النكتة الشعبية: الخّلق.. النصّ الأدبي.. والوظيفة

قضايا

08  أكتوبر  2018

ما النكتة الشعبية؟ من يؤلف نصوص الضحك (نجدها على قارعة الطرقات مثلا ونشكر الله أننا شربنا من الزير وقهقهنا؟) من يكتب النصّ الأدبي ويقيس بنائه (دراما وإيقاع) ثم يتبناه وينشره بين الناس؟ ما الوظائف الفولكلورية للنكتة؟ هل تمر النكتة الشعبية بدورة حياة: كأن تمرض ثم تموت؟

وما ذنبكم أنتم في هذه الأسئلة المطولة؟! لندخل من بوابة الثقافة الشعبية. النكتة الشعبية هي ابنة الأدب الشعبي، وهي فرع راسخ في وعي الجماعة الشعبية كأحد آليات المقاومة ضد الواقع المختلّ في عدالته، آلية شفاهية غير مكتوبة تعكس عادات ومعتقدات وتصورات شعب عن عالم مليء بالمُضحكات المُبكيات.

هناك نوعان من النكتة: الأدبية والشعبية. وكلاهما ينتميان لمرجعية نفسية واحدة، لكن لأن النكتة الشعبية تتربى وتكبر بين الناس فإنها تملك وحدها تحديد اليوم والمكان اللذين  نشأت فيهما. والنكتة الأدبية ذات طابع فردي في تجربتها ولا تنتشر بين جموع الناس كانتشار النكتة الشعبية، ولا تتناول قضية مشتركة لأبناء الثقافة الشعبية، كأن يسرد كاتب موقفا ساخرًا رآه بالصدفة أو قام بتأليفه كي تنفرج أسارير القراء.

هل هذا يعني أن هناك أنواعا أخرى داخل النكتة؟ ينحاز البحث الفولكلوري إلى الرأي القائل بأن هناك محددات: البيئة والزمن والمهن. لذلك يتم التفريق دائمًا بين النكتة التي يرويها بريطاني وبين النكتة القاهرية التي يرويها مواطن من حي شعبيّ أو النكات التي تنتشر بين العمال والنكات التي يتداولها تلاميذ المدارس. هناك نكات تنتشر بين الطبقة العاملة أكثر من انتشارها بين الصيادين والنوبيين مثلا، وهناك نكات للسيدات أيضًا، ونكات لا تُقال إلا في جِلسة الرجال، لكنها تبقى شعبية لأنها تحمل في باطنها منظومة وظائف فولكلورية ومعتقدات وتجارب شعبية، وهذا ما يضمن لها البقاء حتى تموت فجأة وينشأ بعدها بديل مختلف في النص الأدبي لكنه يوصل ذات الرسالة.

هل تموت النكتة؟ موت النكتة يرتبط بموت الوظيفة. على سبيل المثال لا يمكن لنكتة شعبية نشأت ضد الاحتلال الإنجليزي أن تستمر بعد خروج المحتلّ. فالنكات الشعبية التي كانت تُطلق على “السقا” ماتت مع اختفاء دور السقا الذي كان يروي عطش الناس في الشوارع. دخلت صنابير المياه في كل بيت، فلم تعد وظيفة السقا موجودة، وأمر الاختفاء هذا لا يخص النكتة الشعبية فقط لكن يخصّ عناصر فولكلورية أخرى في هذا المثال: (نداءات السقا- ملابسه الشعبية- لغته الدارجة- الحكايات الشعبية المرتبطة بالمياه).

ما الذي يحدث بالضبط؟ تتحول النكتة الشعبية إلى مأثور شعبي متروك، شأنها شأن باقي العادات والمعارف التي تموت لمجرد انتفاء وظيفتها بفعل قانون التطور ونشوء البدائل. ومن هذا المنطلق فهي تتعرض لعملية تغير دائم يعكس التغيرات التي تلم بالحياة في كل طور من أطوار حياة المجتمع.

ما الهدف من النكتة الشعبية؟ النكتة تكشف متناقضات الحياة، وتعكس طبيعة كل شعب وهو يقاوم التجارب الحياتية التي تُفرض عليه، فهي كبقية أنواع الأدب الشعبي خزّان لرموز وإشارات وعادات وتقاليد ووقائع تاريخية، وهي تتفوق على مثيلتها من عناصر الثقافة الشعبية في أنها سريعة الانتشار، وتحفظ التراث الشعبي لكل شعب، فليس من السهل أن تتعرّف (أنثروبولوجيا وفولكلوريا) على هويّة بلد من دون أن تعرف ما الذي يُضحك هؤلاء الناس، ومنه تجيب على سؤال لاحق: ما وظيفة النكتة في وعي الجماعة الشعبية؟ وستجد الإجابة على ناصية الحيرة: المقاومة وحبّ الحياة.

النص الأدبي المرتبط بالنكتة الشعبية هو بناء فني (تعبيرات شعبية دارجة)، مجهول المؤلف، قصير لغته عامية مكثفة، ويعتمد في تكوينه على تراكيب لغوية فيها تورية، وفي جوهره موقف معين من قضية ما. نص يؤلفه فرد من الناس، ثم يسرده بين ثلة من أصحابه كي يختبر قدرته على الإضحاك، وإذا أعجب نفر آخر من الناس، يتحول من نكتة فرد إلى نكتة شعبية، وهنا يتبناه الناس ويصبغون عليه مجموعة من الوظائف الشعبية، ويخلقون نصًا أدائيًا موازيًا يجعل النص الأدبي (النكتة الأصلية) مجرد جسر للتعبير عن سخرية الشعب من موقف سياسي أو اجتماعي بعينه. ومن دون قدرة الجماعة الشعبية وحريتها الكاملة في تعديل وتحوير النص بما يخدم تصوراتها ومواقفها الأساسية (مقاومة الواقع) لا تخلع على النكتة قلادة الشعبية التي تعني أن النص سُيكتب له الخلود لأطول فترة على ألسنة الناس وفي أذهانهم.

تزدهر النكات الشعبية في زمن المنوعات السياسية والاجتماعية. وتكون هنا نوعًا من التمرُّد الداخلي على شيء ثقيل يُسمّم الحياة. وفي كل الأحوال: عندما يشعر المؤلف الفرد داخل جماعته الشعبية أن العقبات والخيبات لا يمكن احتمالها في الواقع فإنه يلجأ – مستخدما تعبيرات شعبية تناسب المزاج العام- إلى تأليف نصّ أدبي يعادي هذا الواقع صراحة، وفي هذا الزمن المذكور أعلاه، تروج نكات شعبية أكثر ثورية من مثيلتها في زمن الاستقرار النسبي، حيث نجد النكات الجنسية الصريحة والنكات الأخرى التي تكسّر تابوه الدين والحُكم.

كيف تؤلَف النكتة الشعبية ومتى؟ تؤلف بشكل عفوي في أي وقت طالما اشتملت على عنصري المفاجأة والمقارنة بين المعنى الظاهر والباطن، والمؤلف هنا يجب أن يمرّ بتجربة ضاحكة يعكسها في نص أدبي، وهو قبل أن يمر بهذه التجربة، يجب أن تكون لديه الرغبة في هّزم التوتر الحياتي الذي يهدد بقاءه، وكلما كان هذا التهديد جادًا وضاغطًا كانت النكتة الشعبية أكثر إضحاكا للمتلقين الذين يعيشون نفس تجربة المؤلف، لكنهم لا يعرفون سبيلا للخروج من ضغط الواقع، لذلك فإنهم بمجرد أن يستمعوا إلى النص الضاحك يُفرغون صدروهم من كل همّ، ويستعيدون رغبتهم في الحياة.

في أي مكان تنشأ النكتة؟ الدينامية والإيقاع السريع أحد سمات النكتة الشعبية، لذلك فإن باحثي الأدب الشعبي، ينحازون إلى الطبقات الكادحة في المدينة لا سكان الريف عندما يُسألون هذا السؤال. ومردّ هذا الرأي إلى أن النكتة تتطلب نشاطًا ذهنيًا من نوع خاص، لا يعرفه الريفيون الذين يعيشون حياة يغلب عليها إيقاع الاستقرار والتكرار، ولا يعني هذا إننا لن نجد ريفيًا يُنتج النكتة الشعبية، لكن المقصود هنا هو أن حياة المدينة بكل وعورتها تجعل الفرد الشعبي فيها، عُرضة لتجارب أكبر من التجارب البسيطة نسبيًا التي يعيشها الريفي، لذلك فإننا نجد أن معظم النكات تنشأ في القاهرة وعواصم المدن، وتكون بطولة النص الأدبي فيها محجوزة للريفيين، الذين يعيشون نمطًا فيه تكرار وبعض الجمود ما يسمح لفرد الثقافة الشعبية (العائش في المدينة) أن يبتدع تعبيرات شعبية ساخرة، ولا يكون المقصود من النكتة هنا التقليل من شأن مكان ما، لكن التقليل من شأن فكرة أو موقف اجتماعي يتبناه أبناء الريف، الذين يضحكون أيضًا على النكات التي تُقال فيه.! وهذا لا ينطبق على مصر فقط، لكن ينطبق على النكتة الشعبية في كل البلدان. تجد في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا النكات الشعبية التي تنشأ في المدن القاسية مثل نيويورك على أبناء الولايات الجنوبية، أو النكات التي تطلق على الرؤساء الأمريكيين “الفلاحين” القادم غالبيتهم من “تكساس”.!

تختلف النكتة عن “القفشات” والحكاية الهزلية والنادرة، واللمز والألغاز، في أنها تتجاوز هدف المتعة، ساعية إلى توعية المستمع كي يُدرك بشكل مفاجئ بعض حقائق الحياة التي لا يدركها بوضوح، ويتحقق هذا عن طريقين: المقارنة بين معنى ظاهر وباطن، والمفاجأة الدرامية كما قلنا.

وتختلف موضوعات النكتة باختلاف النوع حيث نجد:

  • النكتة التي تسخر من مجموعة من الناس لا لعيب فيهم ولكن بسبب عيب في موقفهم تجاه قضية تهم الجميع ( نكات الحموات خير مثال).
  • النكتة التي تسخر من صفات غير محببة لأبناء ثقافة شعبية ( الغباء والجُبن وانعدام المروءة والبخل وعدم اتزان الشخصية).
  • نكات المُحرمات، وهذا النوع من النكات يشتمل على النكات السياسية والجنسية التي يروج لها الناس ويتبنونها لأنها تمثل تمردًا على مجموعة من القيود الاجتماعية والسياسية الضاغطة، فيستخدم المؤلف الشعبي أسلوب التلميح كي يجعل نفسه، والمتلقي، يكسران هذا القيد ويدخلان في حالة مرح لأنهما شعرا بنصر مؤقت على أشياء (مُحرمات) تعكّر صفو حياتهم.

___________________________________

مراجع اتكأ عليها هذا المقال:

  • د.نبيلة إبراهيم. أشكال التعبير في الأدب الشعبي. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر. ط2. 1974.
  • فاروق خورشيد – عالم الأدب الشعبي العجيب. دار الشرق، بيروت. ط1 ، 1999م.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

رجل فخم – الاجتماع (قصتان) هؤلاء يجب أن يعملوا في عصابة داخل وزارة المالية. أو هيئة البورصة. أو واحدة من هذه الهيئات التي يعمل فيها الوحوش والقتلة ومصاصي الدماء.

خالد الخميسي

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي

دون كيشوت ونصوص أخرى يحكمنا "دون كيشوت" بكاب كبير. كي يقتل الشغف والتمرد بداخلنا يأمر نصفنا بحفر حفرة كبيرة، ويأمر النصف الآخر بهدم ذات الحفرة.

أحمد عبد الحميد حسين