قضية ارتفاع الأسعار في ضوء فكر تيار أهل العدل والتوحيد

قضايا

02  سبتمبر  2018

تلعب الأفكار دورا بارزا في صياغة الواقع الاجتماعي وتبريره، ودائما ما تلجأ الأنظمة السياسية إلى منظومة القيم الثقافية والدينية السائدة لتمرير ما تريد أن تقنع به شعوبها، وتبرير سياساتها، من خلال مجموعة من الأفكار تحاول من خلالها إحكام قبضتها على الواقع الاجتماعي ومد نفوذها “الأيديولوجي” عليه بالتوازي مع سيطرتها السياسية.

 ويُعد الدين من بين أهم هذه القيم السائدة في المجتمعات العربية، ولأن الأنظمة السياسية تعي جيدا دور الدين في حياة هذه المجتمعات وما يتمتع به من مكانة كبيرة في نفوس شعوبها، فإنها تقوم بتوظيف الدين توظيفا أيديولوجيا يخدم أفكارها ويمرر سياساتها ويبرر طريقتها في إدارة مصير هذه الشعوب.

الفكر الرجعي يبرر الأزمة: إنها إرادة الله ومشيئته

ويظهر الاستخدام النفعي للدين في طريقة تناوله من قِبل مفكري السلطة وإعلامييها ومنظريها، عندما تنجح هذه الأنظمة في حمل الموروث الديني حملا قسريا على خدمة طبقة اجتماعية بعينها، أو توجيه هذا الموروث لصالح سلوك سياسي محدد، وذلك من خلال الأجهزة الأيديولوجية للدولة، ومن بينها جهاز الإعلام، الذي خرجت علينا إحدى مذيعاته، وهي  الإعلامية أماني الخياط لتخبرنا أن الغلاء الذي أصاب السلع في الفترة الماضية، لم يكن سوى إرادة الله  وقد تجلت وتحققت في هذه الأوضاع البائسة التي يعيش فيها ملايين المصريين اليوم، وتنصحنا بالاستسلام إلى هذه الإرادة وعدم الاحتجاج عليها، خشية من أن يكون هذا مؤديا إلى الاعتراض على مشيئة الله وإرادته النافذة (1/ رابط المقطع أسفل المقال لمن أراد مشاهدته).

لم تكن الخياط وحدها هي من نصحت الشعب المصري بالصبر على البؤس، فزميلها الإعلامي تامر أمين أيضا طالب المعترضين على غلاء الأسعار بأن يتركوا البلد و”يغوروا”، هكذا قال نصا: “اللي مش عاجبه العيشة في البلد دي ياخد باسبوره ويوريني عرض كتافه، ينقي له أكبر بحر ويغور” (2/ رابط المقطع أسفل المقال لمن أراد مشاهدته).

الأمر لم يقف عند الجهاز الإعلامي، فها هو الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، يناشد المواطنين بتحمل غلاء الأسعار، باعتبار ذلك اختبارا من عند الله يستوجب الصبر، وكذلك نصح الدكتور سعد الهلالي، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، الشعب أن يتحمل الغلاء حتى لو وصل به الحال لأكل أوراق الشجر.

مطالبة الشعب المصري بالصبر على الأوضاع الاقتصادية تعدت الشخصيات العامة من وجوه الدولة، ووصلت إلى قطاعات قد تكون أقل حيثية، لكنها ليست أقل نفوذا وتأثيرا في الناس، ومن بين هؤلاء الشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، الذي طالب الشعب بتحمل حالة الغلاء، وبرر ذلك بقوله “إن الدول المجاورة التي تعرضت للفوضى والبلطجة يتمنون العيش في حالة فقر وغلاء مقابل الأمن والسلام لشعوبهم”، ويبدو أن تصريحات الشيخ برهامي وجدت قبولا واسعا لدى تيارات الدعوة السلفية والتي خرج ثلاثة من مشايخها، يبدو من هيئتهم أنهم تجار، وأذاعوا مقطع فيديو أكدوا فيه أن قرار الحكومة المصرية بتعويم الجنيه ليس له أي تأثير سلبي على حياة المواطنين وأوضاعهم الاجتماعية، بل وصل الأمر بناشري الفيديو إلى الادعاء بأن زمن النبي (ص) شهد تعويما للعملة، وحمل المقطع في نهايته بشرى سارة لمن صبر على الفقر والبلاء وأوكل الله في رزقه. (3/ رابط المقطع أسفل المقال لمن أراد مشاهدته).

ويبدو أن الشعب المصري يصارع قدرا عجيبا من المزايدات على بؤسه، فالمهندس نجيب ساويرس، رجل الأعمال المعروف، لم يدع الفرصة تمر حتى سارع باستثمارها كأي شيء قابل للاستثمار، ونشر على صفحته بموقع “تويتر” نصيحته الغالية لمتابعيه قال فيها: نصبر معلش.. بكرة إن شاء الله أحسن.. مش بقول كدة عشان أنا مرتاح..لا.. بس دايما العلاج مر”.

إذن نحن أمام إعلاميين، ورجال دين أزهريين، ودعاة سلفيين، ورجل أعمال مسيحي، كلهم ينصحوننا بالصبر على هذا الفقر القاسي، وتحمل هذا الغلاء الفاضح، وعلى الرغم من أن دوافع كل من هؤلاء “الناصحين” تختلف باختلاف وضعهم الاجتماعي وما يقتضيه ذلك من الحفاظ على مصالحهم المادية، إلا أن ما يهمنا هنا وقصدنا إلى تحليله وكشف تهافته في هذا المقال، هو الجانب المتعلق بالتبرير الديني للأزمات الاقتصادية، والذي تولاه التيار الإسلامي في مصر بجناحيه الرسمي وغير الرسمي، ممثلا في الأزهر، والدعوة السلفية.

وقبل الولوج في استعراض آراء مفكري تيارات المعارضة الإسلامية في تراثنا الفكري، ينبغي أن ندرك أولا أن بنية الفكر السلفي الأشعري والحنبلي هي بنية تبريرية في جوهرها، تلعب دورا قاصدا في تأبيد الظروف الاجتماعية وإقناع الناس بأن ما يعيشون فيه من بؤس وشقاء وحرمان وفقر أهان كرامتهم، إنما يرجع كل هذا إلى إرادة إلهية أزلية نافذة فرضت عليهم هذه الشروط وقدَّرت عليهم هذه الأوضاع لحكمة لا يدركها الناس، وهكذا يجدر بالإنسان المؤمن التسليم بواقع الحال.

  هكذا يكون الفكر الرجعي في أسوأ صورة له، عندما يحمل على عاتقه مهمة تبرير الأوضاع الاجتماعية الظالمة ويستند في هذا إلى توظيف الدين مستغلا وزنه الثقافي والروحي وتأثيره النافذ في وجدان الجماهير.

المعتزلة والزيدية: الحاكم وبطانته مسئولون عن سوء التخطيط وفساد الإدارة

ومع ذلك، لم تقف مدارس الفكر الإسلامي القديمة كلها على مسافة واحدة من المسألة الاجتماعية، كما أراد رموز الإعلام وكبار الشخصيات الدينية ورجال الأعمال أن يصوروا الأمر لنا، وكان تراث الفكر الإسلامي، مثله مثل أي فكر، انعكاسا هو الآخر للواقع الاجتماعي الذي تجاذبه، على مدار تاريخ الإسلام كله، تياران متصارعان، أحدهما يميل إلى تثبيت الواقع وفرضه ويمثله مجمل تيار السنة، الذي تشابكت مصالحه مع مصالح الطبقة الحاكمة، في الوقت الذي اصطفت فيه تيارات المعارضة الإسلامية من خوارج ومعتزلة وشيعة على الجانب الآخر لمناوأة الظلم الاجتماعي وفضح استبداد الحاكم وحاشيته من رجال الدين والمال.

وكانت المسألة الاجتماعية قد شغلت الفكر المعتزلي إلى الدرجة التي خصص لها بابًا في كتب العقيدة تحت عنوان “باب في الأرزاق والأسعار والآجال”، ويكشف فكر مدرسة أهل العدل والتوحيد عن العلاقة المباشرة بين هذه المسائل وقضية العدل الإلهي التي تستوجب تمكين الإنسان واستخلافه لعمارة الأرض، وهو ما يقتضي في المقام الأول تحصيل وسائل عيشه الأساسية ضمن شروط كريمة تتوارى خلفها الفوارق الاجتماعية والتفاوت الطبقي بين البشر، مصداقًا للحديث النبوي: “النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثَةٍ: فِي الْكَلأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ” (4).

ويبين لنا المفكر المعتزلي، القاضي عبد الجبار بن أحمد، المسألة على النحو التالي فيقول: “ثم إن الغلاء والرخص ربما يكون من قِبلِ الله تعالى، وربما يكون من قِبلِ السلطان، ما يكون من قِبلِ الله تعالى هو أن يقل ذلك الشيء وتكثر حاجة المحتاجين إليه… وأما ما يكون من قِبلِ السلطان فهو أن يسوم رعيته أن لا بيعوا إلا بقدر معلوم” (5).

وفقًا للقاضي عبد الجبار فإن الغلاء يرجع إلى سببين، إما ندرة تصيب السلعة، كندرة المياه التي تؤدي إلى هلاك الزرع وفساد المحصول مثلًا، وهذه ترجع إلى إرادة الله سبحانه مما لا دخل للبشر فيه، وإما سوء إدارة وفساد من السلطان الذي يجبر الناس ويحملهم على بيع السلع وشرائها مقابل مبالغ باهظة لكي يستخدم فائضها في الإنفاق على مسراته والإنعام على حاشيته وسد العجز في نفقاته بسبب سوء تقديره وخطل رأيه.

مع التيار الزيدي الشيعي سيخطو الفكر الاجتماعي خطوة أوسع نحو تنزيه الله سبحانه عن فعل الشر وتهيئة أسباب المظالم والمفاسد، ووفقًا للزيدية فإن قضاء الله وأفعاله المحكمة لا يمكن أن تكون سببًا في تعاسة البشر وشقائهم، وفي ذلك يقول المفكر الزيدي القاسم بن إبراهيم الرسي، رحمه الله، “وإجماع الأمة كلها على أن جميع المعاصي والفواحش جور وباطل وظلم، وأن الله جل ثناؤه لم يقضِ الجور والباطل، ولم يكن منه الظلم”(6).

ويورد العلَّامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي سببًا آخر في غلاء الأسعار، وهو “تغلب بعض الظلمة على أكثر الحبوب ونحوها من الثمار وغيرها من المبيعات ومنعها عن الناس” (7).

ويقصد الشرفي أن تقوم الدولة باحتكار النشاط التجاري ومنع الناس عن وسائل رزقهم مما يؤدي إلى التضييق عليهم، فضلا عن استحواذ الصفوة على الحبوب والثمار وهي هنا رمز لكل وسائل المنفعة العامة من أرض  وماء وغيرهما، وذلك لاستملاك فائض ما تجود به هذه المنافع.

ومع الإمام يحيى بن الحسين سيصبح الفكر الزيدي أكثر جرأة في نقد النظام الاجتماعي وتحميل السلطان وبطانته وأعوانه من شيوخ وتجار ورجال مال وشخصيات إعلامية مسئولية استغفال الناس بالباطل، والسعي إلى إفساد وعيهم، ويصف الإمام يحيى هؤلاء السلاطين بأنهم “اتخذوا عباد الله خولًا (عبيدًا)، وماله دُولًا (اكتنزوا المال وورثوه وتداولوه بينهم)، بما يقويهم التجار والحراثون (رجال المال والأعمال)، ويُروى أن الله يجعل أعوان الظالمين يوم القيامة في سرادق من نار ويجعل لهم أظافر من حديد يحكون بها أبدانهم حتى تبدو أفئدتهم فتُحرق، فيقولون يا ربنا ألم نكن نعبدك، قال: بلى، ولكنكم كنتم أعوانا للظالمين”(8).

ويعلق الدكتور محمد عمارة على هذا النص بقوله “هكذا تجلت ثورية النظريات التي تضمنتها هذه الرسائل (يقصد رسائل أهل العدل والتوحيد بجمعه وتحقيقه) في الموقف من السلطة الظالمة، وفي إبصار العلاقة بين الفكر الجبري وبين تبرير المظالم الواقعة بالناس… وهو ما نسميه التأييد الاقتصادي والمالي الذي تمنحه الطبقات المستغِلة للسلطة التي تمثلها”(9).

إن الغاية التي سعى إليها رجال مدرسة أهل العدل والتوحيد من معتزلة وزيدية، والرسالة التي أرادوا توصيلها من نصوصهم تلك، تتلخص في تنزيه الله عن مظالم البشر وسوء تصرفهم وفساد إدارتهم للأمور، وتلقي بالمسئولية كاملة على عاتق الأنظمة السياسية فيما يصيب مواطنيها من البؤس والشقاء وطواحين الفقر المدقع الذي هتك كرامة الناس، وفضح من كان مستورا حاله في ظل هذه السياسات التعسفية الظالمة.

وقد يعترض معترض حسن النية فيقول: “ألم يقدِّر الله سبحانه مقدرات البشر من خير وشر ورخاء وفقر وسعة وضيق؟ فنجيبه إن الإيمان بأن الله قد قدَّر كل شيء من أرزاق وأعمار وفقر وغنى، إنما يصلح ضمن الاعتقاد الشخصي للفرد المؤمن، بشرط أن يظل هذا الاعتقاد خاصا به وفرديًا، دون تمديد هذا الاعتقاد إلى النواحي الاجتماعية وفرضه كأمر واقع على المجتمع، وإلا انتفت الحاجة إلى مساءلة المسئول عن أي فشل أو سوء تخطيط، وإعفائه من تبعات قراراته الخاطئة، وتحمله مسئولية إهماله.

ونختم هذه المقالة بالتنبيه الذي التفت إليه الإمام يحيى بن الحسين، إلى الدور الخطير الذي يلعبه أعوان النظام ومروجو سياساته، عندما قال رحمة الله عليه: “إن أعوان الظلمة إذا تفرقوا عنهم وأسلموهم لم تقم لهم دولة ولا تثبت لهم راية”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • https://www.youtube.com/watch?v=-3FHpi2FVRY
  • https://www.youtube.com/watch?v=l3ckqEg3pVs
  • https://www.youtube.com/watch?v=F8lst6Atycw
  • رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه.
  • القاضي عبد الجبار/ شرح الأصول الخمسة/ تحقيق عبد الكريم عثمان/ مكتبة وهبة/ القاهرة.
  • القاسم بن إبراهيم الرسي/ كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد المجيد/ ضمن رسائل العدل والتوحيد بتحقيق الدكتور محمد عمارة/ طبعة دار الهلال/ ج1/ القاهرة.
  • أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي/ شرح الأساس الكبير/ تحقيق الدكتور أحمد عطا الله عارف/ ج2/ طبعة اليمن.
  • الإمام يحيى بن الحسين/ كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد/ ضمن رسائل العدل والتوحيد بتحقيق الدكتور محمد عمارة/ طبعة دار الهلال/ ج2/ القاهرة.
  • المصدر السابق.

 

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. د حمدي الشريف

    مقال جميل يحوي رؤية مميزة ، ويربط بين مفاهيم ومقولات قديمة؛ لتشتبك مع أزمة من أزمات الواقع الراهن … شكرا لك أستاذ محمود الكاتب الرائع والمبدع

موضوعات ذات صلة

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

حول مفهوم الشر: "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو