فلاحات على الطريق .. سجل حكايا ونضالات “أم إسماعيل”

قضايا

17  سبتمبر  2018

جميلة كانت الكلمات وهي توصف جمال الست “أم إسماعيل” ويدلًلها صوت سيد درويش: “حلاوتها وسط عيالها زي النجفة عم بتلعلط في جمالها.. تزرع وتقلع في الغيط ويًا راجلها وتعاود تاني لعجينها وغسيلها”. وعلى نهج جمالها جاءت سيرة نضال الكثير من جميلات الفلاحات، نفيسة وآمال وصبرية وحنان، وهن يكملن باقي أحرف العدودة الممتدة من الدلتا للصعيد:”وكفاية اللي شفناه .. زيي انا شفت كتير..  وسنة بسنة ولاد الكبير لا سابوا لي بيت ولا غيط”.

فلم تأت ضغطة “فؤادة” على الهويس فقط من خيال عبد الرحمن الشرقاوي، ولم تقف الخضراء باسقة فوق قاعدة تمثال نهضة مصر بسبب تميز إزميل محمود مختاروحده، ولكنه ما منحهم الخيال من إلهام وهم يتابعون مسيرة الفتيات والجدات  الفلاحات، سواء وهن يسطرن  النضالات الحياتية اليومية أو تلك التاريخية المفصلية التي نجحت الكتب في توثيق بعضها وشهدت الأرض على سريانها  كاملة داخل ترابها كما سريان مياه النيل.

ثم كما الأشجار المثقلة بثمار، لم يحن أوان نضوجها، نصل عام 2018 بينما ترزح هذه الفلاحة وسط كم من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعكس في عمومها مشكلات جذرية بالمجتمع المصري، وتكشف مدى حاجته لتأسيس دولة مدنية حديثة تقدس الحرية والعدالة والتعليم، وتعكس في خصوصيتها أشجان خاصة لا يفهمها إلا من عاش عيشة “أم إسماعيل”.

نكتب عنها وإليها تزامناً مع سبتمبر الفلاح المصري وعيده السابع والخمسين الذي تم تسميته عند إصدار قوانين الإصلاح الزراعي في فترة الحكم الناصرية، فنقدم قراءة في محطات هامة بمسيرة الفلاحة المصرية في محاولة لتفسير القادم نحوها.

فلاحات جيش عرابي

“هن الفلاحات المصريات اللواتي قسمن الغلة كيلة لجيش عرابي وكيلة للبيت” كتبها  المناضل الناصري والمرشح الرئاسي بعد ثورة يناير “حمدين صباحي” خلال توجيهه تحية لفلاحات سراندو عام 2005 ـ ممن سنأتي لذكرهن لاحقاً.

 ولقد كانت هذه السنة الأم 1882، موعد المصريين مع الثورة العرابية الملهمة في كل تفاصيلها، حيث الهزيمة لا تنزع البطولة عن الثوار كما كتب “بهاء طاهر” في رائعته “واحة الغروب”، ولقد تبوأت نون النسوة موقع متميز بهذه الثورة، واختار القدر للفلاحات المكان الأكثر تاثيراً وابتكاراً وتلقائية .

فنقرأ في كتاب”القوى الاجتماعية بالثورة العرابية”لـ “لطيفة سالم” عن “الفلاحات”:

“تكررت ظاهرة مشاركة النساء في مهاجمة الأجانب، فرصدت الصحف قيام نساء وأطفال بمهاجمة الحانات والدكاكين، وكان القتلى ستة من الأروام وثلاثة من الأوروبيين. كان المشهد الأكبر في القري الأرياف مع أعمال اشبه بالثأر من مهندسي الري الأوروبيين ممن صادروا الأراضي من الفلاحين، وأجبروهم على العمل لديهم مقابل الكفاف، إضافة إلى إقراض رجالهم أموال مقابل “كمبيالات” تذهب بهم بعد قليل إلى السجن”.

مشاهد لم تسجلها الكاميرات، ولكن كان أول من سجلها هم المراسلون الأجانب ممن وصف أحدهم السيدة المصرية بـ “المجهولة المقاتلة التي إذا ما خرجت من البيت لديها استعداد أن تقوم بكل أدوار الرجال”.

من فلاحات “الوليدية” 1919  إلى فلاحات ” كمشيش” 1966

لقد كان لوقع سيطرة الأجانب على الأرض المصرية وتوغلهم (شراكسة ـ أوربيين ـ أتراك) عقب الاحتلال الإنجليزي أثره المضني، وتَعمًق الاحتلال بدوره فى سياسات النهب، فكان إجبار الفلاحين على تسليم محاصيلهم وماشيتهم من أجل إمداد الجيش الانجليزي خلال الحرب العالمية الأولى، ومن ثم وعقب نهايتها كان من المنطقي أن تكون هبة الشعب المصري وثورته عام 1919 بقيادة “سعد زغلول” هي متنفس حقيقي لكل المصريين، على تنوعهم، لمقاومة هذه المظالم، وهو ما امتد وحتي قيام ثورة 1952 التي كان أهم أهدافها إعادة الروح الى شعار عرابي “مصر للمصريين”. فلا احتلال ولا إقطاع بعيداً عن المثالب التي شهدها حكم الثورة بعد ذلك واستمر حتى اليوم.

وككل مرحلة، ارتبط الصراع بها على الأرض، توهجت كـ”زهرة القطن” الفلاحة المصرية، فكتب عبداللطيف الباري في كتابه “النضال الشعبي في ثورة 1919” عن دور الفلاحات المصريات في قرية “الوليدية” بأسوان، حين احتمى الانجليز خلف الخزان، وواجه الرجال بالقرية بسلاحهم المحتل بهدف طرده. وحين تفوق السلاح الانجليزي، وتم القبض على عدد كبير من الرجال، خرجت السيدات فى مواجهتهم يحملن الفأس والجاروف والمعول، فاستطعن قتل عدد من الجنود بهذه المعركة.

ومن الوليدية بأسوان الى قرية كمشيش بالمنوفية حيث لا يمكن الحديث عن نضال الفلاحات دون التوقف مع امتداد نموذجهن حين يثقله التعليم والوعي فكانت تجربة المناضلة اليسارية “شاهندة مقلد” مع زوجها الشهيد “صلاح حسين” وكل نساء ورجال قريتهم “كمشيش” ضد اسرة “الفقي” الإقطاعية منذ الملكية، حتى وصلت المواجهة ذروتها عام 1966 باغتيال “حسين”. لم تنزو “مقلد” بعدها، بل توهج نضالها المحزون بفراق الرفيق والحبيب، فكانت هى من أوقفت جيفارا وناصر خلال موكبهما، الذي مر بالقرية خلال توجهه لقرية “ميت ابو الكوم” لتناول الغذاء في بيت “السادات”، فرفعت هي وعدد من فلاحي كمشيش لافتة مكتوب عليها “نحن معزولون عنك منذ سنوات يا جمال عبدالناصر ونحن قرية ثورية ونقف جانبك”. توقف الموكب وصافحها ناصر وجيفارا وتسلما رسالتها التي ضمت مطالب الفلاحين.

نضال الفلاحات  ضد عودة الاقطاع من آمال إلى نفيسة

ومع الوصول لعام 1974 بدأت رياح تغيير وجهة الانحيازات السياسية والاجتماعية في مصر على يد “السادات” وخلفه “مبارك”، وكان من الطبيعي أن يحصد الفلاحون والفلاحات النصيب الأكبر من المعاناة على طريق “الردة”.
فلم تكن قصة قرية سراندو بمحافظة البحيرة عام 2005 إلا كشفاً عن حجم التهافت السلطوي الطبقى المهرول من أجل الانتقام من كل الانجازات الاجتماعية التي حققتها الحقبة الناصرية للشعب المصري، ومن ناحية أخرى كانت كشفاً عن مدى هشاشة أى بناء مجتمعي لا تحميه الحريات (كما كانت تجربة يوليو التي افتقدت للديمقراطية) فتكون هي الدرع الحامي لإنجازاته قبل السعي للقضاء على  مساحات عجزه.

فالقصة لم تبدأ عام 2005، بل تبلورت ملامحها في عام 1992 حين أصدر مجلس الشعب المصرى قانون 96/1992 بتعديل بعض أحكام قانون 178/1952 (قانون الإصلاح الزراعي)، وهو ما عُرف بقانون تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر فى الأراضي الزراعية واسماه الفلاحون “قانون طرد المستأجرين”.
تقول الباحثة “ريم سعد” في ورقة بحثية  بعنوان “عشر سنوات من التأثيرات الاجتماعية للقانون”: أعطى القانون الجديد مهلة خمس سنوات انقضت فى الأول من أكتوبر1997، وهو اليوم الذى فقدت فيه ما يقرب من مليون عائلة أراض كانوا، حتى صدور القانون، يتمتعون فيها بحيازة آمنة. الغالبية الساحقة منهم كانوا من صغار المزارعين الفقراء، وبفقدان الأرض فقدوا مصدرا رئيسيا لرزقهم ولأمانهم الغذائي أيضا. ولقد رصدت في جولاتي، بعد صدوره بسنوات، حجم الفقر الذي شمل آلاف الأسر في قرى مصرية فقد ذويها مدخل رزقهم الرئيسي”.

الثبات على الأرض

خاضت بعض القرى، بمساندة ودعم قوى سياسية، نضالات ضد تسليم الأرض، ومحاولة الدفع في حلول تسمح لهم بتقسيط المبالغ المثمنة بها على فترات زمنية طويلة، وهو ما تم رفضه، فاندلعت انتفاضة ريفية كان أقواها في كفر الشيخ، التي شهدت القبض على “حمدين صباحي” ومجموعة من شباب تياره ممن انضموا لفلاحي كفر الشيخ (محافظته) وقادوا نضالهم. تم القبض عليهم بينما استمرت مواجهات الفلاحين، مواجهة بين نار العسكر والطين، فكان الحصاد روح الشهيدة “آمال دردير” التي كتب عنها “صًباحي” خلال حبسه قصيدة “وردة العصيان”، وقال فيها:

“آمال .. يا أخت الروح .. يا وردة العصيان طالعة بلون الدم.. بطعم قوت الغلابة من خبيز الهم.. وبريحة الأرض ساعة الري.. بالحزن والفرح اللي راح.. والجاي.. طالعة ومين يوقفك.. يا ويل عدوينك. الأرض شرفك ودينك.. وخولية الباشوات أهم راجعين.. يخدوها بالقوانين.. يخدوها بالعسكر.. ويرجعوا اللي كان.. وأنتى اللى واقفة لهم على رأس القيراط.. ددبان.. بتحقى حق الفقير.. ضد الجشع.. والزيف.. على قد ما أنتى ندية.. نسمة فى صهد البيوت.. فايحة بطراوة الغيطان.. على قد ما أنتى بهية.. وعفية فى الميدان.. بالطرحة والنبوت

لم يقتصر الأمر على إجبار الدولة لهم على التهديد بدفع مبالغ طائلة أو ترك الأرض، ولكن نشطت الأسر الإقطاعية القديمة في رفع دعاوى قضائية لاستردادها كلية. ورغم عدم صدور أحكام باتة في هذا الأمر، احتمت الثروة بالقابعين داخل أقسام الشرطة، فكان المشهد الذي لا يمكن أن يُمحى، وعبره سًجلت نضال المصريين في قرية سراندو بمحافظة البحيرة 2005 وهو ما يتشابه مع ما تعرض له مئات من القرى المماثلة .

ثلاثة أيام كانت كافية لتغيير مصير القرية. كانت محاولات الأسر لا تتوقف هنا وهناك، وعقب علاقة وطيدة جمعت بين رجال قسم شرطة بندر دمنهور وأسرة “نوار” بدأت حلقات السيناريو تتوالي تباعاً.

ذكر مركز “الأرض” في التقرير الـ 17 لعام 2005 كيف بدأت القصة:

“بدأت المشكلة فى يوم الاثنين الموافق 3/1/2005 قام بعض التنفيذيين والقيادات الحكومية المحلية مع مدعى الملكية باستدعاء عدد من الفلاحين لمركز الشرطة فى محاولة لتسوية الامر بشكل ودي، وذهب الى مركز الشرطة تسعة من الفلاحين وفوجئوا برئيس المباحث يرغمهم على التوقيع على بعض الأوراق مدعياً أنها إقرارات بعدم التعرض لمدعى الملكية. وعلى الرغم أنهم لم يطلعوا على هذه الأوراق إلا أنهم وقعوا مرغمين ودون إرادتهم، وطالبهم بعد ذلك بارسال باقي الفلاحين لمركز الشرطة، لكنهم رفضوا الذهاب لمركز الشرطة حتى لا يجبروا على التوقيع على التنازل بترك الأرض، فقرر رئيس المباحث القيام بهذه الحملة لتأديب الفلاحين، فقام بالهجوم على القرية واقتحام عدد من منازلها والقبض على بعض فلاحيها، وتلفيق التهم لآخرين من أجل الضغط عليهم للتنازل عن أراضيهم التى يزرعونها منذ عشرات السنين، دون سند من القانون أو صدور أحكام قضائية صادرة لصالح مدعى الملكية باستلام الأرض أو تعويضات للفلاحين عن استصلاح هذه الاراضى أو التحسينات التي قاموا بها لصيانة الأرض، أو دون النظر لمنازعتهم حول ملكية الارض مع هيئة الاصلاح الزراعى كما تؤكد شكاويهم .
وفى يوم وقفة عيد الاضحى الموافق 19/1/2005 أكد الفلاحون للمركز أن بعض أفراد عائلة نوار استأجروا بعض البلطجية واغلقوا الطرق المؤدية لأرض قرية سراندو، إلا أن فلاحى القرية، وفى صباح يوم العيد، قاموا بمطاردة البلطجية إلى خارج الأرض وخارج منازل القرية. وقد ذكر بعض فلاحى سرندوا ان هناك محاولات من بعض ضباط مركز دمنهور لاجبار الفلاحين بالتنازل عن البلاغات التى تقدم بها بعض الفلاحين للنائب العام بنيابة دمنهور ضد رئيس المباحث بعد أن قام بالتعدى عليهم وعلى منازلهم وأراضيهم وتم تلفيق قضايا لهم.”

مر ما يقارب الشهرين وسط ترقب وتوجس ومحاولات من الفلاحين لإيصال صوتهم عبر كل منصة. وفي فجر4 مارس تم استكمال المشهد، فقامت قوات الشرطة بقيادة الضابط محمد عمار، رئيس مباحث مركز دمنهور، بمهاجمة القرية واعتقلت 7 رجال بعد ان اقتحمت المنازل، وتم تقديم الفلاحين للنيابة في 5 مارس واتهامهم بسرقة محاصيل مدعى الملكية صلاح نوار ومنعه من نزول الأرض.
وفى الساعة السابعة صباحاً يوم 5/3/2005 وصل حوالى 50 مسلحاً كانوا يركبون 4 عربات مصفحة وميكروباص و5 كابوت و5 جرارات حاملين اسلحة بيضاء واسلحة نارية يقودهم أفراد من أسرة نوار يريدون حرث الأرض المزروعة بالقمح لإتلاف المحصول، وقام مدعي الملكية بإطلاق أعيرة نارية على الفلاحين وكان من بينهم أعداد من النساء والأطفال، الذين أدى صراخهم لمجىء الرجال من المزارع المجاورة. وفى الاشتباكات قُتل أحد أفراد عائلة نوار بعيار ناري، وتم حرق ثلاث جرارات وسيارتين. بعدها قامت قوات الشرطة بقيادة محمد عمار بالتوجه إلى القرية حوالي العاشرة صباحاً وقاموا بالقبض العشوائى وهو ما شمل عدد كبير من السيدات.

سجلت الشهادات فيما بعد ما تعرضت له سيدات القرية وحجم الوحشية التي تعرضن لها، وانعدام الحياء في التعامل مع الفلاحات أو إرث القرية؛ فحكى الأهالي كيف قامت قوات الشرطة بربط كل اثنتين من النساء معا من شعورهن وضفائرهن إلى جانب تقييد أيديهن، بجانب ضرب بعض الحالات على الوجه بالأحذية، وألقت بهن داخل عربات الشرطة التى نقلتهن الى مركز شرطة دمنهور، حيث تعرضن داخله إلى مزيد من التعذيب.

قام عدد كبير من رجال القرية بتسليم أنفسهم من أجل الإفراج عن السيدات وهو ما لم يحدث، وتم توجيه الاتهامات لـ 26 من أهالي القرية بينهم 9 سيدات علاوة على محاميهم الشاب “محمد عبدالعزيز”.

هؤلاء السيدات هن: رنيا سمير الصباغ، رشيدة الجيزاوى، نعمة حافظ أبو طلبه، زاهية الاجرب، سماح عبد الحميد الجرف، فرحانة حافظ ، السيدة محمد العطار، رسمية أحمد خلاف، زهرة سعيد ابو العلا، سهام سعيد أبو العلاء  وثلاثة أطفال هن: خضرة محمد زكى، عزيزة منصور الفقى ، هويدا الفقى. ووجهت لهن اتهامات التجمهر، ضرب أفضى إلى موت، غصب أرض الغير، إتلاف سيارات وجرارات زراعية، وهي الاتهامات التي تم تبرأتهم منها جميعاً (رجالا ـ نساءً) في حكم ثان بعد رفض الحاكم العسكري (محمد حسني مبارك) التصديق على الحكم الأول القاضي ببراءتهم، وذكرت حيثيات الحكم “أنهم كانو يدافعون عن الأرض من أجل الحفاظ على قوت رزقهم”.

سقطت الاتهامات لكن لم تسقط جرائم الشرطة، بل ظلت روح “نفيسة المراكبي”  شاهد وجع على ما قاسته هذه القرية في مقاومتها، فقد تم القبض عليها ضمن أخريات لإجبار زوجها على تسليم نفسه، وحين رفضت الإهانة وسيل الشتائم الموجهة لها، تم الزج بها في غرفة منفردة والاعتداء عليها بشكل لم تفصح عنه بعد خروجها. قبعت لمدة شهر داخل بيتها في حالة صحية متردية إلى أن فارقتها الروح دون أن تبوح بسرها.

فلاحات البحيرة وعالم ما بعد “25 يناير”

خط شباب محافظة البحيرة كغيرهم  بعد اندلاع ثورة يناير “قوائم التعذيب” التي تضم رجال شرطة متهمين بجرائم قتل وعنف، وكان على رأسهم “محمد عمار”. غير أنه، ومع تشتت رياح الثورة وعدم قدرتها على إشعال النيران في مكانها الصحيح، تهاوت الأوضاع في أقل من سبع سنوات، حصل خلالها “عمار” على لقب “لواء” وعادت نفس القرى لتواجه نفس المصير بصورة أكثر فداحة وبذاءة.

فنقرأ من تقرير حقوقي لـ “بشير صقر” عضو لجنة التضامن مع فلاحي مصر، سطور عن عنف الشرطة مع أهالى مركز دمنهور، خاصة فلاحى الإصلاح الزراعى بقرى العمرية، والناموس، والكومبانية، والمؤاجرين، وكوم المناصير، وكوم الأرانب، وآخرها عزبة حبيب التى دُمرت فيها محتويات 8 شقق بأربعة منازل، وألقي القبض فيها على عشرات الرجال بشأن نزاع على أراضى الإصلاح بين عائلة نوار الإقطاعية والفلاحين، ووجهت لهم اتهامات بحيازة أرض الغير وهو ما برأتهم منه النيابة العامة.

هو ذات المشهد الجائر يًعاد، والروح غير الذليلة تقاوم من جديد، وفى منتصف ليلة السبت 3 يونيو 2017 عادت دماء “الفلاحات” لتنزف من جديد. فقد  داهمت قوة من مديرية أمن البحيرة قرية الكومبانية بقيادة الضابط أحمد عوف وبصحبته عدد من المخبرين السريين وأمناء الشرطة والخفراء قاصدة منزل أحد الفلاحين ويدعى نصر إسماعيل عطا لاستدعائه لمديرية الأمن بسبب قضايا حيازة الغير. وحيث أن الفلاح المستدعى رجل مسن وكان نائما، قامت زوجة  ابنه “إسماعيل” بالاعتراض على القبض عليه بهذا الشكل وطالبت بأن يرجأوه للصباح ويسلم نفسه لقسم الشرطة بدلا من القبض عليه قبل موعد السحور واذان الفجر.

رفض للمهانة في مواجهة عجرفة وتعنت انتهى بإطلاق الضابط لنيران مسدسه، فسقطت السيدة في دمائها، وخلفت ورائها ثلاث أولاد والثأر المعلق في رقاب كل رجال القرية ممن لا يملكون التنازل او الخروج عن أرضهم، فهذا يعني لهم ولأسرهم “الموت”.

احتشد الجيران وأهالى القرية بالمئات، واحتجزوا الضابط  حتى عصر اليوم التالي،  بينما هرع عدد من قيادات الشرطة إلى القرية فى محاولة لإطلاق سراح الضابط والفلاحون مصرين على احتجازه لحين حضور النيابة العامة.

قضية لم تر الحكم القضائي النهائي بعد، ويظل حكم الشعب والتاريخ هو الأبقى، والدماء هي الشاهد الرئيسي أن المعركة لا زالت مفتوحة ومستمرة على جميع الأصعدة طالما الحقوق لا زالت مستباحة، وطالما هناك من يملكن القدرة على المقاومة.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. محمد

    قراءة هذه النضالات تبعث الأمل بحتمية إنتصار القضية

  2. هدي عبد الباسط

    اخيرا وجدنا من يستعرض تاريخ نساء مصريات باسلات نسيهم التاريخ .. تحية للكاتبة وللموقع الذى نشر هذا المقال الرائع

موضوعات ذات صلة

لا… إسرائيل ليست ديمقراطية ليست إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إنها، في الحقيقة، ليست ديمقراطية على الإطلاق.

إيلان بابيه

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي