الا يستحق الأغنياء الاحتفاظ بأموالهم؟

قضايا

12  أغسطس  2018


الثروة هي ناتج اجتماعي، إعادة التوزيع فقط تسمح لمزيد من الناس بالاستمتاع بثمار عملهم.

أساطير التكنولوجيا، والفنانون المحبوبون، والرياضيون المبهرون يظهرون دائما في مناقشات ساخنة حول الضرائب، مقدمين الحجة تلو الأخرى، لا تحب الموبيل الخاص بك؟ ماذا عن هاري بوتر؟ يجادل علماء الاقتصاد النيوليبراليون بأن شخصيات مثل ستيف جوبز، وجيه كيه رولينج، وليبرون جيمس يجب أن تجني المزيد من المال من بقية البشر.

بعد كل شيء، نحن – المستهلكون – من يشترون منتجاتهم. إن دخلهم الأعلى يخلق الحافز الضروري للعمل الجاد والابتكار الذي يستفيد منه حتى الكسالى بيننا.

قد يبدو هذا المشهد صعبًا نظرًا لأن المدافعين عن الضرائب المنخفضة على الأثرياء يختارون عن قصد أمثلة من التكنولوجيا والترفيه، مما يوحي بأن النخبة هم من المبتكرين العظماء الذين خلقوا حقا من نسيج مختلف عن باقي البشر.

لكن نظرة خاطفة على قائمة كبار المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة تخبرنا بخلاف ذلك. المسئول التنفيذي الأعلى دخلاً هو دايفيد زاسلاف المدير التنفيذي لـ ديسكفري كوميونيكيشنز، الذي حقق أكثر من 150 مليون دولار في عام 2014،  ما هي مساهمته الكبيرة في المجتمع الإنساني؟ ماذا فعل ليستحق هذا كله؟ .. ساعد في إنتاج مسلسلات تليفزيونية سخيفة.

على العكس من وجهة نظر هؤلاء العباقرة، يفهم أغلب الناس الحقيقة، ويؤمنون أن الأغنياء يجب أن يدفعوا ضرائب أكثر، ووفقًا لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب في عام 2015، يعرف 62٪ أن أصحاب الدخل العالي يخضعون للضرائب “قليلًا جدًا”، في حين يعتقد 25٪ فقط أنهم يدفعون “حصتهم العادلة”، 69٪ يعتقدون أن الشركات ليست خاضعة للضرائب الكافية، في حين أن 16٪ فقط كانوا راضين عن المعدلات الحالية للضرائب على الشركات.

لكن التبرير الاشتراكي للضرائب يرتكز على وجهة نظر – لا يتم تصويرها عادة في استطلاعات الرأي – حول كيفية تكوين الثروة الرأسمالية في الواقع، ولتوضيحه نحتاج أولاً إلى فهم ما هي الضرائب وما يفكر به غير الاشتراكيين؟.

السياسة الضريبية تفعل شيئين في المجتمع الرأسمالي. أولاً، تحدد النسبة من الكعكة الاقتصادية التي سيتم إدارتها بواسطة السياسة العامة على شكل إيرادات حكومية، وكم سيتم تركه ليدار بواسطة الأفراد والشركات الخاصة.

ثانياً، إنها تحدد كيفية تقسيم هذه الإيرادات العامة بين برامج الإنفاق العام وبين ما يريده الأفراد والمؤسسات والشركات، الأول يتعلق بالتحكم في الموارد بينما الثانية هي مسألة تخصيص للموارد.

حتى عندما تأخذ الحكومة عائدات ضريبية عالية، فإنها لا تضعها بالضرورة في وجهتها الصحيحة التي تخدم القطاع الأكبر، لنفكر فقط في الفوائد الضخمة التي تتدفق على الشركات من خلال الدعم أو البحث والتطوير المدعوم من الدولة، ومن السهل رؤية كيف يمكن للحكومات إعادة توزيع الموارد أو خفضها.

في الاقتصاد الرأسمالي، حيث تظل الموارد الإنتاجية مملوكة ملكية خاصة، يدعو الاشتراكيون إلى أن يتم التحكم بشكل كبير في إعادة توزيع جزء كبير من الناتج الاجتماعي بشكل علني وديمقراطي.

ومع ذلك، في الولايات المتحدة اليوم، فإن الرؤية الليبرالية بأن “الضرائب سرقة” قد تسربت بعمق إلى مفاهيم الناس اليومية، حتى أولئك الذين يدعمون الضرائب التصاعدية غالباً ما يقبلون الفرضية القائلة بوجود دخل آخر يجب استثنائه من الضرائب ويجب الاحتفاظ به كاملاً.

حتى العقيدة الليبرالية الراسخة بأن على الجميع “المشاركة بنسبة عادلة” ترتكز على فكرة ضمنية بأن العمال ورأس المال على حد سواء يدفعون الضرائب، بغض النظر عن موقعهم الاجتماعي واحتياجاتهم المعيشية من أجل تحسين أحوال المجتمع.

على نفس الأسس يزعم أنصار التحررية والحرية الفردية أن الدخل قبل الضرائب هو نتاج مباشر لعمل الشخص أو جهده سواء الأفراد أو الشركات، وبالتالي يجب أن يستخدم وفقاً لما يعتقدون أنه مناسب. وفقاً لذلك حتى لو قررت الحكومة “بشكل ديمقراطي” فرض ضرائب أعلي على الأغنياء، فإنها ستظل غير عادلة، أو كما صاغها الفيلسوف التحرري روبرت نوزيك “فرض الضرائب على الأرباح من العمل يساوي فرض العمل القسري على البشر”.

وجهة النظر هذه تم نقدها من قبل التقدميين، لكن الاشتراكيين لا يجب أن يتراجعوا عن المعيار الليبرالي المشترك للضرائب، “أن قدرة الشخص أو الشركة على الدفع يجب ان تحدد المبلغ الذي سيدفعونه”، وتبرير ذلك ينتشر حتى خارج دوائر اليسار تحت تأثير صدي الشعار الاشتراكي الشهير “من كل حسب قدراته، لكل حسب حاجاته”.

هذه الرؤية التحررية تستند إلى أمرين، كلاهما غير دقيق.

أولاً، أن الضرائب هي شر لابد منه للخاضعين لها، على الرغم من أن دخل الشخص أو الشركة قبل الضرائب هو نتيجة لعمله الخاص، إلا أن المجتمع عليه أن يفرض ضرائب على هذا الدخل للإنفاق العام بدلاً من تركه تحت سيطرة القطاع الخاص، والثانية تري بدلا عن ذلك أن فرض ضرائب أعلى على الأغنياء أمر عادل.

كلتا هاتين الفكرتين تجعلنا نناقش الأمر على أرضية الأفكار التحررية – أليس مثل هذه السياسة الضريبية تتعدى على حقوق الفرد؟ هل يجب أن يتفوق العدل على الحقوق الفردية؟ وهل الحجة الاشتراكية للضرائب التصاعدية تنتهك في نهاية المطاف حقوق الفرد؟ لماذا يكره الاشتراكيون الحرية كثيراً؟.

يجب أن تنطلق النظرة الاشتراكية لإعادة التوزيع داخل المجتمع الرأسمالي في طرح أفكارها حول السياسة الضريبية، من رفض فرضية إن دخل ما قبل الضرائب هو فقط نتاج جهد فردي ويمتلكه القطاع الخاص قبل أن تتدخل الدولة لأخذ جزء منه، عندما ننتهي من هذا الخيال التحرري، من السهل أن نرى أن دخل الفرد والشركات لا يمكن تحقيقه إلا من خلال إجراءات الدولة الممولة من الضرائب.

الاقتصاد الرأسمالي ليس منظمًا ذاتيًا. الشرط المسبق الأول للشركات للحصول على الأرباح هو حقوق الملكية التي تفرضها الدولة، والتي تمنح بعض الناس الملكية والتحكم في الموارد الإنتاجية بينما تستثني الآخرين.

ثانياً، يتعين على الحكومات إدارة أسواق العمل للمساعدة في ضمان تلبية احتياجات الشركات من المهارات، تفعل الدول ذلك من خلال وضع سياسات الهجرة والتعليم، كما تحاول جميع الدول الرأسمالية أيضا التخفيف من مخاطر سوق العمل، سواء كان ذلك من مخاطر ندرة العمالة بالنسبة للشركات أو البطالة للعمال.

ثالثًا، يريد معظم الرأسماليين من الدول فرض قوانين مكافحة الاحتكار، والتعاقدات، والجنائية، وحماية الملكية، والتعذيب، لأنها تجعل تفاعلات السوق أكثر قابلية للتنبؤ بها وموثوق بها أكثر، وأخيراً، يحتاج الاقتصاد الرأسمالي إلى بنية تحتية عاملة، حتى أن معظم التحرريين يجادلون بأن سيطرة الدولة على عرض النقد وأسعار الفائدة أمر ضروري لتحفيز أو إبطاء النمو عندما يحتاج الاقتصاد إليه.

كل هذا تقوم به الدولة مع الضرائب، باختصار، فإن فكرة الدخل أو الأرباح قبل الضرائب هي نتاج عمل فردي تريد دولة أشبه بماسك للدفاتر، بينما يعود دخل أي شخص أو أرباح شركة جزئياً إلى قيام الحكومات بجمع الضرائب وتهيئة الظروف التي من خلالها يستطيعوا  كسب المال، في هذا الإطار، فإن “فرض الضرائب على الأغنياء” ليس مجرد مطالبة بالعدالة.

لقد بنيت القضية الاشتراكية للضرائب وإعادة التوزيع التدريجي على ثلاثة عوامل أساسية لكيفية عمل الرأسمالية، أولاً، كما تم توضيحه للتو، أن الدخول الشخصية وأرباح الشركات ليست نتيجة لمجرد العمل الفردي والمنافسة في الأعمال – بل هي جزء من منتج اجتماعي أوسع.

إن الدخل الإجمالي المتولد في المجتمع الرأسمالي هو نتيجة لجهد اجتماعي جماعي، أصبح ممكناً بفضل بنية اجتماعية وقانونية محددة، ويتم توجيهه من خلال المؤسسات الممولة من القطاع العام والمموّلة من القطاع الخاص.

ثانياً، عدم المساواة الطبقية الناتجة عن صنع هذا المنتج الاجتماعي هو علاقة نسبية، الرأسماليون قادرون على تجميع ثروات كبيرة، ليس فقط لأن العمال لا يفعلون ذلك، بل أن الشركات يمكنها رفع أرباحها من خلال خفض تكاليف العمالة التي تتحملها.

وشروط هذه العلاقة النسبية هو – مرة أخرى – سياسية، ويتم الحفاظ عليها من خلال الإيرادات الضريبية، تعتمد الشركات على الدول لتطبيق وحماية حقوق الملكية والعقود التي تحافظ على ملكية الموارد الإنتاجية للمجتمع – وسائل إنتاجها – في أيدي قلة قليلة.

نتيجة لذلك – في الرأسمالية – معظم الناس يعملون لدي الآخرين؛ لا يقومون بتوظيف أشخاص آخرين للعمل من أجلهم، فقط الرأسماليون يوظفون العمال عندما يعتقدون أن جهود هؤلاء العمال ستدر للشركة أموالا أكثر مما سيحصلون عليه من أموال على شكل أجور – وإلا سيكون انتحاراً في السوق.

وبالطبع، فإن العمل الشاق والدءوب والتوفيق يمنح بعض العمال القدرة على أن يصبحوا رأسماليين. لكن البنية الأساسية للرأسمالية، التي يمتلك فيها عدد صغير كل وسائل الإنتاج، تضمن أن الغالبية العظمى من الناس (في أحسن الأحوال) يقضون حياتهم يكسبون رواتبهم فقط، ولا يجنون أي أرباح. توفر الضرائب علاجًا جزئيًا لهذا التفاوت الهيكلي الأساسي للمجتمع الرأسمالي.

ثالثًا، إعادة التوزيع من خلال الضرائب هي وسيلة لتوسيع نطاق الحرية الفردية – وليس تقليصها، كما يجادل التحرريون، وفقاً لمنظري مدرسة برلين الليبرالية، تتمتع الحرية بتكوين مزدوج. من جانب، هناك حرية سلبية، تتمثل في غياب الإكراه أو “التحرر من” الذي هو السمة المميزة لمعظم المفاهيم العامة للحرية في الولايات المتحدة اليوم. فيما يتعلق بالإكراه، تمول الضرائب مجموعة متنوعة من الأحكام العامة التي توفر للمواطنين قدرًا من الحرية من الاستبداد الخاص للشركات، إنها تشكل الأساس الكامل لجهاز الدولة الذي – في النظام الرأسمالي – هو القوة الوحيدة التي تتجاوز قوتها قوة الطبقة الرأسمالية ككل.

بدون القوانين التي تحظر العبودية والتي كتبتها الهيئات التشريعية، والتي تطبق في المحاكم التي تمولها الخزائن العامة، سيضطر الناس إلى التهديد بالعنف دفاعاً عن حقوقهم أو قيام أصحاب الأعمال بتجويع العمال وتشغيلهم بدون أموال على الإطلاق. بدون قوانين مثل تلك التي تتطلب الحد الأدنى من السلامة في مكان العمل أو تلك التي تجبر الإدارة على المشاركة في المفاوضة الجماعية، فإن العمال سيخسرون القليل مما يملكونه في كيفية تنظيم عملهم.

لكن في سياق السياسة الضريبية، فإن الحرية الإيجابية مهمة كذلك. الحرية الإيجابية هي القدرة على فعل الأشياء، وإمكانية اختيار الأهداف وبذل الجهود لتحقيقها. هذه الحرية تتطلب الموارد.

في المجتمعات الرأسمالية ذات المستويات المنخفضة من توزيع الدخل، الحرية الإيجابية هي لعبة محصلتها صفر، حيث يتمتع القليل من الناس فقط بقدر كبير من هذه القدرات على حساب الكثير ممن لا يملكون أي شيء. إن السياسة الضريبية التي تقسم المنتج الاجتماعي بطريقة تسمح لبعض الناس بأن يعيشوا حياة مترفة في حين أن الآخرين يعيشون على الكفاف لا يمكن أن يقال إنها تعزز الحرية.

إن نظام التعليم العام، على سبيل المثال، الذي يوفر للمواطنين فرصة تطوير المعرفة والمهارات في السعي إلى تحقيق كل من الطموحات الجماعية والفردية، هو حجر الأساس للحرية الإيجابية التي لا يمكن أن تستمر إلا من خلال فرض الضرائب.

في مجتمع اشتراكي حقيقي، فإن الجمع بين المساواة السياسية والاقتصادية سيوفر لكل شخص درجة أكبر من الحرية السلبية والإيجابية أكثر مما يتمتع به في ظل الرأسمالية. وإلى أن ندرك هذا العالم، فإن إعادة التوزيع التدريجي من خلال فرض الضرائب هي وسيلة لمعالجة أوجه اللامساواة الهيكلية، والطريقة الرئيسية التي يمكننا من خلالها توسيع نطاق الحرية إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

لكننا نسير في الطريق الخطأ على مدى العقود القليلة الماضية، فدخول العمال تتراجع رغم إنتاجيتهم المتزايدة، في حين أن معدلات الضرائب على كبار الموظفين انخفضت بدرجة كبيرة وأصبحت الآن تقترب من مستويات ما قبل التحالف النيوليبرالي الجديد بين الدولة وكبار الرأسماليين.

إن زيادة متواضعة في إجمالي العبء الضريبي على الـ 1 في المائة الأعلى دخلاً في المجتمع الأمريكي على سبيل المثال لتصبح 45 في المائة، وهو أقل كثيراً من مستويات الضرائب بعد الحرب العالمية الثانية، من شأنه أن يحقق إيرادات إضافية تبلغ 275 مليار دولار، هذا يشكل أكثر بكثير من الـ 47 مليار دولار اللازمة لجعل جميع الكليات والجامعات العامة مجانية في أمريكا.

كما أن هذه الزيادات يمكن أن تسهم في الأموال اللازمة لتمويل نظام الرعاية الصحية الشاملة للجميع، وزيادة قوة شبكة الضمان الاجتماعي، وإعادة بناء البنية التحتية المتداعية للخدمات.

يتفق معظم الناس على أننا جميعًا نستحق أن نعيش في مجتمع نحصل فيه على ما نستحقه، وأن نكون أحرارًا، ولدينا القدرة على الإبداع والقدرة على الوصول إلى الموارد. فرض ضرائب لإعادة جزئية لتوزيع الثروة خطوة في هذا الاتجاه. الأغنياء لم يكسبوا ثروتهم – إنهم يحتفظون بها لنا.

كتب: مايكل مكارثى

https://jacobinmag.com/2016/04/tax-the-rich-capitalism-marx-socialism

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الغذاء والزراعة والتغير المناخي (1) في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات.

مارتن إمبسون

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار