ثلاثة مشاهد من الحياة النقابية في مصر

صدور أول حكم ببطلان انتخابات نقابة هيئة قناة السويس بالإسماعيلية

قضايا

24  أكتوبر  2018

المشهد الأول: انقسام باتحاد العمال علي خلفية توزيع المناصب

بعد انتهاء ماراثون الانتخابات، أتي الدور علي تقسيم المناصب وما يعود عليهم منها من منافع مما أدى لحالة من الانقسام في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، بعد تشكيل هيئة المكتب واحتفاظ أغلبية القيادات بمناصبهم، باستثناء أمانة الصندوق، التي شغلها عادل عبدالفضيل، نائب رئيس النقابة العامة للعاملين بالمالية، بدلاً من محمد سالم، أمين الصندوق السابق الذي تنازل عن الترشّح للمنصب، مقابل الاحتفاظ بإدارة قرية الأحلام السياحية. فقد غضب عبد الفتاح إبراهيم بسبب تسرب أخبار وقتها عن عدم تقلده المؤسسة الثقافية، وكون مع ستة من رؤساء نقابات عامة أخرى جبهة معارضة.
وصل عدد النقابات العامة في الكتلة المعارضة إلى إحدى عشر نقابة عامة، فبعد أن رفض الاتحاد العام لنقابات عمال مصر،  إدراج  مناقشة قضية أزمة تصفية الشركة القومية للأسمنت، وكذلك أزمة الجامعة العمالية، على جدول اجتماع مجلس إدارته، والذي كان مزمع عقده يوم الأربعاء 2 أكتوبر، أرسل عدد من أعضاء مجلس الإدارة إخطارا لرئيس الاتحاد جبالى المراغى، لعقد اجتماع طارئ لمجلس إدارة الاتحاد، وذلك لبحث أزمة شركة القومية للاسمنت، وأيضًا أزمة الجامعة العمالية، فضلا عن مناقشة معايير توزيع المؤسسات التابعة لاتحاد العمال والصناديق التي يمثل بها أعضاء اتحاد العمال. والغريب في الأمر أن عبد المنعم الجمل رئيس النقابة العامة للبناء والأخشاب، والتي تتبعها نقابة العاملين بالقومية للأسمنت لم يرد اسمه ضمن الكتلة المعارضة.

المشهد الثاني: العمال في القواعد يعانون ولا من مجيب

جلس النقابيون القدامي والجدد على قمة الهرم النقابي علي مقاعدهم، وبدءوا في اقتسام المناصب والمغانم، وتركوا العمال في شركاتهم وأماكن عملهم يعانون من انتقاص حقوقهم، خصوصاً مع الارتفاع المستمر في الأسعار.
فعلي صفحة عمال صيانكو المخلصين، كتب محمد أبو منار يقول “أعضاء النقابة الموقرين اللي كل ما يتكلموا يقولوا خليكوا ورانا وساندونا مجاش بقى وقت الحساب؟ إحنا ادناكوا أصواتنا وخدتم تفرغ علشان تبحثوا في حقوقنا المهضومة والحمد لله ما عملتوش أي حاجه. بدل الانتقال زي ما هو. رسايل القبض ما نزلتش. حتى ال3 جنيه اللي قالوا هتنزل على كل فاتورة مفيش. السلفة مفيش. والبونص ما نزلتشى الشهر ده كمان. بس الحمد لله إن انتم موجودين ومتفرغين وإحنا موجودين وبندعمكم ووراكم”.
وقال ثروت رشيد “الرجل بتاع قنا بتاع النقابه فين حق الصعيد في التعاقدات؟ أسيوط حقها ضايع محدش يدخل أسيوط ويقول عاوزين صوت في أي انتخاب طول ما احنا مهمشين كده”.
ونشر أبو عنتر أبو عنتر فيديو لعبد الفتاح القصري يطلب فيه علاوة غلاء معيشة معلقاً “أحسن طلب علاوة في التاريخ”، وسأل الكثيرين عن سلفة المدارس، ضمنهم مارتن أبو مارتن قائلا ” السلام عليكم، لو سمحتم ما فيش أخبار عن سلفة المدارس”.
كل ذلك ولم يتلق العاملين في شركة صيانكو أي ردود علي كلامهم أو تساؤلاتهم من النقابة التابعة للنقابة العامة للبترول، التي كان يرأسها محمد سعفان وزير القوي العاملة قبل توليه الوزارة- التابعة لاتحاد عمال مصر.
وفي حوارنا مع أحد أعضاء النقابة المستقلة لعمال صيانكو، والتي كانت موجودة وفاعلة في الفترة منذ تأسيسها في 2011 وحتى يونيو 2015، قال عن أن بداية النهاية في يناير 2015 عندما أرسلت إدارة الشركة لتسأل السيد اللواء مدير أمن الشركة القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) عن رأيه في النقابة المستقلة، علماً بأن الإدارة كانت تتفاوض مع النقابة المستقلة لمدة خمس سنوات قبلها. فكان رد مدير امن الشركة القابضة، أنه “مافيش حاجة أسمها النقابة المستقلة، وأن النقابة الموجودة هي النقابة العامة”، لكي تبدأ إدارة الشركة بعدها – وبشكل فجائي طبقاً للمتحدث، الذي فضل عدم ذكر أسمه، بنقل كل من رئيس النقابة عاصم عفيفي، والمتحدث الإعلامي باسم النقابة السيد زكي للشركة القابضة.
توالي بعدها التعسف بالنقابة المستقلة وبأعضائها خصوصاً أعضاء مجلس إدارة النقابة، كما امتنعت الشركة عن خصم اشتراكات أعضائها لصالح النقابة المستقلة، وأغلقت طرق المفاوضة بينها وبين النقابة.
وقد كانت النقابة المستقلة لعمال صيانكو من أقوي النقابات المستقلة وأكثرها قدرة علي الإتيان بحقوق العمال، وكذلك شهدت النقابة شكلا من أشكال التنظيم الأفقي، فلم يكن أعضاء مجلس إدارة النقابة يتخذون أي قرار إلا بالعودة للقواعد وفروع النقابة المنتشرة في الكثير من المحافظات، مما كان يتسبب في تأخير اتخاذهم للقرار، ولكنهم لم يكسروا هذه القاعدة، مما جعلهم قوة – بوجود العاملين بالشركة معهم- استطاعت انتزاع الكثير من الحقوق.
فطبقاً لعضو النقابة، عملت النقابة علي أن يكون للشركة هيكل إداري ومالي مستمر حتى الآن، لم يكن موجودا من قبل، قائلا ” كان العاملون لا يعرفون شيئاً عن مفردات مرتباتهم، اللي بيدهولهم في آخر الشهر بياخدوه وخلاص”.
من المكتسبات أيضاً هو وضع جدول للترقيات بقواعد معروفة للجميع، وهو ما تم التراجع عنه عبر إعطاء صلاحيات للمديرين للتدخل في الترقيات حتى لو لم تنطبق القواعد علي المترقي، وهي الصلاحية التي سجلت في لجنة شئون العاملين، والتي ذكر عضو النقابة المستقلة أن ممثل النقابة الحالية رفض التوقيع عليه، وبذا يصبح القرار مخالف لقانون الاستثمار.
كما كان العاملون بشركة صيانكو يتمتعون بنظام علاج أسري يدفعون مقابلة من أجورهم 350 جنيه شهرياً، وكانت الشركة تدفع مبلغا مماثلا له، ولكن إدارة الشركة الآن تخفي ميزانيات الإدارة الطبية، فلا يعرفون إن كانت الشركة مازالت تدفع نسبتها أم لا، علي الرغم من خصم حصة العاملين من أجورهم. هذا بخلاف البدلات والحوافز التي حصل عليها العاملون، والوقوف ضد أي تعسف يتعرض له العاملون من قبل المديرين أو إدارة الشركة وهو ما لم يعد يحدث الآن.
ويختم كلامه بـ “يكفي أننا قد نقلنا الشركة وحقوق العاملين بها من كونها كانت في الترتيب آخر شركات البترول، والآن أصبحت في موضع متوسط، بس الوضع العام اتغير دلوقتي!!”
في موقع آخر، كان قد شهد عماله بفضل نضالهم والتي تأسست عليه نقابتهم، النقابة المستقلة لعمال النقل العام، والتي كان لها دور وسط العمال وأتت بالكثير من حقوقهم، قبل أن تحدث بها انقسامات علي آثر دخول رئيسها مجدي حسن تحت ولاية إدارة الهيئة، مما جعل جزءاً من قيادتها يدعون لإضراب مع بداية دخول المدارس عام 2016. والتي تم إلقاء القبض علي ستة من عمالها علي آثر الدعوة للإضراب الذي لم يحدث، والذي تنكر له علنا رئيس النقابة.  انضمت الآن النقابة العامة لعمال النقل العام لاتحاد العمال لتصبح إحدى نقاباته العامة.
علي صفحة متنفس عمال هيئة النقل العام بالقاهرة علق حاتم مجدي علي قرار بصرف مبلغ 29 ألف جنيه بالأمر المباشر لعلاج رئيسة الإدارة المركزية للشئون المالية والاقتصادية قائلاً “أمر مباشر، يعنى مفيش حسب اللوائح والإجراءات”، كما كتب آخرون عن مكافآت الميزانية لها ولمديرين آخرين من بينهم مدير التفتيش، تجنباً للمحاسبة.
وعن رأي العمال في النقابة كتب مصري مصري “لو كنت رئيس الهيئة اعمل إعلان داخلي واطلب فيه تسعة أفراد للتعين في صندوق التكافل بعيدا عن النقابات بشرط أن يكون لديهم خطة حقيقة لإصلاح الصندوق…”

المشهد الثالث: النقابات والأحكام القضائية

مع صدور قانون النقابات الجديد، وما به من معوقات تقف بشدة ضد الحق في التنظيم، وبعده مرحلة توفيق الأوضاع، والتي صفت النقابات المستقلة ولم يتبق منها إلا أقل من مائة نقابة، جاءت الانتخابات النقابية، لتشهد استبعادا بالجملة سواء لنقابيين مستقلين أو نقابيين في النقابات التابعة للاتحاد العام.
لجأ النقابيون للقضاء سواء بسبب التعسف من قبل وزارة القوي العاملة في توفيق الأوضاع، أو بسبب الاستبعاد. وقد لجأ عدد منهم منذ البداية للمحاكم العمالية التي جعلها قانون النقابات هي المحاكم المعنية بعد أن كانت المحاكم المعنية هي محاكم مجلس الدولة، ولجأ البعض إلي محكمة مجلس الدولة، وقد قضت الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، يوم 27 مايو بإحالة 62 دعوى قضائية تطالب ببطلان انتخابات النقابات العمالية لمحكمه شمال القاهرة للاختصاص وعدم اختصاصها ولائيا بنظرها. يبرهن العدد الكبير الذي نظرته دائرة واحدة في يوم واحد علي مدي ما طال الانتخابات – وقبلها مرحلة توفيق الأوضاع – من مخالفات، جعلت البعض يصفها بأنها أسوأ انتخابات نقابية. كما يعبر عن إصرار العمال والعاملين بأجر بشكل عام علي المضي قدماً طلباً لتأسيس نقابات تعبر عنهم وتدافع عن حقوقهم عبر التقاضي في مرحلة إغلاق المجال السياسي الحالي.
أصدرت محكمة الإسماعيلية الابتدائية، الدائر الرابعة عشر عمال، في 17 سبتمبر 2018 أول حكم قضائي ببطلان الانتخابات النقابية بهيئة قناة السويس بمحافظة الإسماعيلية، في الدعوي رقم4 لسنة 2018، المرفوعة من كمال الدين قاسم عبد العزيز ومحمود محمد غريب. عدد أعضاء النقابة 7 آلاف عضو، وهي إحدى لجان ثلاث بهيئة قناة السويس بخلاف 7 لجان في الشركات السبع التابعة لهيئة قناة السويس.
وجاء في منطوق الحكم “حكمت المحكمة ببطلان نتيجة الانتخابات النقابية للعاملين بهيئة قناة السويس، والتي أجريت بتاريخ 31/5/2018، وما ترتب عليها من آثار..”
وقد كانت تلك الدعوي مرفوعة ضد كل من أشرف أحمد محمد العركي، المشرف العام علي الانتخابات بهيئة قناة السويس وهو ضمن المرشحين للانتخابات في الهيئة والذي نجح فيها، بالإضافة لمدير مديرية القوي العاملة ووزير القوي العاملة ورئيس هيئة قناة السويس.
وقد جاء في الحكم العديد من المخالفات منها إغفال أسماء الكثير من العاملين بالهيئة من كشوف ممن لهم حق التصويت، ضمنهم كمال الدين قاسم رغم كونه عضوا ومسددا الاشتراك ومرشحا علي منصب رئيس النقابة وحاصل علي 876 صوتاً، وحجب تصويت أكثر من 300 موظف بإدارة الكراكات ببورسعيد، وذلك بعد أن قام المشرف علي الانتخابات بتقديم المشروع الانتخابي وبه 28 لجنة انتخابية ولم يطلب لجنة في بورسعيد. كما جاء في المخالفات وضع صناديق الانتخابات بدون تأمين، وهو ما جاء التأكيد عليه في تقرير اللجنة المشرفة علي الانتخابات بتوقيع رئيسها– طبقاً لحكم المحكمة- في نموذج رقم 12 جاء فيه “اعترضت العملية الانتخابية بعض الصعوبات تمثلت في أن المكان غير لائق، ووجود الصناديق الانتخابية في مكان واحد..”. مما جعل المحكمة تسطر في حكمها أنها “تتشكك ولا تطمئن إلي سلامة نتيجة العملية الانتخابية، كون إجراء الانتخابات لم يتم بالاقتراع السري المباشر، حيث وضعت الصناديق داخل اللجان بدون تأمين وأجريت الانتخابات في مكان غير ملائم أو لائق”.
ويظل حكم المحكمة خطوة هامة كأول حكم يصدر ببطلان الانتخابات النقابية بعد أقل من أربعة أشهر من إجراء الانتخابات. كما أنه كاشف لمدي العوار في قانون النقابات 213 لسنة 2017 واللوائح والقرارات المنفذة له، وكذلك لمحاولات تزوير إرادة العمال في اختيار من يمثلهم من قبل الجهات الثلاث، إدارات الشركات بالتعاون مع الاتحاد العام والقوي العاملة، واللجان المشرفة علي الانتخابات.
فقد تم حجب شهادة العضوية في النقابة عن كمال الدين قاسم، والتي استعاض عنها بدفع اشتراكه في بنك مصر، ورفض هيئة قناة السويس إعطائه شهادة مختومة تفيد بعمله في الهيئة ووظيفته والتي استعاض عنها ببرنت التأمينات، وذلك ضمن الأوراق المطلوبة للتقدم للترشح للانتخابات طبقاً للمادة 20 من اللائحة التنفيذية للقانون.
ومن المشاكل التي أظهرت العوار في القانون بشكل جلي في التطبيق، أن وضعت م 42 ضمن اللجان العامة المشرفة علي الانتخابات أحد أعضاء المنظمة النقابية المعنية، ولم تتبعها بعبارة “من غير المرشحين في نفس الانتخابات”. لذا أصبح المشرف العام علي الانتخابات النقابية في هيئة قناة السويس، أشرف العركي، هو نفسه مرشح في نفس الانتخابات التي يشرف عليها، في تعارض واضح للمصالح. ولم يفت أشرف العركي أن يحول إدارة الانتخابات في الهيئة لصالحه، فقد تعمد إعطاء بيانات غير صحيحة تتعلق بسجلات العضوية والتي أسقط منها كمال وآخرين، وتعمد حجب تصويت أكثر من 300 عضو في النقابة في كركات بورسعيد، بعد وضع صندوق للانتخابات بها. ومن المفروض أن تطبق عليه م68 من القانون بالحبس والغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه أو بأحدهما.
كما خالفت الهيئة م48 من القانون والتي حظرت علي أصحاب الأعمال أو من يمثلهم القيام بأي عمل من شأنه تعطيل الأنشطة النقابية. أليس الامتناع عن إعطاء أحد العاملين لديها شهادة تفيد بعمله تعطيلاً لأهم عملية في النقابات وهي الانتخابات؟ وعقوبتها في م71 الغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف جنيه و لا تزيد عن عشرة آلاف جنيه.
كما جاء في حكم المحكمة في سردها للمخالفات “تقدم المدعيان بتظلم إلي اللجنة المشرفة علي الانتخابات النقابية للعاملين بهيئة قناة السويس بتاريخ 1/6/2018، ولم يتم البت فيه وفقاً للمواعيد المقررة قانوناً، وذلك في مخالفة واضحة للمادتين 42،43 من ذات القانون سالف الذكر”
فعلي الرغم من نص القانون  فيً م41 من قانون النقابات 213 لسنة 2017 والتي جاء في نهايتها بعد تعداد الشروط والأوراق المطلوبة للترشح للمنظمة النقابية “…كما تعتبر الأوراق والمستندات التي يتقدم بها المرشح لعضوية المنظمات النقابية العمالية، أوراقاً رسمية في تطبيق أحكام قانون العقوبات”، إلا أنه لم يرد ولو عقوبة واحدة علي القائمين والمشرفين علي العملية الانتخابية في حال مخالفتهم للقانون، مما يجعل أيديهم طليقة يفعلون بها ما يشاءون دون خشية أي عقوبة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

صعود الوحش والمصرفي… فلنحشد في الشارع وفي الانتخابات البرلمانية! على الحركة العمالية أن تحارب الجبهة الوطنية، ولكن بوسائلها الخاصة وعلى أساس برنامج يساري راديكالي يعالج المشاكل من جذرها بالتصدي لتحكم وسيطرة بعض الطفيليين الأغنياء.

مجلة “ثورة”