في منافع مدح بن سلمان ومخاطر هجائه

قضايا

10  أكتوبر  2018

نعلم أن مدح سيوف الدولة وكوافيرها ليس حكراً على الكتّاب والشعراء العرب، وأن قدرة المال على شراء الضمائر واستئجار الأقلام لا تقف عند الحدود القومية، بل لا تصدّها سوى الشِيَم والأخلاق النبيلة عند صنف من الأفراد إلى أية قومية انتموا. ومع ذلك فقد دُهش الكثيرون من العرب عندما قرأوا قبل أقل من سنة بقليل تقريظاً بولي العهد السعودي صدر ليس في إحدى الصحف العربية التي تعتمد على صدقة المملكة، بل في إحدى أشهر الصحف الأمريكية، إن لم تكن أشهرها على الإطلاق، في بلد يفتخر باستقلال صحافته وبدورها في الرقابة النقدية على الحكم إلى حد تصنيفها سلطةً رابعة بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وللإنصاف ينبغي القول إن الدلائل تشير إلى أن مسؤولية التقريظ وقعت على صاحبه لا غير، وهو الصحافي الشهير توماس فريدمان. فقد تنصّلت منه بصورة غير مباشرة صحيفة «نيويورك تايمز»، وهي المعنية هنا، وذلك بنشرها مقالات نقدية إزاء المملكة وحاكمها الشاب المستبدّ بعد نشر التقريظ على الفور، وكأنها أرادت إبعاد الشبهات عنها. أما عن فريدمان نفسه فحدّث ولا حرج بعد أن أطلّ علينا بتلك المقالة الطويلة المعنونة «الربيع العربي في العربية السعودية، وأخيراً» بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.
والحال أن فريدمان في تقلّباته حيال محمد بن سلمان إنّما يذكّرنا بشعراء العصر العبّاسي وانتقالهم من التقريظ إلى الهجاء، مع فارق هو أن ليس في تاريخنا من الكتّاب من تقلّب بمثل تقلّبات فريدمان إزاء ابن سلمان. والسرّ في ذلك ليس شهامة كتّابنا، بل صعوبة ترميم الجسور بعد قطعها عندنا إذ أن حقد الحكام العرب على من يهجونهم من الكتّاب العرب لا تسامح فيه، بل غالباً ما يؤدّي إلى حرمان الهاجي من حريته، إن لم يُحرم من العيش كما يسود الاعتقاد بأنه حلّ بمواطن المملكة السعودية، الصحافي جمال خاشقجي.
فلنستعرض بعض تقلّبات فريدمان. في الثاني من أيلول/سبتمبر 2015، كتب مقالاً بعنوان «العربية السعودية، صديقتنا الإسلامية المتطرّفة» مفاده أن أكبر مروّجي الإسلام المتطرّف ليس الحكم الإيراني كما زعم الذين كانوا يدعون إلى نقض الاتفاق النووي المبرم مع طهران، بل المملكة السعودية. وبعد ذلك المقال بأقل من ثلاثة شهور، فاجأنا فريدمان بمقال نشره تحت عنوان «رسالة من العربية السعودية» (23 تشرين الثاني/نوفمبر 2015). فيه بشّرنا فريدمان بأن شباب المملكة وجد أخيراً من يحوّل حيويّته إلى إصلاح في شخص «ولي ولي العهد» محمد بن سلمان يؤازره في هذه المهمة ولي العهد «المعتدل» محمد بن نايف. وقد روى فريدمان كيف أمضى سهرة مع ابن سلمان وقد «أنهكه» هذا الأخير بحيويّته ونواياه الإصلاحية. أما عن سبب زيارة فريدمان للمملكة، فأخبرنا هو نفسه أنه أتاها بدعوة من «مركز الملك سلمان للشباب» الذي وصفه بالمركز التربوي الرائع، وذلك ليلقي محاضرة عن أثر التكنولوجيا على العمل. ولم يبح فريدمان بمبلغ المكافأة التي حصل عليها لقاء مجيئه من نيويورك وإلقاء محاضرته. وبعد ما يقارب السنتين عاد فريدمان إلى الحديث عن بن سلمان، وكان هذا الأخير قد غدا ولياً للعهد بعد إزاحة ابن عمّه. تمّ ذلك في مقال بعنوان «حذار: أمير سعودي مستعجل» (7 تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، حلّت فيه الريبة النقدية محلّ التقريظ، وكان فريدمان يعلّق على المديح الذي كاله على بن سلمان الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، خصم صحيفة فريدمان اللدود.

قدرة المال على شراء الضمائر واستئجار الأقلام لا تقف عند الحدود القومية

آنذاك تبدّلت لهجة فريدمان تبدّلاً حادّاً. وإذ حرص على ألّا يناقض نفسه بصورة تامة، أعاد التأكيد على ثقته في صدق نيّة ابن سلمان الإصلاحية، لكنّها ثقة جاءت مصحوبة هذه المرّة بدرجة عالية من التحذير، بل الهجاء الصريح. وقد سخر فريدمان من ثناء ترامب في إحدى تغريداته على ادّعاء بن سلمان محاربة الفساد، معلّقاً: «لم أستطع سوى أن أضحك عندما قرأت هذه التغريدة. فمتى يسمع المرء أن أمراء سعوديين جرى اعتقالهم بسبب الفساد… يدرك أن الأمر مغايرٌ. ومن الواضح أن ترامب فاتته في العام الماضي قصّة شراء محمد بن سلمان بنتيجة نزوة مفاجئة لأحد اليخوت، وهو يمضي عطلة في جنوب فرنسا: كفى أن يعجبه اليخت عندما شاهده راسياً في المرفأ حتى اشتراه من صاحبه الروسي بمبلغ 550 مليون دولار. فهل أتى هذا المال من حصالة نقوده، أم جناه من كشك بيع الليموناضة في الرياض؟»
فاق هذا التهكّم المصحوب باتّهام صريح لابن سلمان بالفساد كل ما جاء من نقد على لسان جمال خاشقجي أو بقلمه. أما الفرق فهو أن هذا الأخير من مواطني المملكة بينما فريدمان من مواطني الإمبراطورية الأمريكية، والفرق بين مصيري الرجلين لبليغ. فما مضى أسبوعان على الهجاء حتى جاءنا فريدمان بمقالته عن «الربيع العربي» في المملكة التي سبق ذكرها، يخبرنا أنه زار السعودية من جديد لإجراء مقابلة مع ولي العهد! وقد روى كيف أمضى سهرة أخرى مع بن سلمان، بحضور شقيق هذا الأخير، سفير المملكة في واشنطن، وعدد من الوزراء. ومرّة أخرى تبدّلت لهجة فريدمان، فجاء مقاله يمدح حملة بن سلمان المزعومة على الفساد، ولو حرص على إبداء بعض التساؤل والإعراب عن الأمل بدل التأكيد والجزم المتحمّس حيال مصير مشاريع ولي العهد.
وبقيت لهجة فريدمان إيجابية في الأشهر اللاحقة، فكتب مقالاً في أوائل العام الجاري (9 كانون الثاني/يناير) يؤكد فيه على أن بن سلمان «حاكمٌ حداثي يشرف على مجتمع تقليدي بصورة غالبة» بما يفسّر المصاعب التي يواجهها. لكن ما لبث أن تلا ذلك مقالٌ آخر بعنوان «مذكّرة إلى الرئيس عن العربية السعودية» (6 آذار/مارس) قبيل زيارة بن سلمان لواشنطن، استعاد لهجة الريبة والتحذير إزاء ولي العهد السعودي. وقد تصاعدت تلك اللهجة وصولاً إلى مقال صدر قبل شهر ونيف (4 أيلول/سبتمبر) تضمّن من جديد نقداً حاداً لابن سلمان. وفي مقاله الصادر قبل يومين، باح لنا فريدمان بسرّ هو أن مُلهم نقده كان صديقه جمال خاشقجي. وبالطبع، يصعب الظنّ في أن الحكم السعودي كان يجهل هذا «السرّ»…

نشر في موقع : القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة