يوميات الحرب التجارية

( الاقتصاد العالمي بعد الخروج من الأزمة المالية) ” 2 من 2″

قضايا

25  أكتوبر  2018

” أعتقد أن الفيد (البنك المركزي الأمريكي) يقوم بشيء خاطيء.. أعتقد أن الفيد أصابه الجنون”

هذه اللغة الصادمة واحدة من تجليات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت التصريحات في أكتوبر الجاري بعد الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة.

ويعد هذا اللون من التصريحات الطائشة أحد العوامل المقلقة للمستثمرين في الأسواق العالمية، فمن المعتاد أن يكون البنك المركزي في وضعية مستقلة عن الحكومة، أما اتهامه بالجنون فيعني إمكانية فرض الرئيس وجهة نظره عليه.

لماذا يرفع المركزي الأمريكي أسعار الفائدة، والتي وصلت في سبتمبر لأعلى معدل لها منذ 10 سنوات.. ولماذا ينزعج ترامب من ذلك؟

بعد الأزمة المالية العالمية، في 2008، حافظ البنك المركزي الأمريكي على أسعار الفائدة قرب الصفر في المائة، وهي السياسة التي يطلق عليها بـ “التوسعية” بمعنى جعل القروض رخيصة لجذب الشركات للاقتراض والإنتاج ومن ثم إخراج الاقتصاد من الركود.

ومع تعافي النمو الاقتصادي في أمريكا كان من الطبيعي أن يتجه المركزي لرفع أسعار الفائدة. وانزعاج ترامب من هذا الإجراء له مسبباته، فهو دائما ما يتباهى بازدهار البورصة الأمريكية في عهده، والمعتاد أن زيادة أسعار الفائدة تخفض من مؤشرات البورصة، فرفع الفائدة يعني زيادة الأرباح من وراء الاستثمار في أدوات العائد الثابت (مثل ودائع البنوك) مما يشجع المستثمرين في أدوات العائد المتغير (مثل الأسهم) على بيع هذه الأدوات والبحث عن الأرباح المضمونة في فائدة البنك.

والسبب الثاني أنه من المرجح أن ترامب في سياق حربه التجارية المحمومة قد لا يرغب في تعافي الدولار بقوة في مواجهة العملات الأخرى، فهذا يعني ارتفاع تكاليف صادرات بلاده في الأسواق الخارجية.. خاصة وأن هناك اتهامات للصين بأنها تتعمد تخفيض قيمة عملتها من أجل أن تصبح صادراتها رخيصة وأكثر قدرة على المنافسة.

ويدرك ترامب بطبيعة الحال أن الفائدة الأمريكية في طريقها للارتفاع، ولكن ما يبدو من تصريحاته أنه معترض على رفعها بوتيرة متسارعة.

سياسات المركزي الأمريكي لم تتسبب في إزعاج ترامب وحده، بل صنعت أزمة في أسواق عدة والتي يشار لها في التقارير الإعلامية بـ “أزمة الأسواق الناشئة”.

على مدار السنوات التالية للأزمة كانت حركة الأموال بين الدول المتقدمة والنامية نشطة للغاية، بحثا عن الربح من العمليات التي يطلق عليها “carry trade”، والتي تعني ببساطة الاقتراض بفائدة صفرية من الأسواق المتقدمة ثم إعادة استثمار تلك الأموال في البلدان النامية بفائدة مرتفعة. ومع اتجاه أمريكا لزيادة الفائدة مجددا كان طبيعيا أن تتحرك الأموال في الاتجاه المعاكس، وهو ما تسبب في فوضى كبيرة.

في الأرجنتين هوت العملة المحلية “البيزو” بقوة، وفي تركيا أيضا تدهورت”الليرة” بشكل متسارع (انخفضت بأكثر من 50% منذ الربع الثاني من العام حتى سبتمبر الماضي).. وكانتا تلك العملتين على وجه التحديد أحد الأمثلة الصريحة على أزمة الأسواق الناشئة.

وتنعكس هذه الأزمة علينا في مصر بطبيعة الحال، وإن لم يكن بنفس القوة لكنها تؤثرعلى جاذبية أدواتنا المالية المختلفة في أعين المستثمرين الأجانب.

والمؤسف أنه في الحالة الأرجنتينية دفعت الأزمة البلد مجددا للعودة إلى الاستعانة بصندوق النقد الدولي، والذي يرتبط في أذهان المواطنين بمسئوليته عن الانهيار الاقتصادي الذي وقع في مطلع الألفية.

وكانت آخر الأقساط التي سددتها الأرجنتين للصندوق من القروض السابقة في 2006، وبعدها لم تتجدد حركة الاقتراض في ظل قرار للرئيس الأرجنتيني الأسبق، نستور كريشنر، بقطع العلاقات مع الصندوق.

لذا عندما انتشرت أنباء عن مفاوضات بين الحكومة الأرجنتينية والمؤسسة الدولية سيئة السمعة خرجت التظاهرات في البلاد، لكن الاحتجاجات لم تحل دون إتمام المفاوضات، واتفقت الحكومة مع الصندوق على قرض بقيمة 50 مليار دولار، يقال إنه القرض الأكبر في تاريخ الصندوق.

المساعدات الكبيرة وراءها شروط قاسية، وتمت زيادة القرض لاحقا إلى 57.1 مليار دولار مع فرض سياسات أكثر تقشفا على المواطنين.

ويعاني المواطنون في الأرجنتين من تركيبة مشابهة للسياسات المطبقة في مصر منذ نوفمبر 2016، بين تعويم قوي للعملة المحلية أفقدها نحو 50% من قيمتها  خلال 2018، وضغوط تضخمية ناتجة عن ضعف العملة مع عوامل أخرى أوصلت التضخم السنوي إلى 34.4% في أغسطس، وبينما يكابد المواطنون تلك العوامل القاسية مطلوب منهم أن يتحملوا إجراءات تقشفية لعلاج الأزمة على طريقة الصندوق.

وقد لاحظت مجلة كاونتربانش مدى التشابه في لغة الرئيس الأرجنتيني، ماوريسيو ماكري، مع قادة سابقين اتبعوا سياسات الصندوق في فترة ما بعد الأزمة. وهي ملاحظة جديرة بالذكر لأنها ستكمل لنا الصورة الكبيرة عن الوضع الراهن، وكيف يستغل الصندوق ظروف الأزمة في إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية.

“عندما يقول الرئيس الأرجنتيني إننا نعيش بما يفوق إمكانياتنا فأي مواطن برتغالي سيتذكر ما كان يسمعه من رئيسه كافاكو سيلفا في 2011 وهو يقول نفس الشيء بالضبط.. وعلى امتداد نفس الخط، كان ذلك أيضا هو الحكم الذي توصل إليه رئيس الوزراء اليوناني جورجيوس باباندراوس والذي وقع أول اتفاق إنقاذ للبلاد، ووزير المالية الألماني القوي ولفجانج شوبل الذي كان دائما ما يعزف نفس النغمة من أجل تبرير إجراءات التقشف المفروضة على اليونان.. الحقيقة أن خطاب العيش على قدر إمكانياتنا الذي يدعي التهذيب ليس اختراعا حديثا، لكنه نابع من النظرية النيوليبرالية التي تعود إلى تاتشر”.

الإشارة لليونان والبرتغال في هذا السياق مقصود بها تقديم نماذج على البلدان التي احتاجت لمساعدة صندوق النقد الدولي بعد الأزمة، واستغل الصندوق هذا الاحتياج لكي يعيد تفصيل سياساتها الداخلية على مقاس نموذجه النيوليبرالي.

وحتى بعد أن انتهت برامج الإنقاذ المالي لليونان، فهي مكبلة بتعهداتاقتصادية قدمتها لدائنيها، تلزمها بالحفاظ على فائض أولي في الموازنة لا يقل عن 3.5 في المائة حتى 2022، وبين 2023 حتى 2060 ستلتزم البلاد بتحقيق فائض أولي في الموازنة بنسبة 2.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لقد استفاد الصندوق من أزمات الحلقات الضعيفة في الاقتصاد الأوروبي لكي يمد نفوذه ويفرض نموذجه الاقتصادي من جديد بعد الضربات التي تعرض لها بسبب مساهمته في أزمات جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية نهاية التسعينات وبداية الألفية.

واستفاد أيضا من التدهور الاقتصادي في العالم العربي الناتج عن حالة الاضطراب السياسي التي تلت الربيع العربي، وفشل التحول الديمقراطي بسبب المؤامرات الأمنية وانقسام قوى المعارضة، وعاد ليفرض نموذجه على تونس قلب الثورة والمغرب ومصر والأردن.

وها هو يطرق الباب الذي سبق وأن انطرد منه، يعود للأرجنتين التي خرج منها بفضيحة.. مما يعكس تنامي نفوذ اليمين النيوليبرالي على العالم في الوقت الراهن.

وكالة بلومبرجتحدثت مع مزارع أرجنتيني، يمتلك نحو 10 آلاف هكتار ومراعي للماشية، والذي سيتضرر من أحد الإجراءات التقشفية التي تتبناها حكومة ماكري وهي فرض الضرائب على الصادرات. سألته الوكالة عن رأيه في هذه السياسات وقال “نحن المزارعون نستطيع أن نتحملها” مؤكدا على أنه سيدعم ماكري حتى النهاية.. لكن في ذات الوقت لا يدعم المزارع رئيسه المحبوب في سياسة الاقتراض من صندوق النقد قائلا “أفضل شئ هو أن لا يُقرضونا أي شيء.. الأموال المقترضة لا تؤدي إلا إلى حدوث أزمة في وقت لاحق”.

هكذا تعلمت الشعوب الدرس القاسي لهيمنة المؤسسات النيوليبرالية، لكن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس.. .. محصلة تحليلنا في الجزئين الأول والثاني من المقال هو أن دونالد ترامب وصندوق النقد الدولي يعيدان تشكيل اقتصاد عالم ما بعد الأزمة وفق رؤيتهما، وبصورة شديدة القسوة وضد رغبة الشعوب ..

تعزز سياسات الصندوق من تفاقم اللامساواة في توزيع الدخول، بينما تقطع سياسات ترامب الطريق على البلدان النامية أمام النمو وتخفيض معدلات الفقر لديها.

وإن اختلف الاثنان، تيار ترامب القومي وصندوق النقد، حول قضية الحرب التجارية وتقدير مخاطرها، لكنهما يتشابهان، من الناحية الإجرائية ، في العمل بدأب على إعادة تشكيل عالم ما بعد الأزمة.

ويعكس الإثنان أزمة للنظام الرأسمالي ذاته الذي تتجدد أزماته بشكل متوالي، بدءا من الأزمة المالية وليدة السياسات النيوليبرالية التي حررت النظام المالي وقادت إلى إفلاس مؤسسات كبرى بل ودول بأكملها، ثم إلى أزمة الأسواق الناشئة الناتجة عن طريقة معالجة الأزمة المالية، ثم الحرب التجارية الناتجة عن الطاقات الإنتاجية الفائضة في العالم المتقدم والتي تستدعي كل هذا التطاحن مع العالم النامي في محاولة لتركيز أكبر قدر من ثمار العملية الإنتاجية في جيب المستعمر القديم

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار

صندوق النقد يهنئكم بنجاح خطة الإصلاح الاقتصادي من واقع ما هو معلن وواضح في رؤية " الإصلاح " فإن نجاحه لن يعود بالكثير على المواطن، في ظل العيوب الهيكلية في الاقتصاد المصري من حيث ارتفاع نسبة العاملين بدون حقوق قانونية، في القطاع غير الرسمي، وتركيز الاقتصاد على الأنشطة كثيفة رأس المال وليس كثيفة العمالة .

محمد جاد