رغم تمريره دون مقاومة حقيقية “قانون اغتيال الصحافة”: معركة لم تنته

قضايا

09  أغسطس  2018

بالرغم من تمرير البرلمان لقانون تنظيم الصحافة، الذي أثار جدلا واسعا وسط دوائر صحفية وحقوقية وسياسية الشهر الماضي، بدون ردود فعل كبيرة وسط الصحفيين، ولكن من المتوقع أن يؤدي تطبيق القانون إلى سلسلة من المعارك في المؤسسات الصحفية المختلفة، كما سيكون له تأثير مهم على نتائج انتخابات التجديد النصفي المقبلة للنقابة والمقرر إجراؤها في شهر مارس المقبل.

يستكمل القانون، بوضوح، مسيرة النظام في القضاء على مهنة الصحافة وتحويلها إلى جهة تنشر البيانات الحكومية وتلتزم بالخط “الوطني” الذي يرسمه الحاكم، ولا تتبنى أي موقف مخالف. وهو خيار يبدو محسوما لدى الجهات النافذة في السلطة، خاصة أن النظام يواصل سياساته التي تحيل حياة غالبية المصريين إلى جحيم، كما يتأهب لتمرير التعديلات الدستورية، التي تهدف إلى مد فترة حكم السيسي لدورات تالية.. وهو ما سيواجه بمعارضة يريدها مؤيدو النظام “تحت السيطرة”، وبلا صوت في وسائل الاعلام.

يكفي أن نشير للتدليل على حجم التضييق على مهنة الصحافة في القانون، الذي أطلق عليه الصحفيون عن حق قانون اغتيال الصحافة، أن الصحفيين باتوا في حاجة للحصول على ترخيص وإذن من الجهات المسؤولة، لكي يلتقطوا صورا في الشارع أو عند إجراء حوار أو حتى حضور ندوة .

كما يعيد القانون الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، ويتيح إيقاف الحسابات الشخصية على موقع “فيسبوك” التي يزيد عدد متابعيها عن خمسة الاف شخص.

واتساقا مع سياسات الخصخصة.. يمهد القانون للتخلص من “عبء” عدد من المؤسسات القومية عبر إطلاق يد الهيئة الوطنية للصحافة (المالك) في تصفيتها ودمجها وإعادة هيكلة العمالة، مما يفتح الباب أمام مشاريع المعاش المبكر وتخفيض المرتبات، كما ألغي مكافاة نهاية الخدمة التي كان يحصل عليها صحفيو المؤسسات القومية. وفي ذات الوقت يقلص تمثيل العاملين في مجالس الادارات والجمعيات العمومية.

ولم يتفوق على قسوة مواد القانون، الذي لم يعرض على نقابة الصحفيين في صورته النهائية قبل تقديمه للبرلمان كما ينص الدستور، إلا  التأييد “الفج” لنقيب الصحفيين الحكومي، عبد المحسن سلامة. وهو موقف يستدعي للذاكرة تعليق لرئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد، الذي يُعد أحد كهنة النظام الحالي، عندما قال في تصريح متلفز “بعض النقابيين يزايدون علينا، فعندما نقترح عقوبة للصحفي شهرين مثلا نجد النقيب يطالب بعقوبة مقدارها ستة شهور” رغم أن دوره هو الدفاع عن عضو نقابته.

ولم يكتف سلامة بذلك، بل حرص على إرسال رسالة تهنئة للسيسي بصدور هذا “القانون الجيد” ، بعد أن أدى دوره في إجهاض مقاومة القانون، وأفشل، حتى الآن، مسعى نصف أعضاء مجلس النقابة، اعلنوا تأييدهم للطلب الذي تقدم به نحو 200 صحفي للمطالبة بعقد جمعية عمومية طارئة، رغم أن قانون النقابة يمنح الحق لمائة صحفي فقط في الدعوة لعقد الجمعية العمومية.

ولكن جملة من العوامل ساعدت على تمرير القانون دون مقاومة حقيقية، أهمها غياب الضغط القاعدي داخل المؤسسات نتيجة حالة الإحباط العامة، وانشغال الصحفيين في مواجهة أعباء المعيشة المتزايدة عبر الحلول الفردية. إلى جانب أن كابوس اقتحام الأمن للنقابة عام 2016، وما تبعه من حبس عضو مجلس النقابة (عمرو بدر)، ثم الحكم على نقيب الصحفيين ووكيليه أيضا بالحبس لمدة عامين قبل أن يتم إلغاء الحكم، وصولا للقبض على عدد من الصحفيين خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية على سلم النقابة، ما زال جاثما على عقول مئات الصحفيين ومجلسهم المنتخب، وشكل حاجز خوف، تدعمه سياسة القبضة الأمنية الغاشمة التي تواجه بها السلطة كل التحركات.

وعلى الرغم من أن القانون، الذي وصفته جهات حقوقية بأنه قانون “عد الأنفاس وتشريد الصحفيين” أدى إلى توسع المعارضة داخل المجلس، لتشمل إلى جانب  أربعة أعضاء – يشكلون الكتلة المناوئة للنقيب الحكومي منذ الانتخابات الأخيرة قبل نحو عامين – عضوا قريب من الإسلاميين، وآخر قريب من الحكومة، في حين قدم ثالث استقالته احتجاجا على القانون.. وبالتالي باتت الأغلبية بالمجلس تتشكل “نظريا” من معارضي القانون.

 ولكن أي منهج تبنته المعارضة “الموسعة”، التي عزز موقعها توقيع نحو ألف صحفي على عريضة تعلن رفضها للقانون، لاستنهاض همم الصحفيين وتعبئتهم لمواجهة القانون؟

تبنت معارضة المجلس منهجا يقوم على تعليق كل الأسلحة الاحتجاجية، بدعوى “الحكمة والمرونة”، وذلك لحين معرفة موقف البرلمان من التعديلات التى أرسلتها النقابة، مؤكدين أنهم سيدعون الجمعية العمومية للانعقاد، في حال عدم أخذ البرلمان بالتعديلات المقترحة.باختصار، علينا أن ننتظر وقوع الكارثة ثم نتحرك!! وذلك حتى لا نستفز أحدا ولا نحرج شعور أحد، مع استدعاء مكثف لخبرة تجربة معركة القانون 93 لسنة 95 المشهور بقانون حماية الفساد، والذي أسقطه الصحفيون عقب صدروه بليل، بعد “كفاح” استمر لمدة عام.

هذه الرؤية شلت المعارضة داخل مجلس النقابة التي لم تدعو حتى إلى ندوة تعريفية بمواد القانون قبيل اصداره.. الأكثر من ذلك أن المعارضين داخل المجلس لم يوزعوا على الجمعية العمومية، صاحبة المصلحة، التعديلات المقترحة من قبل المجلس على القانون، للتشاور حولها.

وبالتالي تحولت الدعوة إلى الانعقاد الفوري للجمعية العمومية، كما طالب عدد من النشطاء النقابيين، إلى “استعجال لا مبرر له”.. ورعونة، بينما الدعوة إلى اعتصام “رمزي” باتت “مغامرة”. وانتهى الأمر، بعد تمرير القانون، إلى  التلويح بالاستقالة، عقب تأجيل نقيب الحكومة، كما كان متوقعا، لجلسة مجلس النقابة والتي كان من المقرر أن تبت في طلب عقد الجمعية العمومية.

وفي الحقيقة، فإن مقارنة الوضع الراهن بأجواء معركة قانون 93 لا تصلح إلا إذا كانت لاستدعاء روح المقاومة، ولكن باستثناء ذلك فهي لا تعدو أكثر من ماسأة أو مسخرة على أقل تقدير.

فالقانون 95 كان في سياق سياسي مختلف، شهد، رغم استبداد مبارك، مساحات للحركة بفعل تناقضات النظام ذاته، وهو ما جرى استغلاله من قبل مجلس النقابة حتى تم اسقاط القانون، في معركة استمرت لمدة عام، شهدت تضامنا واسعا من كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب عقد فعاليات احتجاجية عديدة قادتها الجمعية العمومية ومجلس ضم كافة أطراف الطيف السياسي المعارض، بقيادة ابراهيم نافع نقيب الصحفيين الحكومي حينذاك، والذي تحرك مع الجمعية العمومية بموافقة جهات من الدولة.

لكن مصر اليوم تحولت إلى أشبه بالثكنة العسكرية.. لا يوجد بها صوت سوى صوت الأجهزة الأمنية التى لم تتردد على سبيل المثال في اقتحام نقابة الصحفيين في خطوة غير مسبوقة في تاريخ النقابة منذ إنشائها، ومصر تقبع تحت الاحتلال الاجنبي عام 1942.

وهكذا افتقد الصحفيون إلى قيادة حقيقية، تستطيع التعاطي مع كارثة القانون كجزء من الهجوم الواسع الذي يشنه النظام على الحريات وحقوق العاملين بأجر. رغم ذلك لا يجب تحميل المعارضة داخل المجلس المسؤولية عن ضعف أو غياب المقاومة لصدور القانون، فلم تكن هناك تحركات مضمونة النتائج على أي حال، وطرح الاختلاف حول تكتيك إدارة المعركة الآن هدفه بالأساس اكتشاف القصور في الحركة والبحث عن تكتيكات أكثر فاعلية في المستقبل.

الاعتقاد أن معركة القانون انتهت بإصداره، وأنه لن يكون هناك توابع مؤثرة في مجريات الأمور وخاصة في انتخابات النقابة المقبلة، مجرد قصر نظر.

ومن المهم أن نستدعي هنا تجارب الحركة العمالية بعد أن مررت الحكومات السابقة التشريعات التي تبيح خصخصة القطاع العام، حيث  اندلعت مواجهات كبرى في مواقع العمل عندما بدأت تظهر آثار الخصخصة.

 واللافت أنه في ظل عزوف عموم الصحافيين عن المشاركة في مواجهة القانون اندلعت مظاهرات احتجاجية في جريدة الجمهورية الحكومية احتجاجا على تأخر صرف العلاوات. كما تشهد النقابة منذ أسابيع اعتصاما لصحفيي جريدة الأسبوع للمطالبة بزيادة الراتب، أي أن المطالب المباشرة هي التي حركت الصحفيين ودفعتهم لتحدي حاجز الخوف والتحرك دفاعا عن مصالحهم.

وهناك.. حاليا حملة لجمع التوقيعات لرفع قيمة البدل الذي تمنحها النقابة  شهريا للصحفيين من قبل الهيئة الوطنية للصحافة من 1600 جنيه إلى 5000 جنيه. وكانت فلسفة البدل أنه يوفر للصحفيين مبلغا ماليا شهريا لشراء الدوريات والمراجع التي يحتاجون لها بحكم عملهم ولكنه تحول الي جزء رئيسي من دخل الصحفيين.

إلى جانب أن احتجاجات الصحفيين الحزببين للمطالبة بتوفير فرص عمل لهم مستمرة داخل أروقة النقابة.

وبالتالي علينا أن نتوقع سلسلة من الاحتجاجات بالمؤسسات الصحفية القومية التي تضم الألاف من العاملين لمواجهة التصفية والاندماجات المتوقعة بين مؤسسات الجنوب والشمال الصحفية، وتحويل عشرات الإصدارات الصحفية إلى مواقع الكترونية، عندما يتم تطبيق القانون بعد صدور لائحته التنفيذية بعد شهرين من الآن. علما بأن اندماجات جرت من قبل عام 2009 أدت إلى اندلاع احتجاجات بمؤسستي الأهرام والأخبار، عندما تقرر دمج جريدتي التعاون والمسائية معهما. إلى جانب أن الضغط المادي على المؤسسات لصالح الهيئة الوطنية بنقل خمسة بالمئة من قيمة أرباحها للهيئة وتحويل رؤساء مجالس الإدارات إلى أعضاء منتدبين للهيئة التى باتت كالشركة القابضة سيفجر معارك على غرار ما شهدته جريدة الجمهورية.

ولاشك فإن موقف النقيب الحكومي وجبهة الموالاة، وموافقته على تمرير قانون معادي لحقوق الصحفيين ولحرية الصحافة، إلى جانب دعمه لكل توجهات السلطة المعادية لمصالح الصحفيين الذين يكتوون بنار الغلاء، يمكن أن تكون فرصة لاستعادة النقابة مرة أخرى من قبضة النظام، لصالح قضايا الصحفيين.

لقد أظهر موقف مجلس النقابة، بجناحيه المؤيد والمعارض في المعركة، الحاجة  لبلورة تيار ديمقراطي جذري داخل نقابة الصحفين، تيار له تأثير وقواعد ويدفع بممثلين له في الانتخابات المقبلة ويسعى لمواجهة العيوب الهيكلية التي تعاني منها النقابة بحرمان ما يقرب من نصف الصحفيين من الدخول للنقابة.. تيار يسعى إلى تجاوز التناحرات بين الصحفيين وعمال المطابع والإدرايين في المؤسسات بالوقوف صفا واحدا لمواجهة المخاطر المتوقعة وتنفيذ كل أشكال الضغوط.

وأخيرا.. وليس آخرا تيار يدافع باستقامة عن الصحفيين المعتقلين ويواجه العصف بحرية الصحافة.

وهكذا يمكن القول أن معركة القانون لم تنته، بل أن تطبيقه سيؤدي إلى اندلاع جولات أخرى، كما سيكون حاضرا بقوة في معركة الانتخابات المقبلة .

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة