ثالوث السُلطة المقدس‬

قضايا

09  سبتمبر  2018

حقيقة مفهوم “الدولة البرجوازية” يختلف بل ويتعقد تحليله وتفكيكه عن مفهوم الدولة في سابقاتها من المجتمعات. المفهوم الكلاسيكي عن الدولة بكونها : قوة تنبثق من داخل المجتمع وتنفصل عنه أكثر فأكثر باحتكارها للقوي المادية من عنف وإيديولوجيا…. الخ.

الحقيقة هذا المفهوم الذي وصفه انطونيو غرامشي بالمفهوم الميكانيكي لوصف الدولة بكونها مجرد “آلة” يعمل وفقها المجتمع، من الممكن تطبيقه علي مفهوم الدولة ما قبل الرأسمالية، لكن في الرأسمالية، الدولة أصبحت ترتبط بالمجتمع أكثر فأكثر علي الطريقة التي تسمح لها بتكييف وضعها الاستغلالي وسيادتها الكُلية علي آليات الإنتاج والمجتمع برمّته، لينشأ مفهوم جديد يعتمد علي “دينامية السُلطة” بمعني أن الدولة – كمادية مؤسساتية علي حسب قول نيكولاس بولانتزاس- هي أصبحت تظهر بأشكال عديدة ينعكس فيه الجوهر الثابت الرأسمالي، جوهر السيادة الشمولية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية. لذلك نستطيع أن نري مظاهر الدولة البرجوازية كالتالي: الديكتاتورية العسكرية، الديمقراطية البرلمانية، الجمهورية البونابرتية، الأشكال الممسوخة للاشتراكية الديمقراطية/الحقوقية الكلاسيكية.
كل ما سبق هي مظاهر عدة لمفهوم للدولة تعكس جوهراً واحداً، جوهراً رأسمالياً. إذن الدولة التي كانت تنفصل بالماضي في العبودية والإقطاعية، ولا تأبي بشريك للسيد/المالك الكبير في السيادة، أصبحت تتنازل عن قدرٍ من الشراكة الإدارية فقط لضمان السيادة المُطلقة، فالدولة الحالية تتنازل عن جزء من السيطرة بتشارُك فئة عميلة لها لضمان الجزء الأكبر من الهيمنة العامة. وهذا هو مفهوم الطبقات المسيطرة تحت قيادة طبقة مهيمنة، وشتان الفارق بين السيطرة والهيمنة،
حيث لعب السيد/المالك الكبير في الدولة ما قبل الرأسمالية دوري المسيطر والمهيمن معاً وهذا ما عكس الشكل الانفصالي للدولة عن المجتمع، أما في عالمنا الرأسمالي فتقتضي السيطرة مجموعة من التحالفات عبر أجهزة مؤسساتية/نخبة مثقفة/ذرائع إيديولوجية دينية…. الخ من المُمكّنات التي سمحت بالاتصال بالقالب المجتمعي، لفرض الهيمنة المعقبة للسيطرة. فنجد ديكتاتورية عسكرية تستقطب برجوازيين رجال أعمال، وأخري ملكية أرستقراطية تستقطب برجوازيين برلمانيين…. الخ من أمثلة الدولة.

ولكنّ هناك سمتان رئيسيتان نجدهما بوضوح في رؤية مفهوم الدولة الآني ويعملان علي تكريس السُلطة: أولهما إعادة إنتاج الأوتوقراطية (سُلطة الحكم المطلق) من خلال الديمقراطية البرجوازية أو من خلال التبعية أو علاقة الزبونية – الزبون- كما أطلق عليها برتراند بادي، وثانيهما إعادة إنتاج الجريمة ليس فقط باحتكار العنف، بل وبابتزاز الحماية ضد الجريمة:

الرأسمالية وإن أتت كطاقة تثويرية ضد الإقطاعية، إلا أنّها بصدد إعادة الأوتوقراطية جوهرياً من خلال مظهرين رئيسيين :

الأول: إعادة إنتاج الأوتوقراطية من خلال الديمقراطية البرجوازية:

بمعني أن ما دامت المُعضلة الاجتماعية هي كيفية إدارة الملكيات الخاصة وتأمين نقلها في عمليات التداول والبيع، فإذن لابُد هناك من قوانين مُنظّمة “لوائح ودستور وتشريع قانوني” ومؤسسات تعمل علي ذلك “بوليس وجيش وقضاء وبيروقراطية”. من خلال أشكال الحكم الديمقراطية البرجوازية، النيابية والجمهورية، نستطيع ملاحظة أنّه برغم ظاهرية الموضوع الديمقراطي، وقدرة الأحزاب والتكتلات والقوانين علي كبح سلطة الفرد، إلا أنّه عملياً يتم إعطاء الرئيس الجمهوري/رئيس الحكومة النيابية، سلطة عليا/استثنائية، للتحكم بكل ما سبق. فهو الفاصل في حالات السلم والحرب، في حالات الإفقار والإثراء، سنّ القوانين والتشريعات الأكثر جرأة ووطأة، وغالباً ما يهرب المُشاركون والمساهمون في وضع الإنجيل الحكومي في تلك اللحظات الحرجة، التي تجعل من ممثل الحكومة الديمقراطية البرجوازية، الأوتوقراطي الجديد. ولعل هذا الشكل من إنتاج الأوتوقراطية تتميّز به الأنظمة الغربية الأوروبية.

الثاني، إعادة إنتاج الأوتوقراطية من خلال أنظمة التبعيّة:

قد تكون صفة التبعيّة هي الصفة المميزة اللصيقة بالمجتمعات المتخلّفة التي تنتج الأوتوقراطية في أقذر صورها، التبعيّة البطريركيّة، بحسب توصيف برتراند بادي.
وبنية السلطة البطريركيّة هي بنية مميزة لمجتمعات جنوب شرق أسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، حيث تتميز بالآتي:

* إستراتيجية العاهل/الأوتوقراطي، المُنصّب الجديد، في الاستحواذ علي المجال السياسي ومن ثَمّ التطرّق للسيطرة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية.

* قدرة العاهل علي إدماج عناصر برجوازية الدولة “الطبقات المسيطرة” في البناء الهيكلي البطريركي للدولة، لضمان كونه المُهيمن علي المجتمع والطبقات المسيطرة. مثال: في حالتنا المصرية يلعب دور العاهل عبد الفتاح السيسي دور ممثل البرجوازية العسكرية، التي تتحالف مع طبقات مسيطرة من البرجوازية الكبرى (برجوازية المال التجاري والاحتكاري) والبرجوازية الوطنية وقطاع من البرجوازية الصغرى، وهذا التحالف يضمن الهيمنة التامة للبرجوازية العسكرية.

* شخصنة العلاقات غير الاجتماعية، وهذا مفهوم تنتهجه السلطة في المركز (الغرب) وفي الأطراف أيضاً، إلا أن ما يميّز سلطة الأطراف هو قدرتها علي تشكيل الفرد غير السياسي، بل وإعلاء قيم التضامن القائمة علي علاقات القرابة، وإعلاء مبدأ الهوية علي المواطنة، والقبليّة والعرقية علي الحزبية، كل هذا يُسهّل من عمليات السطو علي الموارد الاجتماعية.

الجريمة وإعادة إنتاجها بشكلها المباشر وغير المباشر لتُشكّل ثالوثًا مع الديمقراطية والتبعية لتكريس السُلطة :

فالجريمة هي مكون رئيسي وبنية من بِني السُلطة عامةً، ففي بدايات طور التطور المجتمعي “العبودية والإقطاعية”، كانت تعمل السُلطة علي إعادة إنتاج الجريمة بشكلها المباشر من قمع وسرقة وسطو وتجويع…. الخ. في الطور المتقدم من العالم الرأسمالي تنتج أيضا السُلطة الجريمة وتعيد تشكيلها من جديد بتجاوز شكلها المباشر “المطروح عند الضرورة” إلي شكلها غير المباشر، أي ابتزاز الحماية ضد الجريمة. جوهر الموضوع، هو احتكار السُلطة للجريمة، لكن مظهره/شكله العياني، من الممكن أن يأخذ شكليه، المباشر وغير المباشر.

مثال عملي لفهم الطرح:

تخيّل معي أسرة من المافيا الإيطالية، وما أشهرهم، تغرس نفسها في حيّ/مقاطعة، تحتكر الجريمة، فيمكنها أن تسرق كيفما تحب، بل وتمنع غيرها من الطامحين المجرمين في دخول حيّز سلطتها، لكنّ هل ستربح وتترعرع وتصبح أكثر ثباتاً فقط بممارسة السطو والإجرام والاستئثار بما تستطيع سلبه؟ أم أن هناك عملا آخر باحتكار الجريمة أيضاً يعدّ مصدر أكثر أماناً ودواماً واستقرارا للربح؟ بالطبع هناك. كيف؟

لو أن سكان الحيّ وجدوا أن حياتهم معرضة دوماً للسرقة المباشرة، بالتالي ستزداد الهجرة من الحيّ لازدياد معدلات الجريمة، وبالتالي سيُدرّ الحيّ دخلا أقل ولن يبقى فيه الشيء الكثير لسرقته من قِبل المافيا. ولكنّ، إذا كانت تلك العصابة المفياوية تحتكر الجريمة بالفعل، فإنها ستغتني أكثر من خلال تعزيز المتاجرة بالحياة الآمنة في الحي. فأسرة المافيا ستعظم مكاسبها من خلال بيع الحماية: سواء ضد الجريمة التي سترتكبها هي نفسها (في حالة عدم الدفع لها)، أو أيضاً ضد الجرائم التي من الممكن أن يقترفها آخرون (مجرمون جدد).

يتحدث مانكور أولسون في كتابه “السُلطة والرخاء” :

“التراث المعقول والرمزي حول الجريمة المحتكَرة يوضّح أن الاحتكار الآمن للجريمة عادة ما يفضي في حقيقة الأمر إلي ابتزاز حماية أكثر مما تفضي إليه الجريمة العادية، وذلك إحصائياً، فكلّما أصبحت البيئة أصلح للمتاجرة والعيش، كلما كان ابتزاز الحماية أكثر حضوراً”.

باحتكار الجريمة فقط، تتجّه السُلطة (المافيا، العصابة، الدولة بشكل أعمّ) إلى الانحراف بالموارد من الإنتاج إلي أمور أخري، كالحراسة وأدوات التأمين والسلاح والشرطة والسجون والقضاء.

وهكذا فإن احتكار الجريمة يُقلل مقدار الثروة العامة ويحولها لخدمة المحتكرين والقائمين علي حماية المحتكرين.

إننا نعيش حقاً في أوج القرن الحادي والعشرين المُعولَم، عالم ما بعد الحداثة، وما زال هناك طغم مافياوية حاكمة تجلس علي سدة الحكم في عالمنا، مجموعات الكليبتوقراطيين (سلطة اللصوص)، اللصوص المتجوّلة واللصوص المستقرة، وتراثنا العربي والمصري مليء بالكليبتوقراطيين، بصنفيهما، والحقيقة إن فيلم “شمس الزناتي” لعادل إمام يعرض صنفين من الكليبتوقراطية: عادل إمام الناهب الذي يعيش هو ورجاله علي امتصاص ثروات جموع الفقراء مقابل الحماية من محمود حميدة ورجالاته – الهليبة-  وكلاهما عبء علي الشعوب إما بالنهب وإما بالحماية.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

حروب الإجهاض بات على المشاركين في الحملات المؤيدة للإجهاض العودة باستمرار إلى الحجة الرئيسية وهي أن أي سياسي أو طبيب أو صاحب أيديولوجية، يخبر المرأة بضرورة الحفاظ على حملها غير المرغوب فيه، يتصرف على نحو يتعارض مع حقوق المرأة. لا يمكن التغاضي هذا الطرح باعتباره تقدميا أبدا.

جوديث أور