ما وراء الحملة السعودية المسعورة على كندا؟

قضايا

08  أغسطس  2018

تساءلت معظم تعليقات أجهزة الإعلام العالمية خلال اليومين الماضيين عن سبب ردّة الفعل المسعورة التي واجهت بها المملكة السعودية كندا، حكومة وبلداً، والتي لا يفوت أحداً أنها غير متناسبة على الإطلاق مع سببها المعلن، ألا وهو تعبير الخارجية الكندية عن قلقها من اعتقال السلطات السعودية لشقيقة السجين رائف بدوي، أحد نشطاء حقوق الإنسان وبالتالي أحد ضحايا انعدامها في المملكة. وقد كان لدى كندا سبب مشروع في إبداء القلق إذ أن زوجة بدوي وأطفاله حصلوا على اللجوء السياسي في كندا قبل خمس سنوات وباتوا يحوزون على الجنسية الكندية، ناهيكم من أن نصرة حقوق الإنسان لا تحتاج لإذن من أحد (شرط أن تكون منسجمة متّسقة، أي ألّا تكيل بمكيالين كما عوّدتنا الحكومات الغربية وعلى رأسها الحكومة الأمريكية).
فلم تكتف المملكة بالردّ على ما رأت فيه تدخّلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية بتدخّل مماثل في شؤون كندا الداخلية، لكنّها جرّبت مثل هذا التدخّل. وقد جاء بصورة أثارت السخرية، إذ أن جهات سعودية شتّى أعلنت فجأة تأييدها لحقوق سكّان كندا الأصليين ولاستقلال ولاية كبيك (الذي رفضته أغلبية شعبية في استفتاءين أجريا عبر السنين لهذه الغاية). والحال أن سكّان كندا الأصليين وكبيك، ولاية وشعباً، يحوزون على حقوق وامتيازات تفوق بكثير ما يحوز عليه سكّان المملكة السعودية بوجه عام، ناهيكم بأقلياتها الطائفية وأقاليمها!
بل شملت ردّة الفعل السعودية إجراءات شبّهتها أجهزة الإعلام العالمية بالحملة المسعورة التي شنّتها المملكة على قطر قبل أكثر من عام، إذ شملت وقف رحلات الطيران السعودي إلى كندا والإيعاز إلى اثني عشر ألفاً من مواطني المملكة الدارسين في جامعات كندا بمنح سعودية في الانتقال وعائلاتهم إلى بلدان أخرى لإكمال دراستهم فيها. وفي هذه الحالة الأخيرة تبلغ ردّة الفعل حدّ إيذاء الذات إذ أن آلاف المواطنين السعوديين سوف يلعنون حكومة بلادهم لما فرضته عليهم من متاعب جمّة ولسبب سخيف، وكأنهم رؤوس من الماشية تتصرّف بها حكومة المملكة مثلما تشاء. والجدير بالتذكير أن الحملة على قطر انطوت هي أيضاً على إيذاء المملكة لذاتها إذ أضعفت جبهتها الإقليمية في وجه إيران وأخرجت قطر من التحالف المشارك في حرب اليمن وأدّت إلى انتهاء الهدنة الإعلامية التي كانت قائمة بين المملكة والإمارة وكذلك بينها وجماعة الإخوان المسلمين.
والحقيقة أن سرّ الانفعال السعودي المحموم يكمن تحديداً في جملة من الأفشال المتعاقبة في المجال الإقليمي، لا يشكّل إخفاق الحملة على قطر سوى أحد أبرز فصولها. ومن أخطر فصولها الأخرى غرق التحالف السعودي ـ الإماراتي في رمال اليمن المتحرّكة وارتداد مزاعم وليّ العهد التحديثية، لاسيما فيما يتعلّق بالنساء، ارتدادها ضدّه إذ لم تفلح سوى في تركيز الأنظار على المملكة وبالتالي تصعيد الاستنكار الشعبي العالمي لما فيها من اضطهاد شنيع للنساء وسحق بذيء لحقوق الانسان.
ومن أبرز فصول إخفاق السياسة الخارجية التي تولّى قيادتها محمد بن سلمان تورّطه في تأييد مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعقد «صفقة القرن» بين الدولة الصهيونية والفلسطينيين والتي يتضّح أكثر يوماً بعد يوم (لمن كان لديه أي وهم في هذا المجال) أنها لا تعدو كونها حلقة من حلقات تصعيد مؤامرة أقصى اليمين الصهيوني مدعوماً من أقصى اليمين الأمريكي ضد فلسطين وشعبها، تلك المؤامرة التي اشتملت مؤخّراً على نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس وتمرير البرلمان الصهيوني لقانون القومية المشؤوم. ويبدو أن قيام الملك السعودي سلمان قبل أيام بتطمين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس على أنه متمسّك بالحقوق الفلسطينية الأساسية ولن يقبل بالتفريط بها، إنما هو من باب التغطية على الضرر الناجم عن تهوّر ابنه.
ومن هذا المنظور، فإن معلّق صحيفة «واشنطن بوست»، الصحافي الممتاز إشعان ثارور، كان صائباً تماماً في قوله يوم أمس إن حملة المملكة المسعورة على كندا تكشف هشاشة السياسة التي أشرف عليها وليّ العهد السعودي، ليس إلّا. وإنه في الحقيقة لموقف جبان ذاك الذي يُفرط في ردّ الفعل على سلوك كندي سلكت واشنطن مراراً ما هو أقسى منه إزاء المملكة بدون أن تتجرّأ هذه الأخيرة على الاستنكار. إنه لموقف جبان أن ترفع المملكة صوتها صراخاً ضد كندا تحديداً، بحيث بدا بكل وضوح أنها رأت في تدهور العلاقات بين الرئيس ترامب وجارته الشمالية ضوءاً أخضر أمامها كي تفشّ خلقها في هذه الأخيرة.
وإن ظنّ محمد بن سلمان أنه بذلك سوف يردع أيا كان عن أن يحذو حذو الكنديين في نقد تخبطّ سياسته الداخلية، فإنه لم يجنِ سوى مزيد من الازدراء العالمي بنهجه الذي امتلأت أجهزة الإعلام العالمية بالتشهير به تعليقاً على افتعال الرياض لمثل هذه الأزمة الحادة في علاقتها بأوتاوا. ولا نحتاج للانتظار كي نجزم في أن الحملة السعودية المسعورة على كندا تنضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي يبدو أن وليّ العهد السعودي مصرّ على التنافس مع مثاله الأعلى دونالد ترامب على تحقيق الرقم القياسي فيها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

لا… إسرائيل ليست ديمقراطية ليست إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إنها، في الحقيقة، ليست ديمقراطية على الإطلاق.

إيلان بابيه

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي