“الراحل” و”السجين”.. هل ثمة ربط بالصندوق؟

قضايا

18  سبتمبر  2018

ظهر يوم الخميس 23 أغسطس الماضي ألقت قوات الأمن القبض على عدد من الشخصيات بينهم الدكتور رائد سلامة الخبير والباحث الاقتصادي، في خبر بدا غريباً للكثيرين نظراً لطبع الرجل الهادئ وسلميته المعهودة وفكره الأكاديمي. فبحسب التوصيفات، فإن الرجل يمتلك سيرة ذاتية تمكنه من شغل منصب وزير المالية أو الاقتصاد أو حتى رئاسة الوزراء، وقد لا يكون ذلك بعيداً إذا سردنا أبحاث ودراسات “سلامة” في الشأن الاقتصادي، أو سيرته الذاتية ومؤهلاته ومجالات عمله السابقة. وقد لا يكون ذلك بعيداً أيضا إذا ذكرنا أنه كان المسئول عن إعداد البرنامج الاقتصادي للمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، وأنه ساهم في إعداد دراسات وسياسات اقتصادية بديلة لسياسات السلطة الحالية، أُرسلت لرئاسة الجمهورية وعُرضت في مؤتمر أقامه التيار الديمقراطي، وبنص تعجب المحامي الذي حضر معه التحقيق “كيف لوطن أن يهدر طاقاته بكل هذا اليسر؟!”.

قبل ذلك بأيام رحل عن عالمنا المفكر الاقتصادي المصري “سمير أمين”. وسمير أمين بما له من مكانة أكاديمية وعلمية عالمية مرموقة لا يحتاج منا لتعريف، لكن مكانته العالمية تلك هي التي أثارت الدهشة من مستوى التعامل المصري مع الحدث سواء على المستوى الرسمي أو حتى عبر وسائل الإعلام.

قد يرى البعض أن الحدثين عاديان، ولا يجوز تحميلهما بأكثر من ظاهرهما كوفاة لمفكر لم تحظ باهتمام وحبس لمعارض سياسي، ولكن هذا المقال يحاول أن يبحث عن إشارات على ربط ما بين الحدثين وبين الصندوق وأصحابه وأتباعه ومنظومته.

ركز أمين وسلامة في أبحاثهما على رفض منظومة التبعية الرأسمالية التي تزيد العالم الثالث فقراً، وتغرقه بالديون، وتحمل للأطراف كل بؤس وتحرمها من التنمية المستقلة التي تعم على الشعوب بالرخاء، وربطا بين المنظومة الرأسمالية الاقتصادية وبين أذرعها السياسية والاستعمارية.

في يناير 2017، بعدما صرح كريس جارفيس قائلا: “لقد انخفض سعر تحويل العملة أكثر مما توقعنا فيما يتعلق بأساسيات الاقتصاد” كتب رائد سلامة مقالاً يربط فيه بين ما يحدث في مصر الآن وما حدث بالعراق سابقا فقال: “ما أشبه الليلة بالبارحة دمر الأول – يقصد توني بلير- بصحبة “بوش الصغير” العراق في 2003، ويدمر الثاني –يقصد كريس جارفيس- مصر في 2017. الفارق أن الأول اعترف، بعدما انقضي الأمر منذ سنين، بجرمه المشهود، بينما يعترف الثاني بخطأ حساباته، لكنه مازال يمضي في مسار الهراء اللعين علي طريق الخراب الذي سلكته قبلنا الأرجنتين والمكسيك.

دخل “بلير” العراق بتسهيل من أبنائه ليُلقي به خارج دائرة التاريخ، حيث لا يعلم سوي الله متى يعود ثانية – إن عاد- فيقول ببساطة بالغة أنه أقحم بلاده في حرب العراق معتقداً “بحُسن نية” أنه يفعل صواباً، والآن يدخل “جارفيس”، رئيس بعثة صندوق الخراب، مصر بنفس درجة “حُسن النية” وبتسهيل من بعض الفتيان والفتيات من أبناء مدرسة شيكاجو بمصر، ليفعل مثلما فعل زميله بالعراق، لكن في حُلة مُغايرة وباستخدام أدوات أخرى، إذ نشر صندوقه المشئوم في آخر إصدارات نَحسِه المُقيم توقعات بوصول الدين الخارجي لمصر إلي نحو 100 مليار دولار بعد الانتهاء من برنامج الخراب المُسمي زوراً وبهتاناً ببرنامج “الإصلاح” في 2019-2020.” فيرى سلامة أن صاحب المصلحة واحدة، لكن تختلف وسائله بين الديون والصواريخ وبين الاقتصاد والسياسة.

كان رائد دوما ممن يربطون الاقتصادي والاجتماعي بالسياسي. ففي مقاله في أوائل 2017 يقول: “إن تقييم تفاصيل أي ظاهرة – علي أهميته البالغة – ينبغي أن يأتي تالياً لتحديد الرؤية الكلية والموقف العام، اللذين يجب أن يكونا مبنيين بشكل علمي علي تحليل طبقي لقرارات السلطة وفهم عميق لمسارات اتخاذها. فقرار التنازل عن “تيران و صنافير” – و ما تلاه من تحركات و قرارات رسمية بائسة لا تقيم وزناً لا لقانون ولا دستور ولا حتى لإرادة شعبية – لا يجوز تحليل أسبابه و دراسة آثاره وتقييم تبعاته، ومن ثم تحديد طرق التعامل معه، بمعزل عن القرارات الاقتصادية الأخيرة من تعويم للجنيه المصري وخفض للإنفاق العام وتحرير للأسعار، ولا بمعزل عن قانوني الخدمة المدنية والجمعيات الأهلية، فكل تلك القرارات تسير إجمالاً في فَلَكٍ واحد.”

ويضيف في مقال آخر بأن “نمط “الانفلات الاقتصادي” كان يقتضي غطاءاً إدارياً دولاتياً يخدمه ويمرر فساده، ليصبح جزءاً من التركيب القيمي للمجتمع وبشكل يرسخ النموذج الاستهلاكي ألريعي الذي يعتمد علي التجارة بالسلع والعقارات والأسهم بالإضافة إلي أنشطة السياحة والبنوك، حيث لا تنمية حقيقية تُنتج قيماً مضافة بالمجتمع وتضمن فرص عمل دائمة لأبنائه.”

وبينما قال سمير أمين منذ 3 سنوات، أننا نشهد خريف النموذج الرأسمالي الحالي، فمن اللافت أن آخر ما نشره سلامة على فيسبوك هو منشور عن ارتفاع الدين الأمريكي والفائدة، وتوقع أزمة اقتصادية جديدة مقبل عليها العالم، تتحمل دول الأطراف والهامش كالعادة النصيب الأكبر منها.

وحتى لا نستغرق في سرد أراء مفكرينا الكبيرين، فإن ما يريد هذا المقال أن يشير إليه هو أنه ثمة ارتباط وترابط بين أراء المفكرين في منظومة الرأسمالية العالمية والتبعية ومنظماتها كصندوق النقد وإثقال الدول النامية بالديون وتعميق مشكلاتها الاجتماعية عبر وصفات لا تتلاءم مع واقعها الاقتصادي والاجتماعي وتزيد الأوضاع سوءً وبين تعامل هذه المنظومة العالمية وأذرعها مع الرجلين. فسمير أمين لم يحظ بالتكريم والتأبين اللذين يستحقهما بمصر، لأن الراحل كان على الخط المعاكس للخط الاقتصادي للنظام؛ ورائد سلامة، صحيح أن جزء من تعرضه للحبس إثر عوامل سياسية، لكن لأنه علمنا أن لا فصل بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإننا يمكن أن نجزم بأن جزءا كبيرا من أسباب التنكيل به هو ما كان ينشره من أراء وبيانات وتحليلات علمية تنشر الوعي الاقتصادي وتنقد سياسات النظام الاقتصادية، وتشير إلى ما يقودنا إليه بسياساته الاقتصادية وبالإغراق في الديون وبالتبعية لصندوق النقد الدولي، دون السعي إلى خلق نمط من التنمية المستقلة. كما أن سلامة لم يشهد هذا السيل من التعاطف والتضامن من غالبية أطراف المجتمع الدولي، دولاً ومنظمات، لهذا السبب فهو أحد من يعارضون المنظومة الرأسمالية وحلول صندوق النقد الدولي، كما أن النظام المصري أحد من انخرطوا ضمن هذه المنظومة.

نعم هناك ترابط بين الاقتصادي والسياسي، وهناك ترابط بدرجة ما بين التضامن والدعم والاستنكار من جهة والتمويل والموقف من منظومة التبعية من جهة أخرى، فالمتابع لموقف المجتمع الدولي مما يحدث في مصر من انتهاكات لحقوق الإنسان يجد بوضوح أن عدداً كبيراً من الدول والمنظمات الدولية تتغاضى عن تلك الانتهاكات بسب المصالح المشتركة التي باتت تجمعها بالنظام المصري، وهم إذ يغضون الطرف عن القبض على رائد سلامة أو لا يعطون لسمير أمين القدر الذي يستحقه يوم وفاته فإن هذا يتحدد بشكل صريح بموقف الرجلين من المنظومة الرأسمالية.

مهما كانت قدرات رائد سلامة الاقتصادية فإنه لا يمكن أن يتولى مسؤولية اقتصادية ضمن هذه السلطة لأنه ببساطة يعارض توجهاتها الاقتصادية، وهو ما يجعله أيضاً هدفاً لأجهزتها الأمنية، ومهما كان قدر سمير أمين فإنه لا يمكن أن يحظي بتقدير إعلامي أو رسمي مصري لأنه بفكره ودراساته يقف على الجانب الأخر من السياسات الاقتصادية للنظام الحالي.

لا نقول أن صندوق النقد الدولي مثلاً طلب من النظام المصري ومؤسساته وإعلامه عدم الاهتمام بوفاة سمير أمين أو بالقبض على رائد سلامة، أو طلب من المجتمع الدولي ومنظماته وإعلامه عدم الاهتمام بوفاة سمير أمين أو غض الطرف عن القبض على رائد سلامة، بل كل ما في الأمر هو أن تلك المنظومة التي أغرقنا فيها النظام المصري من ديون وقروض وسياسات تجعل النظام المصري وصندوق النقد وأطراف أخرى ضمن منظومة رأسمالية بينها نوع من المصالح والتوجهات المشتركة في إطار من التبعية لا تحتاج إلى توجيه الأوامر، فكل لبيب بالإشارة يفهم.

عندما استنكر الدكتور رائد سلامة موقف الدولة وصحفها الرسمية من خبر وفاة سمير أمين بقيمته العلمية الكبيرة، ربما لم يكن يعلم أنه هو الآخر بما له من قيمة علمية كبيرة ستتعامل معه الدولة بما لا يستحق وتلقي القبض عليه.

كان رائد سلامة دوما يحب أن يصف سمير أمين قائلا: “أبانا الذي علمنا الاقتصاد”، والآن فإن الأب قد رحل دون التكريم الذي يستحق ونال الابن سجناً لا يستحق.

الوطن لا يهدر طاقاته بكل هذا اليسر، بل من يتحكمون بالوطن داخله وخارجه لا يريدون فكر هذه الطاقات.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. محمد

    اين يأخذنا ترامب و هل له منفعة داخلية من وراء سياساته الاقتصادية خصوصاً بالإضافة للهيمنة.
    مجنون يسأل و هل من عاقل يجيب

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن