‏”الجونة السينمائي” في دورته الثانية…شحاذون ونبلاء! (1)‏

فنون

05  أكتوبر  2018

عُقدت الدورة الثانية من مهرجان “الجونة” السينمائي الدولي خلال الفترة من 20 إلى 28 سبتمبر الماضي، حيث عرض حوالي ثمانون فيلما من مختلف الأنواع والأطوال، روائي، وثائقي، قصير، وتم تكريم ثلاثة من صناع الأفلام، المخرج المصري داود عبد السيد، و المنتجة التونسية درة بوشوشة، والممثل والمخرج الأمريكي سلفستر ستالوني، كما تم عقد “منصة الجونة” المخصصة لدعم مشاريع الشباب، وعدد من المحاضرات والندوات.

مع الدورة الثانية بدأت تتضح ملامح المهرجان وشخصيته. أهم هذه الملامح هي أنه مهرجان “فاخر” على عكس كل المهرجانات التي تقام في مصر بما فيها “القاهرة”. يدعو المهرجان “علية القوم” من الفنانين وأهل البيزنس والسياسيين، وعشرات من الإعلاميين والصحفيين للإقامة في أكبر فنادق منتجع “الجونة”، وهو أصلا منتجع للصفوة. ومن يلقي نظرة على فعاليات المهرجان دون سابق علم ربما يعتقد أنه مهرجان في ايطاليا أو اليونان. وهذا شيء جميل يحسب لصناع المهرجان أنهم يقدمون صورة مختلفة عن مصر الزحام والفقر والقبح والقذارة والتحرش والعنف.. مصر التي لم نعد نستطيع السير في شوارعها لا في السيارات ولا سيرا على الأقدام…ولكن هذا التباين الهائل يفرض نفسه، وهو ما أدى إلى اهتمام الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالفساتين والشورتات ومساحات الجسد العارية والخمور، غير مدركين أن هذا هو حال معظم المهرجانات السينمائية في العالم كله، سواء كانت في فرنسا أو المغرب  أو الإمارات أو زيمبابوي!

 “الجونة” يهتم أيضا بالنجوم العالميين، وان كان الأغلبية الساحقة منهم أمريكان، وهو ما يعكس وجهة نظر العامة في معنى “العالمية”.. بالتأكيد هناك سينمائيون كبار من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وحتى أفريقيا أهم من سلفستر ستالوني وبقية النجوم الأمريكان الذين احتفى بهم المهرجان، ولكن، كما ذكرت، الأولوية هنا هي تحقيق الدعاية المنشودة محليا وعالميا، واثبات قدرة المهرجان على دعوة “الأشهر” و”الألمع” وليس الأهم.

يدعو المهرجان أيضا بعض السينمائيين المهمين لإلقاء محاضرات على عادة كثير من المهرجانات العالمية اليوم. وهو أمر لم يعرفه مهرجان “القاهرة” مثلا حتى الآن، وهذه الأسماء والمحاضرات تستقطب عددا كبيرا من الشباب من محبي السينما أو الراغبين في تعلمها. هناك أيضا “منصة الجونة” التي تدعم المشاريع الجديدة بمبالغ كبيرة غير مسبوقة في أي مهرجان مصري، وهو ما يعني أن المهرجان، على طريقة “دبي” و”أبي ظبي” و”مراكش” من قبله، يحاول التوفيق بين الاهتمام بالسينما الشعبية ونجومها والسينما  الفنية والمستقلة والشباب.

يهتم المهرجان عامة بأفعل التفضيل على الطريقة “الخليجية”: الأول، والأكبر، والأكثر، ولكن أعتقد أن الاهتمام بجلب عدد من الأفلام التي فازت أو برزت في المهرجانات الكبرى الأخرى وتنظيم برامج استعادية لفناني السينما الكبار واختيار أعمال قوية للمسابقات الرسمية هو ما يبقى في الذاكرة وليس العرض العالمي أو العربي أو الأفريقي الأول، ولكن كما ذكرت هناك رغبة شديدة لدى صناع المهرجان في إثبات أنه أصبح مهرجانا “عالميا”. كذلك يتعلق الأمر بموضوع التغطية الإعلامية “العالمية” للمهرجان، حيث يشاع أن الصحافة السينمائية والنقاد لا يهتمون سوى بالمهرجانات التي تقدم العروض الأولى للأفلام، لأن وسائل الإعلام لا تهتم بالأفلام التي كُتب عنها من قبل. ربما يكون هذا صحيحا، ولكن لا أعتقد أن وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية التي تكتب عن مهرجان يقام في مصر يعنيها في المقام الأول أن تكون الأفلام المعروضة جديدة، وأعتقد أن أولوياتها تنصب على البلد نفسه ودرجة تنظيم المهرجان واستقبال الجمهور المحلي له.

مجذومون و”عراة” على السجادة الحمراء

تناقض هائل لا يحل في “الجونة” كما في كل المهرجانات الكبيرة التي حضرتها. يحضر النجوم بـ”زفتهم” وسجاجيدهم الحمراء وملابسهم ومجوهراتهم وسياراتهم الفاخرة ومفاتنهم العارية.. نجم واحد أغنى من حي صغير أو حارة شعبية بأكملها، لكن الأفلام التي يعرضها المهرجان تدور غالبا عن البؤس البشري والمجاعات والمنبوذين، وفي الآونة الأخيرة، حين اختلطت الأنواع الروائية بالوثائقية، وحين باتت المهرجانات لا تفرق بين الروائي والوثائقي، وتضم في برامجها أفلاما روائية وثائقية يمثل فيها أشخاص يؤدون شخصياتهم الحقيقية، أو وثائقية خالصة ليس بها تمثيل، وفي الحالتين يتم دعوة شخصيات هذه الأفلام مثل صناع الأفلام والنجوم، يقيمون في الفنادق نفسها ويحضرون العروض وحفلات الافتتاح والختام ويسيرون على السجادة الحمراء، ويصعدون إلى المسرح مع فريق العمل ليحيوا الجمهور أو ليتسلموا جوائز التمثيل.

في “كان” و”برلين” و”فينيسيا” حصل بعض هؤلاء البسطاء على جوائز التمثيل في مسابقات تضم بعض كبار النجوم وجهابذة التمثيل في العالم. طفلة حرب من إفريقيا، وتاجر صفيح خردة من غجر المجر، ومهاجر غير شرعي من باكستان.

في “الجونة” بعد “كان” شارك فيلم “يوم الدين” للمخرج أبو بكر شوقي الذي يلعب بطولته مشوه بالجذام وطفل نوبي فقير وبعض المعوقين والمشوهين، وهؤلاء جاءوا بصحبة المخرج ليحضروا العرض الخاص ويسيروا على السجادة الحمراء ويلتقون بالصحفيين.

وفي “الجونة” بعد “برلين” شارك الفيلم الوثائقي “الجمعية” للمخرجة ريم صالح، وحضر للمهرجان اثنتان من شخصيات الفيلم من حي “روض الفرج” الفقير لتقيمان في الفندق مع النجمات وتجلسان بين كبار المدعوين في حفل الختام.

لا أحكي هذه المواقف لأنني أعارض أو أنتقد دعوة الأشخاص العاديين إلى المهرجانات، بالعكس. لقد خُلق الأدب والفنون من أجل هؤلاء، وهم المضمون الأساس لمعظم الأعمال الفنية، كذلك أدرك أن “البهرجة” والبذخ والشهوانية التي تتسم بها حياة النجوم هي جزء من طبيعة مهنتهم ومن الجاذبية والجماهيرية التي لا غنى عنها لصناعة السينما. ولكن عندما يكون المهرجان بفخامة “كان” أو “برلين” أو “الجونة”، فإن التناقض يكون هائلا بين النجوم الذين “يمثلون” البؤس ولا يعيشونه وهؤلاء البسطاء البؤساء الذين يشاركونهم السير على السجادة الحمراء والجلوس في المقاعد الأمامية لصناع الأفلام خلال حفل الختام.

عادة يقابل هؤلاء البسطاء بترحاب “مبالغ” فيه.. بابتسامات ومجاملات وعبارات مديح تعكس مدى الخجل الذي يشعر به المنظمون والجمهور وصناع الأفلام الآخرين. بعد عرض “يوم الدين” كانت الدموع تملأ عيون معظم النجوم الذين حضروا العرض، خاصة بعد صعود “أبطاله” المصابين بالجذام والمعاقين إلى المسرح بعد انتهاء الفيلم. مشهد مماثل تكرر بعد عرض “الجمعية”، حيث كانت القاعة تمتلئ بجمهور مدينة “الجونة” الأثرياء الذين شعروا بالحرج والعطف الشديد على شخصيات الفيلم الفقيرة التي تعاني كل المرارات من أجل البقاء أحياء.

من ناحية يسعد المرء بأن السينما وحدها هي التي تتيح لبشر على هذا القدر من التناقض أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاطفوا مع بعضهم البعض. في العادة لا يرى الأثرياء هؤلاء الفقراء في حياتهم العادية.. أو بمعنى أصح لا يفكرون فيهم. ولكن السينما بقدرتها الاستثنائية على التأثير والسيطرة على الحواس لا تترك للمشاهد فرصة لغض النظر أو التجاهل، وتجعله يدخل إلى حياة هؤلاء البؤساء بدلا من أن يكتفي بالفرجة عليها من الخارج.

من ناحية ثانية يدرك المرء أن هذا التأثير والتأثر سرعان ما يخبو بعد ساعات أو أيام، وأن المشاعر القوية التي تنتاب المشاهدين أثناء الفيلم ربما تلعب فقط دورا “تطهريا” يساعد المرء على التنفيس عن شعوره بالذنب، قبل أن يعود لممارسة حياته المعتادة في الصباح التالي، ومن ثم يعلم أن هذا الاندماج والتعاطف عمره قصير، من عمر زمن الفيلم، أو أيام المهرجان.

مرة أخرى يسعد المرء من رؤية المنبوذين والمهمشين يختلطون بالأثرياء وأصحاب النفوذ والسلطة عبر الشاشة أو فعاليات المهرجان، وان كان يتمنى لو أن هذا الاختلاط يدوم ويثمر مزيدا من التواصل والتكافل في عالم يزداد انقساما بين أغلبية تزداد فقرا، وأقلية تزداد ثراء.

أخيرا..أهم ما يبقى من أي مهرجان سينمائي هو الأفلام الجيدة التي تبقى في الذاكرة، وهذه الأفلام ستكون محور مقالي القادم بإذن الله.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف