كيف تتجسس إسرائيل على مواطنين أمريكيين

قراءات, قضايا

29  أغسطس  2018

الفيلم الوثائقي الذي أنتجته قناة الجزيرة حول اللوبي الإسرائيلي في أمريكا ثم امتنعت عن بثّه يفضح احتمالات التجسس الإسرائيل غير القانوني على مواطنين أمريكيين، كما يكشف خوف اللوبي من تغير الأجواء السياسية حياله

ظهر الشاب على الشاشة بمظهر “الجنتلمان” المثالي. سحنته توحي بعفوية طالب جامعي، إلا أن طوني كلاينفيلد، البريطاني اليهودي، الكامل الأوصاف للوهلة الأولى، المُجاز من جامعة أوكسفورد المهيبة، المتحدث بست لغات منها الهولندي واليديش، والمتمرس بشؤون النزاعات في الشرق الأوسط، كان يمكنه بكل سهولة أن يجد عملاً في أحد مكاتب وزارة الخارجية في أي بلد غربي، أو في أي مركز للبحوث.

ولكن لديه مشاريع أخرى، كَأَنْ يتطوع في إحدى المنظمات الموالية لإسرائيل. ولقد تم توظيفه في “المشروع الإسرائيلي” وهي رابطة تُعنى بتلميع صورة إسرائيل في وسائل الإعلام. ولقد استُقبل بترحاب شديد، لما لديه من مؤهلات، وعاشر طوال خمسة أشهر نخبة المسؤولين من كافة الرابطات المنضوية تحت لواء الدفاع المطلق عن إسرائيل ولا سيما منها اللوبي الإسرائيلي الجبار في الولايات المتحدة الأمريكية (الأيباك). فلقد خالطهم في الحفلات الرسمية والمؤتمرات والمحاضرات والمنتديات ودورات التدريب للنشطاء، وارتبط بصداقات مع عدد منهم. ولقد اكتسب بفضل لباقته ودفء تعامله وفعاليته ثقة كل من حاورهم، فتحدثوا معه بصدر مفتوح، تاركين جانباً اللغة الرسمية الجامدة وما تُمليه عليهم التوجيهات. ويمكن اعتبار ما أباحوا به من حقائق بمثابة المواد المتفجرة.

كيف يتم التأثير على الكونغريس الأمريكي؟ “أعضاء الكونغريس لا يفعلون أي شيء إن لم يتم الضغط عليهم، والسبيل الوحيد لذلك هو المال”. كيف تتم محاربة المناضلين لصالح فلسطين في حرم الجامعات؟ “أكثر الأساليب فعالية مع من يعادي إسرائيل هو التحري عن أحوالهم الشخصية وبث أخبارهم على موقع إنترنت مجهول الهوية، وبعد ذلك تناقل أخبارهم هذه على صفحات الفيسبوك.”

ويتحدث هؤلاء الأشخاص بكل سذاجة مع طوني كونهم يتصورونه صديقاً أميناَ، ويعترفون بأنهم يقومون بالتجسس على مواطنين أمريكيين بمساعدة وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، التي أنشئت عام 2006، ووضعت مباشرة تحت سلطة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو. وتبوح إحدى المسؤولات فيها لطوني كلاينفيلد: “نحن حكومة تعمل على أرضٍ أجنبية، وعلينا أن نتحلى بأعلى درجات الحيطة والحذر.” وعليهم فعلاً التحلي بالحذر إذ أن بعض أعمالهم تقع تحت طائلة القوانين الأميركية.

وفي نهاية فترة تدريب طوني في رابطة “المشروع الإسرائيلي” كان رئيسه إيريك غالاغير مسروراً للغاية من عمله لدرجة أنه عرض عليه وظيفة دائمة. “أمنيتي أن تأتي للعمل معي. فأنا أبحث عن شخص لديه روح العمل الجماعي، نشيط في عمله، شغوف بمهمته، محب للمعرفة، جيد التكوين، لبق الحديث، كثير المطالعة. وأنت تجمع بين كل هذه الصفات”. إلا ان طوني قابل هذا العرض بالرفض كما هو معلوم فهو ليس تماماً الشخص الذي يدعيه حتى لو كانت شهاداته ومؤهلاته غير قابلة للتشكيك: فهو “مُنْدس” من طرف قناة الجزيرة، بهدف إعداد فيلم وثائقي عن اللوبي الإسرائيلي. ولقد سجل عدداً من المحادثات بواسطة كاميرا خفية، وكان قد جمع، بالتعاون مع أعضاء آخرين من الفريق الذي يرأسه فيل ريس، داخل القسم المختص بالتحري والاستقصاء في القناة، كل المكونات المطلوبة لإنتاج تحقيق باهر. وما كان يزيد من الطابع المشوّق لهذا التحقيق ما سبقه من ريبورتاج بثته القناة عن اللوبي الإسرائيلي في المملكة المتحدة، كَشَف تمادي إسرائيل في التدخل بالشؤون الداخلية لبلد آخر بل ومحاولاتها إسقاط وزير بريطاني اعتبرته متعاطفاً مع الفلسطينيين، مما أدى وقتها الى اعتذار علني من السفير الإسرائيلي في لندن والى العودة السريعة لأحد الدبلوماسيين رفيعي المستوى الى تل أبيب.

شراء المشروع

وبالتالي كان من المتوقع أن نعيش حدثاً إعلامياً خطيراً، وإنكاراً ساخطاً، وسجالاً عنيفاً. إلا أن شيئاً من ذلك كله لم يحدث. فلقد تم تأجيل البث الذي كان منتظراً مطلع عام 2018 الى أجل غير مسمى، وذلك دون أي تعليل رسمي. وتبين من أخبار وردت في الصحافة اليهودية الأمريكية قبل أي مصدر آخر أن بث البرنامج لن يحدث إطلاقاً، الأمر الذي أكده فيما بعد كلايتون سويشر، مدير القسم المختص بالتحري والاستقصاء في القناة، وذلك في مقال أعرب فيه عن أسفه لتجميد الشريط. ثم أعلنت القناة أن سويشر سيكون في إجازة لمدة طويلة من عمله. هكذا تمت التضحية بالتحقيق في المعركة الطاحنة الدائرة بين قطر من ناحية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من ناحية أخرى، من أجل كسب ود واشنطن في النزاع الدائر بين الفريقين. وأي سبيل أفضل لبلوغ الهدف المنشود من خطب ودّ اللوبي الإسرائيلي الجبار المعروف بتأثيره على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط؟

ومن أجل ترجيح كفة الميزان قررت قطر تأجيل البث المبرمج، مقابل توقف الجناح الأيمن للوبي الصهيوني عن التحريض على قطر داخل الإدارة الأميركية. ولقد قام مورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية الأميركية، والمقرب من ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس دونالد ترامب بزيارة الدوحة وتفاخَرَ بالحؤول دون بث الفيلم الوثائقي. هؤلاء الذين كانوا منذ زمن ليس بالبعيد يتهمون قطر بتمويل حركة حماس والإرهاب وافقوا على تغيير موقفهم مقابل تجميد التحقيق مما يدل على مدى الإحراج الذي ينطوي عليه الفيلم الوثائقي بما تضمنه من اعترافات.

ولقد أدى دفن هذا العمل الذي دام أكثر من سنة كاملة الى تململ داخل قناة الجزيرة ولّد الرغبة لدى البعض بعدم ترك هذه الحقائق تضيع في الرمال المتحركة للتسويات الجيوسياسية. هكذا أتيحت لنا الفرصة، بفضل أحد الأصدقاء المقيمين في الخليج، لمشاهدة الحلقات الأربع ومدة كل منها خمسون دقيقة، في شكلها شبه المُنجَز.

والمدهش في هذه الحلقات التي رأيناها هي حالة التوتر السائدة في أوساط اللوبي منذ بضع سنوات، حالة الخوف الدفين من فقدان اللوبي لنفوذه. كيف يمكن تفسير ذلك في حين كانت المساندة لإسرائيل مكثفة في الولايات المتحدة الأميركية وفي حين نرى نواب كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري يؤيدون أي مغامرة يمكن أن تقوم بها إسرائيل. أَوَلَم يجعل انتخاب دونالد ترامب العاصمة الأمريكية تتخلى عن أي محاولة للعب دور الوسيط في النزاع الإسرائيلي العربي بل ولا تتورع عن الاصطفاف بكل بساطة الى جانب الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل؟ ولكن بالرغم من هذا المشهد الملائم في الظاهر، إلا أن ثمة هاجس يطارد اللوبي تحت شعار “بي دي إس” الذي يحمل الأحرف الأولى باللغة الإنكليزية للكلمات الثلاث التالية: مقاطعة، سحب الاستثمارات، عقوبات.

هذا التحرك انطلق عام 2005 وأخد بتطبيق المنهج نفسه الذي أثبت فعاليته ضد نظام الفصل العنصري في أفريقيا الجنوبية على إسرائيل. ولقد ازدهر هذا التحرك في الجامعات الأميركية ولكن هل يتوجب فعلاً التخوف من ذلك، يسأل ديفيد بروغ، مدير الشؤون الاستراتيجية في رابطة “مسيحيون متوحدون من أجل إسرائيل”، ومدير “الماكابي تاسك فورس” فيقول لنا: “إسرائيل هي النموذج الأمثل للدولة الشبيهة بالشركة الناشئة الواعدة، فهي تستقبل من الاستثمارات الأجنبية أكثر من أي وقت مضى في تاريخها. إذاً لماذا لا نهدأ وندرك أن حملة المقاطعة لا تعني أي شيء ونتجاهلها؟” ويؤكد ديفيد بروغ بإصرار: “لا أعتقد أن هدف حملة المقاطعة كان في أي يوم من الأيام حمل الجامعات على سحب استثماراتها من إسرائيل. لو ركزنا على الجانب المالي لشعرنا بالارتياح، ولكن لو أدركنا مدى الجهود المبذولة لإبعادنا، نحن محبّي إسرائيل، عن الأجيال الصاعدة، لتعين علينا عندئذٍ أن نقلق. فوضعنا سيّء في صفوف الشباب المولودين منذ عام 2000 وطلاب الجامعات. بل ولقد صلنا الى حدٍّ أصبحت معه الغالبية تميل الى الفلسطينيين أكثر منها الى الإسرائيليين.” أما جاكوب بين، المدير التنفيذي ل“ائتلاف إسرائيل في حرم الجامعات”، وهو تجمع لمنظمات توظف أكثر من مائة شخص يعملون على التصدي لحملة المقاطعة في الجامعات، فيعبر من ناحيته عن قلقه:“القاسم المشترك الوحيد بين أعضاء الكونغرس والرؤساء والسفراء بالذات أنهم قد أمضوا جميعاً فترة من حياتهم في الجامعات وتلقوا فيها تكوينهم”. بمعنى آخر هل سيظلون غداً أصدقاء لإسرائيل؟

المشكلة الكبرى

ثمة عامل آخر يثير قلق اللوبي. فلطالما كانت مساندة إسرائيل في الماضي تعلو فوق الخلافات ما بين الديمقراطيين والجمهوريين. أَوَلَم يُقرّ أوباما نفسه وقبل انتهاء ولايته بأشهر قلائل مساعدة غير مشروطة لإسرائيل قدرها 38 مليار دولار لمدة عشر سنوات بالرغم من علاقاته المتردية للغاية مع بنيامين نتانياهو؟ إلا أن المشهد السياسي بات اليوم يشهد تغييراً وباتت قاعدة الولاء المطلق لإسرائيل تقتصر أكثر فأكثر على الحزب الجمهوري واليمين الإنجيلي.

هذا ما يعترف به ديفيد هازوني المدير الأسبق لمجلة “ذي تاور ماغازين” والعضو المؤثر في رابطة ائتلاف إسرائيل في الفيلم الوثائقي:“إن المقاطعة الحالية لإسرائيل ليست المشكلة. المشكلة الكبرى هي الحزب الديمقراطي، أي أنصار بيرني ساندرز، كل هؤلاء الناس المعادين لإسرائيل الذين يستقطبهم في الحزب الديمقراطي. ولن يظل الولاء لإسرائيل مسألة يتوافق بشأنها الحزبان، وهذا معناه أن كل تغيير في رئاسة الجمهورية سوف يؤدي الى احتمال حصول تغيير في السياسة المتبعة حيال اسرائيل. وهذا خطر على إسرائيل، هذا هو الرهان الحقيقي في المعركة” وهو الأمر الذي يؤكده بدوره جون ميرشهايمر، مؤلف كتاب مشهور حول اللوبي، فهو يسجل أن “مساندة إسرائيل تتزايد في الحزب الجمهوري في حين أنها تتقلص في الحزب الديمقراطي.”ثمة فرق جوهري بين الحزبين “.

كيف السبيل إذاً لعودة المياه الى مجاريها بنظر هؤلاء؟ عبر مناظرات سياسية؟ احتمال صعب، حيث أن الطاقم الحاكم في إسرائيل منذ اتفاق أوسلو عام 1993 هو من أحزاب اليمين المتطرف الرافض لأي حل دبلوماسي، فمناقشة مصير الفلسطينيين ومستقبل المستعمرات ومأساة غزة غير وارد أساساً كما أن ولاء اللوبي ل بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب ليس بالأمر المثير للحماس لدى الشباب من الطلاب الأمريكيين. ويلفت الصحفي ماكس بلومانتال الانتباه الى أن تكتيك الصمت هذا يتبعه اللوبي برفضه النقاش بخصوص فيلم الجزيرة الوثائقي: أي الاكتفاء بوصف صحافة التحري بالجاسوسية والنيل من سمعة القناة بوصفها تابعة لمن يملكها: دولة قطر، والتأكيد على أن الموضوع إنما هو تهجّم على “لوبي الطائفة اليهودية” وليس على لوبي مساندة إسرائيل. وبذلك يتفادى النقاش حول ما يكشفه الفيلم من حقائق حول السياسة الإسرائيلية.

ويلخص نووا بولاك، المدير التنفيذي للجنة الطواريء من أجل إسرائيل هذه الأمور بعرضه للحل المقترح في مواجهة الانتقادات:“إذا ما أردتم النيل من الرسالة فعليكم النيل من الرسول. عندما تتطرقون الى حملة مقاطعة إسرائيل المسماة”بي دي إس” عليكم أن تقولوا إنها مجموعة تدعو الى الحقد والبغضاء ومعاداة السامية والعنف ضد المدنيين بمعنى آخر إنها تساند الإرهاب. أما منظمة “أصوات يهودية من أجل السلام” فيفضل تسميتها “أصوات موالية لحركة حماس” ومع ذلك فهو يعلن تفاؤله، فكما يشرح لنا طوني، تبقى غالبية الشعب الأميركي ميالة لإسرائيل، ويرى المتحدث أن الوضع مختلف في “المملكة المتحدة حيث المسألة مجرد كراهية لإسرائيل. لقد تركتم نصف أولئك الباكستانيين الحقيرين (يتلفظ هنا بكلمة نابية) يستقرون في بلادكم.”

وفِي عملية النيل من سمعة من يحمل الرسالة، فلا بد من جمع المعلومات المختلفة حوله، بدءاً بحياته الشخصية ومروراً بانتماءاته السياسية وانتهاءً بنشاطاته المهنية. ولقد أنشأ اللوبي جهاز تجسس في السنوات الأخيرة. يتباهى جاكوب باين المدير التنفيذي للتجمع من أجل إسرائيل في الجامعات، بما يقوم به هذا الجهاز قائلاً: “عملياتنا في التقصي ترتكز الى تقنيات عالية. عندما بدأت العمل منذ سنوات كانت ميزانيتنا تُقدر ببضع آلاف الدولارات، ولقد بلغت الْيَوْمَ مليون ونصف بل وربما مليونين. لست متأكداً من الرقم ولكن لا شك أنها جسيمة”. إلا أنهم حريصون على التكتم. “نقوم بالعمليات على نحو مضمون دون الكشف عن الهوية، فهذا مفتاح النجاح”.

“إن كنت عنصرياً فلا بد أن يعلم بك الجميع”

ومن ضمن المجموعات الأكثر خطورة بنظر المتعاطفين مع فلسطين هي “كناري ميشين” أي بعثة كناري التي يبقى تمويلها وأعضاؤها وطرق عملها سراً كاملاً. وتشرح لنا إحدى الصحفيات المقربات من اللوبي دورها: “إن من يكره هذه المنظمة، أو يكون من ضمن النشطاء المستهدفين، يقول إن لديها قائمة سوداء. إذ أن لديها أسماء طلاب وأساتذة جامعات ومنظمات لهم صلة بالإرهاب، صلة مباشرة أو أنهم دعوا لتدمير الدولة اليهودية”. وموقع المنظمة نفسه يشرح دوره على النحو التالي:“احذروا من راديكاليي الْيَوْمَ فقد يصبحوا بين موظفيكم غداً”، وفوق كل سيرة ذاتية لشخصية مستهدفة تجد العبارة التالية:“إن كنتَ عنصرياً فلا بد أن يعلم الجميع بأمرك”.

ولقد نجح طوني بالتوصل الى معرفة من هو المؤسس والممول لهذه المنظمة، في شخص آدم ميلستاين، رئيس المجلس الأمريكي من أجل إسرائيل المحكوم عليه بتهمة التهرب الضريبي عام 2009 الأمر الذي لم يمنعه من الاستمرار بنشاطاته من داخل زنزانته في السجن. ولقد شرح فلسفته لطوني:“علينا أولاً أن نجري تحقيقات بشأنهم (أي النشطاء المتعاطفين مع فلسطين) فما هو مشروعهم؟ هو التهجم على أتباع الطائفة اليهودية لأن ذلك سهل ويحظى بشعبية. وعلينا أن نكشف لعبتهم، أي كونهم عنصريين، معادين للديمقراطية. علينا أن نضعهم في حالة استنفار”. ويضيف:“هـؤلاء ليسوا معادين للسامية فقط (أي للطائفة كطائفة) هؤلاء أعداء الحريات، أعداء المسيحية، أعداء الديمقراطية”.

ولقد شهد العديد من الطلاب على المخاطر المحدقة بهم. سمر عوّاد ساهمت في حملة لمناصرة حقوق الفلسطينيين في نوكسفيل تينيسي وتحكي كيف تمت مطاردتها على تويتر وكيف وضعوا على الانترنت معلومات خاصة بها تعود الى عشر سنوات خلت: “وما زالوا يُنقِّبون وينقبون. ولقد اتصل أحدهم بصاحب المؤسسة التي أعمل بها وطلب فصلي من عملي، مهدداً إياه إن لم يفعل بالتشهير به على أنه معادٍ للسامية”. قد تُمثل أحياناً عمليات التشهير هذه قتلاً مهنيا،ً أو إن كانت الضحية من الطلاب صعوبةً في أي بحث عن عمل في نهاية الدراسة.. بعض المتهمين أرسلوا بالتالي رسائل ندم وتوبة نُشرت في باب مخصص لها مقابل شطب اسمهم من اللائحة السوداء، بمثابة “اعترافات” يشرحوا فيها كيف تمً التغرير بهم وهي تشبه تلك التي كان يتم انتزاعها في ظل الماكارثية في الولايات المتحدة الأميركية في الخمسينات أو من قِبل الأنظمة الدكتاتورية الحالية. يرحب باين بالأمر قائلاً:“هذه حرب نفسية. جعلناهم في حالة هلع. فإما أن يكمّوا أفواههم أو يُمضوا وقتهم في البحث (عن التهم الموجهة إليهم) بدل مهاجمة إسرائيل. أمر فعال للغاية”. حتى لو أقر أحد المتحدثين الآخرين بشيءٍ من الأسف “بأن الذم والقدح بمعاداة السامية لم يعد له نفس الفعالية.”

ولولا الإمكانيات التي توفرها وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية لما كان بالإمكان شن الحروب الصليبية هذه المرتكزة الى جمع البيانات الشخصية عن المواطنين الأمريكيين، وتعترف مديرتها العامة، سيما فاكنين-جيل بهذا الأمر في إحدى محاضرات المجلس الإسرائيلي الأمريكي:“فيما يتعلق بجمع المعلومات وتحليلها والعمل بشأن المنظمات المناضلة وتقفي أثر التمويل فهذه مهمة لا يستطيع القيام بها على أكمل وجه سوى بلد مُزود بالإمكانيات”. وتضيف:“قرار الحكومة الإسرائيلية أن تكون لاعباً رئيسياً يعني الكثير، فبإمكاننا حشد مهارات غير متوفرة لدى المنظمات غير الحكومية في هذا المجال…نحن الطرف الوحيد في شبكة دعم إسرائيل القادر على سد الثغرات (…) فلدينا الميزانية والقدرة على توفير الكثير من الأمور”. ثم تقول بنبرة التهديد:“كل من لديه صلة بحملة مقاطعة إسرائيل عليه أن يفكر ملياً ويطرح على نفسه السؤال التالي مرتين: هل أختار هذا المعسكر أم المعسكر الآخر؟”

“أداة لزعزعة الاستقرار”

وتُقرّ سيما فاكنين-جيل:“لدينا منظمة”الإف دي دي“وغيرها ممن يعملون معنا في هذا المضمار. وال”إف دي دي“ترمز الى الأحرف الثلاث الأولى باللغة الانكليزية من تسمية”مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات“، وهو مركز أبحاث من المحافظين الجدد لعب في السنوات الأخيرة دوراً هاماً في التقريب بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ولقد شارك في الصيف الماضي في الحملة ضد قطر والجزيرة، متهماً القناة بأنها أداة لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وينص القانون الأمريكي على ضرورة أن يُسجل الأفراد الأجانب والمنظمات الأجنبية أنفسهم لدى وزارة العدل. ولكن هل ستجرؤ الوزارة على جر”مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” أمام المحاكم لأنها لم تتنبه لهذه المسألة؟

وكما يلاحظ علي أبو نعمة “لو حصل أن تسجل أحد كبار المسؤولين الروس أو الإيرانيين أو حتى الكنديين معترفاً بقيام بلده بعمليات سرية للتجسس على مواطنين أمريكيين واستخدم لهذا الغرض غطاء منظمة أميركية لكان لذلك وقع قنبلة مدوية!”. إذ أن هذا النوع من التعاون لا يقتصر على مركز “الإف دي دي” وهو الأمر الذي يبوح به المتحدثون مع طوني، حتى لو تحفظوا قائلين إن الموضوع حساس ومن الأفضل عدم الخوض فيه مطولا.

كما يكشف الفيلم الوثائقي أسراراً أخرى كالطريقة التي يجري فيها الاضطلاع بكل معاملات ونفقات الصحفيين الأمريكيين في القدس من قبل منظمة “المشروع الإسرائيلي”، ومرافقتهم عن كثب في كل تحركاتهم بل وتزويدهم بالصور الجاهزة التي يكفي إرسالها الى الولايات المتحدة الأميركية وكيف يتم تمويل إجازات فاخرة لأعضاء الكونغرس الأمريكي في إسرائيل وبالتحايل على القانون الأمريكي. وكذلك كيف يتم الضغط على وسائل الإعلام ووكالات الأنباء حتى تغير بياناتها الصحفية أو مقالاتها.

ومع أن الظروف ما زالت ملائمة جداً لإسرائيل إلا أن أنصارها الأمريكيين ورغم كل إمكانياتهم يبدون على درجة من التوتر. حيت يبدو لهم المستقبل شيئاً فشيئاً أقل إشراقاً وذلك حتى في الأوساط الأكثر تأييداً لهم وهذا ما تؤكده سيما فاكنين-جيل المديرة العامة لوزارة الشؤون الاستراتيجية في إسرائيل:“لقد خسرنا جيل اليهود المولودين بعد 2000. فأهلهم يأتون إليّ يشكون من تصرف أطفالهم خلال طقوس يوم السبت. كما أنهم لا يعترفون بدولة إسرائيل ولا ينظرون إلى هذا الكيان نظرة الإعجاب بتاتاً”.

________________________

1مورت كلاين أقنع قطر بإلغاء مسلسل الجزيرة حول “اللوبي اليهودي” المعادي للسامية

2راجع موقع القناة: الجزيرة تكذب ادعاءات الجماعة الموالية لإسرائيل حول أفلام اللوبي. الجزيرة في 17 أبريل /نيسان 2018

33 في نوفمبر 1978 طلب ناهوم غولدمن رئيس المؤتمر اليهودي العالمي من الرئيس جيمي كارتر أن يحطم “اللوبي اليهودي” الذي اعتبره “قوة مدمرة” و“حاجزاً أمام السلام في الشرق الأوسط”.

4راجع مقال فتيحة دازي- هاني الصادر بالفرنسية في صحيفة “الموند ديبلوماتيك” في عددها الصادر في تموز 2017 وعنوانه “حرب غريبة في الخليج”

5راجع أليكس إيمنز في “السعودية خططت لاجتياح قطر الصيف الماضي. وقد تكون محاولات ريكس تيليرسون لمنع العملية قد كلفته وظيفته، على موقع”ذي إنترسيبيت”

6راجع مقال دان لازار في صحيفة لو موند ديبلوماتيك في عددها الصادر في تموز/يوليو 2017 وعنوانه “تأثير الرياض الخطير على واشنطن

7جوردان شناشتل”خبايا حملة العلاقات العامة القطرية في واشنطن التي كلفت أكثر من 20 مليون دولار، مجلة كونسيرفتيف رفيو في 13 سبتمبر/أيلول 2017

8راجع تمارا نصار وعلي أبو نعمة “قطر موّلت المنظمة الصهيونية الأميركية” موقع الانتفاضة الإلكترونية في 10 تموز/يوليو 2018

9راجع أمير تيبون في “السفارة الإسرائيلية في واشنطن تعترض: نحن ضد عملية اليد الممدودة من قطر لليهود الأميركيين الموالين لإسرائيل” صحيفة هآرتس في 31 يناير/كانون الثاني

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة