سمير أمين … ابن بورسعيد

فنون, قراءات

02  أكتوبر  2018

سوف يفاجأ الكثيرون مثلى أن سمير أمين، ذاك المفكر المصري العالمي، نشأ في حواري مدينة بورسعيد وتربى في مدنها وقراها ومدارسها حتى سن العشرين، لنعرف كيف تعمل المحلية على خلق العالمية.

في شارع فاروق ببورسعيد – الشارع التجاري الكبير وقتها على الأقل- ولد سمير أمين في الثالث من سبتمبر 1931 من أب وفدي وأم فرنسية ديجولية، وكلاهما طبيبان، تعلما الطب في  جامعة ستراسبورج في أوائل العشرينات من القرن الماضي .

عاد الأب في أوائل العشرينات إلى، بورسعيد ولحقت به الزوجة عام 1927 حيث عُين والده طبيبا في “قفط” بمديرية قنا، ولكن والدته صممت على العودة إلى بورسعيد لتشرف على صحة ابنها سمير، مريض الكبد كما يذكر هو، وحتى حصل على البكالوريا الجزء الأول عام1947.

كان الوالد كطبيب والمسئول الصحي في منطقة القنال على خلاف مع الإدارة البريطانية التي لم تستطع إيذاءه بسبب شهرته في مقاومة الأوبئة بل وقدرته على القضاء على الملاريا هناك، وكان أكثر ما يستطيعون عمله هو نقله إلى الإسكندرية والصعيد ثم عودته، فيما يحدد سمير  بيئته الأولى بمثلث بورسعيد- الإسكندرية – قنا (فضلا عن مروره ببلبيس والتل الكبير) وفى نفس الوقت كان جده مهندسا في السكك الحديدية، مرشحا دائما لمنصب أكبر لولا تمسكه بتعامل استقلالي مع الانجليز ومنع التعامل إلا بالعربية.

يقدم سمير أمين في أول جزء من مذكراته تحليلات اجتماعية مهمة في فهم المجتمعات، مثل نصه في الصفحات الأولى:ـ

“تنتمي عائله والدي إلى ما يسمى عادة “بالأرستقراطية القبطية”، وهى تسميه مضللة إلى حد ما، حيث أن الأمر لا يعدو كونها عائلات حديثة العهد تعود بالكاد إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكنها أسست مكانتها الاجتماعية على تعليم جيد وعلمي، وهو الأمر النادر نسبيا في مصر في ذلك العصر، وقد جمعت بعض العائلات بفضل ذلك ثروات كبيرة وصارت من كبار الملاك العقاريين (وهو شكل التعبير عن الثروة في ذلك الوقت)، وكانت العائلات تتزاوج فيما بينها وتحمل الأسماء المتكررة مثل عائلات وهبه وصادق وغالى (كانت ثمة صله قرابة بين سمير وبطرس غالى) وتنحدر بعضها كبرجوازية صغيرة.”

ألِف سمير الإسكندرية كما ألف القاهرة وبورسعيد. وورثت جدته (من عائلة وهبة) أرضا واسعة في رمل الإسكندرية حين كان الوالد مديرا كمهندس لمحطة مصر بالإسكندرية، ومغرما بالجلوس بمقهى البروسفور أو التريانو، ثم باعوا الأرض ليشتروا بثمنها منزلا في شبرا. كما كان لوالده قطعة أرض في الدقي، باعها أمام اضطرابات الحرب الثانية واقتراب رومل من الإسكندرية.

أدت الظروف إلى رحيل “جد” سمير إلى “ألزاس” عام 1919. ولذا أجروا المنزل في شارع فاروق إلى القنصلية السوفيتية في بورسعيد وصادقوا كثيرين من السوفيت، وتزوج الأب المصري من الوالدة الفرنسية أثناء الدراسة في جامعة ستراسبورج، ثم عاد الأب لمصر ولحقت به والدته إلى مصر 1927. هاجر بعض أفراد الأسرة إلى روسيا وأتقن بعضهم الروسية واكتسب عادات الروس. وكان الأقرباء فخورين أن يصير سمير شيوعيا ويزور روسيا، ولكنه لم يزر روسيا كدولة شيوعية إلا عام 1960.

تثير مذكرات سمير أمين في جزئها الأول جوانب من انغماسه في قلب الحياة المصرية جعلته، كما سنرى، شريكا قويا في تأسيس الحركة الثانية للماركسية في مصر، ولذا سأواصل هنا بعض رواياته عن أسرته ونفسه في البيئة المصرية، بما قد لا يعدو مفيدا مباشرة، ولكنى أتصور ذلك هاما في فهم وقوفه إلى جانب الحركات الشعبية، وأنحاء من العالم الثالث، فجال كما  يسرد هنا منذ شبابه  في مالي والسنغال ومدغشقر وبنين والكونغو برازافيل وتنزانيا والمغارب بما يكشف لعالم الشباب مسارات لابد أن يقدروا الغوص فيها…

يهتم سمير أمين إلى جانب حياته في بورسعيد، بمعايشته للحياة الصعيدية، حيث كانت نشأة والده في “قفط” بالذات، وكانت والدته الفرنسية تحرص على العمل في المجال الصحي (وهى طبيبة) مع والده في الصعيد، يقول سمير (ص13):

” في ذلك الحين كان والدي يمر على القرى لأداء مهامه الطبية، راكبا حصانا، وتتبعه والدتي راكبة حمارا أطلقوا عليه اسم “أودية” (كانت والدتي تسمى أوديت) لأنه كان عنيدا مثل والدتي!

وكانا يعبران النيل للوصول إلى قرية “البلاص” فوق طوف مصنوع من النخيل المثبت فوق أزيار من الخزف، ويقف فوقه الفلاحون وبهائمهم… وكان الطب أيامها، يتضمن كل ما يخطر على البال … (ويستمر العمد في  جمع المرضى ويأتون بهم  لمقر تفتيش الصحة…)، كما يستطرد في حكايات عن مرضه ومعالجة الفلاحين له في الطريق بين الزقازيق وأبى كبير، حيث عاشت الأسرة فترة هناك مع ارتباطهم ببورسعيد لقضاء الإجازات.

ومن طرائفه عن تلك الفترة يقول: “كنت مع أختي نقضى وقتا طويلا على البلاج، ولم تكن مسيسة مثلي، وتمتعت مثلي بالوقت الذي قضيناه في أبى كبير، حيث كانت تحب كثيرا الجاموسة، ولا تمل من ركوبها كما قالت والدتي. وأنا أيضا أحب الجاموسة ولكن ضمن حبي للحيوانات بعامة…

كما يذكر سمير أمين كيف كان والده يصحبه إلى النادي الذي يسيطر عليه الوفديون، وينشغل بمتابعة مناقشة والده لهم، في الوقت الذي لا يحب منهم الملاك الإقطاعيين. ويحب التعبير عن وطنية الوفد أمام مؤيدي الفاشية والنازية، وكان من تجاربه هنا أيضا التعرض مع والده وزملائه للسفن الايطالية بين 35/1937 التى تمر بالقناة حامله الجنود الايطاليين إلى أثيوبيا (تذكرني دراستي في مجال الفولكلور بلعبة شهيرة حتى الخمسينات بين أطفال القاهرة تسمى “حبشى أطاليا” إشارة إلى فترة لجان مصرية تشكلت ضد الايطاليين في غزوهم لأثيوبيا فترة التمهيد للحرب) ومحاولة الشباب تعويق مرورهم بالقنال .

يذكر سمير أمين أنه مر في سن مراهقته، 10-11، عاما بمرحلة قصيرة من التصوف أو الإيمان بالغيبيات لم تستمر طويلا… ويهيأ له أنه يضيف إليها واقعة مروره في طريق زراعي بين الزقازيق وأبو كبير وهو شديد التعب من اضطراب كبير استمر عاما في أمعائه، وإذ بسيدة فلاحة تخرج إليهما عند توقفهما، داعية إياهم إلى منزلها لتناول أعشاب لهذا الصبي المتألم، وما أن تمضى ساعات حتى يكون في أحسن حال وصارت صحته جيدة. وبناء على اقتراح من والده تم استخلاص دواء مصري من هذه الأعشاب .

يظل سمير أمين في ذكرياته ببورسعيد، ناقلا عن كاتب فرنسي كيف يراها مثيلة لشنغهاي، وأنها كانت وفدية مائه بالمائة خاصة عند الانتخابات، وأنها كانت تضم نواة نقابية وشيوعية لها صوت وأثر واضح.

ورغم أنها كانت تبدو حامية عسكرية منذ عام 1940، فقد كان يستطيع أن يذهب إلى مدرسة الليسيه التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية، كما كان يذهب إلى حديقة الأطفال وسط المدينة وبلاج بورسعيد حيث الكبائن المرفوعة على الأعمدة، ويذهب لبلاج الأطفال ويسبح في بلاج “الجميل” . ولم يتحدث سمير أمين عن معرفته بالنساء إلا رؤيته لفتيات البارات في بورسعيد باسم “الجونله” بسبب ملابسهن. لكنه يتحدث أنه قابل تحيه كاريوكا في سيسيل بالإسكندرية.

توفى والده في بورسعيد 1960 وسارت المدينة كلها في جنازته، وأرسل عبد الناصر لهم برقية عزاء، بينما ماتت والدته عن 94 عاما، وأذكر أننا قابلناها في القاهرة بصحبته في الثمانينات . يذكر سمير أنه في ليسيه القاهرة عرف محمد سيد أحمد، وكان هنرى كورييل قد افتتح مكتبة في ميدان مصطفى كامل، حيث يقرأون من عنده كلاسيكيات الماركسية ” والبيان الشيوعي” … وتاريخ الحزب الشيوعي البلشفي” و”الحرب الأهلية في فرنسا” مع محاولة صعبة لقراءة  “رأس المال “.

مر سمير بمرحلة تردد أمام ما اسماه انقلاب جمال عبد الناصر

كان تكوين سمير قائما على التمرد حتى في الاختلاف مع والده إزاء “انقلاب” 1952. فقد تحمس أبوه الوفدي المخلص لقلب نظام الملك وإخراج الانجليز رغم مخاوفه على مسار الديمقراطية ووقوع عبد الناصر بطريقة أحمد حسين والحزب الوطني، لكن سمير كان يخشى أصلا على الديمقراطية بين العسكر، حتى عاد أبوه بعد قليل إلى نفس الفكرة لائما على الشيوعيين تأييد عبد الناصر رغم ما يفعله معهم 1952/54، ولكن الشيوعيين كانوا مع عدائه للإمبريالية والاستعمار، وميله إلى روسيا وتمسك الوالد برأيه وبخدمة المدينة حتى وفاته .

كان سمير أمين يتحاور حول الماركسية والشيوعية منذ وجوده بمدرسة الليسيه في بورسعيد والقاهرة، وتعرف على محمد سيد أحمد وفوزي منصور، كما يبدو أنه تعرف على كثيرين في مكتبة هنرى كورييل .

وفى نفس الفترة كان يثير شكوكه الخطاب الناصري بأسلوب “الوطنية” على طريق مصر الفتاه وأحمد حسين الفاشيين. كما كانوا يخشون من نفوذ الإخوان المسلمين بدءا من نوادي بورسعيد وإمكانيات استغلال إضرابات العمال التي كان يشارك فيها سمير، مما عمق شعوره بضرورة تعميق قراءه الأعمال الماركسية ومناقشة أوضاع الحركة الشيوعية وهو لم يكمل العشرين عاما بعد.

ومنذ وقت مبكر، كان صبية الليسيه في مصر وباريس يتعرضون لنقد الستالينية وموقفها من التعددية أو الاختلاف- وفى الاختلاط الذي تم أولا في معسكر شبابي في يوغسلافيا فوجئوا بإلغاء المعسكر نتيجة قطع العلاقات بين السوفيت ويوغسلافيا فنقلوا إلى تشيكوسلوفيا للاشتراك في إنشاء خط سكك حديد..! وكان النقاش حول خيانة تيتو والتيتويين. ورغم تسليم  المجموعة بتعليمات وآراء الكومنفورم، فقد كانوا يعتبرون الأمر مسألة أخطاء في تحديد الخط السياسي وليست خيانة، وظل سمير يقدر النضال اليوغسلافي البطولي الذي كانوا يتابعونه وهم طلاب في مصر.

وهكذا بدت لهم التروتسكية – في العالم الثالث – طريقا مسدودا الآن انتظارا لقيام الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة. كان ذلك يبدو بلا معنى من وجهة نظرهم. كما كانت المحاكمات في أوربا الديمقراطية الشعبية مثيرة لهم، وبدت لهم الماركسية جامدة، حيث تنادى بضرورة الخط الواحد الصحيح وان الحزب وقيادته تحديدا هو الذي يكتشف هذا الطريق، وأصبح نموذج السوفيت هو الوحيد بالطبع، وان الماركسية بدون تعددية تفسر الماركسية ميكانيكيا وضمنيا وهو ما رفضه سمير أمين، لأنه يعطى المناورات صفه الشرعية “النظرية”، وخاصة أن النظام السوفيتي “رأسمالية من دون رأسماليين!”

ومن هنا لم يزر الاتحاد السوفيتي إلا عام 1965 ثم عاد عام 1991 (وقد تعددت زياراته حسب معرفتي في السنوات الأخيرة حيث بدأ اهتمام سمير أمين بتطوير روسيا إلى جزء من كتلة البلاد الناهضة لتحدى العولمة…)

كان سمير أمين مؤمنا بضرورة إضافة جهد دول التحرر الوطني بعد الحرب الثانية إلى إمكانيات التحرر من الهيمنة الكامنة للرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، بعد أن استطاعت الأخيرة الاعتماد على البرجوازيات الأوربية لتتبعها لمخططاتها في الانفراد بمواجهة الشيوعية. وهذا ما كان يخشى منه على ثورة 23 يوليو، وكان تقييم حركة يوليو في ذلك الوقت هو موضع خلاف في الحركات الشيوعية، حيث بدأ سمير لفترة يتأثر عند تحليل والده بأنه يمكن أن تتقدم “يوليو” إلى تغيير اجتماعي ضروري رغم عدم ديمقراطيتهم.

يقول: “لكن عندما توجهت لباريس عام 1947 لم أكن أعرف شيئا عن المنظمات الشيوعية المصرية أو تاريخها، ولم أتعرف عليها إلا من بعض أعضاء “حدتو” الذين طردوا من مصر، وخاصة ” يوسف حزان” وشقيقه…

ومضى وقت لبلورة ما نمثل في “الحزب الشيوعي” وصحيفته “صوت الشعب” –”الراية” التي أطلقها الحزب. ومن هنا اتخذ الحزب الجديد اسم “الراية”، باتصالات طويلة بين “فؤاد مرسى” وإسماعيل صبري. وكلف الرفيق “خالد” (فؤاد مرسى) سمير أمين بجمع وثائق الحزب بالعربية والفرنسية، وأحضر له ملفات ضخمة إلى باريس ليوثق لحزب الراية و”حدتو” أيضا، ليعد سمير تقريرا عن الحزب وملخص نقدي لموقف “حدتو”. واعتمد فؤاد مرسى نتيجة عمله، وكتبت إيزابيل النصوص على الآلة الكاتبة، وأرسلت المجموعة إلى الصين وروسيا.

وبدا لي جوهر الفوارق بين الحزب و”حدتو” متعددا (أذكر منه القليل ككاتب لهذا المقال لأن مكانه ليس هنا) ويمكن ذكر بعض النقاط فقط:

  • اتهام “حدتو” بغياب تقديمها لبرنامج بسبب تسلط كورييل..
  • حول طابع الثورة؛ هل معادية للإقطاع والاستعمار وهى بورجوازية وطنية، أم مثل الحزب تسعى لطابع شعبي ديمقراطي ينفتح على تصور محتمل نحو الاشتراكية .
  • من يقوم بهذه الثورة؟ تحالف تقوده البرجوازية الوطنية، أم تحالف لابد أن يقوده حزب شيوعي.

بعد عودته إلى مصر (1957) عاش هذه الفترة موظفا في وزارة المالية، واكتشف أن هناك الكثير من الموارد غير مستغلة، وهى من الأوقاف مما جرى تأميمه مؤخرا، وفكر مع إسماعيل صبري في ضرورة استغلال هذه الأموال في الصناعة، ولكن ثبت لهم أن الجيش هو الذي يديرها في الصناديق.

“كان عام (1958) شهر عسل بين الشيوعيين والنظام، لكن النظام لم يتقبل انتقادات الشيوعيين للنظرة البيروقراطية المعادية للديمقراطية وللوحدة العربية مع سوريا. وفى أول يناير1959 قُبض على المئات من الشيوعيين ومن بينهم إسماعيل، ولكنى أفلتٌّ من القائمة الأولى، وقمت بالتدريس في معهد الدراسات العربية، وكتبت عن “التدفقات المالية” الذي نشره المعهد.”

“كنت أحب القاهرة، هذه المدينة العظيمة الدافئة، وهى المدينة الوحيدة في العالم التي يجد فيها المرء أحياء كاملة، وليس مجرد آثار، تنتمي لكل القرون المتعاقبة منذ عهد الرومان. ولا يوجد في روما مثلا ما يشبه تلك الأزقة القديمة التي تعود لألفى عام ..فالمصريون لا يهدمون أبدا، بل ينتظرون حتى يسقط البناء من ذاته.”

ووجدت أنا وإيزابيل شقة في عمارة “أنور وجدي” في باب اللوق، بشارع مظلوم أمام الأوقاف. وتعمل إيزابيل مدرسة في المعادى، وتركب الأتوبيس المزدحم ذهابا وإيابا، وقامت صداقة حميمة بينها وبين زميلة هي “زينب عزت”، كما تعرفت على “أمينة رشيد” و”إسماعيل صبري”.

“وفى وسط اعتقالات 1959 المتتالية، قُبض على فوزي منصور، وتبع ذلك مبدأ: أنه في حالة القبض على فوزي، فعلىَّ أن أسعى لمغادرة مصر، وقررت ذلك بالاتفاق مع الحزب. ومن حسن الحظ أن ضابط الشرطة المكلف بهذه المهام في بورسعيد كان ممن عالجت أمي ابنته من الموت، وكان يشعر أن عليه رد الجميل فتغاضى عنى. وكان والدي قد اتفق مع قبطان سفينة بضائع تستعد للإقلاع فأخذني معه أوائل يناير 1960، وبقيت إيزابيل في القاهرة لتكمل عقد العمل حتى نهاية السنة الدراسية، مستقرة عند “زينب” في المعادى. وفى هذا العام مات والدي فجأة بذبحة صدرية عام 1960.

تعرفت في باريس على بعض المنظمات الشيوعية من أصدقاء “حدتو” الذين خرجوا من مصر 1947/1948 وخاصة”يوسف حزان” في الحزب الشيوعي الفرنسي .

كان الحزب الشيوعي الفرنسي هو بيئة تحرك الشباب المصري اليساري في باريس، ومصدر نقاشهم الدائم مع حزان وغيره. وبين القاهرة وباريس قابل سمير إسماعيل صبري وفؤاد مرسى، وتناولوا النقاش حول موقف حدتو، كما تعرف على فوزي منصور وغيره في القاهرة، وبدأ سمير همزه الوصل بين المصريين والحزب الشيوعي الفرنسي، واحتدم ذلك الوقت الخلاف بين حدتو وفكرة الحزب الشيوعي المصري. يقول سمير(ص88) كان يختفي وراء هذا الصدام والعبارات الرنانة والجزء الشخصي منه خلاف ضمني عميق حول إرهاصات ما سُمي عند السوفيت فيما بعد الطريق غير الرأسمالي:

وقد صدرت في باريس “مجلة الشرق الأدنى” 49/1953 اشرف عليها فؤاد مرسي وإسماعيل صبري عبد الله وزعيم حزب “تودة” الإيراني، مركزة على الأبعاد العالمية للأزمات، مما شغلهم بها كذلك .

انشغلت مجموعات باريس كثيرا بقضايا عربية خلافية حول فلسطين والعراق.. الخ، وكان سمير مع الاعتراف بالدولتين في فلسطين أي التقسيم، وشغل النقد الذاتي لهذه المواقف الحركات الشيوعية كثيرا.. (شرح بعد ذلك أن وجود دولة للفلسطينيين منذ التقسيم كان سيطور الموقف عربيا بشكل آخر).

كان الجميع في باريس يعتبرون تعدد التنظيمات الشيوعية منذ انبعاث الحركة في مصر (42/1945) حتى حل الحزبين 1965 أمرا غير مقبول، واعتبروه نزاعا حول الفكرة السائدة عن الاقتصار على الحزب الواحد، الذي لم يكن الموقف الديمقراطي الصحيح.

كان ذلك يخفى تقديرا مختلفا للإستراتيجية العامة للثورة المطروحة على جدول أعمال التاريخ في ذلك الوقت، فبعضهم كان يعطى الأولوية للتحرر الوطني… كانت مصر وفق هذا التحليل بحاجه لثورة وطنية ديمقراطية برجوازية، وأما بعضهم الآخر فكان يركز على خيار الانتقال من هذه المرحلة إلى مرحله البناء الاشتراكي. وكان الخلاف حول نموذج الاتحاد السوفيتي، أو قراءه الديمقراطية الجديدة عام (1953) مما جعل عملية التوحد هشة (1958)

كان انقلاب الضباط الأحرار (يوليو 1952)، ثم تبلور الناصرية وتطورها على مراحل 55/1961 قد جعل السؤال بالنسبة للخيال الاستراتيجي سؤالا مباشرا: هل يجب دعم النظام الجديد؟ أم نقده؟ أم معارضته؟ وأيه مراجعات تمت بعد ذلك وللآن لا تعتبر جوهر المشكلة. ما الحجة التي قدمها بعض الرفاق في حدتو مثلا إلا  القول أن حزبهم في الموقع الأفضل للحكم بشكل صحيح على الطبيعة التقدمية للناصرية منذ ولادتها نظرا لنشاطهم مع الضباط الأحرار، وهذه حجة لا تبدو صحيحة.

وبالنسبة لي، كنت اعتبر منذ 1960 أن المشروع الناصري هو في جوهره منذ بدايته حتى نقطة تمدده القصوى مشروع برجوازي وطني، ولم يتجاوز هذه الحدود في أيه لحظه، وأسلوبه الشعبوي لا يتناقض في هذا المضمون بسبب ضعف البرجوازية المصرية المسماة ليبرالية وطبيعتها الكمبرادورية، والصيغة الدولتية التي اختيرت لهذا المشروع لم تكن “انتقالا نحو الاشتراكية” وإنما كانت الشكل المشروع لتوسعه. ودعم الموقف السوفيتي مع هذه الدول منذ باندونج 1955 …

كان سمير أمين محددا ونقديا ومتفائلا منذ البداية وسأنقل عنه هنا خلاصة مبكرة من كتابه “سيره ذاتية فكرية” يبدو فيها منذ كان في العشرينات من عمره إلى ما انتهى إليه سمير أمين في الثمانينات من عمره.

“كنت مثل جميع الشباب المصري في تلك المرحلة مأخوذا بحماس عن اتساع الحركة الشعبية المعادية للامبريالية وبتحررها الذي توُج بأحداث 21 فبراير 1946، وبنجاح الحركة الشيوعية رغم شبابها النسبي. وكان الحزب الأول الذي تأسس غداة الثورة الروسية هدفا لعملية قمع شديدة محته عمليا من الوجود في الثلاثينات، ومع انبعاثه خلال الحرب العالمية الثانية وبالقضايا الاجتماعية في مصر. وكان هذا الحزب هو القوة الوحيدة التي تجرأت على معارضة الملكية، وتدعمه الشرائح المسيسة في الطبقات الشعبية والبرجوازية الصغيرة المتجذره، وكان يبدو بالتالي مؤهلا لقيادة جبهة موحدة على الطريقة الصينية أو الفيتنامية. وكان الحزب هدفا لطمع دائم. فمصر لم تعرف في تاريخها الحديث كله أي خطه من الديمقراطية الفعلية، وكان الهلع من الشيوعية بين الطبقات المستثمرة، والسادة الامبرياليين كبيرا جدا. إلا أن ذلك لم يمنع  “العلم الأحمر” من أن يرفرف فوق وادي النيل، كما كان يقال في تلك المرحلة، وكان هذا واقعا معروفا، فالديمقراطية البرجوازية الأصيلة، كان يمكن أن تسمح للشيوعيين في تلك المرحلة بكسب الجماهير الواسعة دون شك، وربما بكسب الانتخابات، ولكن لا هذه البرجوازية ولا القوى الغربية كان يمكن أن تقبل مثل هذه المغامرة…”

في فقرة من آخر المذكرات يقول سمير أمين أنه لابد من قراءة تاريخ الثورات التي كانت معادية للامبريالية مثل المكسيك وتركيا ومصر، والمستمر منها مثل الصين، والانتقال إلى الاشتراكية. وهو يضع للمقولة الجديدة المقترحة موضوعات التحالف الوطني الشعبي، والبعد الديمقراطي ودور الانتلجنسيا …

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

فيدل كاسترو: عملاق القرن العشرين من النادر أن يثير ثوري أو رجل دولة ردود فعل كالتي أثارها فيدل كاسترو. فلقد أحبه البعض قبل أن يحرقوه في الميادين العامة، بينما البعض الآخر نأى بنفسه بعيدا عنه في البداية قبل أن يتقربوا من تلك الشخصية الاستثنائية.

خوسيه فورت

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن