام منذ ذلك التاريخ، لكن العقل المصري والعربي الإفريقي عموما راح يقلب في الخريطة التي شكلت على مدي قرون من الفكر الاستعماري، والفلسفات العالمية المتجددة في دوائره، ليجادل حول طريق التطور الفكري في عموم القارة. وأظن أن هذه الورقة إنما تحاول اختراق المحاولات الفكرية التي رسمت خريطة هذه المواجهات، بأمل التحرر الشامل لشعوبنا، وتأكيد حضورنا في المعركة الفكرية العالمية وصراعاتها…لذا فستبرز هنا عناوين هامة حول الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والثقافة ومواقع المقاومة الفكرية الإفريقية أو تفاعلاتها مع الفكر العالم، بما يتضمنه ذلك من تمردات أو مراجعات حتى نصل للسؤال الرئيسي لهذه الورقة عن إمكانية إنجاز تصفية الكولونيالية Decoloniality بالفعل، أم سنظل في عالم الفعل ورد الفعل الذي أنهك شعوبنا.

دعونا إذن نبدأ بالقول الذي سنختصره في هذه القراءة المقتضبة، لنترك القارئ إلى مساحة مفصلة   للموضوع فيما ستوزعه إدارة هذه الندوة من أوراق بحثية.

إننا هنا نسعي إلى ما وراء حركة التحرر الوطنية من أفكار لم تبرز بقدر كاف، بسبب عمليات للتعمية المستمرة لفكر المجتهدين والمناضلين في نفس الوقت، ممن تأملوا أحوال شعوبهم، وليجعلوا من إفريقيا جزءا من حركة العالم وقضاياه الفكرية (حسين مؤنس – جمال حمدان-جورج باديمور-آدي أجايي (2)).  وسيجعلنا ذلك نتعرض في التاريخ الحديث لنقاش احتد أحيانا حول الجماعية والتقليدية، فضلا عن حوار التراث والحداثة والثورة. الخ. ومع هذه الاجتهادات الإفريقية اختفت معالم الاستشراق والاستفراق فيما نشروه عن الزنوجة والحامية والقوقازية، لتظهر معارك أخرى حول: العروبة والإفريقية أو تجارة الرقيق أو الأدب وأنواعه… ولتبقي المدرسة التاريخية درعا صامدا ضد الميثولوجيا والتراثية، بل والنفي العدواني من التاريخ.  إنني هنا أحاول معكم الخلاص من كل رومانسية حول إفريقيا، وكل مزاعم وهمية، لا تراعي جدل التاريخ العقلاني في تفاعله الدائم، ودفعه، لفاعليات جديدة حتى ندفع باحثينا لاستكشاف ما يجب تسجيله وما يجب الدفاع عنه، كشركاء لا متابعين فقط.

    المشكلة الأكبر في الواقع ما زالت هي قدرة الأيديولوجيا الاستعمارية لفترة طويلة على تشكيل عقولنا ومجتمعاتنا، بل وتكوين حالة الرضي احيانا في هذه المجتمعات نفسها عما جري لها على يد الاستعمار، وحتي عبر تفكير بعض أبنائها.!

    وقد وفر علينا مستفرقون ومستشرقون أحيانا، الكثيرَ في بيان أبعاد ما نبحث عنه من آثار الهجمة الاستعمارية، قبل أن نري ما فعلناه بأنفسنا، أمثال الفرنسي “رينيه مونييه”، أو البريطانيين “رادكليف براون” وإيفانز بريتشارد (3)” ممن عرفتهم الجامعات المصرية نفسها  كمحاضرين عن المجتمعات البدائية واللادولتية.. والمناهج الوظيفية ونظم الحكم غير المباشر..، بل وعرفنا  جهود مستفرقين أو مستوطنين أمثال ( كروجر – سيسل رودس-واللورد  لوجارد(4)

    هذا ما يمكن تسميته “الهجوم الفكري” الاستعماري لحجب إفريقيا عن التاريخ العام من جهة، أو وضعها في أسفل المبني الذي يتربع الفكر اليوناني وحده على قمته، وقليلا ما يلحق به الفرعوني أو بعض من الميثولوجيا الإفريقية.

    فهل كان رد الفعل الفكري الإفريقي حقيقة هجوما مضادا؟  أم مثالية وعدوانية؟  أم ابداعا جديدا لم يأت ثماره بعد؟

الفكر الإفريقي كردّ فعل:

    تعددت مراحل رد الفعل الإفريقي العربي، كما تعددت أنماط هذا الرد سلبا وإيجابا… وأظن أن جماعة “الدياسبورا ” الإفريقية، حاولت الرد مبكرا بمعني تخليص أنفسهم من حالة الاسترقاق إلى حالة انعتاق ولو داخلي ليعوضوا سنوات العذاب والقساوة مع حضارة تدّعي الانسانية، والحرية والمساواة! لكن ما عرفناه عن سلوك بعض قيادات الدياسبورا مثل ” ماركوس جارفي (5) ” قد أساء كثيرا لصورة الإفريقي ومشروع انعتاقه المبكر.

    أما المفكر الجدير بالتقدير من أبناء “الدياسبورا”، ممن وضعوا ثقافتهم وجهدهم في ميزان الخلاص الوطن الشامل فهو الدكتور ” وليم ديبويس (6)” أو ديبوا، الذي أطلق حركة ” الجامعة الإفريقية Pan Africanism  بعد جهد جهيد  في أول مؤتمر لها عام 1900، وألف عشرات الكتب حولها، وظل يجاهد مع أبنائها في القارة وخارجها حتى توفي عام إقامة ” منظمة الوحدة الإفريقية  عام   1963،  بعد عمر ناهز التسعين عاما. وكان “ديبويس” يعرف قيمة مصر في دعوته للوحدة الأفريقية، وقد مر بها وكتب قصيدة انتصار السويس 1958، وأوصي زوجته وابنه بالإقامة فيها من بعده). لكن يؤسفني أن هذه التحركات لم تعرف تقديما مناسبا  لها ولمعناها أو أبعادها  في القاهرة إلا في أضيق الحدود من جيلنا، لعل الكثيرين هنا لا يذكرون معني حضور بعض أبناء الحزب الوطني من أبناء مصطفي كامل  وهو حافظ رمضان أو زميله ابراهيم يوسف “لمؤتمر حركة مقاومة الاستعمار” في بروكسل 1929 بقيادة ديبويس نفسه، كما قد لا تذكرون،  مدافعا كبيرا عن الحركة ومناضلا  من صفوفها حتى الأربعينيات  بين انجلترا ونيجيريا، وهو الراحل  “محمد على دوس (7)”  السوداني المصري الذي استقبل وفود التفاوض المصرية من سعد زغلول وغيره  في لندن، كما ساهم في حركة استقلال نيجيريا مع الزعيم  “نامدي أزيكوي”، وله كتاباته الدفاعية عن الحضارة الفرعونية والثقافات الإفريقية المختلفة، وقد أسعدني الحظ بالنشر والترجمة عن الراحلين الإفريقيين آملا أن يخرج من بين  الجيل الجديد مدرسة اهتمام أحدث وأكثر كفاءة

    أما شكل الرد الإفريقي الآخر من أشكال المجاهدة للانعتاق من ربقة التسلط الديني الغربي نفسه؛ فهو حركة الكنيسة الإفريقية المسماة ” بالإثيوبيانية Ethiopianism “، والتي لم  تكن خاصة بإثيوبيا  أو الحضور المصري في الإنجيل والتوراة. ولكنها ُاتخذت بمعناها الحضاري عن الأصول المسيحية للحضارات البشرية من إفريقيا أساسا وليست كحركة أثيوبية، وظلت لعقود هي دين تحرير الفقراء في أنحاء مختلفة من القارة خاصة في جنوبها وغربها ضمن حركات لاهوت التحرير.

إن ذكر ثيولوجيا التحرير المسيحي ( اثيوبي –مصري) على هذا النحو، مختلفا  عن متابعة حركة التبشير وما وراءها،  يجب أن تُذكر هنا على وجه الخصوص لأننا في الواقع لا نذكر مصر في إفريقيا إلا ناشرة للعروبة أو الإسلام، أو مستقبلة لأبناء ” الجماعات الإسلامية ” التي بدت معظمها محافظة إلى حد كبير،  كما يتحول معظمها للتطرف الشديد. ولعل هذه الذاكرة العربية المضطربة، او المثقلة بتراثها التقليدي هي التي لا تجعلنا نذكر الممالك الإفريقية التي قامت مع قيام الممالك العربية،  بل ومع الدول الأوربية نفسها قبل  اتفاقيات “ويستفاليا”، أمثال (ممالك غانا ومالي وبنين واليوروبا والزولو والميتابيلي (8)) وقت أن كانت تتفاعل مع سلطنات الفاطميين والأيوبيين والمماليك ثم العثمانيين..( راجع كولي (9))

تفاعلات الفكر الإفريقي بعد الاستقلال:

عاش الفكر الإفريقي عدة معارك وجودية عقب مرحلة الاستقلال، شملت مفهوم الدولة، والحرية، والهوية، والانعتاق من ثقل الماضي، مما جعلت  قضايا الثقافة والسياسة في صراع بلا حدود.

ولقد انتظرنا في هذه الحالة الفكرية  حتى بدأت المعركة في اليونسكو حول كتابة اللغات الإفريقية منذ المؤتمر الجامع في باماكو 1969، بل وسبقته عشرات الاجتماعات، حيث استمر البعض في نقد ميراث هذه اللغات  خاصة من النصوص المكتوبة بالحرف العربي على أنها ذات طابع ديني إسلامي  فقط، لا يمكن نطق المسجل منها أو ترجمتها، ولذا لا يبدا التأريخ  – في نظرهم – إلا عند كتابة اللغات الإفريقية بالحرف الروماني  خاصة.

    وظل هذا الوهم خفيا في أضابير اليونسكو  لعدة عقود، حتى توفر لليونسكو نفسِه مثقف سنغالي نبيل هو “مختار مبو(10)” مديرا عاما يرغب  في الدفاع عن الثقافات الوطنية ضد ما سمي وقتها بموجة Flow of  Information    أي تدفق  أو تسونامي المعلومات الإعلامية  العابرة بحرية للقارات،  عبر وسائل الاتصال الحديثة، وكان موقف ”  مختارامبو”M.Mbow واضحا لحماية الثقافة الوطنية  الناهضة في ذلك الوقت، بينما كان  الغربيون يدافعون وقتها بقوة “ضد الدفاعية الوطنية” المتحفظة على هذا التدفق المعلوماتي، وهو موقف متكرر الآن، معكوس  في الدفاع الأوربي عن قانون حق الملكية الفكرية الحاجب للمعرفة، لكي تصعب على أبنائنا،  آليات الوصول لما يتدفق في دول الشمال خاصة في مجال التقدم التقني الذي لا نجد إليه سبيلا.

    لكن المعركة مع “امبو” أدت إلى دفعه لإنشاء واحدة من أكبر لجان اليونسكو لتضع المجلدات الثماني عن ” التاريخ العام لإفريقيا “، مترجمة بين الإنجليزية والفرنسية والعربية، وكأنها بيان الدفاع العام عن التاريخ والثقافات الإفريقية، وبإشراف أكبر مَن نعرفهم من المفكرين والعلماء ليقدموا هذا التعريف النابض بالتراث الإفريقي، بأسماء تبدأ من جوزيف كي زيربو (بوركينا فاسو) مرورا بأوجوت(11) (كينيا) وجمال مختار (مصر)…حتى تجمع عدد كبير من العلماء من أنحاء القارة.

    أقول هذا لأن أية معرفة بأحوال المجتمع هي معرفة بذاته الإنسانية وإبداعاته، ولذا انطلقت حالة من البحث عن الذات الإفريقية عقب ذلك في أنحاء القارة من الموسوعة الإفريقية في “أكرا”، إلى نشوء “المجلس الإفريقي للبحوث الاجتماعية (12)” (كوديسريا) في غرب القارة (1973)، إلى “منتدي العالم الثالث“  في “داكار” (1973)، وإلي جمعية العلوم السياسية الإفريقية في دار السلام عام 74/1975.

    في هذا الجو أيضا نشأت لدي الراحل العظيم محيي الدين صابر (السودان) وهو مدير عام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) رغبةٌ في الإحاطة بأبعاد الثقافة العربية الصحيحة في كثير من المجتمعات الإفريقية التي اتصلت بها، وكان ذلك أحد هموم الوفود التي شرفت بعضوية بعضها من خلال وجودي خبيرا للثقافة العربية الإفريقية بالمنظمة في الثمانينات، حتى تم التوافق على إقامة معهد للثقافة العربية الإفريقية في باماكو.

    هذه معارك في الفكر الإفريقي دفاعا عن الذات على نحو ما ساهمت أعمال أدبية كبيرة تعرفون معظمها، أكدت القدرة الإفريقية على الإبداع مع نمو اللغات الوطنية أيضا.  وليس صدفة أن تقررت لغة السواحيلية؛ لغة رسمية في تنزانيا، كما تجري المحاولات في نيجيريا لإقرار الهوسا كلغة وطنية على الأقل، ويكتب بعضها بالحرف العربي فيما سمي “بالعجمي (13)“.

    المعارك في هذا الموضوع مثل كثير غيره ارتبطت بأكثر من قضية أحدها مسألة الهوية الإفريقية ذات البعد الثقافي؛ لغة وفنا وأدبا مما يحتاج لجهد متكامل على مستوي القارة، وكافة مستوياتها الأكاديمية والشعبية على السواء لتفعيل هذا التراث. وقد لا يكفي هنا أن يظل الشعار السياسي رضاء شعبيا أو سخطا جماهيريا في قضايا التحرر أو الصراع أو التفتت، باعتباره المحور الكاشف لأثر العولمة على هوياتنا الوطنية، خاصة وأن النظرية الاجتماعية الحقيقية لا تفصل البعد الثقافي عن السياسي بعد كل المعاناة من المؤثرات الاستعمارية التي عرفناها…قد لا يتصور بعضكم كيف تصاغ ملحمة شعبية يعرفها العرب كما يعرفونها في أنحاء مختلفة من إفريقيا عن “سيف بن ذي يزن” في صورة صراعية مرة وتفاخرية أخرى.

    ألا يوحي ذلك في دراستنا للأدب الإفريقي باقتحام عالم الملحمة الإفريقية لننفي اتهامات بتخلف الثقافة هنا عن عالم التراجيديا اليونانية او السيَر العربية؟ هنا تجدر الاشارة إلى ملحمة “سونجاتا” حول تأسيس مملكة الماندنج في مالي، أو أسطورة “واجادو” عن مملكة “السوننكي، أو “الشاكا” ملك الزولو، الذي واجه الأوربيين في الجنوب الإفريقي، وذلك بقدر ما ندرس امتدادات الهلالية في أنحاء القارة مع ابراز معالم الفن الملحمي الإفريقي عموما… بجانب الأدب الملحمي العالمي.

بين السلفية ومحاولة النهوض:

    ثمة معركة أخرى تشد الانتباه  والأعصاب الآن، وهي معالجة موضوع “السلف الصالح” من القيادات الدينية التاريخية، التي يقف تراثها وراء حركات ثقافية واسعة تارة، أو حركات الإسلام السياسي تارة أخرى، فضلا عما صار  مع حركات التطرف الديني  “الإرهابي” في الآونة الأخيرة… ذاك تراث في غرب إفريقيا خاصة،  يمتد من أبناء الشيخ  “مباكي” ومن المريدية  والمارابو الصوفيين، إلى أبناء “عمر تال، والشيخ عثمان دان فوديو، والأمين الكانمي” من المجاهدين في مجال ما يسمي عند كثير من أبناء المنطقة بزعماء الاصلاح الديني (14)، وأحيانا النهوض ذو الطابع الديني ضد الاستعمار الفرنسي او الانجليزي وغيره.. ويحرص الكثيرون على عدم الربط بين إسلام الجهاد القديم، وبين موجات الإرهاب القائمة بهذه الحدة، رغم أن كتابات بعضهم توحي بجهادية صريحة في المحيط الصحراوي، لكن قائدا مثل “عثمان دان فوديو” كان معروفا أيضا بجهوده في بناء الدولة وتعليم المرأة، وترك تراثا فكريا وأدبيا عالمي السمعة، كما انه هو من اقام الوحدة الامبراطورية الإفريقية على نطاق واسع في غرب إفريقيا…

    مثل هذه المدارس الفكرية تجاه الدين والتجديد والإرهاب جديرة بتبادل الرأي معها، مثلما يجري تبادل الإجراءات الأمنية، وأنواع السلاح…خاصة أننا كنا لفترة أمام فكر سابق، يقول بالإسلام الإفريقي L’Islam Noir (مدرسة شارل و فنسان مونتي، وسبنسر تيرمنجهام وغيرهم…) ممن لم يروا في المنطقة إلا الطرق الصوفية التي لن تكون أبدا حركة سياسية، أو قوي فاعلة خارج العمل الاجتماعي، ولم يكن كل ذلك يوحي أن الإسلام الإفريقي سيكون مشتبكا هكذا “بالأممية الإسلامية”، التي فجرها الإسلام السياسي مؤخرا…

    ويخطئ معظمنا في إقامة الارتباط بين طبائع هذه المدارس، تأكيدا لشيوع الحديث عن انتشار الإسلام وأمميته.  و العالم الإسلامي لم يعرف هذه القوة للاتجاهات المذهبية إلا على يد التطرف السلفي، وتركت للمجتمعات الإفريقية بسبب عدم الاجتهاد الفكري، أشكالٌ من أممية التخلف والإفقار على ما تحدث بذلك “مالك بن نبي (15) ” المفكر الجزائري المعروف، الذي أحزنه امتداد خط الفقر من جاكارتا إلى طنجة.

    انني أتصور أن اشتداد الحرب الباردة قد أدي إلى الانهيارات في هذه البنيات الوطنية، مما أتاح فرض برامج التكيف الهيكلي، واندماج عدد من المثقفين مرة أخرى في الموجه الجديدة للتراجع، التي تتحدث عن حرية السوق والتعددية وتدين التنمية المستقلة، أو الاعتماد على الذات، بما كان يحمله ذلك من آمال التصنيع والزراعة الحديثة.

لم نفصل هنا بعض ما أورده المفكرون الأفارقة في تحليلهم للمجتمعات الإفريقية عن حقائق الصراع الطبقي، بل ومواقفهم من اتجاهات الفكر الاشتراكي.. وما يمكن ايجازه هنا أن المسألة بدأت مع بداية الحديث عن اشتراكية إفريقية، وعربية، أو الجماعية، والصراع الطبقي.. الخ وقد قاد النقاش في ذلك والحق مدرسة دار السلام (تنزانيا) –من جهة، ومدرسة زاريا (أحمدو بللو بشمال نيجيريا من جهة أخرى)، كذلك ساهم الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا بتيار سوفيتي قوي تحدي الماوية هنا وهنالك بسبب قوة تنظيمه في الإقليم.  وكاد الحزب الشيوعي السوداني أن يحتل مكانته في هذا السياق، لولا صدام الطائفية والإسلامية، وعزل الحركة في مصر عن الحركات المشابهة طوال فترة الصعود الوطني.

موجات التراجع والتمرد  ( الربيع الإفريقي ):

ولقد كانت موجة التراجع فيما بين السبعينات حتى التسعينات قاسية، وفقيرة اقتصاديا مما اثر على مصادر التفكير الوطني، ولم تبد ثمة ظاهرة فكرية بارزة، اللهم إلا مواجهة برامج البنك والصندوق، وعلى الرغم من ذلك، ظل الفكر الإفريقي العربي يبحث عن صيغ للخلاص من أزمة وأسباب الإفقار الذي تفرضه العولمة إلا من خلال صيغ لا تخرج كثيرا على النص. من ذلك مثلا الجهد الفكري لعدد من مثقفي العالمين الإفريقي والعربي برز منهم الراحل ” على مزروعي (16)” (كينيا) الذي وقف وراء دفع أفكار التعاون العربي الإفريقي، وأهمية تلاقي الإسلام والعروبة في إفريقيا من أجل تنمية مجتمعاتهما، وأطلق اسم ” أفرابيا” Afrabia دليلا على وحدة الكتلتين وتعاونهما الثقافي والاقتصادي.

ونذكر هنا أيضا اجتهادات الراحل “محمد عمر بشير” (السودان) الذي راح ينظم معنا الندوات والنداءات لتوجيه أموال البترول العربي الوجهة الصحيحة لتنمية الأفارقة والعرب معا. وعُرف بكتابه Terramedia وكأنه يشير إلى الحلول الوسطي مع عدم الخروج على النص أيضا.

 ولم تكن بعيدة عن ذلك أفكار “ثابو مبيكي“ (جنوب إفريقيا) الذي ورث تراث الأبارتهيد، ومأزق التوفيق بين الرأسمالية البيضاء وطموح البرجوازية السوداء، فأطلق حالة فكرية عريضة  في أنحاء القارة عن النهضة الإفريقية African Renaissance، واجهت بدورها نقدا شديدا من مفكري المنطقة أمثال  آرشي مافيجي (17)

  وكما أصدرت قيادات الكفاح المسلح مثل “كابرال” و”نيتو” وغيرهما أفكارا عن التغيير بالقوة   في عمليات تحرير المستعمرات التقليدية، كانت هناك مواقف لمنتدي العالم الثالث، أو المجلس الإفريقي للبحوث الاجتماعية (كوديسريا) أو جمعية العلوم السياسية الإفريقية، أو هيئات دولية جيدة الإدارة مثل اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (ECA)  ممن  تصدوا لترسانة مصطلحات وقوانين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حتى ظهر الفشل ذريعا بدوره لهذه الموجة من هجوم التكيف الهيكلي وحرية السوق العالمي. ومع بداية التسعينات من القرن الماضي بدأت انتفاضات الشعوب على تلك النظم فيما سمي” بمؤتمرات السيادة الوطنية ( 18)” التي كشفت ضعف القوي السياسية  في قيادة الجماهير، وأبرزت لفترة أدوارا جديدة لما سمي بالحركات الاجتماعية الأصيلة ( العمال –الفلاحين-النقابات) أو الحركات الاجتماعية النوعية (المرأة –الشباب…).وبرز هنا مفكرو الحركات الاجتماعية والمرأة (محمود ممداني- محمود رمضان – أمينة ماما – فاتو سو…الخ )

وفي هذا الإطار من محاولة التجديد انطلق نوع آخر من التفكير لإنقاذ الشعوب وفق تحركاتها الجديدة بدورها. وعرفنا ما سمي” بالموجة الثانية للتحرير”، قادمة من تجارب ذات تراث في المقاومة (الكونغو) أو الكاريزمية الوطنية (مالي)أو من موروث الدولة الوطنية في الشمال(مصر). واتسمت هذه الموجة في علاقتها بالصراع الاجتماعي ليمكن إنجاح حركة تحرير الجماهير ذات الأمل في الزحف على العاصمة. وهو ما حدث بالفعل في حوالي عشر دول إفريقية أوائل التسعينيات، لم نسمع عنها كربيع إفريقي إلا بعد انطلاق مصطلح الربيع العربي.

    كل هذا الجهد حول تحركات كانت تحمل الآمال في تقدم الجماهير الشعبية  لتحكم عواصمها، ولكن الرياح لم تأت بما تشتهيه السفن؛ فمعظم هؤلاء المفكرين عقدوا الأمل على اجراءات اجتماعية تحويلية لبناء الدولة التنموية التي تتصدي لضغط آليات العولمة، مع بناء مجموعات دول التحرر ككتلة الجنوب على أسس جديدة، لكن ذلك كله لم يجد فرصة التحقق المأمول.

وكان للفشل الواضح في إحداث تقدم حقيقي رغم الجهد الفكري المتقدم هو افتقاده لفلسفة جديدة لإجراء تحولات اجتماعية مناسبة أو تغيير جذري في الإدارة والإرادة السياسية، أو التأثير على سياسة القوي الرأسمالية العالمية وأجهزتها الدولية (البنك – الصندوق). هنا برز التفكير في ضرورة المحافظة على ما بقي من تراث الدولة الوطنية ولو بصياغات جديدة، لدفع مفهوم ” الدولة التنموية “، وهو مفهوم إصلاحي، يغازل الليبرالية الجديدة دون أن يعترف بسيادتها، ويراهن على بعض أجهزة الدولة وقدر من الثقة في علاقات بالخارج، أقرب لنمط علاقات دول عدم الانحياز سابقا، وليس بدول التصارع الدولي فيما يشبه الحرب الباردة. وكتب مثقف مثل ” تانديكا مكانداويري (19) ” أمين عام المجلس الأفريقي (كوديسريا) من مالاوي، كما كتب معه ” اديبايو أولوكوشي”من نيجيريا الكثير في هذا الاتجاه مع الاقتراب الناعم من نموذج الدولة الوطنية.

ثم تدافع التفكير ليقترب  من مفهوم “الدولة التنموية الديمقراطية”، رغبة في تأكيد حق الجماهير في السلطة والثروة من جهة، ومعالجة الآثار السلبية لتصاعد نفوذ النيو ليبرالية من جهة أخرى،  بعد ان تخلصت من نظم الانتفاضات الشعبية التي اعتبرها بعضنا الربيع الإفريقي   طوال التسعينيات، و باتت في مواجهة وضع الدولة الوطنية المتأزم  إزاء  آليات العولمة…,هذا التأزم الملحوظ هو الذي دفع مرة أخرى بالمجموعات المتطرفة إلى الظهور،  سواء بدعاوي دينية اساسا (مالي/ نيجيريا) او غير دينيه (شرق  نيجيريا / جنوب أفريقيا) لكن غلبة عدم الرضي، أو الرغبة في التغيير الشامل،  لم تتم صياغتها بقدر ما نجحت مقولات ماضوية صريحة لا تؤدي إلى أي تغيير اجتماعي، بل باتت أقرب إلى  مصادر  تفكير عن التآمرية العولمية!!

    لقد كشف “جبرين ابراهيم ” من نيجيريا، كما كتب حمدي عبد الرحمن (مصر) وغيرهما مؤخرا كيف بدأت جماعات “بوكو حرام” ومن قبلها مثل “حركة الشباب الصومالية” مثلا بشباب محدودي الأفق والامكانيات، وكيف خرج هؤلاء من ساحة الفقر والعزلة إلى ساحة الأسلحة المتطورة، ولينتقلوا من عالم التراث والسلفية الهامشي في رأي البعض، إلى عالم التكنولوجيا العالمية، والحداثة الغريبة عليهم. ويتحدث الفكر النيجيري بدوره عن انتقال هؤلاء من عالم السلفية والجهادية والمهدوية بل والتجديد، إلى عالم الصراع الدولي، وانتقال الإسلام السياسي نفسه إلى دائرة التدمير المتبادل في مناطق إفريقية كانت بعيدة عن مشاكل الإسلام السياسي ونتائجه.. وهذا الواقع هو الذي تشير اليه السوسيولوجيا الافريقية عن العلاقة بين المناطق الحضرية والتهميش الاجتماعي، ودور الطبقة الوسطي ومدي وساطتها في رفض او قبول الحركات الارهابية..  وحول هذا كتب محمود ممداني ما يفيد كثيرا ضمن تحليلاته للحركات الاجتماعية او عن المواطن والرعية….الخ

تصفية الكولونيالية:

    ربما تكون هذه المعارك المتجددة مع عدوانية العولمة من حيث تأثيراتها الاجتماعية المحلية، هي التي جعلتنا نشهد عودة المواجهة مع القضية الاستعمارية وأثرها على امكانية التحولات الإفريقية. ولكن ذلك يحتاج لسياسة تشاركية حقيقية من قبل الحركات الاجتماعية، للقيام بما يشبه” التطهر” اولا من اثار الكولونيالية، وهي القضية التي اعادها إلى سطح الفكر الافريقي مبكرا مفكر ومناضل كبير مثل هارولد وولبي (20) H.Wolpe (جنوب افريقيا)،  بعدما كتب عن نظرية “الاستعمار الداخلي”- حالة جنوب أفريقيا (1975).

كان ” وولبي ” يشير إلى البنية التي يقيمها الاستعمار الاستيطاني لتأكيد وجوده في المنطقة في ذلك الوقت من القرن العشرين، معتمدا على سوق العمل الافريقي الرخيص لصالح الرأسمالية البيضاء المستوطنة. وقد صدق الرجل حيث ظل هذا الشعور الحاد  بعد عملية الانتقال من نظام الابارتهيد  1994،   دون مكاسب اجتماعية فعلية لطبقات الشعب الاسود الكادحة التي تحملته كثيرا. وقد صدرت في المنطقة الجنوبية هذه دراسات تحمل عناوين مثيرة عما بعد الابارتهيد ووضع المستوطنين الجديد، لفتني من بينها كتاب “ميشيل نوكوزموس” بعنوانه الموحي: “من الاهالي الأجانب إلى الاجانب الاهليين “From Foreign Natives to Native Foreigners، اشارة إلى نفوذ المستوطنين بعد استقرارهم. وقد جعل ّذلك شباب الباحثين في جامعات الجنوب الأفريقي، يحيون افكارا ثورية كانت قد غابت نسبيا عن الافق الافريقي (فرانز فانون- كابرال..) بل وراح آخرون يلتقطون الكثير الشائع في آسيا وامريكا الجنوبية عن تصفية الاستعمار decolonization، ولم يستسيغوا حتى القول بما بعد الاستعمار post-colonialism، باعتبار المصطلحين يخصان ظواهر حديثة، استطاع المستعمرون الجدد الإيهام بتجاوزهما عقب تحقيق الاستقلال الصوري، واقامة الدول الوطنية المتواضعة الاستقلال. هنا ظهرت أفكار تأسيسية جديدة عن الكولونيالية coloniality،   و”تصفية الكولونيالية”   decoloniality، ليعودوا بالمقاومة إلى جذور الكولونيالية في الاستيطان، وتجارة الرقيق، والاستعمار الجديد، وأساليب النيوليبرالية، فيما اصبحت تجمعه مفاهيم العولمة… ونقل شبان مثل” سابيلو ن. شابيتي”، و “ك. أوميجي ” بجامعة جنوب أفريقيا،  عن مفكرين مثل راندت “جروسفوجيل”، و”مالدونالدو توريز” من أمريكا اللاتينية، أفكارا باهرة وجديدة عن عناصر الكولونيالية في التكنولوجيا، ومركب السلطة الموروث،  بل والإبستمولوجيا ومناهج الجامعات البحثية، والتربوية… أي في ثلاثية شاعت عن السلطة، والمعرفة، والوجود الانساني، واتهم هؤلاء الشبان الجدد العولمة الجديدة، بنزع هذا الثالوث من افريقيا، مثلما فعلوا مع بداية الاستعمار عبر نفي معرفة افريقيا المبكرة للأدب او التاريخ، أو السلطة الديمقراطية، أو حقوق الانسان.  لا أريد هنا الإطالة في توجه المدرسة الجديدة القافزة من الجنوب الأفريقي إلا لأنهم لفتوا أنظار جماهير واسعة إلى ضرورة تصفية النيوكولونيالية أولا de coloniality، بل وأن ثورة الطلاب في جامعات الجنوب الإفريقي ضد مناهجها التعليمية والاضرابات الخاصة بإسقاط تمثال رمزي للاستعمار هو “سيسيل رودس”، باتت من أحداث  2015/2016 الدالة في هذا المجال.

ولم يغادر هؤلاء المتمردون الشبان الساحة رغم شدة الهجوم المضاد من داخل القارة. وهذه المرة من شخصيات أفريقية معروفة أيضا، وباتهامات تستدعي مرة أخرى لغة الاستفراق والاستشراق للحضور. يذكر هنا بالطبع شخصيات مثل “اشيلي مبيمبي” (21) A.Mbembe فيلسوف المرحلة العولمية الإفريقي الجديد (الكميرون)، و”كوامي آبيا” k.Appiah (غانا) و يستبعد موقفهما كل عناصر رفض الكولونيالي، ويطالب بتفكير واقعي  تجاه العالم الجديد، ليخرج الأفارقة من “الجيتو الفكري” الذي يحاصر قدرتهم على التفكير”، نتيجة كسل فكري مرتبط بمشاكل تقليدية قديمة عن الاستعمار وتصفية الاستعمار “.  ويبدو أن “مبيمبي” لم يشأ أن يخرج عن الإطار المعرفي السائد عن التحول التدريجي، فراح ينصح الأفارقة بالخروج من ” الجيتو الفكري ” ويقوموا بعملية تحول درامي ضروري لتقدمهم.

ورغم الهجوم الذي وجده مبيمبي من مفكرين آخرين كبار مثل “بول”زيليزا”   P.Zeleza  عالم الاقتصاد السياسي  (مالاوي ) واعضاء مجلس كوديسريا الذي كان مبيمبي يتولي ادارته لفترة، فإنه مازال يجد في الاعلام الغربي مساحة كبيرة جعلته يطلق تعبيرا خاصا به في وجه الأفارقة يسميه  TINA: “ليس هناك بديل  There is no alternative”.

   وبهذا يصطدم الفكر العولمي الجديد مع المحاولة الإفريقية المستقلة لبناء فكر وطني مختلف. وحين نعود لهيمنة مرحلة الاستعمار القديم أو صعوبات بناء الهوية الثقافية الوطنية في موجة التحرر الثانية، فإننا نحتاج لجهد كثيف خلال القرن الواحد والعشرين لنقيم بناء ممتدا ليس فقط على الساحة الإفريقية التي يراجع اصحابها بنيتها للجامعة الإفريقية، ولكن لتحرير كل ثقافات الجنوب من أجل عالم آخر أفضل.. وممكن…

___________________________________________________

  • باندونج وتضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية: حين عقد مؤتمر باندونج في إندونيسيا –إبريل 1955، جمع دولا متنوعة الأهواء السياسية، لدرجة أن بعضها كان في أحلاف عسكرية مثل حلف بغداد..الخ. ولذا فإن الدول التقدمية والاشتراكية التي حضرت مثل مصرو الصين والهند، عملت على تغيير هذا الموقف بالدعوة لمؤتمر تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية، بلقاء تم بين نهرو  وناصر. وانعقد المؤتمر في القاهرة أول يناير1958 جامعا مئات منظمات حركات التحرير الإفريقية والآسيوية وحركات الشباب وأحزاب وطنية. واتفق على رئاسة أنور السادات للمؤتمر وإقامة سكرتارية دائمة في القاهرة بأمين عام هو يوسف السباعى، وتجمع السكرتارية عددا من ممثلي الأحزاب الرئيسية القادرة على إرسال مندوب للسكرتارية الدائمة. وساعد السوفييت كثيرا في دعمها مع مصر، لكن الصراع السوفييتي الصيني أضعفها كثيرا. ومع ذلك فإنها قائمة حتى الآن  تهتم بالقضايا السياسية والتنموية برعاية محدودة من مصر، وبعض الدول الآسيوية والإفريقية الأخرى وبرئاسة د. حلمي الحديدي.

2- حسين مؤنس (1911 – 1996) أستاذ تاريخ – جامعة القاهرة – صاحب كتاب “مصر ورسالتها” الصادر1955، الذي يعتبر من مصادر التأثير على كتاب / مفهوم “فلسفة الثورة” للرئيس عبدالناصر. ثم كان له عشرات الكتب عن المؤرخين العرب” والحضارة العربية الإسلامية وخاصة في الأندلس.

– جمال حمدان: استاذ الجغرافيا (1928- 1993) – اشتهر بكتابه عن “شخصية مصر – دراسة عبقرية المكان” 1967 وذلك في اطار كتبه العديدة عن استراتيجية الاستعمار والتحرير” والعالم العربى، “وأفريقيا الجديدة” 1975…

-جورج بادمور G.Padmore (19.3-1959) ترينداد. من رواد حركة الجامعة الإفريقية – بدأ قريبا من نكروما، وكان قريبا من الحركة الشيوعية الدولية. وخرج عليها، ليبقى مستشارا لنكروما عند استقلال غانا مباشرة وكتابه الشهير: Pan Africanism or Communism 1956 .

– آدى أجايى: Ade Ajayi ( 1929-2014): من أكبر المؤرخين الذين اهتموا في نيجيريا بتراث ممالكها  ( اليوربا- بنين) – إلى جانب التراث الإسلامى والعربى. وظل في مركزه بجامعة إيبادان – غرب نيجيريا حتى وفاته،  وركزت اسهاماته على تأكيد قدم الحضارات الإفريقية وتاريخها الطويل. من أعماله: ألف عام من تاريخ غرب إفريقيا A Thousand years of west Africa History

3- من فلاسفة الاستفراق: يُذكر الكثيرون وخاصة من حضروأ الي مصر للتدريس او البحث امثال:” رينيه مونييه ” السوسيولوجي الفرنسي الذي كتب : “سوسيولوجيا المستعمرات ” ومن بريطانيا: “ايفانز بريتشارد”  صاحب: “الانثروبولوجيا الاستعمارية “, و”رادكليف براون ” المعروف بين مؤسسي النظرية الوظيفية ومناهج الانثروبولوجيا الاجتماعية وتنظيم المجتمع، والف الكثير بهذه العناوين نفسها

  • البناة العمليون للحضور الاستعماري مع الانثروبولوجيين

 – بول كروجر: (1825-1904) ترأس جنوب أفريقيا (العنصرية) من (1883-1900) وهو من أصل هولندى، وكقائد للبوير طالب لهم بالإستقلال في حكم جنوب أفريقيا ، ودخل الحرب ضد بريطانيا (1899-1902). وهو من طمح مع سيسيل رودس أن يصل بالطريق من كيب تاون الى القاهرة.

  • سيسيل رودس (1853-1902) مستوطن أوروبى من جنوب أفريقيا. رأس مستعمرة الكاب، شارك “كروجر” كل طموحاته السياسية، كما انشأ شركه “بيرز” للماس وأصبح من أكبر تجاره. وضم روديسيا التي سماها باسم روديسيا الجنوبية والشمالية وكان يطمح مع كروجر ان يمدوا خطا حديديا  من الكاب للقاهرة. وشارك “هرتزل” في بناء حلم اقامة “الدولة اليهودية ” علي نمط جنوب افريقيا. وقد عرف مؤخرا بسبب ثورة طلاب جامعة كيب تاون على وجود تمثاله وسط مبنى الجامعة وطالبوا بهدمه.
  • فردريك لوجارد F.Lugard (1858-1945) اشتهر أنه كابتن لوجارد، اللورد، والسير لوجارد حاكم عام نيجيريا، وواضع نظامها المحلى، المعروف باسلوب الحكم غير المباشر لحوالى عشرين عاما، كما اشتهر في الهند وغيرها في خدمة الامبراطورية في انحاء اقاليم أفريقيا وآسيا، باعتباره من العسكريين المتميزين.
  • ماركوس جارفى M.Garvey (1887-1940 ) أصله من جامايكا، وعاش في الولايات المتحدة. قاد حملات النهوض ضد العبودية، وتنظيم العمال السود لبناء قوتهم الاقتصادية وتحسين أحوال الزنوج والعودة إلى أرض أبائهم أفريقيا، ولكنه اساء كثيرا في ادارة مشروعات الزنوج فابعد من أمريكا ثم فشلت محاولاته في انجلترا أيضا فعاد الى جامايكا.
  • وليم ديبويس: Du Bois (1868-1963 ) وتُنطق احيانا ” دى بوا” عالم اجتماع وتاريخ وناشط سياسى امريكى من أصول أفريقية. درس في هارفارد وحصل على الدكتوراة منها. من قادة حركة الحقوق المدنية للسود ورابطة الملونين، ومن اكبرمؤسسي حركة الجامعة الأفريقية Pan Africanism. عقد لحركة الجامعة الأفريقية خمس مؤتمرات بين 1900 – 1945. وزار مصر ومات في غانا، وله عشرات الكتب عن التاريخ الإفريقى “وروح الشعب الأسود” ترجم معظمها الى العربية
  • محمد على دوس: (1866 – 1945): من أصول سودانية ومصرية. ويتنافس الكتاب السودانييون والمصريون على اثبات هذه الأصول، كل من جهته، رغم ان الرجل عاش في انجلترا والولايات المتحدة ونيجيريا معظم حياته، كفنان مسرح ثم كاتب وصحفى، وعضو بارز في مسيرة حركة الجامعة الأفريقية، بالتعاون مع وليم ديبويس أساسا. واستقبل الوفد المصرى في لندن 1919، وعاونه في مهمته دعائيا. وظل بالخارج حتى موته في لاجوس.، والف كتابا عن مصر أرض الفراعنة 1916، وراس تحرير صحيفة ديلى تايمز 1931 في نيجيريا. وقدعقد مؤتمر “الرابطة المعادية للإمبريالية” League against imperialism في بروكسل – فبراير 1927. منظمة شباب حركة الجامعة الأفريقية، وبمشاركة شخصيات كبرى مثل إينشتاين والسيدة صن يات صن ونهرو. وحضره من الشمال الإفريقى مصالى الحاج (الجزائر)، كما حضره من مصر ممثلو الحزب الوطني والحزب الوطنى الراديكالى (محمد حافظ رمضان + ابراهيم يوسف). وكان خطاب حافظ بك رمضان موضع عدم الرضا لأنه رفض الحديث عن مصر كمستعمرة بل دولة مستقلة…
  • الممالك الإفريقية: جزء من المكون التاريخى الغنى لإفريقيا، بعضها بات مشهورا لسبب أو لآخر، والبعض يحتاج لمعرفة ودراسة أكثر. والملفت أنها منذ عرفنا الكثير عن ممالك الأمازيغ، والفينيقيين في الشمال الإفريقى، لم نمد النظر جنوبها للتعرف على السلطة التي وحدت الطوارق في صحراء غرب القارة، أو الممالك التي أقامها أبناء هذا الغرب من أول جبال “فوتا جالون” ( غينيا)، حتى تشاد ودارفور، وهنا تذكر أولا مملكة “غانا” التي سمى “نكروما” بلاده باسمها خارج موقعها، ثم “مالى” التي أسسها أبناء الماندنج وقائمة حتى الآن، ومملكة “بنين” على الساحل الممتد من نيجيريا ودولة بنين، وتشتهر بأجمل التماثيل والوجوه في العالم، وهناك مملكة ” كانم بورنو” في شمال شرق نيجيريا ؛ وهى سلطنة قديمة احتفلت بمرور ألف عام على تأسيسها مؤخرا، لكن وجود “بوكو حرام” على نفس الأرضية منع معرفتنا بهذا الجانب… وهناك في الجنوب الإفريقى ممالك معروفة أيضا مثل “الميتابيلى” التي توجد على أرضها آثار زيمبابوى الشهيرة، ثم جنوبها مملكة “الزولو” التي ما زالت تفرض استقلاليتها داخل جمهورية جنوب إفريقيا. ويرجع في التعريف بكل ذلك “لموسوعة اليونسكو عن التاريخ العام لإفريقيا “، وحتى لكتاب مستفرق مثل “سبنسر ترمنجهام” (1904-1987) Termengham…والاخير إنجليزى، من أشهر من كتب عن تاريخ الإسلام والصوفية في أنحاء إفريقيا أكثر من عشركتب بعد دراسته للعربية والفارسية، وقام بالخدمة الكنسية في مصر والسودان ثم لبنان ( 37-1953-1964) – تزوج من باحثة في أورشليم – القدس 1932.
  • وليم كولى (Cooley) – توفى 1883: اشهر اعماله:العرب في أرض الزنوج The Negro Land of the Arabs جغرافى انجليزى – طبع كتابه لأول مره 1841. دار في أفريقيا كثيرا وفى كتابه عرف بالجغرافيين والرحاله العرب، وتحقق وقارن مع جهدهم ورحلاتهم على مختلف الطرق والبلدان الأفريقية. وبقى عمله دليلا للأوروبيين بعد ذلك رغم اختلاف وجهات النظر أحيانا كثيرة، ويقارن به أيضا عالم من شرق أوربا هو ” تاديس لويكى” T. Lewicki وكتابه الذي راجع فيه الأدبيات الجغرافية العربية على الواقع الإفريقى كما يدل اسمه

10- احمد مختار امبو M.Mbow (1921-…) سنغالى تخصص في قضايا التعليم، وعمل باليونسكو من عام 1953 حتى أصبح مديرها العام بين 1974 – 1987. اهتم بقضايا الثقافة الوطنية والهوية في بلدان العالم الثالث وحماية تراثها. رفضت الولايات المتحدة التعاون معه، على اساس أنه ليس متمشيا مع أهداف المنظمة، من أهم أعماله رعاية مشروع كتابة التاريخ العام لإفريقيا في حوالي ثمانية أجزاء، وترجمته للغات الكبرى، ويعيش الآن بين داكار والمغرب.  ولا يفوتنا هنا ذكر عالم سنغالى آخرهو الراحل العظيم ” شيخ أنتا جوب، أو “ديوب” Chiekh.A.Diop (1923- 1986) والذى شُغل بأصل الحضارة الانسانية وتصنيف الأجناس، مؤكدا على الأصل الإفريقى للحضارة، بما فيها الحضارة الفرعونية. ودخل هذه المعركة منذ دراسته للدكتوراه في باريس أوائل الخمسينات، وكتب عام 1955 دراسته عن “الأمم الزنجية والثقافة” ثم “الحضارة أو البربرية ” عام 1981، وكذا ” الأصل الإفريقى للحضارة 1974. وكان ” شيخ أنتا ديوب ” منافسا سياسيا “لسنغور”، لكن فرنسا كانت وراء استقرار الأخير في السلطة لوقت طويل.

  11-جوزيف كى – زيربو J.Ki-Zerbo (1922-2006). مؤرخ بارز من بوركينا فاسو. اهتم بكتابة تاريخ إفريقيا، وبرز بعمله في اعداد موسوعة “التاريخ العام لإفريقيا” مع اليونسكو. كما كتب تاريخ افريقيا السوداء  والتنميه الذاتية….ألخ كان يميل للبقاء في داخل بلاده، وعمل بالسياسة الديمقراطية أحيانا ومثله كان  بنفس القيمة في شرق افريقيا ( كينيا ) البروفيسور بثويل  اوجوت B. Ogot المؤرخ المؤسس  للتاريخ الاجتماعي لشرق افريقيا  ومجلة Hadith ومكتب الادبيات لشرق افريقيا

 12- المجلس الإفريقى لتنمية البحوث الاجتماعية (كوديسرياCODESRIA): تشكل المجلس في داكار عام 1973 كمنظمة ثقافية غير حكومية. قام بتأسيسه مجموعة من المثقفين التقدميين لمعالجة قضايا البحث الاجتماعي غير المقيد بخطط الحكومة التقليدية. وضمت مجموعة المؤسسين د. سمير أمين، وعبدالله بوجيرا… وغيرهم. وقد وجد دعما ملموسا من الرئيس سنغور. ويعقد جمعية عمومية من أعضائه كل 3 سنوات حيث تضم عضويته نشطاء الباحثين والمراكز البحثية غير الحكومية، وتنتخب الجمعية العمومية رئيسا، ولجنة تنفيذية، كما يعين اللجنة سكرتيرا تنفيذيا، كان من أشهر القائمين عليه عبدالله بوجيرا (كينيا) وتانديكا مكانداويرى (مالاوى) وأديبايو اولوكوشى (نيجيريا). وكان لى شخصيا حظ عضوية اللجنة التنفيذية لدورتين وكان ” أشيلى مبيمبى” (الكمرون) أمين المنظمة لفترة من اواخر التسعينيات مصمما على موقفه في الدعوة لما بعد الحداثة ودعم العولمة.

-جمعية العلوم السياسية الافريقية  African association of political sciense واشتهرت بمختصرها  (AAPS ) من اوائل المنظمات  العلمية التي نشأت اوائل السبعينيات لتجمع شمل مجموعة من المثقفين التقدميين , وكانت نشأتها في جامعة دار السلام من كافة جامعات ومراكز القارة وتولت قياداتها شخصيات علمية وسياسة من زيمبابوي (شاموياريرا )  ونيجيريا ومص روالسنغال واوغندا وكينيا

13- كتابة اللغات الإفريقية بالحرف العربي (العجمي): هي عملية مواجهة تجاهل الأوروبيين  لمعرفة الأفارقة بالكتابة إلا عقب وصول الاستعمار للقارة، من وجهة نظرهم، باستثناءات مثل مصر واثيوبيا…الخ. وحتى عندما انعقد أول مؤتمر حول اللغات الإفريقية باليونسكو 1969 أكدوا نفس الموقف. لكن بدأت ردود الفعل على مستوى منظمة الوحدة الإفريقية وبعض المنظمات العربية الأخرى لجمع مواد الكتابة الإفريقية المبكرة بالحرف العربى فيما يسمى “بالعجمى” وخاصة مع توفر مخطوطاته وأمثالها في غرب وشرق إفريقيا. وبذلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليكسو) جهدا في هذا المجال بقيادة الراحل محى الدين صابر (السودان) كما اهتمت المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة بنفس الموضوع… لكن اليونسكو لم يراجع موقفه، إلا بشكل محدود حيث ما زال يبحث في الكتابة الإفريقية بالحرف اللاتينى. وانشأ الاتحاد الإفريقى وأليكسو معهدا في باماكو للبحوث الثقافية (2002) وكان لى شرف إعداد مجلدين يحملان نصوصا من ستة عشر لغة إفريقية مكتوبة بالحرف العربى، ويجرى نشرهما في هيئة الكتاب المصرية باسم ” تراث اللغات الإفريقية بالحرف العربى ( العجمى ).

14- الإصلاح الدينى والحركات الإسلامية: بدأ نفوذ الممالك الإفريقية الشهيرة مثل مالى والسنغاى وبرنو، في الضعف كممالك مع ضعف اقتصادها من خلال تجارة الرقيق الأطلنطية. وهنا تحولت الممالك السياسية إلى دعوات دينية، باتت شهيرة بدورها على نحو ما ذكرنا قبلا عن التيجانية والمريدية.. وقاد أبناء قبائل قوية حركة توحيد وإنهاض باسم الدين ؛ ولذا سمى قادتها بقادة الإصلاح الدينى، وكان من أبرزهم “الشيخ عثمان دان فوديو”(1754-1818) على رأس الشعب الفولانى الواسع الانتشار. وعرف كفقيه ومعلم وحاكم منذ عاد من الحجاز أواخر القرن الثامن عشر، فكون ما عرف”بالجماعة”، وأعلن الجهاد، وسيطر على المنطقة إلى أن ركز سلطته في “سوكوتو”، وترك الحكم لأولاده حتى وفاته. اشتهر دان فوديو بمؤلفاته عن: “وجوب الهجرة على العباد وبين تنصيب الإمام وإقامة الجهاد ” وكذا “إرشاد العباد إلى أهم قواعد الجهاد” و”إحياء السنة وإخماد البدعة” وكان له في ذلك جدل فكرى وسياسى مع “الأمين الكانمى” الذي  كانت حركته في مملكة كانم -برنو.

15- مالك بن بنى: (1905-1973) (الجزائر) مفكر اسلامى، اهتم بمشكلات تخلف المسلمين، وكتب “شروط النهضة”، وشرح فيه نظريته عن  القابلية للاستعمار”. ثم كتب مشكلة الأفكار في القرن العشرين كاحد أهم أعماله، كما كتب فكره الأفريقية الآسيوية” وكان مقيما في القاهرة،ثم غادرها إلى الجزائر مع الاستقلال ليكمل حياته في باريس.

16- على مزروعى: Ali Mazrui (1933-2014): كينى من عائلة كبيرة، ذات اصل خليجي، كانت حاكمة طويلا في ممباسا. اشتهربمواقفه  الليبرالية ازاء نظم الحكم الإفريقية. ودرس في عدد من جامعتها، والجامعات الأمريكية، آخرها مديرا لمركز دراسة الحضارات العالمية. اهتم بالدراسات العربية الإسلامية، وكتب كثيرا عن التراث الثلاثى في إفريقيا (اسلامى – أوروبى – تقليدى إفريقى) كما اهتم بالعلاقات العربية الإفريقية فيما عرف بنظرية أفرابيا Afrabia – الف عشرات الكتب أهمها ما صدر عن العولمة والثقافة، والمثقفون، وأمراض إفريقيا..

17- آرشى مافيجىArchie Mafeje  ( 1936-2007) عالم انثروبولوجيا واجتماع من جنوب إفريقيا. درس حتى درجة الدكتوراه في جنوب إفريقيا، لكن ارتباطاته السياسية اليسارية، أدت إلى ابعاده من البلاد في منتصف الستينيات. عاش مدة في هولندا وتزوج من الأستاذة شهيدة الباز المصرية في لاهاى، ثم جاء للتدريس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. كتب عن المسألة الوطنية، واطلق مفاهيم جديدة عن مفهوم القبلية، ورفض قديم الأنثروبولوجيا حتى بشر بنهايتها لصالح مفهوم جديد للاثنوجرافيا، وكان مهتما في دراساته بمنطقة البحيرات العظمى وشعوبها، ودخل في جدل حول قضايا الماركسية، والتشكيلات الاجتماعية، والأيديولوجيا والتنمية، والبحث عن البدائل. من أهم كتبه التي ترجمها مركز البحوث العربية والإفريقية: The Theory and  Ethnography  of African Social  Formations.

 18- مؤتمرات السيادة الوطنية الشعبية: هى التسمية التي سادت بين عام 1989 وأوائل التسعينيات من القرن الماضى، وبدأت الظاهرة في شكل خروج الجماهير في انتفاضات واسعة للسيطرة على العاصمة وإسقاط الحكومات القائمة، خاصة إذا كانت ذات أصول عسكرية، لتقيم لجانا شعبية للحكم المؤقت حتى وضع الدستور، واجراء الانتخابات الديمقراطية. وشمل ذلك حوالى عشر دول إفريقية أشهرها بنين والنيجرومالى وغينيا الاستوائية وغانا ومدغشقر ثم الكونغو برازافيل، والكونغو كينشاسا(زائير وقتها) وكانت هذه التحركات تتضمن نشاطا ملحوظا للحركات الاجتماعية واللجان الشعبية والحركات الطلابية، بل وبعض العسكريين الديمقراطيين. واستهدفت تحقيق  السيادة الشعبية بمختلف أشكالها حتى  يقوم الحكم الديمقراطى المستقل.   لم تنج هذه الحركات من الفشل بسبب عدم القدرة على إجراء تغييرات اقتصادية واجتماعية مناسبة بسبب الديون وبرامج التكيف الهيكلى التي فرضتها  القوى الخارجية.

19- مفكرو الدولة التنموية الديمقراطية: بعد فشل نموذج حركات المؤتمرات الشعبية أمام سياسات النيوليبرالية والإفقار، بدأ  التفكير الجديد في دفع نهج التنمية ببدائل شبه وطنية مع استمرار نقد بدائل العولمة، ولتستفيد الشعوب من أية تغييرات سياسية برز مصطلح “الدول التنموية الديمقراطية “.

 وقد برزمن بين  المجتهدين في هذا الاتجاه من علماء الاقتصاد السياسى:

– تانديكا مكانداويرىThandika  Mkandawire   (مالاوى) (1940-…). وقد اكتسب خبرة واسعة في الدراسات الإفريقية من موقعه لفترة طويلة كسكرتير تنفيذى للمجلس الإفريقى لتنمية العلوم الاجتماعية CODESRIA، ثم انتقاله لإدارة معهد بحوث التنمية الاجتماعية للأمم المتحدة UNRSD بين 1998-2009، ثم أستاذا لكرسى التنمية الإفريقية في مدرسة لندن للاقتصاد والدراسات الإفريقية. وقد ألف بروفيسور مكانداويرى عن: السياسة الاجتماعية 2001- القارة الإفريقية، مستقبلنا 1999- والمثقفون الأفارقة 2005 وغيرها من الكتب الهامة، وكان ناقدا للمدرسة اليسارية والنيوليبرالية تجاه مفاهيم التنمية والتغيير، تحكمه خبرته العملية في الدراسات الميدانية الإفريقية.

– ياش تاندون Yash Tandon- ( أوغندا) (1939-…)من علماء الاقتصاد السياسى، بدأ في مدرسة اليسار النشطة بجامعة دار السلام، ومؤسسا للجمعية الإفريقية للعلوم السياسية، وشارك في إزاحة “عيدى أمين ” في أواخر السبعينيات، ثم ذهب إلى أوربا ليدير معهد الجنوب لفترة ثم أخيرا أستاذا بمدرسة لندن للدراسات الإفريقية.

خلال ذلك اكتسب خبرة كاستشارى اقتصادى لمجموعة من الدول النامية مناهضا لبرامج مجموعة “ديفوس، ومديرا لمعهد الجنوب بجنيف . ولذا كتب عن منظمة التجارة الدولية، والمساعدات ومصيرها ودفاعا عن الديمقراطية، كما كتب عن العسكريتارية وتعليم السلام، والتفكير المختلف في التنمية والعولمة…

20- مدرسة تصفية الكولونيالية Decoloniality: وهى المدرسة التي تمثل قلقها حول تصفية الاستعمار إزاء الاحساس بثقل وقع الابارتهيد وتمثيل المستوطنين لأسوأ أنواع الاستعمار. وهو الاحساس الذي بدأ ينتشر عند “هارولد وولبى” H.Wolpe  (جنوب إفريقيا) عالم اجتماع واقتصاد سياسى (1926-1996) سجن في بلاده في الستينيات ثم هاجر لأوربا أستاذا في Essex وغيرها، وألف أهم كتبه عن الجنس والطبقة ودولة الابارتهيد، وتمفصل أنماط الانتاج، والاستعمار الداخلى..الخ. وكان اهتمامه الرئيس حول العمالة والهجرة الداخلية في الجنوب الإفريقى، واستغلال العمل الرخيص كتمثيل لمعنى الاستعمار الداخلى من عدة وجوه.

-وحديثا تواصل مجموعة من الباحثين الشبان في العمل علي  كشف أبعاد الكولونيالية بعدما تم في جنوب افريقيا ما يسمى بالتحول الديمقراطى ونهاية الأبارتهيد، باعتبار النظام الاجتماعى والاقتصادى القائم هو نفسه احد صيغ الكولونيالية، ولذا صدر عدد من الكتب عن تصفية الكولونيالية مثل كتاب K.Omeje عن” أزمة ما بعد الكولونيالية” وكتاب ” كولونيالية السلطة” لمؤلفه “ندلوفو جاتشينىNdlovu Gatcheni    (كوديسريا2013) وتحيل عناوينها إلى مدى الشك في تحقيق الاستقلال مادام لم يحدث تغيير أساسى في مفهوم تصفية الاستعمار، فضلا عن عدم توفر اجراءات اجتماعية  اقتصادية مناسبة

 21-مدرسة العولمة وتجاوز التفكير في المسألة الاستعمارية، ويمثلها الآن في الرد على مسألة تصفية النيوكولونيالية أو ما بعد الاستعمار، أستاذ للعلوم السياسية (الكمرون) هو أشيلى مبيمبى Prof: Achilli Mbembe (1957-..) تعلم في فرنسا والولايات المتحدة. ومن أهم مؤلفاته التي يشتهر بنظرياته من خلالها كتاب حول ما بعد الاستعمار 2001، وكذا كتابه “نقد العقل الزنجى 2013″، والاشارة هنا لنقده للتفكير الإفريقي التقليدي، واعتباره أن الفارقة يحاصرون أنفسهم في “جيتو فكرى” نتيجة استمرار تقاليد فكرية فيما بعد الاستعمار، وخاصة حول سياسات العداوة…

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة