مسعى صهر ترامب المحموم لإنقاذ بن سلمان

قضايا

24  أكتوبر  2018

قلّ ما شهد التاريخ مثل المشهد الذي انجلى أمام أعيننا منذ عدة أيام: يكاد لا يشكّ أي عاقل على الإطلاق بمسؤولية وليّ العهد السعودي الشخصية عن جريمة قتل جمال خاشقجي البشعة. ومع ذلك لا تجرؤ أي دولة على البوح بما ليس سرّاً على أحد، خشية من أن يتسبّب الأمر لها بخسارة اقتصادية إزاء المنافسين لو خرج محمد بن سلمان من الورطة التي أوقع نفسه فيها، فظلّ ماسكاً بزمام الحكم في مملكة آل سعود.

لا بل لم يجرؤ أحد من أبناء آل سعود، أولاد عبد العزيز وأحفاده، على الإجهار بالحقيقة ودعوة الملك سلمان علناً إلى تنحية ابنه من المنصب الذي تربّع عليه قبل سنة وبضعة شهور وهو لم يكمّل بعد الثانية والثلاثين من العمر. هذا بالرغم من أنه لم يعد من شكّ لدى أحد في أن الشاب محمد غير أهل للدور الذي يقوم به والذي يتعدّى ولاية العهد إلى ممارسة السلطة الملَكية بوكالة شبه مطلقة من أبيه. والحال أنه راكم الأفشال منذ تولّيه إدارة شؤون البلاد بما في ذلك ارتكاب الجرائم التي ليس قتل جمال خاشقجي سوى أكثرها دوياً، أما مأساة اليمن فأخطرها على الإطلاق، وقد شملت أفعاله الفشل الذريع في محاولة إخضاع إمارة قطر لمشيئته.
وقد استعرضت كافة وسائل الإعلام العالمية أفشال بن سلمان في كشف حساب كارثي لسلسلة أعمال رعناء، كان اغتيال خاشقجي فيها بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في المثل المألوف. فما أغفله وليّ العهد هو أن ما يستطيع أن يقوم به حاكم سلطوي مثل فلاديمير بوتين، أو من يستند إليه، لا يستطيع أن يقوم به بالسهولة نفسها من يرتهن بالولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، لم يعد أي عاقل قادراً على الشكّ في مسؤولية بوتين المباشرة عن محاولة اغتيال العميل الروسي المرتدّ التي جرى تنفيذها في بريطانيا قبل ثمانية أشهر. ومع ذلك لم يهزّ ذلك الحدث عرش قيصر روسيا الجديد على الإطلاق، ذلك لأنه لا يرتهن بأحد ويملك مقوّمات السلطة كاملة، بل ومقوّمات القوة الدولية التي يوظّفها في دعم أمثال آل الأسد في سوريا.
أما المملكة السعودية، وإن كانت ثروتها المالية عظيمة وحتى لو أخذت تنفق على تسليحها في السنوات الأخيرة ما أوصل ميزانيتها العسكرية إلى المرتبة الثالثة عالمياً بعد أمريكا والصين، وهو أمر يكاد يكون مضحكاً لولا أن هذه الأموال الطائلة نتاج ثروة نفطية كان ينبغي أن يعود ريعها بالخير على الأمة العربية جمعاء بدءاً بشعب الجزيرة العربية، فالمملكة إذاً، وبالرغم من ثروتها ونفقاتها العسكرية الضخمة، لا تعدو كونها محمية أمريكية مرتهنة بحاميها وحراميها الأمريكي ارتهان القن بمولاه. وهذا مصدر مناعة للمملكة، لكنه أيضاً مصدر هشاشة تنجم عن كعب أخيل القوة الأمريكية، ألا وهو كون الولايات المتحدة دولة ديمقراطية خلافاً لروسيا

ذلك لا تجرؤ أي دولة على البوح بما ليس سرّاً على أحد، خشية من أن يتسبّب الأمر لها بخسارة اقتصادية

ذلك أن الرئيس الأمريكي ليس حاكماً مطلقاً على طراز زميله الروسي، ناهيكم من زعمائنا العرب، بل يخضع لنظام «الرقابة والتوازن» الدستوري، تنضاف إليه «السلطة الرابعة» وهو اللقب الذي يُطلق على الإعلام لتأثيره الكبير في الحياة السياسية الأمريكية. وتلك السلطة الرابعة، التي أغفل ابن سلمان أن خاشقجي كان أحد معاونيها المفضّلين في الشأن الخليجي، هي التي حالت دون تمكّن آل ترامب من توفير الغطاء لابن سلمان بالرغم من المساعي المحمومة التي بذلها صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، وكيل اليمين الصهيوني بامتياز في واشنطن.
وقد روت صحيفة «فايننشال تايمز» عن هذا الأخير قبل ثلاثة أيام ما يلي: «قال شخص مقرّب إلى السيد ترامب أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره، «مرعوب» (terrified) بكيفية إنقاذ علاقة الإدارة بالأمير محمد إثر الحادث. وقد طوّر السيد كوشنر علاقة شخصية بالأمير محمد في بداية ولاية إدارة ترامب وعقد آماله على حلّ النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بمساعدة سعودية». وقد صدف أن نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في اليوم ذاته مقالاً لدانييل شابيرو، سفير أمريكا السابق لدى إسرائيل، عنوانه: «لماذا يشكّل اغتيال خاشقجي كارثة لإسرائيل». وفحوى تعليق شابيرو يقوم على النقطة التالية: «بالنسبة لإسرائيل، هذا الحادث البشع يشير إلى احتمال أن مرتكز الشرق الأوسط الجديد الذي سعت وراء الترويج له، وهو ائتلاف إسرائيلي ـ عربي سنّي تحت مظلّة أمريكية لمواجهة إيران والجهاديين السنّة، لا يمكن الاعتماد عليه».
والحقيقة أن لولا استمرار دونالد ترامب، بحفز من صهره، بالسكوت عن وليّ العهد السعودي لسقط هذا الأخير. أي أن الملك سوف يتخلّى عن ابنه لا مُحال لو خسر التغطية الأمريكية في حين غدا موضع كراهية باقي آل سعود وفقد حتى ثقة أقرب مقرّبيه بسبب جعله بعضهم، أولئك الذين انكشف ضلوعهم المباشر في جريمة قتل خاشقجي، أكباش فداء رعونته. والسؤال اليوم هو هل يستطيع كوشنر وحموه ترامب أن يستمرّا في التغطية على بن سلمان وأن ينقذاه من السقوط السياسي، بينما لا يني الإعلام الأمريكي يكشف يوماً بعد يوم ملابسات الجريمة، سواء المعلومات التي تتسرّب لديه من الأجهزة الأمريكية أو تلك التي قطّرتها حكومة رجب طيب اردوغان في تسريبات مدروسة منذ وقوع الجريمة بما أوحى بمسعى لتصعيد الثمن في مزاد إنقاذ الأمير السعودي.
وكل من ظنّ أن الرئيس التركي كان سوف يكشف «الحقيقة العارية» في خطابه يوم الثلاثاء كما وعد، ساورته الأوهام. فقد اكتفى اردوغان بإعادة تأكيد ما بات معلوماً وطالب بمحاكمة مقترفي الجريمة في تركيا، وهو يعلم تمام العلم أن المملكة لن تسلّمه إياهم مثلما ما كان هو ليسلّم مواطنين أتراكاً للمملكة لو حصلت الأمور بالمقلوب. فكعادته مارس اردوغان العنتريات أمام جمهوره مثلما مارسها في الأمس إزاء بوتين، ومثلما يمارسها زميله الأمريكي يومياً أمام جمهوره الخاص به. أما الحقيقة فلا زالت تنتظر من يفصح بها رسمياً بينما تستمر الصحافة الأمريكية، مصدر الخطر الأكبر على ابن سلمان، بالضغط مطالبةً بمحاسبته.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة