“المذنب” و”سارقوا المتاجر”…تحفتان من مهرجان “الجونة2”

السينما لا تزال قادرة على اثارة الدهشة!

فنون, قضايا

11  أكتوبر  2018

ما يبقى من المهرجانات السينمائية بعد أن تنقشع ضوضاء الجدل وأضواء السجاجيد الحمراء هو الأفلام، الأفلام التي يعرضها المهرجان أولا، ثم الأفلام التي تنتج عنه من مشاريع مشتركة أو صناديق دعم ثانيا، ثم الأفلام التي يتم بيعها عقب نهاية المهرجان بعد فوزها بجوائز أو لفتها للأنظار ثالثا.

عادة ما يقتصر تأثير المهرجانات المصرية على “أولا”، ونادرا ما تساهم هذه المهرجانات في انتاج أو توزيع الأفلام لا خارج مصر، ولا داخلها…وتقريبا مهرجان “الجونة” هو أول مهرجان مصري يؤسس برنامجا حقيقيا وفعالا لدعم مشاريع الأفلام الجديدة…أما ثالثا فلم تحدث أبدا على حد علمي، ولا يتوقع أن تحدث قريبا.

من بين الأفلام الكثيرة التي عرضها مهرجان “الجونة” في دورته الثانية (من 20 إلى 28 سبتمبر الماضي) تبقى عدة أفلام تستحق مشاهدتها، والتنويه بها، ودعوة القارىء للبحث عنها لمشاهدتها.

هذه الأفلام تتسم بمستوى فني راق، من ناحية جودة عناصرها وتكاملها وتمتعها باسلوب مميز، كما أنها تحمل جدة وابتكار في الأفكار والمعالجة مضمونا أو شكلا أو الاثنين معا.

أكثر فيلم تنطبق عليه هذه المعايير في اعتقادي هو الفيلم الدينماركي “المذنب” The Guiltyللمخرج جوستاف مولر.

الدينمارك بلد صغير ليس به صناعة سينما ضخمة مثل هوليوود أو ايطاليا أو فرنسا أو مصر، ولكن منذ تسعينيات القرن الماضي وصناع السينما الشباب في الدينمارك يساهمون في تطوير فن السينما في بلدهم والعالم كله من خلال أفكار وأساليب مبتكرة للغاية لعل أشهرها جماعة “دوجما 95” التي أسسها عدد منهم بهدف اعادة  تعريف الفن السينمائي ووضع قواعد مختلفة أدت إلى حدوث طفرة في السينما العالمية كلها.

جوستاف مولر هو امتداد لهذه المدرسة ولكن ليس استنساخا لها. والفكرة المبهرة التي توصل إليها في “المذنب” هي كيفية عمل فيلم “بوليسي” مشوق تدور أحداثه كلها في مكان واحد. في الحقيقة ليس هذا هو الجديد، فهناك أفلام من قبل شديدة التشويق تدور في مكان واحد مثل “12 رجل غاضب” لسيدني لوميت أو “الحبل” لهيتشكوك أو “كلاب المستودع” لتارانتينو، ولكن الجديد هنا هو أن الأحداث كلها تقع في أماكن أخرى، بينما ما يصوره الفيلم هو ردود فعل رجل يتلقى أخبار ما يحدث عبر الهاتف فقط!

باختصار، وحتى لا أحرق الأحداث لمن لم يشاهد الفيلم، يدور العمل حول شرطي في مركز استقبال مكالمات النجدة يتلقى مكالمة غريبة من امرأة تستنجد به وتزعم أن زوجها السابق خطفها وأن طفليهما وحيدان في المنزل…ومن خلال المحادثات الهاتفية فقط نبدأ في متابعة ما يدور، وبالتوازي نعرف أن هذا الشرطي معاقب بسبب قتله لأحد المجرمين في نوبة عنف وأنه ينتظر المحاكمة في اليوم التالي، وينسج السيناريو ببراعة هذين الخطين ليصل إلى نهايته المفاجئة التي تقلب الأمور رأسا على عقب.

التحدي الأكبر كما ذكرت هو أننا نتابع كل ما يجرى عبر ردود فعل الشخصية الرئيسية فقط. من المعروف أن لقطة “رد الفعل” هي واحدة من أهم تقنيات فن السينما، وهناك كتاب بالكامل اسمه “خفايا نظام النجم  السينمائي” مترجم للعربية ( ترجمة حليم طوسون- الهيئة العامة للكتاب)  يبين أن السينما الهوليوودية بنت مجدها وشعبيتها على تقنية لقطة رد الفعل…لكن “المذنب” على حد علمي هو أول فيلم يعتمد بالكامل وفقط على لقطة رد الفعل!

من أجمل الأفلام التي عرضها مهرجان “الجونة” أيضا الفيلم الياباني “سارقوا المتاجر” The Shoplifters  للمخرج هيروكازو كوري إدا.

هيروكازو كوري إدا، مخرج ومؤلف ومنتج ياباني مرموق، بدأ حياته في التليفزيون قبل أن ينتقل إلى السينما ليصنع بعض الأعمال الوثائقية، ثم أول أفلامه الروائية “مابوروزي” الذي شارك في عدد من المهرجانات العالمية الكبرى، وحصد عددا من الجوائز أهمها أفضل مخرج من مهرجان “فينيسيا”، ومنذ ذلك الحين أصبحت أفلامه زائرا وفائزا دائما في المهرجانات العالمية، منها حصوله على جائزة لجنة التحكيم من مهرجان “كان” عام 2013 عن فيلمه “الولد يشبه أبيه”، وأخيرا حصوله على السعفة الذهبية عن “سارقوا المتاجر” هذا العام.

تنتمي أعمال كوري إدا بشكل عام لمذهب “الواقعية الاجتماعية”، وهو امتداد لأعمال رائد السينما اليابانية ياسوجيرو أوزو وأستاذها الأشهر أكيرا كوروساوا، التي تميل للشاعرية، ولكنها شاعرية مقتصدة وجافة يمكن مقارنتها بالواقعية الانجليزية كما تتجلى في أعمال مايكل لي وكين لوش، مثلا.في أعمال كوري إدا بعد انساني وقدرة هائلة على إثارة العواطف تذكرنا بأفضل أعمال كوروساوا، وفي الوقت نفسه بها بعد نقدي قاسي للمؤسسات السياسيةوالاجتماعية والنظام الرأسمالي تذكرنا بأقوى أعمال كين لوش.

في معظم أعماله يناقش كوري إدا “ثيمة” العائلة من مختلف الزوايا. في  “بعد العاصفة” يعرض أسرة صغيرة مكونة من أب وأم وابن، كما يعرض علاقة الأب بأمه وأخته وأبيه الذي توفي مؤخرا، والمشكلة الرئيسية هي عدم قدرة هذا الأب الذي وصل لسن الخمسين أنه لا يزال مراهقا غير قادر على تحمل مسئولية أسرته ولا رعايتها بسبب ادمانه للمراهنات والقمار وميله لحياة المغامرة واللا انتماء…وهو ورث هذه الصفات من أبيه الراحل، وغالبا سيورثها لابنه، وعلى العكس نجد الجدة والأخت والزوجة أكثر ارتباطا بالأرض والواقع والتزاما بالمسئوليات الواقعة عليهن…وهي الأفكار نفسها التي سبق أن عالجها في مسلسله التليفزيوني “العودة لبيتي” Going My Home.

في فيلمه “أختنا الصغيرة” Our Little Sister يعرض قصة مؤثرة عن عائلة ريفية تخلى عنها الأب ورحل ليتزوج من امرأة أخرى منذ سنوات بعيدة، بعد موت الأب تفاجا الأم العجوز وبناتها بزيارة من فتاة رقيقة صغيرة تخبرهن بأنها ابنة الأب الراحل، ويبدأن في التعرف على أختهن لأول مرة.

في “الابن يشبه أبيه” يناقش كوري إدا معنى العائلة من خلال ميلودراما تقليدية حول حادث استبدال لطفلين حديثي الولادة في أحد المستشفيات، يذهب فيه طفل أسرة ثرية ذات مركز اجتماعي إلى أسرة صعلوكة بسيطة والعكس بالعكس، وبعد مرور سنوات تتبين الحقيقة فتقوم السلطات باعادة كل ابن إلى ذويه الحقيقيين…ولكن كل من الأطفال والكبار يتعرضون لأزمات نفسية وفكرية حادة تعكس مفاهيمنا المتصلبة حول معنى القرابة والانتماء والطبقة والتعصب للعائلة الذي يحمل بذور التعصب الطائفي والطبقي والسياسي بأنواعه.

يهتم كوري إدا بالانسانيات وبالعواطف، ولكن ليس على حساب العقل والتحليل الاجتماعي والسياسي، وتتجلى هذه القدرة المدهشة على مخاطبة القلب والعقل معا في “سارقوا المتاجر”، الذي يرسم صورة صادمة لحياة الفقراء والمهمشين في اليابان، تختلف تماما عن الصورة التي نعرفها عن بلد التكنولوجيا والاقتصاد القوي والعمل المنتج والرفاهية. يابان يضطر فيها المطرودون من النظام الاجتماعي الصارم إلى السرقة، الدعارة، النصب، وحتى القتل، من أجل البقاء أحياء. هذا النظام الاجتماعي الذي لا يرحم يشكل الخلفية التي تعرض عليها قصة “عائلة” مكونة من جدة وحفيدتين وزوج لحفيدة منهما لديهما طفل، تنضم إليهم طفلة بائسة شريدة قام أبواها بالتخلي عنها، وبمرور الوقت، يتبين تدريجيا أن هذه العائلة المتكاتفة المتحابة ليست عائلة بالمرة باستثناء الجدة وحفيدتها وأنهم جميعا “مقطوعون من شجرة” جمعتهم الظروف، فصنعوا عائلتهم الخاصة هربا من التشرد والفقر وعيون البوليس!

من خلال هذه القصة التي تتهادى بايقاع بطيء وتكاد تخلو من الدراما التقليدية حتى الربع الأخير من الفيلم، الذي تتكشف فيه المفاجآت والمواجهات، يستطيع  كوري إدا أولا أن يبث الحياة في شخصياته ويجعلنا نتعاطف معهم كما لو أنهم حقيقيين، وحتى عندما ينتهي الفيلم وتمر على مشاهدته أيام تظل شخصياته حية في عقلك تتساءل عن مصائرها. الأمر الثاني الذي ينجح فيه كوري إدا هو أنه من خلال هذه القصة الميلودرامية العجيبة يطرح أسئلة فلسفية وسياسية عميقة من نوعية: هل العائلة هي الأفراد الذين تربطهم علاقات النسب والدم، حتى لو كانوا كريهين، كارهين لبعضهم البعض. ان العائلات “التقليدية” التي يشار إليها عبر الفيلم، تتكون من آباء قساة القلب  غير مبالين، وأمهات معقدات نفسيا تعتديات على أطفالهن، وأطفال يتعرضون للاهمال والاستغلال. ويشير الفيلم عبر جمل حوار متناثرة ومشهدين معبرين الأول هو يوم العطلة الذي تقضيه “العائلة” على البحر، والثاني الذي تموت فيه الجدة، إلى أن هذه العائلة المزيفة ربما تكون أكثر ترابطا وقرابة من العائلات الحقيقية.

المستوى الأعمق من هذه الفكرة هو الربط بين العائلة التقليدية والدولة. في “سارقوا المتاجر”، كما في “الابن يشبه أبيه”، تقوم المؤسسة القانونية باعادة الأمور إلى نصابها الاجتماعية: تفريق شمل العائلة المزيفة، اعادة الطفلة إلى أبويها الحقيقيين، وايداع الطفل في مؤسسة للأطفال الضالين، وسجن الأم المجرمة، والنتيجة هي تعاسة الجميع.

من بين كل الأعمال السياسية المعروضة في “الجونة”، فإن “سارقوا المتاجر” هو أعمقها وأكثرها ضربا في صميم الأنظمة السياسية والاقتصادية التعيسة والمتعسة التي تحكم العالم، ومن بين كل الأعمال التي يعرضها مهرجان يرفع شعار “من أجل الانسانية” فإن “سارقوا المتاجر” هو الأكثر انسانية، والأهم أنه يفعل كل ذلك بدون كلمة “سياسة” أو “انسانية” واحدة!

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

جون بيرجر (1926-2017) كان موقف جون بيرجر الثوري هو إصراره وإلحاحه على أن واقعنا يمكن أن نراه بشكل مختلف، ويمكن أن نغيره بتدخلنا.

مايك جونزاليس

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف