صراع المياه

قضايا

29  أكتوبر  2018

الماء هو جوهر الثقافة وأساس الحياة. فهو محوريا للوجود المادي والثقافي للمجتمعات في جميع انحاء العالم،ولسوء الحظ فإن هذا المورد الثمين تحت التهديد الآن. وأزمة المياه هي الاكثر انتشارا والاكثر حدة، وهي أكثر بعد غير مرئي للتدمير البيئي للأرض.

من يملك الماء؟ هل هو ملكية خاصة أم مشتركة؟ ما هي أنواع الحقوق التي يحظى بها الناس أو ينبغي أن يحظوا بها؟ ما هي حقوق الدولة؟ ما هي حقوق الشركات وأصحاب المشاريع التجارية؟ عبر التاريخ كانت تلك هي الأسئلة الأساسية التي أزعجت المجتمعات. والآن نحن نواجه أزمة مياه عالمية، تنذر بأن تزداد سوءا على مدي العقود القليلة القادمة. وفي الوقت الذي تتعمق فيه الأزمة تبذل جهود جديدة لإعادة تعريف حقوق الماء. حيث ينحو الاقتصاد العالمي لإزاحة تعريف الماء من “ملكية مشتركة” الي كونه “بضاعة خاصة” يتم استخلاصها والاتجار فيها بحرية. كما يسعي النظام الاقتصادي العالميإلى إزالة كل حدود وضوابط استخدام الماء وترسيخ مفهوم “أسواق الماء”. فاقتراحات التجارة الحرة للماء تري ان الملكية الخاصة هي البديل الوحيد لملكية الدولة وأن الأسواق الحرة هي الإحلال الوحيد للتنظيم البيروقراطي لمصادر المياه.

يتطلب الماء – أكثر من أي مصدر طبيعي آخر – أن يظل بضاعة عامة تحتاج لتنظيم المجتمع لها، في الواقع تحظر أغلب المجتمعات الملكية الخاصة للماء. وتعتبر المراجع المستقرة أن الماء بضاعة عامة، ووفقا لقانون الطبيعة فان الأشياء المشتركة بين كافة البشر تشمل الهواء والماء الجاري والبحر وبالتالي شاطئ البحر. وفي معظم الدول نظر تقليديا الي الفضاء والهواء والماء والطاقة بوصفهم خارج عالم علاقات الملكية. وفي الثقافة الإسلامية مثلا، كفلت الشريعة بالأساس الوصول للماء بوصفه قاعدة مطلقة للحق في الحياة حيث أن “الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ” وهو ما يماثل الملكية العامة لوسائل الانتاج في العصر الحديث.

وبالرغم من أن ثلثي مساحة سطح الكوكب مغطاة بالماء فإننا نواجه نقصا حادا في المياه. وتعد ازمة المياه هي الاكثر انتشارا والاكثر حدة. في عام 1989، عانت 28 دولة من ازمة أو ندرة مياه. ومن المتوقع ان يزداد العدد إلى 56 دولة بحلول عام 2025. وينتظر أن يزيد عدد البشر الذين يعيشون في دول بدون مياه كافية من 131 مليون إلى 817 مليون إنسان.

يقال ان الدولة تعاني من أزمة مياه خطيرة إذا كان نصيب الفرد أقل من (1000) متر مكعب من المياه سنويا. تحت هذه الحد تحدث اعاقة ملحوظة للصحة والتطور الاقتصادي للدولة. وعندما يتدنى نصيب الفرد السنوي من المياه عن (500) متر مربع سنويا فان حياة الافراد تتعرض للخطر بشكل محزن. ومنذ عام 1970 هبط نصيب الفرد عالميا من المياه بنسبة 33%. وهذا الهبوط ليس بسبب الزيادة السكانية وحده ولكنه تفاقم بسبب زيادة استخدام المياه. فأثناء القرن الماضي تجاوز معدل سحب المياه معدل الزيادة السكانية بضعفين ونصف.

في عام 1995 تنبأ إسماعيل سراج الدين – نائب رئيس البنك الدولي حينئذ – نبؤه كثيراً ما تم اقتباسها فيما بعد عن مستقبل الحروب حيث قال ” إذا كانت حروب القرن العشرين قد اندلعت بسبب البترول، فان الحروب في القرن الحادي والعشرين ستندلع بسبب المياه “. ويبدو أن سراج الدين كان على حق حسبما تشير الدلائل. فالقصص التي تروي عن نقص الموارد المائية في الهند والاراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا والعراق والصين وبوليفيا وكندا والمكسيك وغانا والولايات المتحدة أصبحت تتصدر عناوين الصحف الكبرى والمجلات والدوريات الأكاديمية. ففي يوم 16 أبريل 2001 وعلى صفحتها الاولي، نشرت جريدة “نيويورك تايمز” قصة إخبارية عن ندرة المياه في ولاية تكساس. وعلى غرار نبؤه سراج الدين، تكهنت الجريدة بأن “الماء وليس البترول قد أصبح الآن في تكساس بمثابة الذهب السائل”.

وبالرغم من أن سراج الدين وجريدة “نيويورك تايمز” كانا على حق بشأن الأهمية التي ستحتلها المياه في صراعات المستقبل، إلا أن حروب المياه لم تعد شيئا من المستقبل. فهي تحيط بنا بالفعل، برغم صعوبة إدراك أن تلك الحروب تدور بسبب المياه أحيانا. فالصراعات بين الدول حول كيفية استخدام الموارد المائية والتوزيع العادل لها قد تتحول الي حروب بالبنادق والقنابل. كما تحدث تلك المصادمات بشكل شبه يومي بين المزارعين في البلدان التي تعاني من الفقر المائي.

وتتحول بلدان عديدة الآن من الوفرة المائية الي ازمات مائية طاحنة. فتجف الأنهار التي كانت تتدفق طيلة ايام السنة بسبب تحويل المجاري المائية وتشييد السدود على جداول الانهار وحفر الابار في الطبقات الصخرية لمناطق تجميع الامطار وانتشار زراعة النباتات لأغراض صناعية والتي تتميز باستهلاك كميات كبيرة من المياه العذبة ناهيك عن التلوث الذي يسمم مصادر المياه نفسها. وفي حالة بعد اخري تصبح قصة ندرة المياه قصة الجشع وقصة التقنية المهملة وقصة الاخذ بأكثر مما تستطيع الطبيعة تجديده او التخلص من فضلاته.

وبين التعامل مع الماء في الثقافات القديمة، كشيء مقدس ينبغي توفيره في اواني فخارية على الطرق العامة لعابري السبيل وبين تحويله الي سلعة رأسمالية تقدم في زجاجات معبأة تحمل شعار الشركات الكبرى، يدور الصراع بين ثقافتين. ثقافة تري أن الماء شيء مقدس تتعامل مع مسألة تدبيره كواجب من أجل الحفاظ على الحياة، وأخري تري أن الماء سلعة من حق الشركات امتلاكها والإتجار فيها كحق أساسي. إن ثقافة التسليع في صراع دائم مع ثقافة الشراكة التي تعتبر أن أخذ الماء أو منحه هو هبة مجانية من الطبيعة. كما أن ثقافة عصر البلاستك الملوثة للبيئة في صراع مع ثقافة حضارات قامت على الأرض والطين ومع ثقافات التجديد واستعادة الشباب. فلنتخيل مثلا حجم جبال فضلات البلاستك التي ستنشأ بعد استخدام زجاجات المياه المعدنية المعبأة، وما هي كمية الماء التي سوف تدمرها مستودعات البلاستك تلك.

ان دورة الماء هي عملية بيئية يتم من خلالها تلقي المياه بواسطة النظام البيئي كالأمطار والثلوج، كما يعيد هبوط الرطوبة شحن المجاري المائية والآبار والمياه الجوفية. ان منح المياه للنظام البيئي المعين لمنطقة ما يعتمد على الطقس والجغرافيا الطبيعية والحياة النباتية وطبقات الارض لتلك المنطقة. وعند كل تلك المستويات فان الانسان الحديث قد اساء استعمال الارض وقام بتدمير مقدرتها على استقبال وامتصاص وتخزين المياه. فإزالة الغابات وحفر الابار قد دمر قدرة اماكن تجميع الامطار على الاحتفاظ بالمياه. وبفضل الزراعة احادية الثقافة صار النظام البيئي جافا. كما تسبب الاستخدام المتنامي للوقود الاحفوريفيجعل التلوث الغلاف الجوي والتغيرات المناخية مسئولين عن الفيضانات والجفاف والاعاصير المتكررة.

فوفقا للنظام الذي تعمل به الطبيعة، تحتفظ الغابات والخزانات الطبيعية بالمياه في اماكن تجمع المطر وتطلقها على شكل تيارات أو ينابيع،ويتم حصر المطر الساقط أو الثلوج بواسطة طبقة الاغصان التي تحمي التربة وتزيد من قدرة أرضية الغابة على امتصاص المياه، بعض هذا الماء يعود ويتبخر الي الغلاف الجوي. فاذا كانت ارضية الغابة مغطاة بأوراق الشجر والقش والمواد العضوية فإنها تحتفظ بالمياه وتعيد انتاجها،بينما يتسبب قطع اشجار الغابات والزراعة احادية الثقافة في السماح للمياه بالتسرب وتدمر قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه. ويعد حفر الابار مدمرا لمناطق تجميع الامطار، فبالإضافة لتدمير الموارد المائية يتسبب الحفر عند المنحدرات الشديدة في انهيارات ارضية وملئ الانهار والمجاري المائية بالأنقاض. كما يؤدي حفر مناجم الحجر الجيري المستخدم في بناء المنازل الي تدمير أودية الانهار القريبة، إذ يتم تجاهل قيمة الفجوات الارضية العميقة التي هي بمثابة خزانات طبيعية للمياه.

ففي الهند مثلا وعلى الساحل الشرقي كانت “شيرابانجي” من أكثر المناطق بللا على وجه الارض. حيث كان المطر يسقط سنويا بارتفاع 11 متر سنويا، واليوم لم تعد الغابات موجودة واصبحت تعاني من مشكلة في مياه الشرب. كما اختفت جداول مياه الهيمالايا، وبعدما كانت القري تكتفي بإنتاجها الذاتي من الغذاء اصبحت مضطرة لاستيراد الغذاء عندما جفت مصادر المياه. وباختفاء الغابات، اصبحت الفيضانات أكثر كارثية كما تكررت انهيارات التربة عاما بعد عام. وهذا يشير الي خطأ جذري في الهيمالايا مثلا،يرتبط بالغابات دون شك، لكن ليس له علاقة وحسب بإزالة الغابات كما يعتقد بعض الناس، بل يرتبط بدرجة كبيرة بتغير نوعية الاشجار المزروعة في الغابة من البلوط الي الصنوبر الذيراح يزحف شيئا فشيئا نحو المنحدرات الجنوبية شديدة الانحدار والتي سمحت لمياه الفيضان فيما مضيبالانسياب للسهول في الاسفل. وفي الحقيقة فان قسم الغابات شبه التجاري يميل الي غلق عينيه عن تلك الظاهرة، لأن البلوط لا يمد حصالات المستثمرين بالنقود في حين أن الصنوبر مربح لهم جدا،بالرغم من قيمة طبقة الاوراق والقش في غابات البلوط كميكانيزم أولي للاحتفاظ بالمياه في مصبات جبال الهيمالايا.

وفي اجزاء اخري من العالم الثالث، أصبحانتشار نبات “الاوكاليبتوس”المستخدم في صناعة الألياف والورق يمثل تهديدا مباشرا لمصادر المياه. فالاوكاليبتوس متكيف بيئيا مع موطنه الأصلي في استراليا ويشكل خطورة على المناطق التي تعاني من قلة المياه. وفي دراسة قام بها القسم المائي بالمركز الأسترالي العلمي ومنظمة البحوث الصناعية، وجد أنه بمرور السنين تم فقد ما يقرب من ألف ملليمتر من التربة والرطوبة والمياه الجوفية بواسطة الاوكاليبتوس. وفي كافة الانحاء الأسترالية، اثبتت التقارير التدمير السريع للموارد المائية كنتيجة للتوسع الكبير في زراعة الاوكاليبتوس. وفي الهند، بلد الفقر والجوع والمعدمين،حيث معظم السكان بلا أراضي والقليلون الذين يملكون الارض يكونون سعداء إذا استطاعوا الحصول علىكفايتهم من الموارد،قام الفلاحون في عام 1983 في ولاية كارناتاكا بالتجمهر والتوجه الي المشتل الزراعي بالغابة حيث قاموا باقتلاع شتلات الاوكاليبتوس ثم قاموا بغرس بذور المانجو والتمر الهندي مكانها. وفي جنوب افريقيا قامت النساء بحملة ضخمة قاموا خلالها بقطع اشجار الاوكاليبتوس التي تسببت في تجفيف الجداول المائية والمياه الجوفية،كما تم تأسيس برنامج العمل من اجل المياه برعاية قسم الشئون المائية والغابات بجنوب افريقيا لتجديد الموارد المائية وذلك من خلال التخلص من النباتات الاجنبية مثل الاوكاليبتوس الذياجتاح اكثر من 10 مليون هكتار واستهلك 3.3 مليار متر مكعب من المياه على حساب الزراعات التقليدية المحلية. وبعد فترة قصيرة من ازالة الاوكاليبتوس من على ضفتي النهر ارتفع معدل جريان الماء فيه بنسبة 120 %.

لا شكان إدراك القيمة الاجتماعية والايكولوجية للمورد الطبيعي سيؤدي بالضرورة الي الاستخدام العادل والمستديم. وفي المقابل فان تقييم المورد الطبيعي فقط بمصطلحات سعر السوق سيخلق نموذجا للاستخدام غير المنصف وغير المستديم.لان السعي لتحقيق التوازن البيئي والايكولوجي، يفترض حل الصراع بين التنمية وصيانة الموارد الطبيعية، بالإضافةإلى العمل على تحقيق الحاجة للتوفيق بين الاثنين، فربما يكون غلق منجم ما، هو الثمن الذييتوجب دفعه لحماية وتأمين حق الناس في العيش في بيئة صحية وبأقل اضطراب للتوازن البيئي وبلا مخاطر كالتي يمكن تجنبها.

بالرغم من نجاح حركات البيئة في عديد من البلدان في وقف اعمال المناجم في اماكن تجمع المياه لحماية الانهار،الا أنه ولسوء الحظ فان العولمة تقلب تلك الانتصارات الديموقراطية والبيئية، حيث مازال يؤديانتشار المناجم واعمال التعدين في غالبية المناطق الحساسة الي تجريف المخزون الطبيعيبما يؤثر سلبا على انظمة الحماية البيئية مما يعرض تلك المناطق لمجاعات مائية. وبصرف النظر عن نوعية النشاط الرأسمالي، سواء كان صناعة صيد الاسماك او اعمال التعدين أو تجريف الغاباتأو استزراع النباتات لأغراض صناعية، فإن الشركات لا تتوقف عن تدمير مصادر المياه الا عندما يرغمهم المواطنون خلال العمل المباشر او حتىمن خلال المحاكم.

إن الصراع على المياه يجري بين المجتمعات، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، كما نري ملامحه بين افراد المجتمع الواحد. وبهذا المعني فان حروب الماء تعد حروبا كونية،وهناك ضرورة ايكولوجية تحتم الصراع ضد ثقافة الجشع واحتكار الماء المشاع. فهناك حروب حقيقية حول الماء فيما بين الاقاليم وبين الدول وداخل المجتمعات سواء في البنجاب أو في فلسطين المحتلة. فالعنف السياسي قد ينشأ نتيجة للصراع حول مصادر الماء الحيوية والنادرة. وفي بعض هذه الصراعات يكون دور المياه جلياً كما في حالة سوريا وتركيا أو العراق وتركيا أو مصر وإثيوبيا. لكن هناك بعض الصراعات المستترة والمطموسة حول مصادر الماء. فالذين يمتلكون القوة يفضلون ان يكسبوا حروب المياه بصبغة الصراع العرقي والديني. ويكون هذا التمويه سهلا حيث ان المناطق الواقعة على امتداد الأنهار يقطنها مجتمعات عديدة بمختلف الجماعات واللغات والعادات. ويسهل دائما تلوين الصراعات التي تنشا بسبب الماء في تلك الاقاليم بلون الصراع العرقي والديني.

ففي إقليم البنجاب، يعتبر النزاع على مشاركة مياه النهر مكونا هاما للصراع الذي دار طيلة عقد الثمانينات من القرن الماضي وأودي بحياة أكثر من خمسة عشر ألف قتيل. ومع ذلك فان الصراع الذي ارتكز على تنامي النزاع حول استراتيجيات استخدام وتوزيع أنهار البنجاب كان نقطة الخلاف التي ميزت حركة السيخ الانفصالية، وتم تقديم حرب المياه بوصفها حربا دينية. مثل هذا الطرح الخاطئ لحروب المياه كفيل بحرف الجهود السياسية المطلوبة بقوة عن التوصل لحلول عادلة ودائمة لقضية المشاركة في مصادر المياه. شيء مشابه لذلك حادث مع صراع الأرض والمياه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يتم تقديم الصراع على المصادر الطبيعية على انه بالأساس صراع ديني بين اليهود والمسلمين. وهكذا يتحول الصراع على المصادر الطبيعية بسبب النمو السكاني والحاجة للتوسع، الي صراعات طائفية وعرقية يمكن أن تبلغ أوجها في تزكية النعرات القومية والاصولية والإرهاب. فالأنظمة الاقتصادية غير الديموقراطية تسيطر على اتخاذ القرار بشأن ادارة المصادر الطبيعية مع استبعاد الناس من ادارة عملية الانتاج ومن إدارة شئون رزقهم مما يخلق احساسا بعدم الأمن.

علىأحد جوانب تلك المفاهيم الايكولوجية والحروب الناشئة يوجد ملايين الأنواع الحية ومليارات البشر الذين يبحثون عن الماء الكافي لبقائهم أحياء. وعلى الجانب الآخر هناك حفنة من الشركات الكونية مهيمن عليها من قبل شركات “سيوز لوينيز” للماء وشركة “فيفندي” وشركة “بيشتيل” وشركة “نستله”،تساعدهم في ذلك المعاهد الدولية مثل البنك الدولي والمنظمة التجارة العالمية ومؤسسة الدعم المالي الدولي وحكومات الثمانية الكبار.

ان تدمير الحق في الموارد الطبيعية وتآكل السيطرة الديموقراطية على تلك الموارد وعلى الاقتصاد وعلى وسائل الإنتاج يقوض الهوية الثقافية. هذه الهوية التي لم تعد تتحقق من الخبرة الإيجابية لكون المرء فلاحا او حرفيا، مدرسا او ممرضا، لكن يتم اختزالها لمجرد قشرة سلبية حيث تتحقق هوية الشخص في تنافسه مع الآخر على الموارد الطبيعية وهو الأمر الذي يحدد القوة الاقتصادية والسياسية. وتعمل أنظمة الاقتصاد المركزيعلى تآكل الأساس الديموقراطي للسياسة. ففي الديموقراطية، تكون الأجندة الاقتصادية اساسا للأجندة السياسية، وعندما يتم السطو على الاولي بواسطة البنك الدولي ومؤسسة الدعم المالي الدولي أو منظمة التجارة العالمية، فإن هذه الديموقراطية تهلك. وتبقي الكروت الوحيدة في أيدي السياسيين الساعين لكسب أصوات الناخبين، هي كروت السلالة والعرق والدين مما يساهم فيانتشار العنف الاصولي. فالأصولية تقوم بفعالية بملء الفراغ الناجم عن تحلل الديموقراطية،كما تدعم العولمة الاقتصادية عدم الامن الاقتصادي وتعمل على تآكل التنوع الثقافي والهوية وتعتديعلى حريات المواطنين السياسية. وهو ما يعتبر بيئة خصبة لنمو الاصولية والإرهاب. فبدلا من التكامل بين البشر تقوم عولمة الشركات الكبرىبتمزيق المجتمعات البشرية إلى أشلاء.

ويتوقف بقاء البشر والديموقراطية على الاستجابة لثنائية العولمة والفاشية، حيث تدمر العولمة الاقتصادية حق الناس في الموارد الطبيعية، بينما تتغذي الفاشية الاصولية على تنحية الناس واستبعادهم وعلى انعدام الامن الاقتصادي والخوف. وبالرغم من طنطنة “الحرب العالمية على الارهاب” فان هذه الحرب لن تشمل الإرهاب بحق، لأنها فشلت في تقصي أسبابه المتمثلة في انعدام الامن الاقتصادي، والتبعية الثقافية والفقد والتدمير الايكولوجي الممنهج. لنريشركات التعدين الكبرى مثل “هايدرو” النرويجية و”الكان” الكندية وشركة “انديكو” و”بالكو/ستيرلايت” الهندية قد التحقوا بصناعة الورق لإطلاق موجة جديدة من الإرهاب، فجميعهم مصوبة انظارهم الي خام البوكسيت الكامن في أودية “كاشيبور”الهندية الساحرة. حيث يدخل البوكسيت في صناعة الألومنيوم المستخدم في صناعة عبوات الكوكا كولاكما يستخدم في صناعة الطائرات المقاتلة كتلك التي قصفت أفغانستان بالقنابل. لقد أرادت شركات الألومنيوم أراضي قبائل “كاشيبور” ونشبت معركة كبيرة بين السكان والشركات.

ان التقسيم القسري للمصادر الطبيعية على الناس يعد شكلا من الإرهاب، انه إرهاب الشركات. فملايين الهنود الذين نزحوا عن ديارهمعلى مدي الخمسة عقود الماضية بفعل الفيضانات الناجمة عن السدود التي شيدت هم ضحايا للإرهاب،حيث واجهوا إرهاب التكنولوجيا والتنمية المدمرة. كما أن آلاف البشر الذين يموتون سنويا والملايين التي ستموت لاحقا بسبب الفيضانات والمجاعات والأعاصير، سيتحملون الإرهاب نتيجة للتغير المناخيوالتلوث الذي يسببه استخدام الوقود الأحفوري. وهكذا فإن تدمير مصادر المياه ومناطق سقوط الأمطار في الغابات والطبقة الصخرية المائية يعد إرهابا. كما أن إنكار حق الفقراء في الحصول على الماء عن طريق خصخصة عملية توزيعه أو تلويث الآبار والأنهار بالمخلفات الصناعية يعد إرهابا أيضا.

وفي السياق الايكولوجي لحرب المياه، ليس الارهابيون فقط من يختبئون في كهوف أفغانستان، فبعضهم يختبئ خلف الطاولات في غرف الشركات وخلف قواعد التجارة الحرة لمنظمة التجارة العالمية واتفاقية التجارة الحرة لشمال امريكا (نافتا) ومنطقة التجارة الحرة للأمريكتين (إفتا). فهم يختبئون خلف الشروط الموضوعة للخصخصة بواسطة مؤسسة الدعم المالي الدولي والبنك الدولي. وبانسحابه من اتفاقية “كيوتو” للمناخ فان الرئيس الامريكي ترامب قد اقترف عملا من أعمال الإرهاب الايكولوجي على العديد من المجتمعات التي من الممكن جدا ان تمحي من على وجه الأرض بسبب احترار الكوكب. لقد منح متظاهروسياتل، منظمة التجارة العالمية اسم “منظمة الإرهاب الدولي” لأنها أنكرت على ملايين البشر الحق في سبل العيش المستدامة.

ان الجشع والاستيلاء على مشاركة الناس الاخرين في مصادر الكوكب الثمينة هي أساس كل صراع وهي أساس الإرهاب. وسابقا، عندما أعلن الرئيس بوش ورئيس الوزراء توني بلير ان الهدف من شن الحرب العالمية على الإرهاب هو الدفاع عن نمط الحياة الامريكي والأوروبي، فانهما قد أقرا بالحرب على الكوكب، على نفطه وعلى مائه وعلى تنوعه البيولوجي. فطريقة حياة 20% من سكان الأرض الذين يستخدمون 80% من مصادر الأرض الطبيعية ستحرم بقية السكان من مجرد المشاركة في المصادر الطبيعية، وستدمر الكوكب عمليا. ولن يمكننا البقاء على قيد الحياة مادام يمنح الامتياز للجشعوتتم حمايته،حيث تضع اقتصاديات الطمع القواعد لكيف نعيش وكيف نموت. إن ايكولوجيا الإرهاب ترينا الطريق الي السلام، فالسلام يتحقق في ازدهار الايكولوجيا والديموقراطية الاقتصادية وتعزيز التنوع، والديموقراطية ليست وحسب طقسا انتخابيا يجري الاعداد له في مظاهر كرنفالية بشكل دوري، بل هي قوة البشر في تشكيل مصيرهم وفي تحديد كيف يمتلكون ويستفيدون من مصادرهم الطبيعية وكيف يطفئون ظمأهم وكيف ينتجون ويوزعون طعامهم واي نظام صحي وتعليمي يريدون.

دعونا نشدد هنا على تضامننا مع ملايين الضحايا غير المرئيين للأشكال الأخرى من الإرهاب والعنف التي تهدد بقوة مستقبلنا على هذا الكوكب. إذ يمكننا تحويل هذه اللحظة التاريخية الوحشية والمأساوية الي بناء ثقافة التعايش السلمي بدلا من صراع الحروب. فخلق السلام يتطلب منا ان نسعى لحل حروب المياه والحروب بسبب الغذاء والحروب بسبب التنوع البيولوجي والحروب بسبب الغلاف الجوي. وكما قال غاندي ذات مرة (ان لدي الارض ما يكفي احتياجات الجميع، لكن ليس ما يكفي جشع القلة). ان الدورة الطبيعية للمياه تربطنا جميعا ومن المياه يمكننا تعلم الطريق الي السلام والحرية. كما يمكننا ان نتعلم كيفية تجاوز حروب المياه التي يسببها الجشع والتبديد وانعدام العدل الذي يخلق الندرة في كوكبنا الوافر بالماء. يمكننا العمل مع دورة الماء لاستعادة وفرة الماء. يمكننا العمل سويا لخلق ديموقراطيات المياه فإذا قمنا ببناء الديموقراطية سنبني السلام.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال