ماذا يحدث في الشرق الأوسط؟

تحليل أولي لفهم الديناميات المعاصرة للإمبريالية في المنطقة

قراءات, قضايا

30  أغسطس  2018

كانت الشهور الأخيرة مليئة بالعلامات المشئومة التي تظهر الصراع المتعمق بين اللاعبين الرئيسيين في ما يسميه أليكس كالينيكوس “لعبة الشطرنج متعددة المستويات” في الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط . في مارس 2018، دخلت القوات التركية سوريا، مما اضطر عشرات الآلاف إلى الفرار من منطقة عفرين، التي تسكنها أغلبية كردية. وبعد بضعة أسابيع، استهدفت المزيد من القنابل الصاروخية ما زعم المتحدثون الإسرائيليون أنها أهداف إيرانية في سوريا.

الصراع الذي طال أمده في سوريا هو ساحة للعديد من التطورات من هذه النوعية، إلا أن مسارات الحرب الأهلية والتدخل العسكري الخارجي في سوريا وفي اليمن تعكس التغيرات الأساسية في ميزان القوى بين الدول ورؤوس الأموال على المستويين الإقليمي والعالمي ككل. فالتحولات السياسية المزعجة التي يقوم بها دونالد ترامب – مثل نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران – غالباً ما يتم تقديمها (من قبل الرئيس نفسه بقدر ما يفعل الآخرون) على أنها نتاج شخصيته المتقلبة أو بسبب الضغوط التي تمارسها الدوائر الانتخابية المحلية، إلا أن هذه التحولات وهذه القرارات تتشكل أيضا بفعل الديناميات المتغيرة للمنافسة الرأسمالية في المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وهو التغير الذي تحاول الطبقة الحاكمة الأمريكية التكيف معه.

أسوة بأعمال الكتاب المنتمين لتراث هذه الدورية  (International Socialism Journal) مثل كريس هارمن وألكس كالينيكوس، وكذلك أعمال الأجيال الأقدم من المفكرين الماركسيين ومن بينهم لينين وبوخارين، يرى هذا المقال أن الاندفاع نحو الحرب متجذر في ديناميات التراكم الرأسمالي ذاته، فالمنافسة بين رؤوس الأموال وبالتالي بين الدول التي تعتمد عليها هيكليا، تؤدي إلى تداخل المنافسة العسكرية والاقتصادية بين الدول الرأسمالية الأكثر قوة. هذا لا ينطبق فقط على  تفاعلات القوى الكبرى من خارج المنطقة (في المقام الأول الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، مثل فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا)، ولكن أيضًا على الدول الإقليمية التي تقبع في نظام إمبريالي فرعي يعيد إنتاج “نسخة من نفس الديناميكية التي أدت إلى صعود الإمبريالية الرأسمالية في المقام الأول” (كما يقول أليكس كالينيكوس في كتابه الإمبريالية والاقتصاد السياسي العالمي).

الإمبريالية ليست مجرد علامة على السلوك الجشع للدول الأقوى، كما أنها ليست قاصرة على الولايات المتحدة وحلفائها، والأكثر من ذلك، فإن منطق تراكم رأس المال يعني أن “المقاومة” التي تقوم بها الطبقات الحاكمة للدول الرأسمالية الضعيفة ضد نهب القوى الرأسمالية العالمية لا بد وأن تؤدي إلى إعادة إنتاج عمليات الإمبريالية في المستويات الأدنى من النظام الرأسمالي العالمي. هذا لا يعني أنه على الاشتراكيين التزام الحياد السلبي تجاه مثل هذه النزاعات، بل على العكس، فإن المطلوب دائما هو القدرة على تبنى موقف مبدأي للدفاع عن الضعيف ضد هجمات القوى مع صياغة استراتيجية لبناء مقاومة حقيقية للامبريالية وهي استراتيجية يجب أن تتطور من أسفل، كما تطلب في نهاية المطاف إزاحة الصفوة من رجال الأعمال أو الجنرالات، الذين يقودون المنطقة نحو حروب أخرى، عن السلطة (سواء كانوا يحكمون باسم نظام جمهوري أو نظام ملكي).

يعتمد تطور نظام امبريالي فرعي على ظهور مراكز لتراكم رأس المال خارج المركز التاريخي للنظام الرأسمالي، وهو ما نتج بدوره عن هروب الطبقات الحاكمة في الدول الواقعة على أطراف النظام من المنظومة الامبريالية السياسية والاقتصادية الذي حصرتهم في دور منتجي المواد الخام وموفري الأسواق المقيدة للسلع المصنعة في الدول الامبريالية “الأم”. هذا بالطبع لا يعنى أنهم تمكنوا من الهروب من الامبريالية بشكل كامل. فكما يشير كالينيكوس، خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، سعت الطبقة الحاكمة الأمريكية بشكل عام إلى إنشاء إمبراطورية لا تعتمد فيها هيمنتها على مناطق كبيرة من العالم خارج حدودها على إقامة مستعمرات أو الانخراط في الحكم المباشر. وبدلاً من ذلك، اتجهت إلى وسائل أخرى لجعل الدول الرأسمالية من الرتبتين الثانية والثالثة تخضع لإرادتها. ومع ذلك، فإن القوة الأكبر التي تتمتع بها هذه المراكز الناشئة لتراكم رأس المال في مواجهة لبعضها البعض، وفي مواجهة القوى الإمبريالية الرئيسية، هي علامة هامة للفرق بين مرحلة الإمبريالية التي رسمها لينين وبوخارين في وقت مبكر من القرن العشرين وبين المراحل اللاحقة.

إن تطور نظام امبريالي فرعي في الشرق الأوسط يجب أن يُفهم أولاً وقبل كل شيء من خلال عدسة عدم المساواة بين رؤوس الأموال المتنافسة والدول “خاصتها”. وينشأ هذا التباين داخل النظام الرأسمالي بفعل مجموعة من العوامل من بينها الطريقة التي نشأت بها الرأسمالية أولاً في جزء واحد من العالم بدلاً من كل مكان في آن واحد، والمواقف المتغيرة باستمرار لمختلف أطراف اللعبة.

لقد تكون النظام الامبريالي الفرعي في الشرق الأوسط من خلال تفاعلات التنافس بين القوى الرأسمالية الكبرى – مثل تراجع القوى الاستعمارية “القديمة”، بريطانيا وفرنسا في أوائل القرن العشرين، وما تلاه من صعود القوى الإمبريالية العالمية “الجديدة” ألا وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ثم ما تبع ذلك من كسوف ثم انهيار نهائي للسلطة السوفيتية في أواخر القرن العشرين – وتفاعلات مماثلة بين الدول الرأسمالية الناشئة في المنطقة.

يتشكل التطور الاقتصادي والسياسي للقوى الناشئة، وبالتالي قدراتها العسكرية، بشكل أساسي من خلال القيود والعقبات التي تواجهها خلال العمل داخل النظام حيث القوى الاستعمارية الكبرى هي صاحبة الأمر والنهي. هذا لا يعنى، مع ذلك، أن هذه القوى قادرة دائما على ممارسة درجة ثابتة من التأثير في المستويات الدنيا من النظام. في الواقع، فقد كان أهم ما مهد الطريق النظام الإمبريالي الفرعي الحالي في الشرق الأوسط على مدى العقد ونصف العقد الماضي هو التراجع النسبي للقوة الأمريكية في أعقاب انتصارها البائس على صدام حسين في العراق في عام 2003. وتظهر كارثة السياسة الأمريكية تجاه العراق كيف يمكن لتفاعلات في الأنظمة الإمبريالية الفرعية تسريع تطور الأوضاع على المستوى العالمي. كانت روسيا أحد المستفيدين من الانحدار النسبي للولايات المتحدة، التي كانت لاعبًا صغيرًا من الناحية الاقتصادية، لكنها مدججة بالإرثً العسكري والدبلوماسي للاتحاد السوفيتي، ومع الوقت تزايدت منافستها على الصعيد الجيوسياسي للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الشرقية وسوريا.

الميزة الهيكلية الثانية للنظام، ألا وهي التنافس الذي يزداد حدة على الهيمنة الإقليمية بين إيران وحلفائها من جهة، والمملكة العربية السعودية وحلفائها من جهة أخرى، نشأت نتيجة للتفاعلات في “قمة” النظام الرأسمالي العالمي ومستوياته “الوسيطة”. صعود المملكة العربية السعودية هو انعكاس لظهور مركز جديد لتراكم رأس المال في الخليج، بينما بزوغ إيران من جديد كقوة إقليمية مرتبط بالتعافي التدريجي (والمتردد أحيانا) للرأسمالية الإيرانية من الهزيمة الكارثية التي منيت بها إيران في الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي. وهناك نقطتين أضافيتان مهمتان هنا. أولا إن ما تعرضت له العسكرية الأمريكية في العراق يجب أن ينظر إليه في سياق عملية أطول مدى بكثير ألا وهي الخسوف البطيء للهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي مع صعود الصين في قلب منطقة التراكم الرأسمالي في شرق أسيا. ثانيا، إن الكارثة التي لحقت بالولايات المتحدة الأمريكية في العراق تعتبر تذكرة مهمة بضرورة ألا نأخذ في اعتبارنا وكلاء الدول أو حتى وكلاء طبقاتها الحاكمة، ففي الوقت الذي هزمت أمريكا صدام حسين ودمرت الطبقة الحاكمة في الدولة البعثية، إلا أنها في أثناء ذلك تسببت في إطلاق تمرد استمد قوته من طبقات أوسع في المجتمع العراقي (ومن بينها الطبقة العاملة في المناطق الشيعية التي شكلت مهد حركة مقتدى الصدر والتي كانت أكثر ميلا تجاه السياسة القومية العراقية بدلا من السياسة الإسلامية الشيعية الموالية لإيران).

ملمح هيكلي ثالث هو الدور الذي لعبته إسرائيل في التركيبة الإمبريالية الفرعية في الشرق الأوسط، فهذه الدولة الاستيطانية الاستعمارية المدججة بالسلاح تعاقب سكان المنطقة من خلال عنفها شديد القسوة تجاه الفلسطينيين من جانب، وتفوقها الكاسح إقليميا على صعيد التكنولوجيا العسكرية. وقد ارتبط تحييد مصر سياسيا وعسكريا بالمراحل الأولى لصعود إسرائيل، فهزيمة مصر عام 1967 أعقبتها أولا قبول مصر بأجندة واشنطن الاقتصادية النيوليبرالية ثم بعد ذلك بفترة وجيزة معاهدة سلام مع إسرائيل تم توقيعها في كامب ديفيد عام 1978. وفوتت الطبقة الحاكمة المصرية مرة تلو الأخرى الفرص للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما من التنمية الصناعية، بينما صممت المعونة العسكرية السخية لتضمن أن يكون دور الجيش مصري هو السيطرة على الأوضاع الداخلية بدلا من الهيمنة الإقليمية. وعلى النقيض تم رفع إسرائيل إلى مراتب الدول “المتقدمة” والدخول في شراكات اقتصادية وعسكرية مفيدة للطرفين بين الطبقات الحاكمة الإسرائيلية والأمريكية.

ويمكن قراءة دور إيران كقوة إقليمية أيضا كامتداد لما كانت عليه الأمور في حقب سابقة، عندما كانت المملكة البهلوية تشكل واحد من عمودين توأمين للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. بالطبع أبعدت ثورة 1979 إيران بشكل مفاجئ عن محيط النفوذ الأمريكي، مما يفسر لماذا ظلت إسرائيل ضرورية للدفاع عن المصالح الأمريكية. “العمود” الثاني، وفقا لعقيدة نيكسون، هو المملكة السعودية، التي بدأت فقط مؤخرا تظهر كقوة إمبريالية فرعية تحاول الدفاع عن مصالحها الخاصة.

السعودية وصعود رأس المال الخليجي

لقد كان تحول المملكة العربية السعودية التدريجي على مدى السنوات القليلة الماضية من استخدام القوة الناعمة إلى القوة الخشنة على الصعيد الخارجي أمرًا مفاجئًا. منذ عام 2015، لعبت المملكة دوراً حاسماً في الكارثة الإنسانية التي اجتاحت اليمن نتيجة لحملة قصف سعودية مكثفة، بعد تحرك نشط في خدمة الثورة المضادة الإقليمية في عام 2011: غزو البحرين لسحق حركة الاحتجاج الجماهيرية الناشئة في مارس 2011، وتمويل الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي في مصر في يوليو 2013. هذا الدور الجديد كقوة إمبريالية فرعية متجذّر في عمليات التحول الأطول أمدا في اقتصاد الدولة ومنطقة الخليج ككل. في الواقع، كما أكد آدم هنيه، فإن تكوين طبقة رأسمالية خليجية على مستوى أعضاء مجلس التعاون الخليجي كله كان عاملاً حاسماً في تطوير مركز مستقل لتراكم رأس المال في الخليج على مدار العقود الأربعة الماضية. ومع ذلك، سنركز هنا على المملكة العربية السعودية باعتبارها العنصر المحوري لرأس المال الخليجي من حيث حجم اقتصادها وسكانها والطموحات الحالية لقادتها في ترجمة التطور الرأسمالي إلى قوة عسكرية.

وكثيراً ما يُشار إلى “الصدمة النفطية” لارتفاع الأسعار المجنون في السبعينيات على أنه نقطة تحول في الاقتصاد السياسي للطاقة في المنطقة. ومع ذلك، فإن بناء سيطرة الدولة على إنتاج النفط من المنبع يمثل تحولا دائما وأكثر أهمية في العلاقة بين الدولة ورأس المال الدولي والمحلي. في حالة المملكة العربية السعودية، تم الاستيلاء على الإنتاج في أوائل الثمانينيات، ووضع الأساس لتطور طبقة رأسمالية سعوديّة ركّزت أنشطتها على صناعات النفط التحويلية (لاسيما الكيماويات البترولية) والقطاعات كثيفة الطاقة مثل إنتاج الألمنيوم والصلب والأسمنت والبناء وتجارة الاستيراد وإعادة التصدير، ومشاريع تجارة التجزئة الضخمة في شكل محلات السوبر ماركت ومراكز التسوق، والنشاط المالي.

العمليات المتداخلة للتراكم الرأسمالي وتكون الطبقات في الخليج تشكلت بفعل التحول النيوليبرالي في الاقتصاد العالمي كما ساهمت في هذا التحول. فقد ساهمت هذا العمليات في تثبيت أركان الهيمنة الأمريكية من خلال ضمان أن تكون تعاملات أسواق النفط بالدولار، كما أعادت تدوير البترودولارات عن طريق البنوك الأوروبية والأمريكية سامحة بتحولهم لأشكال جديدة من سندات ديون دول جنوب العالم، وإسراع المسارات في اتجاه تحول رأس المال إلى النظام المالي ليصبح جزءا من المنظومة العالمية.

 دور العلاقات مع الطبقة الحاكمة الأمريكية في بروز رأس المال الخليجي أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى. فتوصيف رأس المال السعودي على أنه مجرد امتداد لرأس المال الأمريكي هو خطأ واضح. بدلا من ذلك، فإن رأس المال الأمريكي والسعودي مرتبطان في علاقة مبنية على التناقض بين التنافس الحتمي في إنتاج النفط، وقدرة الولايات المتحدة على احتواء وإدارة هذه المنافسة لصالحها بفضل كونها الطرف الأكثر تطوراً والكفيل العسكري للدولة السعودية. بالطبع كانت السياسة الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية مبنية في الأساس على منطق المنافسة مع إمبريالية أقدم، ألا وهي بريطانيا. ومع ذلك، فمنذ السبعينيات، كان المسار الأساسي لسياسة الولايات المتحدة هو احتضان نمو المملكة العربية السعودية كحليف رأسمالي تابع. وأدى مزيج الثورة في إيران ونتائج الحرب العراقية الإيرانية إلى إرباك هذه السياسة، مما أدى إلى تأسيس وجود عسكري أميركي مباشر في الخليج، بما في ذلك إنشاء قواعد أمريكية في المملكة العربية السعودية لأول مرة بعد عام 1991 الأمر الذي يمكن اعتباره أول تحد سياسي كبير تواجهه الأسرة الحاكمة من داخل المجتمع السعودي، والذي أدي بالطبع، في نهاية المطاف إلى ردود فعل عكسية تمثلت في هجمات القاعدة على الولايات المتحدة نفسها بعد عشر سنوات.

يبدو أن جهود الطبقة السعودية الحاكمة في تطوير إستراتيجيات جديدة لمواجهة هذه التغيرات قد تبلورت إلى حد ما في شخص وسياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أصبح يتمتع بشهرة عالمية منذ توليه ولاية العهد في 2017. ويرتبط اسم بن سلمان بالحملة التي شنها على “الفساد” والتي نجحت في عزل أو تحجيم منافسيه داخل العائلة، كما يرتبط كذلك بصياغة “رؤية” لتنويع الاقتصاد السعودي بعيد عن اعتماده على النفط وإلغاء منع السيدات من القيادة. وكوزير للدفاع اشرف بن سلمان على التدخل العسكري السعودي في اليمن ـ والذي كانت له آثار كارثية على الشعب اليمني تاركا غالبية البلاد معتمدة على المساعدات الإنسانية، يفتك بها سوء التغذية والكوليرا.

وقد أظهرت حملة تطهير قيادة الجيش السعودي في مارس من هذا العام كيف يقود بن سلمان، من خلال التغييرات في الموظفين واستبدالهم بمن يتماشى مع استراتيجياته الشاملة للتنويع الاقتصادي. وتزامن الإعلان عن استبدال رئيس الأركان ورؤساء القوات البرية والجوية السعودية مع إطلاق سياسات تهدف إلى تشجيع تطوير صناعة الأسلحة المحلية السعودية بالشراكة مع رأس المال العسكري الدولي. في نفس الوقت حصلت مبادرة سلمان النشطة للإصلاحات الاقتصادية في القالب النيوليبرالي، بما في ذلك التغييرات التي أجريت على النظام القانوني، وتراخيص الأعمال التجارية وتنظيمها، على رضا صندوق النقد الدولي.

إسرائيل: العسكرية الرقمية تحتضن المسيحية الصهيونية

لطالما لعبت إسرائيل دورًا حاسمًا في ديناميات الإمبريالية في الشرق الأوسط، على الرغم من أن طبيعة علاقتها بالقوى الإمبريالية الكبرى قد تغيرت على مدار العقود. احتضنت الإمبراطورية البريطانية المشروع الصهيوني، ولكن بعد إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، تولت الولايات المتحدة دور الراعي الإمبريالي. طوال سبعين عاما منذ إنشاء إسرائيل، بلغ إجمالي المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية أكثر من 131 مليار دولار بالأسعار الحالية. المساعدات الاقتصادية المباشرة، التي لعبت دوراً حاسماً في إبقاء الاقتصاد الإسرائيلي متعافياً في وجه التضخم المفرط ونفقات الجيش المرتفعة بعد أن زالت آثار الاقتراب من الهزيمة في حرب 1973 مع مصر وسوريا. وفي الوقت نفسه، نما الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير (انظر الشكلين 1 و 2)، وظهور قطاع جديد للتكنولوجيا المتطورة، والذي يستقطب نحو 15 في المائة من استثمار رأس المال المغامر في العالم في مجال الأمن السيبراني قد شجع على إعادة تقديم إسرائيل “كدولة ناشئة” يمكن أن تحقق نجاحا في “الاقتصاد الرقمي” العالمي المزدهر.

كل ذلك حدث في سياق تعاظم التعاون الأمريكي الإسرائيلي العسكري. تم تصميم المساعدات العسكرية الأمريكية للحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل (QME)، على منافسيها الإقليميين، ومنذ عام 2008، لا يمكن الاتفاق على بيع الأسلحة الأمريكية لبلدان أخرى في المنطقة ما لم تثبت الحكومة أنها لن تؤثر سلباً على إسرائيل. وكما يوضح الجدول التالي، فإن القيمة الإجمالية للمنح الضخمة طويلة الأجل التي تمثلها مذكرات التفاهم المتعاقبة ترتفع باطراد بغض النظر عن من يحكم في البيت الأبيض سواء كانوا الديمقراطيين أم الجمهوريين. وقد تم تقديم جزء كبير من هذه المساعدات العسكرية في شكل اتفاقيات إنتاج مشترك، مثل صفقة 2014 التي اتفقت فيها المنتجون الأمريكيون والصناعات العسكرية الإسرائيلية على العمل معاً لتطوير نظام الدفاع الصاروخي للقبة الحديدية.

في الوقت نفسه، استبدلت سياسات الهجرة العمالية الجديدة المعمول بها منذ أوائل التسعينات، في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، عمال اليومية الفلسطينيين من الأراضي المحتلة بعمال أجانب من البلدان النامية في قطاعات مثل الزراعة والبناء وخدمات الرعاية. وخلال التسعينات، تجاوز عدد العمال غير الفلسطينيين غير المواطنين العدد الإجمالي للفلسطينيين الذين عملوا في إسرائيل منذ نشأتها. وفي الوقت نفسه، فإن “عملية السلام” في أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات، خلقت جهازًا جديدًا من المسئولين الفلسطينيين يتعاون بشكل مباشر مع الدولة الإسرائيلية، وتواطأ على  إنشاء كيان فلسطيني متقلص، تهيمن عليه كليًا إسرائيل اقتصاديًا وعسكريًا.

اكتسبت سياسة الولايات المتحدة لزيادة الدعم العسكري لإسرائيل زخما لعدة عقود. حتى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الأصل تم تمريره من قبل الكونجرس الأمريكي الذي كان يهيمن عليه الجمهوريون في عام 1995، على الرغم من أن كلينتون وخلفاؤه وقعوا قرارات متتالية تؤخر تنفيذ القانون لمدة ستة أشهر. لقد جعل صعود ترامب عدة تيارات أقرب إلى المواءمة من قبل، مما أدى إلى تكثيف الضغوط على الفلسطينيين للاستسلام. أول هذه التيارات هو زواج المصلحة غير المقدس بين الإنجيليين الأمريكيين واليمين الصهيوني، حتى أن ترامب وبنيامين نتنياهو قد تشاركوا في نفس الراعي السياسي: الملياردير شيلدون أديلسون. ترامب والمستشارون الذين يديرون حالياً سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (صهر الرئيس جاريد كوشنر، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة نيكي هالي،  ومحاميه جايسون جرينبلات الذي يعمل الآن مستشارا للشأن الإسرائيلي) قاموا بالدفع بسياسات تلقى استحسانا كبيرا لدي اليمين الإسرائيلي، بما في ذلك تخفيض التمويل الأمريكي للأونروا، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة التي تقدم خدمات التعليم والصحة لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في جميع أنحاء المنطقة.

يجب النظر إلى ادعاءات ترامب بأنه قادر على تأمين إتمام الصفقة النهائية التي سينتهي بموجبها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في هذا السياق الأوسع. فيمكن قراءة افتتاح السفارة الجديدة والهجوم على تمويل الأونروا باعتبارهما تحركات استباقية للتعامل مع قضيتين مقلقتين متعلقتين “بالوضع النهائي” والتي يبدو أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة تريد حسمهما لصالح إسرائيل و بقبول المملكة العربية السعودية والخليج، وهما: مسألة السيادة على القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. تتضمن آليات تحقيق ذلك على المدى القصير كلا من العصي والجزر، أو بالأحرى إطلاق الذخيرة الحية على حشود من المتظاهرين الفلسطينيين غير المسلحين وإطلاق صواريخ ضد أهداف إيرانية مزعومة في سوريا من جهة، والتلويح لأولئك في فتح ممن هم على استعداد للمشاركة في هذه الخطة بأنهم سيحصلون على جزء من أرباح إعادة إعمار غزة المدمرة.

الاجتماعات في بروكسل في وقت سابق من هذا العام توضح أيضا الطريقة التي تستخدم فيها مياه الشرب والكهرباء لسكان غزة كورقة مساومة في هذه العملية. ممثلو إسرائيل قدموا خطة بقيمة مليار دولار لإعادة إعمار غزة، تشمل محطات تحلية، وبنية تحتية جديدة للكهرباء، وخط أنابيب غاز وتطوير المنطقة الصناعية عند معبر إيريز. الشرط المسبق لإنهاء الحصار وبداية إعادة البناء هو إزالة حماس من السلطة وإعادة فرض سيطرة السلطة الفلسطينية على غزة، وهي عملية ارتفعت وتيرتها منذ أن أدى الحصار الذي تقوده السعودية على قطر (والذي بدأ في يونيو 2017) إلى زيادة عزلة الحركة الإسلامية وقلة حلفائها على المستوى الإقليمي.

إيران: إعادة إحياء قوة إقليمية؟

لطالما كانت إيران لاعباً مهماً في الاقتصاد السياسي للمنطقة فاكتشاف النفط هناك عام 1908 هو الذي أشعل السباق بين القوى الاستعمارية الأوروبية على احتياطيات النفط في الشرق الأوسط، مع قيام بريطانيا بدور رائد في وضع يدها على حقول النفط الإيرانية. ومع ذلك، لعبت الزراعة، على عكس منطقة الخليج، ومن خلال إنتاج محاصيل للتصدير مثل القطن، دورا حاسما في دمج إيران في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. مع نضوج الرأسمالية على نطاق عالمي، بات واضحا أن إيران تمتلك العديد من العناصر التي يمكن أن تدفع اقتصادها إلى المرحلة التالية من التطور. وفي عام، 1970 ومن خلال استخدام إجمالي الناتج المحلي ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للقياس والمقارنة، كان من الصعب التنبؤ بالمكان الذي ستصل له إيران، أو جارتها تركيا، أو كوريا الجنوبية، وهي دولة بها عدد سكان مماثل وكانت في مرحلة مماثلة نسبيا من التنمية الاقتصادية، في التصنيف العالمي.

وفقا لروايات صانعي السياسة الغربيين والأوساط الأكاديمية السائدة، فإن فشل إيران في أن تحذ حذو كوريا الجنوبية يرجع إلى الإطاحة بالنظام الملكي في ثورة 1979، والتحول الذي تبعه نحو سياسات رأسمالية الدولة (في تحدي واضح للتوجه العالمي نحو اللبرالية الجديدة). ومع ذلك، فقد كان النضال من أجل البقاء، وليس الإيمان الأيديولوجي، هو الذي دفع قيادة الجمهورية الإسلامية في طريق الحكم الشمولي نسبيا القائم على النمو الرأسمالي للدولة في الثمانينيات، حيث سعت الولايات المتحدة لتبديل الهزيمة التي لحقت بها على يد ثورة شعبية عن طريق التدخل لدعم العراق ضد إيران في الحرب بين 1980 و 1988. وبالنظر من خلال العدسة المجردة نسبيا لبيانات الناتج المحلي الإجمالي في الشكل السابق، يمكن ملاحظة أن اللحظة التي تحول فيها مسار الاقتصاد الإيراني بشكل واضح كانت عام 1986، وفي العام التالي بدأ تفوق الناتج المحلي الإجمالي الكوري والناتج المحلي الإجمالي للفرد على مثيله في إيران لأول مرة.

منذ منتصف الثمانينيات، شهد الاقتصاد الإيراني انتعاشًا بطيئًا عبر مراحل مختلفة من سياسة الدولة التي توجهها البورجوازية الجديدة التي نمت في فترة التوتر والحكم الأوتوقراطي الذي كان مصحوبا بحصار نسبي بفعل الحرب العراقية والإيرانية والعداء الأمريكي. وكما لاحظ بيمان جعفري، تظل فترة ما بعد الثورة مهمة بشكل حاسم في تشكيل الرأسمالية الإيرانية اليوم. فقد خلق اقتصاد الحرب الرأسمالي للدولة في تلك الحقبة ما يعرف بـ”البونياد”، وهي “المؤسسات” الحكومية الهائلة التي نظّمت توزيع الموارد والخدمات المقدمة إلى فقراء المناطق الحضرية والريفية، مما يساعد على بناء قاعدة اجتماعية للنظام الجديد بالإضافة إلى المساهمة في التعبئة الأيديولوجية اللازمة للجهود الحربية.

لم تقلل الفترات اللاحقة للإصلاح النيوليبرالي من أهمية البونياد في الاقتصاد، ولا للدولة. وبدلاً من ذلك، تم دمجها في شكل هجين من “النيوليبرالية القائمة بالفعل” التي تجمع بين سمات الليبرالية الجديدة ورأسمالية الدولة. ويتميز مسار التنمية الاقتصادية الإيراني طويل المدى بالتناقضات الكامنة بين القوة الاقتصادية المحتملة وبين الواقع الجيوسياسي لعزلة وهشاشة الطبقة الإيرانية الحاكمة. مرارا وتكرارا على مدى الأربعين عاما الماضية، تم تذكير حكام إيران بذلك التناقض من خلال الصدمات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل الاقتصاد بشكل مؤقت. وكان أحدث هذه الصدمات التراجع السريع للنمو الاقتصادي  القوي الذي شهدته البلاد في العقد الأول من الألفية الجديدة والذي جاء نتيجة فرض العقوبات في 2011. وقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير لأن إيران فقدت الأسواق أوروبية التي كانت تصدر لها منتجاتها.

ومع ذلك، فإن الطبقة الحاكمة في إيران كانت أيضاً المستفيد غير المقصود من نجاح وفشل سياسة الولايات المتحدة في العراق. فهزيمة صدام حسين عسكريا عام 1991، والعقوبات التي تلتها، وأخيرا الإطاحة بنظامه من قبل القوات الأمريكية في عام 2003، أزال التهديد الذي يمثله ذلك الجار العدواني على إيران. واستفاد النظام الإيراني كذلك من العلاقات طويلة الأمد مع جماعات المعارضة الإسلامية الشيعية العراقية السابقة مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والذي انتهى به المطاف مسيطرا على النظام السياسي الطائفي الذي احتضنته الولايات المتحدة. وقد تسببت هذه العوامل في نمو النفوذ الإيراني داخل العراق في أواخر العقد الثاني من القرن، كما أن إخفاقات الولايات المتحدة في ساحة المعركة فتحت الباب أمام توسع النفوذ العسكري الإيراني. فقد أدت “الزيادة الكبيرة” في عدد القوات في 2006 حتى 2008 (وهي الفترة التي أعادت فيها الولايات المتحدة احتلال البلاد بشكل فعلي) إلى تمهيد الطريق لخسارة الموصل الكارثية، وجزء كبير من شمال غرب العراق لصالح داعش في عام 2014. وطوال هذه الفترة كان النفوذ الإيراني في العراق يعتمد على تطوير مختلف القوى شبه العسكرية المرتبطة بالأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية.

اتبعت الطبقة الحاكمة الأمريكية أساليب متفاوتة في التعامل مع إيران (وإن كان ذلك في إطار عام من العداء والشك). كان الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني الذي أنجزه باراك أوباما في عام 2015 قد استند إلى افتراض أن الولايات المتحدة يمكن أن توجد هدفا مشتركا مفهوم ضمنا مع عناصر في الطبقة الحاكمة الإيرانية، مما يوفر لهم في النهاية طريقًا للعودة إلى السوق العالمية بمباركة الولايات المتحدة (وبالطبع بشروط الولايات المتحدة). أما انسحاب ترامب المفاجئ من الاتفاق فيرتكز على “الرهان الخطير” (كما وصفته صحيفة نيويورك تايمز) أن الطبقة الحاكمة في إيران لن تمتلك القوة الاقتصادية والإرادة السياسية اللازمة للمضي في تطوير الأسلحة النووية (وإذا حدث ذلك، فإن القدرات العسكرية للولايات المتحدة نفسها وحلفائها الإقليميين، إسرائيل والسعودية، ستكون كافية لتحييد التهديد الإيراني).

معجزة تركيا الاقتصادية ومأزقها الجيوسياسي

على مدار العقود الثلاثة الماضية ظهر الاقتصاد التركي كأكبر اقتصاد في المنطقة متفوقا حتى على المملكة السعودية بمسافة واضحة منذ عام 2000 وعلى الرغم من اضطرارها إلى استيراد 90 بالمائة من استهلاكها من النفط والغاز. وجاء هذا النمو الاقتصادي مدفوعا بالتوسع في الصناعة، وقد استفاد منه المنتجون الصناعيون الأصغر حجما وخاصة الموجودين في الأقاليم بدلا من قطاع  “الأعمال الكبيرة” التقليدي في أنقرة واسطنبول. ويعتبر التوسع في رأس المال الصناعي الصغير والمتوسط في الأقاليم أحد العوامل التي تفسر قدرة حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة رجب طيب أردوغان على تحمل ضغوط قطاعات من الدولة التركية والشركات الكبيرة التي تعترض على السياسة الإسلامية للحزب والتى تحركت باستمرار للحد من وصول أولئك الذين لديهم نظرة إسلامية أممية إلى مقاليد السلطة.

من المرجح أن يكون النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات خلال العقد الأول من القرن الحالي مرتبطا بالنمو الاقتصادي القوي لتركيا حيث انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر من 28.8٪ في عام 2003 إلى 1.6٪ في عام 2014. وتخفى هذه الإحصاءات استمرار عدم وجود عدالة اجتماعية ومشكلات انخفاض الإنتاجية في قطاعات التصنيع “غير الرسمية”، لكن فكرة أن حكومة إسلامية حققت “الرخاء” لقسم واسع نسبيًا من السكان تساعد في تفسير كيف أن القاعدة الاجتماعية المتناقضة بشدة لحزب العدالة والتنمية قد ساهمت في خلق تلاحم بين الطبقة العاملة والقطاعات الفقيرة من جانب وقطاع من رأس المال التركي الأكثر حزماً وثراءً والمنظم من خلال جمعية الصناعيين المستقلين ورجال الأعمال.

لا يزال مصير “المعجزة الاقتصادية” التركية في العقد والنصف الماضيين مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بديناميات التنافس الجيوسياسي. إن موقع تركيا كبوابة للنفط في شمال العراق إلى العالم يعني أن الطبقة الحاكمة في البلاد لديها الكثير الذي يمكن أن تخسره في مسألة من يحكم كركوك والموصل (وقد أصبحت كلتا المدينتين أسواق تصدير مهمة للسلع التركية). وترتبط الحدود الشرقية لتركيا أيضًا مع إيران، التي أصبحت العام الماضي أكبر مورد للنفط الخام إلى تركيا متجاوزة بذلك العراق.

لطالما كان قمع الأكراد على الجانب التركي من الحدود عاملاً معقدًا في علاقات تركيا مع العراق. خلال العقد الأول من القرن الحالي، دخلت الطبقة الحاكمة التركية عملية سلام طويلة تهدف إلى إنهاء التمرد الذي يقوده حزب العمال الكردستاني (PKK) داخل تركيا، بينما في الوقت نفسه تقيد قدرة حزب العمال الكردستاني على استخدام الدول المجاورة إما كظهير عسكري أو كمصدر للدعم الدبلوماسي والسياسي. كان هذا أحد الأسباب وراء علاقة الحكومة التركية القوية بنظام بشار الأسد في سوريا (كان فتح الأسواق السورية للصادرات التركية سببا آخر)، والعلاقات الودية المذهلة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان في أربيل (يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لم يكن صديقا لحزب العمال الكردستاني).

أدى غرق سوريا في نزاع متعدد الأطراف، بعد أن خرج الهجوم العسكري من قبل نظام الأسد ضد الانتفاضة الشعبية في عام 2011 عن السيطرة، إلى تغيير جذري في المشهد الجيوسياسي على الحدود الجنوبية والشرقية لتركيا. لقد تحملت تركيا عبء 56٪ من اللاجئين السوريين الذين فروا من البلاد، وتحول نظام الأسد من صديق إلى عدو بين ليلة وضحاها، وظهر كيان كردي جديد في المنطقة ما بين تركيا وسوريا، والقوات العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) (المتحالف مع حزب العمال الكردستاني، على عكس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق) بدأت تلعب دورا حاسما كقوات برية للولايات المتحدة في معركتها لتدمير داعش. كل هذه التطورات كانت سببا وراء التخلي المفاجئ للحكومة التركية عن عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني واستئناف الحرب في المقاطعات الشرقية. وغزت القوات التركية في الآونة الأخيرة عفرين في شمال سوريا، مما دفع الآلاف من السكان الأكراد إلى الهرب في محاولة لمنع المدينة من الاتصال بالمدن الأخرى التي تشكل منطقة روج آفا.

سوريا: من حرب أهلية إلى حرب إقليمية

أكثر الساحات التي تتقاطع فيها ديناميكيات التنافس بين القوى العالمية والإقليمية في الوقت الراهن بشكل مخيف هي سوريا. فالقوى العسكرية المتنافسة على كل “مستوى” من مستويات النظام العالمي نشطة حاليا في صراعات متعددة هناك. تشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بنشر ألفي جندي على الأراضي السورية منذ عام 2015 تخطط لأن يكون لها “تواجد عسكري مفتوح المدى في سوريا”، كما أن القوات البحرية والسفن الحربية الأمريكية والبريطانية والفرنسية تقصف أهدافًا في سوريا من وقت لآخر. من المعروف بشكل عام أن القوات الجوية الروسية غيرت التوازن العسكري في الحرب لصالح نظام الأسد، وأنشأت روسيا قاعدة جوية في حميم كما جددت اتفاقات طويلة المدى بشأن استخدام منشآتها العسكرية الموجودة في طرطوس.

القوى الإقليمية أيضا نشطة للغاية في مواجهات مختلفة داخل سوريا، فإيران تدعم بشار الأسد مرسخة وجودها العسكري على الأرض وداعمة حليفها حزب الله اللبناني. وبعد احتلال عفرين ردت الحكومة التركية بغضب على إعلان الولايات المتحدة، حليفها في الناتو، عن خطط لتدريب “قوة حدودية” مدعومة من قبل القوات الديمقراطية السورية ذات القيادات الكردية. وأخيراً، هناك جهات عسكرية متعددة ومتنافسة على المستوى المحلي، والتي يمكن وصفها بأنها “كردية” أو “جهادية سنية” أو “معارضة” أو “مؤيدة للحكومة” (بما في ذلك وحدات الجيش النظامية والمنظمات شبه العسكرية)، في محاولة يائسة لفهم موزاييك التحالفات المتبدلة دوما وخطوط التماس المتغيرة باستمرار.

هناك العديد من الأسباب التي جعلت الحرب التي شنها الأسد ضد الانتفاضة الشعبية عام 2011 تتحول إلى صراع لم يمزق سوريا فحسب، بل أرسل أيضاً ارتدادات صادمة عبر الأنظمة الإمبريالية الإقليمية والعالمية. لا توجد مساحة هنا لبحث هذه الديناميكيات كما ينبغي، ولكن يمكننا على الأقل أن نرسم الخطوط العريضة لثلاثة عوامل تظهر جليا في هذه العملية المتشابكة. أحد هذه العوامل هو تأثير الكارثة التي حلت بالعراق الدولة المجاورة. هناك العديد من الطرق التي أثرت بها الدورات المتتالية في العراق من الحروب، فالحصار، فالغزو، فالاحتلال، فالتمرد، فالصراع الطائفي، على سوريا، بما في ذلك تفتيت سلطة الدولة على حدودها المشتركة والتحركات الجماعية للاجئين من العراق إلى سوريا، وتدخل المنظمات المسلحة العراقية في الصراعات في سوريا (بما في ذلك ليس الجماعات السنية مثل داعش فحسب، بل أيضاً المليشيات الشيعية الطائفية التي جندها نظام الأسد). أدى انهيار سلطة الحكومة العراقية في المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال إلى ظهور دويلة كردية مستقلة بحكم الأمر الواقع، مما أدى إلى تسريع الدفع باتجاه الحكم الذاتي الإقليمي في المناطق الكردية في سوريا.

هذه العوامل تفاعلت مع الاستراتيجية المضادة للثورة التي اتبعها نظام الأسد. وكما قيل بمزيد من التفصيل في مواضع أخرى، فإن قرار الأسد التعامل مع المناطق التي تمردت عليه في عام 2011 كـ “أرض معادية” وتعرضها للقصف الجوي والحصار، كان له عواقب وخيمة.

كانت استراتيجية بقاء النظام قائمة أيضاً على قدرته على استخدام الطائفية كسلاح – من خلال طرح نفسه كحامي للأقليات ضد الجهادية السنية، بينما يقوم بتعبئة حلفائه على أساس طائفي وتنفيذ أو السماح لهم بارتكاب الجرائم الطائفية الوحشية المحسوبة لكسر حالة التناغم والوحدة المتجاوزة للطائفية والتى كانت  واجهة الأيام الأولى للانتفاضة.

لأن الانتقال لم يكن واضحا على ما يبدو من انتفاضة إلى تمرد مسلح، وفي نهاية المطاف حرب أهلية، غالباً ما يُنسى أن الهيمنة العسكرية للقوات الجهادية السنية على الجانب المناهض للحكومة كانت نتيجة هزيمة حركة الاحتجاج الشعبية على دمار عام 2011، كما أن صعود داعش واستيلائها على الرقة والموصل جاء فيما بعد ووصل ذروته عام 2014- 2015. عجز قادة تنظيم داعش عن الاحتفاظ بمكاسبهم العسكرية، والذي كان في جزء منه بسبب أن تشددهم أيديولوجيا وقف في طريق الجوانب الأكثر عملية في بناء الدولة، فتح أيضاً الباب أمام مرحلة جديدة في دورة حرب لا نهاية لها فيما يبدو (على الرغم من أنه من المبكر اعتبار أن داعش كقوة عسكرية قد انتهت، كما حذر باتريك كوكبورن مؤخرا في مقال بالنيويورك تايمز). علاوة على ذلك، مع استمرار نظام الأسد في القضاء البطيء والقاسي في نفس الوقت الأقاليم الرئيسية المتبقية تحت سيطرة المعارضة، أصبحت هوية الفائزين والخاسرين المحتملين على المستوى الإقليمي أكثر وضوحاً.

وبعيدا عن السحابة المعتمة من الاتهامات المتبادلة، من الواضح أن نفوذ إيران العسكري والسياسي قد توسع بشكل كبير في العراق وسوريا. لعب حزب الله، حليف إيران، دوراً عسكرياً رئيسياً في دعم هجمات الأسد ضد قوات المعارضة، وقامت مجموعات مسلحة شيعية تدعمها إيران بالتحرك نيابة عن نظام الأسد. ويقال إن التأثير الإيراني “متجذر” بعمق في الدولة السورية، من خلال دور المستشارين الذين أقاموا قوات شبه عسكرية قوية مؤيدة للحكومة. ويأمل قطاع من الرأس مالية الإيرانية الأكثر ارتباطًا بمؤسسات الدولة في طهران، مثل الحرس الثوري، الذي يقود سياسة التدخل في العراق وسوريا، في الاستفادة من إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب.

إن احتمال أن تعزز نتائج الحرب الأهلية السورية من مكانة إيران في النظام الامبريالي الفرعي الإقليمي هو سبب رئيسي وراء انسحاب ترامب من الاتفاق  النووي الأمريكي الإيراني. فإسرائيل تدير هجوما عسكريا ودبلوماسيا من خلال ضربات صاروخية متكررة على “قواعد إيرانية” مزعومة داخل سوريا بالتزامن مع تصعيد للدعاية الرسمية التي تسلط الضوء على طموحات النظام الإيراني في الهيمنة الإقليمية ورعاية “الإرهاب”. وقد تزعم نتنياهو المهمة عندما عقد مؤتمرا صحفيا يكشف معلومات “سرية” حول انتهاك إيران المزعوم لشروط الصفقة مطالبا ترامب بقوة بالانسحاب منها. انضم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى جوقة إدانة إيران موجها نفس الاتهامات للجمهورية الإسلامية.

ومع كل ما سبق من المهم ألا نبالغ في تقييمنا لعودة إيران، فقد كان تدخل فلاديمير بوتين هو الذي غير المسار العسكري للحرب بشكل حاسم، حيث كانت روسيا مدفوعة بمنطق المنافسة الإمبريالية مع الولايات المتحدة للدفاع عن حليف حالي متمثل في نظام الأسد، واغتنام الفرصة لفتح مساحة جديدة للتدخل العسكري والدبلوماسي الروسي. علاوة على ذلك، سيكون من الخطأ الافتراض أنه على الرغم من حرص إيران وروسيا المشترك على ضمان بقاء نظام الأسد، إن الضغوط عليهما فيما يتعلق بسوريا متطابقة. قد تكون الهجمات الصاروخية الإسرائيلية الأخيرة محاولة لإرسال إشارة إلى أنه في مقابل كبح وتحجيم الوجود الإيراني في سوريا، سيكون أمام روسيا فرصة للحفاظ على “إنجازاتها” التي يمكن أن تتعرض للخطر إذا ما اشتعلت الأمور على الأرض بين إسرائيل وإيران.

الواقع أن الإحياء المتواضع لفرص إيران الجيوسياسية بفضل الحسابات الخاطئة الكارثية من قبل الولايات المتحدة، يجب أن يتم وضعه في السياق الأوسع لنظام إمبريالي فرعي تتقارب فيه إسرائيل والمملكة العربية السعودية أكثر مما كانا في الماضي. وبنفس الدرجة من الأهمية يجب أن نضع في اعتبارنا الطرق التي تتأثر بها ديناميات التنافس الامبريالي الفرعي بالتنافس بين القوى الإمبريالية الكبرى. وكما عرض هذا المقال فإن أدوار كل من السعودية وإسرائيل كقوى إمبريالية فرعية مرتبطة أو متوافقة مع الدعم العسكري والاقتصادي المستمر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حتى لو كانت طبيعة العلاقة بينهما وبين أمريكا قد تغيرت.

لا تزال الطائرات الحربية الأمريكية وحاملات الطائرات هي الضامن النهائي لبقاء آل سعود في عام 2018، تماماً كما كانت في عام 1990. ومع ذلك، فإن المغامرة العسكرية لمحمد بن سلمان في اليمن إلى جانب الدور المحوري الذي لعبته الطبقة الحاكمة السعودية في الثورة المضادة في مصر، يشيران إلى أن حكام المملكة العربية السعودية لم يعودوا مقتنعين ببساطة بترك صنع القرار العسكري للآخرين، لكنهم يحاولون التدخل في المشهد برعونة ودون الرجوع لأحد.

وهكذا، فإن التراجع النسبي للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط في أعقاب معاناتها الطويلة في العراق، لم يؤد، بشكل تلقائي، إلى تباطؤ المنافسة الإمبريالية، بل العكس حيث توسعت أطماع القوى الإقليمية (إيران والمملكة العربية السعودية وإسرائيل وتركيا) والقوى الكبرى المنافسة (روسيا) لملء الفراغ. ومن المهم هنا أن نتذكر، إذا ما كان هناك مجال للنسيان، إن الإمبريالية لا ترتبط بأي دولة أو مجموعة معينة من الدول ولكنها متجذرة بعمق في عملية تراكم رأس المال، ولن يتم القضاء عليها في نهاية المطاف إلا بنهاية الرأسمالية نفسها. وأمام الدمار الاجتماعي الذي شهدته سوريا والعراق، أو الاحتمال المرعب للحرب بين الدول المسلحة نووياً، يمكن أن يشعر المرء وكأن التاريخ جعله يتحكم فيها القوي بالكامل، ولكن موجات الإضرابات الأخيرة في إيران، والاحتجاجات التي شهدتها مصر بسبب رفع أسعار المواصلات العامة، والتحركات الجماهيرية المتجاوزة للانقسام الطائفي في العراق ضد الفساد، والمظاهرات الضخمة في الأردن ضد السياسات التقشفية المدعومة من قبل صندوق النقد الدولي، كلها يجب أن تذكرنا أن حكام الشرق الأوسط يتجاهلون أسئلة طبقية تحمل في طياتها هلاكهم.

ولا تزال مسألة كيفية الربط بين المقاومة المناهضة للإمبريالية والمناهضة للرأسمالية من الداخل ومن أسفل في الشرق الأوسط، رغم الهزائم والنكسات منذ عام 2011، قضية حاسمة بالنسبة للاشتراكيين الثوريين.

__________________________________________________

نشر المقال في دورية International Socialism Journal

http://isj.org.uk/contemporary-dynamics-of-imperialism/

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد