من حالمين في ثورة إلى روبوتات للنظام.. عن آليات القمع والمسخ

قضايا

28  أكتوبر  2018

وأنا في أجازة قصيرة في مدينة شبين الكوم، بمحافظة المنوفية المصرية، حيث تسكن عائلتي، وبينما أدفع ثمن مشترياتي في سوبر ماركت، فوجئت بالكاشير أمامي أحد أصدقائي المقربين في الجامعة. رحّب بي بصوت ضائع، وظهر منحنٍ، وعيونٍ ميتة، هذا الذي كان ممتلئًا بالحيوية والطاقة، ولديه أحلام كبيرة في التحقق المهني والطواف حول العالم، وشرع يحكي لي أن أقصى طموحه الآن أن يكون لديه وقت الفراغ الكافي للجلوس مع ابنه وملاعبته.

يشكل هذا التحول الذي يصيبنا مع مرور الزمن ظاهرة عالمية، ولكنها في بلادنا تتخذ خصوصية ما تتسم به من خضوعها للفقر والقهر، وفي الأوساط الثقافية والسياسية يتخذ تحول الشباب، من حالمين ثوريين تركوا علامات لهم في الشوارع والمعتقلات إلى موظفين أو كتاب حاصلين على امتيازات منحتها لهم السلطة، نمطًا عامًا في كل جيل.

ويبرز دائمًا السؤال: لماذا تغيّرنا؟ هل كان يمكن ألّا نتغير بتلك الطريقة؟ وكيف تحوّلنا لأشخاص نشعر بغرابتهم عنا، وغربتنا ليس عن أنفسنا فقط ولكن عن كل العالم.

إنّ ما ينتصر له علماء الأعصاب أنّ الحياة تنتصر للفاعلية على الاستمتاع والشغف. كلما تقدمتَ في العمر أنت مجهز بأن تكون أكثر كفاءة وفاعلية في حياتك، وأشدّ حصانة من التلاعب بك اجتماعيًا، ولكن من جهة أخرى تفتقد وتفتقر إلى الشغف الخاص بك الذي نشأ معك في طفولتك، وازدهر في مراهقتك.

يحكي صديقي محمد ربيع، مدير تحرير لموقع إلكتروني، عن صديق شبابه الذي أثّر فيه كثيرًا، كان عاشقًا للقراءة، ترك قريته، وحمل حقيبته، وسافر للقاهرة، ولكن تهكّم الناس عليه، والسخرية منه، وغضب والديه منه، حمَلاه في نهاية الأمر إلى التخلي عن أحلامه.

يعلّق ربيع: “معظم أصدقائي تحولوا للأسوأ عندما كبروا”، وأرجع ذلك إلى “قلة الثقة في النفس”، والبحث عن تقدير الناس، هما ما دفعا معظمهم إلى التغير للأسوأ. كان الناس في القرية يرونه، ومن هم على شاكلته، مهملًا، وغير مسئول، وحالمًا؛ لذا عمل كما والده في فلاحة الأرض.

لطالما تحدث علماء النفس حول تصوراتنا عن أنفسنا باعتبارها عاكسة لنظرة الناس لنا. يقول الباحث آلان دو بوتون في كتاب  “قلق السعي إلى المكانة” أنّ صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا، وباستثناء أفراد نادرين مثل سقراط والمسيح فإننا نستند إلى علامات الاحترام من الناس لكي نتقبّل أنفسنا.

ويرى بوتون أنّ حياة أي إنسان تحدّدها قصتان: البحث عن الحب الجنسي، والسعي إلى حب الناس، الذي ينضج من الصراخ للأم لنيل الرعاية والاهتمام، إلى الكد في الوظائف والنجاح، وتحقيق الثراء والمكانة الاجتماعية، ليصبح محط أنظار الناس ورعايتهم.

وإذا كان للآخرين دور في تشكيل مسار حياتنا، فإننا ننتقل بمشكلة التغيير السيئ الذي يجتاحنا من النطاق النفسي إلى الاجتماعي، وفي مجتمع أبرز ما يشكل تفاعلاته القمع، كما لاحظ الكاتب الياباني نوبواكي نوتوهارا في كتاب “العرب وجهة نظر يابانية”، حيث بات الناس تُقدّر السلطة والقوة والمكانة الاجتماعية. فتحقيق “حب الناس” يأتي عبر أشياء قد تكون ضد شغفك، إذا كنت تحب الرسم، فسينصحك أهلك وجيرانك وأصدقاؤك بالتضحية به من أجل وظيفة، أو عدة وظائف، تحقق لك “حياة أفضل”.

يحكي نوتوهارا في فصل خّصصه حول مظاهر القمع في العالم العربي، قصة شاهدها تشكل رمزًا لحالة القمع الذي يمارسه الجميع ضد الجميع. كان يجلس في بيت عمدة بريف مصر، وكانوا يشاهدون الشارع، ورأى طفلًا يلفّ خيطًا على عنق عصفور صغير، ويجرّه وراءه، وكأنّه يجرّ حمارًا أو كلبًا، والعصفور يرفرف على التراب، والناس تمر عليه ولا تقول شيئًا.

شعور يخلقه الطغاة لاستعباد الشعوب

يبدأ تآكل روح كلّ منّا من تصوّره لنفسه. إذا كان مؤمنًا بذاته، سينعكس ذلك في اختياراته، وفي تصنيفه للعثرات التي تعترض طريقه. كثيرٌ من النّاس الذين تغيروا للأسوأ، فقدوا رويدًا رويدًا شعورهم بأنفسهم، خاصة في خضمّ أجواء تروّج أنّ نجاح الفرد وفشله الوظيفي والاجتماعي منوط بإرادته الذاتية.

ولكن ألا يمكن أن يكون للنظام السياسي والاقتصادي والعولمة دور في ذلك؟ ماذا إذا نظرنا إلى تأثير النظام من أعلى، لنهبط درجات السلم منه إلى علاقته بتصوراتنا السلبية عن أنفسنا كأفراد.

لا يمكن أن نغفل الانتماء الطبقي، والمنظومة الاقتصادية والسياسية في خلق نقاط ضعف نفسية، واستغلالها لتطويع الناس للخضوع إلى سلطتها، وبما أننا في الدول العربية نعاني من حكم الفرد الاستبدادي، فكيف تعمل تلك الآلية؟.

في مقال دو لا بويسي ” العبودية الطوعية“، يقول أنّ الطاغية يحاول أن ينزع كل شيء من الكل، ويتركه مجردًا من إنسانيته، شاعرًا بعجزه، حتى يساعد “عامل القوة”، ويستخدم طرقًا دينية من نشر حكايات وأفكار خرافية ليعيق “القول والفكر والفعل”.

أريك فروم، المحلل النفسي الألماني سليل مدرسة التحليل النفسي، في كتابه “الخوف من الحرية” يُحلّل كيف تمكن الطاغية هتلر من تجريد الناس من كل شيء. يرى فروم أن شعور الإنسان بالعجز واللاجدوى، وهو نمط شائع نتيجة للاحتكارية الرأسمالية، بدأ بالقضاء على رأس المال الصغير، والطابع الحر لأعمال الحرفيين، وانتمائهم إلى مصانع ومؤسسات كبرى. انهيار الطبقة الوسطى في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، وظهور قوة رأس المال الاحتكاري كان له تأثير سيكولوجي عميق، وباتت مشاعر وعواطف الناس المستثارة في الاتجاه المضاد لمصالحهم الاقتصادية الأصيلة، فخاطب هتلر مشاعرهم، ليدمر مصالحهم.

يصف هتلر في مذكراته تلك المشاعر السلبية وكيف استغلها: إذا خطا “المواطن الألماني” لأول مرة خارج حانوته الصغير أو خارج المصنع الكبير الذي يشعر فيه بأنه صغير للغاية إلى الاجتماع الجماهيري، وأصبح مُحاطًا بالآلاف المؤلفة من الناس الذين لهم القناعة نفسها .. فإنه هو نفسه يستسلم للتأثير السحري لما نُسمّيه بإيحاء الجماهير”.

ويأتي أيضا الشعور بالتضاؤل من اتجاه آخر، فبحسب آلان دو بوتون، يروّج الإعلام والإعلام الاجتماعي إلى تعريف المجتمع بنخبته. المجتمع هو النخبة من أصحاب السلطة ونجوم الفن والمشاهير، ويتزامن ذلك مع إطلاق سيل كتب التنمية البشرية التي تقنع الفرد بأنّ الفرص متساوية، وعليك اقتناصها، والمستقبل مفتوح أمامك، مما يجعل كل فرد فينا يُعرّف نفسه بما حققه من مكاسب ومكانة اجتماعية، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي تُحرّض على ذلك.

وفي هذه الأجواء، ينسى كل فرد هويته المميزة، ويسمي نفسه وأمثاله نكرات، والنخبة أعلامًا، وكلما بالغ في الاهتمام بحياة نجمه أو كاتبه أو صاحب السلطة المفضل لديه، كلما تطرّف في إهمال وقلة تقدير حياته الخاصة، وقناعاته الخاصة.

اللا يقين لأفراد بلا جذور

يساور كثير من أصدقائي شعور بعدم القيمة والتقدير لكل ما أنجزوه. إذا مررنا بتجارب عاطفية، إخفاقات ونجاحات في عملنا، يجتاحنا شعور بـ”أنا ما عملتش حاجة”، متزامن مع شعور مخيف بالشك، والقلق من المستقبل، شعور نتعرّف إليه، ويتعاظم بداخلنا مع مرور العمر.

“الحداثة السائلة” التي تتصف بها الحياة الحديثة هي إجابة زيجموند باومان في كتاب  يحمل الاسم ذاته، حيث فقد كلّ شيء صلابته، عملنا وإنجازاتنا وعلاقاتنا، وأبرز أعراضها “اللا يقين”.

بحسب الكتاب فـ”اللايقين” الذي يسود الحياة المعاصرة مختلف عن كل أشكال الشك والقلق في العصور السابقة، حالة السيولة أفقدت العلاقات الاجتماعية تماسكها، فحلت مكان العمالة المنظمة المنتظمة عمالة مستحدثة مستوردة أحيانا كثيرة، الفرد فيه عرضة لكل الكوارث الاقتصادية المفاجئة.

لقد تم فك الارتباط بين رأس المال والعمل، وفردنة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. لم يعد هناك “قضية مشتركة” دائمة ومستمرة، يحمل أصحابها علاقات حقيقية منظمة، وتتبنى تكتيكات بحسب الظروف المتغيرة. هذه الطريقة انعكست على العلاقات بين الجنسين، في تفضيل كل منهما العلاقات العابرة، دون أي التزام مستمر دائم، وبات الجميع يتباهى بفرديته، وبمنجزاته الفردية إن وجدت. ولكن من ناحية أخرى باتت السلطة قادرة على أن تفعل ما تريد، وتبطش بمن تريد من المناضلين الحالمين، الذين انعكست الحداثة السائلة عليهم مع العمر، واعتبروا نضالهم جزءً من إنجازات فردية يتباهون بها في المقاهي، بينما يعملون موظفين لدى الدولة، أو في مؤسسات موالية.

ويُعرّف باومان “السيولة” أنها فصل السلطة بمعنى “القدرة على فعل الأشياء” عن السياسة “القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها”. صاحب ذلك الإحساس بالجهل، وعدم توقع ما سيأتي، والعجز، ليسود بين الناس عدم القدرة على الفعل والتغيير، والإحساس بخوف ينبثق من النفوس، لا نستطيع إدراكه أو تحديده.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط…

أكثر ما كنت ألاحظه في زملائي وأصدقائي أنهم أثناء فترة التحول إلى الأسوأ، في بدايات فقدهم لشغفهم الخاص، يفقدون القدرة على منطقة الأمور، أو التصور الواقعي لأزماتهم ومشاكلهم. لديهم خيالات عن الواقع، وإن لم يُلبّها لهم انقلبت شخصياتهم للأسوأ، بحسب مصطفى حجازي في كتاب “سيكولوجية الإنسان المقهور”فإن حالة القمع الذي يتعرض له الناس هي المسئولة، حيث “تؤدي إلى سلسلة من الانفعالات، نهايتها فقدان القدرة على فهم الواقع”.

يوضح حجازي فكرته أنّ حالة القمع المزمن تؤدي بالإنسان إلى “تراكم مفرط للانفعالات” و”تأجيج للعواطف، وتفجير للمشاعر الأكثر طفولية وعنفًا، ويجعله يبدو مُركّزًا تمامًا حول ذاته”، ويؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على التجريد، والتي يعتبرها الكاتب “تشكل أحد أرقى المظاهر الذهنية في التكييف للواقع والسيطرة عليه”.

لهذا يعيد كل جيل الدائرة العاطفية والسلوكية ذاتها، غارقين في دوّامة من الانفعالات السلبية، والشعور بالضآلة، والخوف من المجهول، والعجز عن الفعل.. روبوتات طيّعة لأشدّ أشكال النظم السياسية استبدادًا، والاجتماعية تخلفًا وانحطاطًا.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

المَجد لكُلّ عَر-عَر

بسمة عبد العزيز

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن