الموسيقى الفرعونية:‏ الأسطورة.. ودورة الحياة

فنون

20  سبتمبر  2018

يُمكن أن تشاهد على جدران المعابد نقوشًا تدل على إشارات يد العازفين (يمينا ويسارًا – صعودا ونزولا) والرموز المخطوطة هيروغليفيا حول صور المنشدين والمنشدات، لكنها في الحقيقة لا توصل الباحثين إلى شيء دقيق. ومنطقي أن ينشأ سؤال: هل كانت الموسيقى المصرية شفاهية؟ هل كان كل كاهن أو مؤدي شعبي يحتفظ لنفسه بطريقة تدوين جمل الأناشيد والتراتيل والأغنيات كسرّ ديني أو سر للصنعة؟

(1)

يمتدح أفلاطون، الفيلسوف اليوناني القديم الذي زار مصر في عصر الأسرة التاسعة والعشرين (398-395) حيث التحق بمدارس الكهنة المنضوية تحت راية المعابد، وضع الموسيقى المصرية في فترة الاحتلال الفارسي لمصر عام 525 ق.م، في كتابه الشهير “الجمهورية”. إذ يقول “إن الموسيقى المصرية من أرفع أنواع الموسيقات في العالم، وإنها تسمو فوق موسيقى اليونانيين القدامى”، راجيًا من اليونانيين الاستفادة من قوانينها وإيقاعها لأنها “خير وسيلة لتهذيب العقول وترويح النفوس”.

(2)

“إلى الآلهة: استيقظي بسلام أيتها الملكة (المعبودة)، استيقظي بسلام. إن يقظتك هادئة، استيقظي بسلام (نن- أوتت (nen- otet، إن يقظتك هادئة”.

هذا النص الأدبي البسيط (4000 سنة قبل الميلاد) كان المُفتتح لدور غنائي (طقس يومي) صباحي يُنشده الكهنة في معابد مصر الفرعونية في عصر الدولة القديمة برفقة مجموعة من المنشدين والمُنشدات (الكورال) الذين يرددون عبارة “استيقظي بسلام” بينما ينفرد الصوليست (الكاهن دائمًا أو المُرتّل أو المغني الديني أحيانًا) بترديد اسم المعبود المحبوب المقصود برسالة الأغنية.

من هنا تفتّحَت نوافذ عاطفية لدى المصريين القدماء على حتمية التجديد في أدائها وإلا أُصيب المعبود بالملل. عندما اختُرعت آلة الهارب أو الجّنك (harp) ويُطلق عليها باللغة المصرية القديمة (bnt) فرحَ الكهنة والمنشدون، وبدأ الشغف ينمو فاختُرعت آلات موسيقية أخرى، وبدأ يتشكل ما يُشبه التخت الفرعوني (العود –الليرا- الكنّارة- الناي- المزمار المزدوج- البوق- الدفوف- السيستروم- الشخاشيخ والصلاصل والصاجات- المصفقات الذاتية).

(3)

تحركت الموسيقى الفرعونية كعنصر ثقافي في اتجاهات معينة. ولضبط إيقاع الزمن فيها يرتبط علماء الإثنولوجي والأنثروبولوجيا الثقافية والأركيولوجيا وموسيقى الأعراق ethno musicology، بشبه اتفاق نظري، على أن دور ووظائف الموسيقى في مصر الفرعونية تُظهره نقوش قديمة جدًا لمجموعة من الآلات الموسيقية في معابد الأقصر (5000 سنة قبل الميلاد).

على أنه منذ بداية عصر الدولة القديمة (من الأسرة الثالثة حتى الأسرة السادسة) كان يمكن ملاحظة أن الموسيقى لا تشغل فقط بال الملك والكهنة وكبار رجال الدولة، لكن بدأت تظهر أنواع من الموسيقى الشعبية (الفولكلورية) تستخدم آلات مماثلة لتلك التي تُستخدم في طقوس الموسيقى الدينية، لكن العازف الشعبي كان يصنع آلته بنفسه، ولا غرابة في ذلك فهو عليم بشأن تكوينها، لأنه كان في الأول موسيقيًا في المعابد قبل أن يقرر أحد الكهنة مثلا استبعاده ثم تبعه موسيقيون آخرون ومن هنا تكونت الفرق الموسيقية الخاصة.

ولأن الغموض واحد من ألوان الحضارة الفرعونية، لم يترك لنا الموسيقي الديني/ الشعبي، منذ بداية دورة حياة موسيقى المجتمع المصري القديم، ولأسباب مجهولة، أية شواهد على نظام التدوين الموسيقي وبناء الجملة الموسيقية وشكل الألحان وطبيعتها وطرق صياغتها. نعم يُمكن أن تشاهد على جدران المعابد نقوشًا تدل على إشارات يد العازفين (يمينا ويسارًا – صعودا ونزولا) والرموز المخطوطة هيروغليفيا حول صور المنشدين والمنشدات، لكنها في الحقيقة لا توصل الباحثين إلى شيء دقيق. ومنطقي أن ينشأ سؤال: هل كانت الموسيقى المصرية شفاهية؟ هل كان كل كاهن أو مؤدي شعبي يحتفظ لنفسه بطريقة تدوين جمل الأناشيد والتراتيل والأغنيات كسرّ ديني أو سر للصنعة؟ قد تكون الإجابة: نعم، وربما تكون: ليس الأمر كذلك. هناك أسباب تتخفى في مقبرة مجهولة.

(4)

وقد انعكس الاستقرار السياسي في الدولة القديمة (من الأسرة الأولى حتى السادسة) على شكل الحياة الموسيقية ومظاهرها ووظائفها الدينية والاجتماعية. ففي هذه الفترة انتشر الوعى الموسيقي لدى الشعب المصري، وبدأ يردد أغنيات يستخدمها في مواقع العمل وفي الاحتفالات القومية: فصل الحصاد (شم النسيم) وفيضان النيل مثلا، ومقابر النبلاء في الأقصر تكشف حجم التنوع والدقة في تكوين الآلات الموسيقية  (وترية- نفخ – إيقاعية). وقد تطورت الحركات المُصاحبة للأداء الموسيقى فبدأنا نرى ظاهرة وضع كف اليد اليسرى خلف صوان الأذن والخدّ لتتضخيم الصوت، عادة شعبية تُستخدم حتى اليوم بين المدّاحين وقارئي القرآن.

ولأن الموسيقى خُلقت بوظائف دينية في مصر القديمة، فإن عامة المصريين استغلوا الفكرة، وابتدعوا لها وظائف اجتماعية، حيث بدأوا يصنّعون آلات صغيرة شبيهة بآلة الهارب، واستخدموها لإقامة حفلات منزلية يتجمع حولها أفراد الأسرة والأقارب. وفي مناسبات أخرى خاصة كانت الزوجة تعزف لزوجها على هذه الآلة أو آلة العود وهي ترتدي ملابس شفّافة لتُدخل السرور إلى قلب رب البيت. مشهد يتكرر رَسمهُ على جدران مقبرة النبيل مرروكا في سقارة بمحافظة الجيزة (الأسرة السادسة).

وكما تسلقت الموسيقى الدينية أسوار المعابد وبلاط الملوك فصارت شعبية، لحقتها الرقصات الطقسية، فباتت رقصات شعبية تؤدّى على إيقاع الموسيقى الشعبية بمصاحبة الآلات الإيقاعية (الدف والصلاصل والشخاليل خصوصًا)، وهذه الرقصات المناسباتية أدتها النساء فيما كان الرجال يصفقون بالأكف وينقرون بأقدامهم فوق الأرض لتحية الراقصات وتحميسهن.

(5)

تعمقت الوظائف الاجتماعية للموسيقى في عصر الدولة الوسطى وبدأت النصوص الأدبية (أناشيد وأشعار) تُرافق مناسبات دورة الحياة (الميلاد – الزواج – الوفاة) وأظهر دليل ما أفصحت عنه مقبرة تخيتي (بني حسين- محافظة المنيا / جنوب مصر) حيث وجد نقش فريد جدًا لامرأة تُرضع طفلها وإلى جوارها عازف هارب ومُنشدة كي يسترخي الرضيع ويهنأ بصدر أمه. ولوحة نائب الملك مكت رع (الأسرة الحادية عشرة) تبيّن عازف هارب يعزف لنائب الملك وأسرته فوق مركبة نيلية كي يفرحوا ويُدركوا جمال النيل.

في عصر الدولة الحديثة مثلا (الأسرات من الثامنة عشرة إلى العشرين) أُختُرع العود البيضاوي ذو الرقبة الطويلة، والعود ذو الرقبة القصيرة، وزادت أوتار آلة الهارب إلى 22 وترًا، وارتفع طولها إلى مترين تقريبًا، كما كبر حجم آلة الكينارا، وأُدخلت عليها الزخارف (رؤوس حيوانات)، وانتشرت الموسيقى الشعبية في الأعمال المسرحية وأنواع الأدب الشعبي.

غير أنّ الظاهرة الموسيقية الأكثر غرابة في العصر الإمبراطوري/ الدولة الحديثة قد عكستها النقوش الخاصة بعازفي الهارب المكفوفين (العميان) والتي يمكن رؤيتها بدقة في مقبرة مري رع في تل العمارنة بالمنيا، حيث تظهر على جدران بعض المقابر الخاصة فرقة من الموسيقيين المكفوفيين وهم يعزفون ويجلسون على مقاعدهم ويثبون على أوتار الهارب كأي عازف محترف.

(6)

اعتمد البناء النغمي للموسيقى في عصر الدولتين القديمة والوسطى على السلم الخماسي الأفريقي: جمل موسيقية بسيطة (خمس نغمات على الأكثر) تُصاغ بطريقة نبر الأوتار وليس عفقها. وكان تشكيل الفرقة الموسيقية مهما في هذا المحتوى. في مقبرة نيكاوحور، نراقب فرقة موسيقية يؤدي فيها الناي أساس السلم (القرارات)، وعازف المزمار المزدوج يؤدي نغمة الأوكتاف (نغمة الجوابات) بينما يؤدي عازف الهارب (بالنَّبر) الدرجة الأعلى من الجوابات (النغمات الحادة). وفي العصر الإمبراطوري، نتيجة غزو الملوك الفراعين عددًا من الدول الأجنبية في آسيا، حدث تأثر فني بثقافات شعوب تلك البلدان، فظهر السلم السباعي الدياتوني (في بلاط الملوك فقط) بدلا عن السلم الخماسي البسيط. غير أن دراسات معينة في الموسيقى الشعبية تُرجّح أن المصريين رفضوا تأثيرات الموسيقى الأسيوية خصوصًا، معتبرين أن الإله أنزل الموسيقى المصرية وأنزل معها فلسفة عقائدية مُقدسة.

اتسعت وظائف الموسيقى مع اتساع فتوحات الجيش المصري في عصر الإمبراطورية/ الازدهار، فظهرت الموسيقى الحربية. وهي تقوم على عنصرين أساسيين: الصوت القوي الحاد ويتمثل في آلة النفير أو البوق المعدني الصنع، والإيقاعات القوية وتتمثل في آلة الطبلة البرميلية الشكل ذات الحجم الكبير. والآلة الأخيرة تصدر صوتًا قويًا يحث الجنود على القتال الشرس في المعارك، التي كان غالبيتها يدور خارج الأرض المصرية.

هناك نماذج دالة على هذا الكلام: هناك آلتا نفير في مقبرة توت عنخ آمون، وهناك أيضًا آلتان من الطبلة البرميلية، الأولى موجودة في المتحف المصري بالقاهرة، والثانية في متحف اللوفر في فرنسا.

(7)

بعد دخول العرب مصر، حدثت تحولات كبيرة في وظائف ودورة حياة الموسيقى المصرية، يمكن تناولها في كتابة لاحقة، لكن الأهم أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات لإحياء الموسيقى المصرية القديمة، محاولات خجولة تبناها الدكتور خيري الملط، الأستاذ بكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان، والدكتورة مارتا روي وهي مستشرقة أمريكية والدكتورة سهير الدمنهوري أستاذ الأنثربولوجي في جامعة حلوان تحت مظلة “المشروع القومي لإحياء الموسيقى الفرعونية”.

هذه المحاولات خلقت أزمة عندما لفتت انتباه العديد من باحثي تاريخ وعلوم الموسيقى في أكاديمية الفنون، وكانت المفاجأة أنهم لم يؤيدوا المشروع، إذ قال باحثون متخصصون في المعهد العالي للموسيقى في رد رسمي: “محاولات إحياء الموسيقى المصرية القديمة لا تستند إلى أسس علمية. نحن لا نعرف حتى الآن النغمات التي كانت تسوى (تضبط)عليها أوتار الآلات الوترية الموسيقية في الحضارة المصرية القديمة فكيف ستسوى (ستضبط) أوتار تلك الآلات الآن؟”.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، فـــ”آلات الناي التي عُثر عليها في مقابر الحضارة المصرية القديمة تتميز بأن طول عمودها الهوائي ثابت، وكذلك قطر الآلة والمسافة بين الثقوب على جسم الآلة بعضها عن بعض، لذلك فإن الجانب المهم والجدير بالمناقشة هو أن الآلات الموسيقية بين أيدينا الآن فكيف لنا أن نعرف الألحان التي كانت تصدر عن تلك الآلات فى الحضارة المصرية القديمة ونحن لم نكتشف حتى الآن وسيلة للتدوين الموسيقى عرفها الموسيقيون في الحضارة المصرية القديمة، وأى شخص يقول غير ذلك فعليه أن يقدم الدليل العلمي القاطع على ما يقول ولا يقدم لنا مجرد افتراضات رجما بالغيب”.

(8)

عزيزي القاريء، كل ما قرأته مجرد عرض بسيط لبعض ملامح دورة حياة الموسيقى الفرعونية، وهو تناول من باحث فولكلوري متواضع في مسألة تشغل بال المتخصصين في علوم موسيقى الشعوب والفولكلور والأنثروبولوجي في معظم جامعات العالم. انشغال يقابله ” لا انشغال” داخل البلد الذي أنجب هذه الفنون الشعبية وجعلها تروي زّرعة معتقداته ومعارفه الشعبية وتدوّن بعض الإجابات عن أسباب الحياة في ذلك العالم القديم السحري الذي يختبيء أكثره وراء النقوش.

——————————————–

اعتمد هذا المقال في بناءه على مادة ميدانية وأسانيد تالية:

(1)           د.خيري الملط، الموسيقى والمجتمع في مصر القديمة، القاهرة، الهيئة المصرية للعامة للكتاب، ط1، 2017

(2)           علماء الحملة الفرنسية: الموسيقى ةالغناء عند قدماء المصريين، كتاب وصف مصر، الجزئين (7، 8)- ترجمة زهير الشايب، القاهرة، 1981

(3)           باري ج.كيمب: تشريح حضارة، ترجمة أحمد محمود، المشروع القومي للترجمة، المطابع الأميرية، القاهرة، 1999.

(4)            موقع أكاديمية الفنون http://egyptartsacademy.kenanaonline.com/posts/108503

اضافة تعليق جديد