قوانين اغتيال الصحافة.. التطور الطبيعي للقمع والصمت

قضايا

31  يوليو  2018

مازلت أتذكر الأخبار التي تداولها النشطاء والعاملون بقنوات الإخوان الفضائية، عبر “فيس بوك” و”تويتر”، عن مداهمة الداخلية مقرات هذه القنوات، واقتياد العاملين بها للتحقيق.. كنت كلما ظهر أمامي تدوينة أو تغريدة عن قناة داهموها قمت بتغيير المحطة، منتقلا إليها، فأجد التشويش قد طالها.

بدا الأمر حينها أنه استهداف لمنصات إعلامية إخوانية من المؤكد أن تنظيم الإخوان سيستخدمها ضد ما حدث في 30 يونيو و3 يوليو 2013.. لكنه ما ظهر لاحقا بدا أعمق من ذلك بكثير، فقد كان الأمر مجزرة بدأت بذبح الثور الأبيض وسط صمت باقي الثيران.

نعم في اللحظة التي سكت فيها الصحفيون عن إغلاق قنوات فضائية وصحف واعتقال صحفيين، لمجرد أنهم من الإخوان أو مدافعين عنهم وعن حكمهم، بدأ مسلسل القمع والانتقام من الصحفيين بلا استثناء، عدا هؤلاء الذين انحازوا للسلطة وتقلدوا نتيجة تواطئهم أرفع المناصب الصحفية.

بل بدا واضحا منذ البداية أن الهدف هو إسقاط الصحافة في براثن المشاكل وتكبيلها بقيود حديدية عسكرية، أو السيطرة عليها، فلا يسمع غير صوتا واحدا هو صوت القيادة الجديدة للبلاد.

ولعل التسريب الذي أعلن فيه السيسي صراحة عن رغبته في امتلاك أذرع إعلامية كان دليلا على ذلك، بعدها بتر كل الأذرع التي مارست دورها الصحفي بمهنية حقيقية غير مهنية الارتباط بالسلطة وترديد خطابها وتسويق سياساتها أيا كانت، مستخدما في ذلك الاعتقال والتعذيب وتلفيق القضايا، وصولا لاقتحام قوات الأمن دار الصحفيين وبيتهم “نقابة الصحفيين”، المحصن بالدستور والقانون، ثم القبض على صحفيين من داخله، كما حجب مئات المواقع الالكترونية، حتى وصل الحجب مواقع رياضية لا علاقة لها بنشر أخبار سياسية أو حتى قصص أدبية قد تحمل مفهوما سياسيا، إصلاحيا كان أو ثوريا، وأصبح حظر النشر سمة حكمه، حتى تجرأ موظف عمومي رفيع المستوى في ممارسته، إضافة لوقف طباعة ومصادرة الصحف.

والآن حانت لحظة الإجهاز الكامل على الصحافة، عبر تقنين هيمنة السلطة عليها بالكامل، من خلال قانون اغتيال الصحافة والإعلام، المسمى زورا بقانون “تنظيم الصحافة والإعلام”، وإطلاق العنان لأذرع النظام الإعلامية، ممثلة في المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، لتقضي تماما على ما تبقى من المهنة والعاملين بها بمهنية، إضافة لخصخصة الصحف القومية وتسريح العاملين بها، والتوسع في الحجب والإغلاق القانوني للمواقع والصحف، والتراجع عما نص عليه القانون 96 لسنة 1996 الذي منع حبس الصحفيين احتياطيا في قضايا النشر.

يعرف القانون نظامين فيما يتعلق بالحريات، الأول هو النظام الوقائي، وفيه يشترط لممارسة أي حرية الحصول على ترخيص مسبق من السلطات، وتفرض الدولة تشريعات لتفرض القيود. وهذا النظام هو المتبع في الأنظمة الاستبدادية. أما النظام الثاني فهو النظام الردعي، وهو عكس النظام الأول، حيث لا يشترط الترخيص لممارسة حرياتهم، وفي حالة ارتكاب الصحفيين والإعلاميين مخالفة قانونية، يتولى القانون ردعهم، وهذا النظام هو المعمول به في النظام الديمقراطية.

وإذا نظرنا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام، الذي يسميه الصحفيون بـ”قانون اغتيال الصحافة والإعلام” نجد أن المادة الرابعة منه تقرر، فضلا عن إلغاء جزء من تاريخ نضال الصحفيين ضد قانون 93 لسنة 1995- وهو القانون الذي أُجبر الرئيس المخلوع مبارك على التراجع عنه- واستبداله بقانون 96 لسنة 1996، بعد معركة بينه وبين الصحفيين ضد تغليظ العقوبات على جرائم النشر وإلغاء ضمانة عدم الحبس الاحتياطي للصحفي في جرائم المهنة، المنصوص عليهم في القانون الأول، نجده فرض ردعا مسبقا على العمل الصحفي، يدل على أننا في دولة استبدادية من الطراز الأول.

ورغم حظر المادة الثالثة من الباب الثاني- الفصل الأول (أحكام عامة)، بأي وجه، فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام، أو مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، عدا في حالة الحرب أو التعبئة العامة، إلا أن المادة الرابعة من الفصل ذاته سمحت للمجلس الأعلى للإعلام الحكومي للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي، أن يمنع مطبوعات، أو صحف، أو مواد إعلامية أو إعلانية، صدرت أو جرى بثها من الخارج، من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض، وكذلك منع تداول المطبوعات التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضًا من شأنه تكدير السلم العام، أو التي تحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية أو التعصب، وهو ما يثير الشكوك، خاصة في ظل موجات حجب المواقع ومصادرة الصحف في إفراط المجلس الأعلى الحكومي في فرض مزيد من القيود على الصحافة والإبداع والتعبير عن الرأي، خاصة أن هذه المادة تحاسب الصحفيين وصحفهم ومواقعهم بـ”تخمين وظن” الجهات الحكومية، إلى حالة من القمع لطالما مارستها السلطة منذ 3 يونيو 2013، حيث أنها لم تبين ما هو السلم العام وما هي المادة المنشورة التي تعكره، وكذلك ما هي الكلمات التي تحض على التمييز والعنف والعنصرية والكراهية والتعصب، لتبقى الجهة الحكومية هي الوحيدة التي من شأنها تحديد إذا كان تحقيق صحفي عن غلاء الأسعار بعد الاقتراض من صندوق النقد الدولي، أو خبر عن قتل الشرطة لمتظاهر احتجاجا على زيادة تذاكر المترو وباقي المواصلات، أو تقرير عن إخلاء سكان سيناء لمنازلهم قسرا، أو مقال عن تعنت الطبقة الرأسمالية ضد الطبقة العاملة، الهدف منه الحض على العنف والكراهية ضد النظام والشرطة ورجال الأعمال أم لا.

أصبح منع إصدار الوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكتروني بالتخمين والظن هو الأساس في القانون الجديد، حيث فرضت المادة الخامسة من الفصل نفسه قيودا، وجعلت من السلطة حارسا على نوايا مؤسسي الوسائل الصحفية أو الإعلامية أو المواقع الإلكترونية، فأعطت الحق لنفسها بمنعهم من الترخيص لإصداراتهم، أو السماح باستمرارها في ممارسة نشاطها إذا ظنت الهيئات الحكومية أن الإصدار يقوم على أساس التمييز الديني أو المذهبي، أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفي أو عِرْقي، أو تعصب جَهوي، أو إلى ممارسة نشاط معادِ لمبادئ الديمقراطية، أو على نشاط ذي طابع سري، أو تحريض على الإباحية، أو على الكراهية أو العنف، أو تدعو إلى أي من ذلك أو تسمح به، لتعود من جديد التهم الظنية والتخمينية في مادة جديدة من القانون، بالإضافة إلى ألفاظ يصعب تحديد معناها مثل “مبادئ الديمقراطية”، خاصة في دولة لا علاقة لها بالديمقراطية.

حتى المواقع العربية والأجنبية لم تسلم من إمكانية الحجب والإغلاق، حيث قررت المادة السادسة من نفس الفصل أنه لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية في مصر أو إدارتها أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع الكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى، وفق الضوابط والشروط التي وضعت في هذا الشأن، وسمحت للمجلس الأعلى بإلغاء الترخيص أو وقف نشاط الموقع أو حجبه في حالة عدم الحصول على ترخيص ساري.

ورغم حجب مئات المواقع الإلكترونية، أعطت المادة 19 الحق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الحكومي في حجب الصفحات الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” وكذلك المدونات الإلكترونية، إذا رأى المجلس أن صفحة أو مدونة ما تبث أخبارًا كاذبة أو تدعـــو أو تحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو موادا تنطوي على تمييز بين المواطنين أو تدعو إلى العنصرية أو التعصب أو تتضمن طعناً في أعراض الأفراد أو سباً أو قذفاً لهم أو امتهانا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.

ونفس المادة أتاحت للجهة الحكومية (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام) العقاب الجماعي لكل الصحفيين العاملين في موقع إلكتروني، بتمكينه من وقف وحجب الموقع إذا وقع صحفي واحد في مخالفة وفق القانون، في تجاهل تام للمبدأ القانوني بأن العقوبة شخصية، ولا يجب أن تمتد لغير المشارك في الجريمة.

وتمهيدا لإصدار قانون تداول المعلومات بالشكل الذي يريده النظام، وفرض مزيد من السرية على المعلومات والأخبار، ذكرت المادة 11 من الفصل الثاني (حقوق الصحفيين والإعلاميين) أن الصحفي أو الإعلامي محظور عليه الحصول على المعلومات أو البيانات أو الأخبار إذا كانت سرية “بطبيعتها”، دون تحديد لأسباب سريتها. بل وحرمت المادة 12 الصحفي أو الإعلامي، رغم حمله لكارنيه نقابته، الذي يحمل عبارة “تقدم السلطات المختصة لحامله المعلومات وتسهل مهمته”، من حضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة، وإجراء اللقاءات مع المواطنين، والتصوير في الأماكن العامة غير المحظور تصويرها، إلا إذا حصل على التصاريح اللازمة في أحوال تراها السلطة تتطلب ذلك.

ورغم تأكيد المادة 16 على عدم جواز فصل الصحفي من مؤسسته إلا بعد إخطار النقابة بمبررات الفصل، إلا أنه لم يلزم المؤسسة بإقامة دعوى قضائية لإثبات مخالفة الصحفي الذي يستحق الفصل أولا، بل تراجعت المادة لتعطي الحق للمؤسسة في فصل الصحفي وإجباره على الدخول في إجراءات التسوية ونزاع قضائي لا يُسفر في النهاية عن عودة الصحفي لعمله.

وفرضت المادة 21 قيدا على نشر أخبار المحاكم أو سير العدالة القضائية، رغم حق الرأي العام في متابعتها، فأكدت على حظر النشر ونصت بعبارات مطاطة، على حظر تناول الصحفي أو الإعلامي ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة على نحو يؤثر على مراكز من يتناولهم التحقيق أو المحاكمة، كما حظرت على الصحف ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية نشر أو بث أي من ذلك، دون تحديد ما قد يعتبر تأثيرا على المراكز.

ورغم أنه من المتعارف عليه أن رد المصدر على ما ينشر عنه وقاية من المساءلة القانونية، إلا أن المادة 22 من القانون الجديد نصت على أن احترام حق الرد المكفول لا يحول دون مساءلة الصحفي أو الإعلامي تأديبيا، كما أعطت المادة 24 المجلس الأعلى حق التدخل لإجبار الصحيفة أو الموقع أو القناة على نشر التصحيح، دون تحديد الإجراءات التي ستتخذها لذلك، والتي قد تكون تهديد بالحجب أو الإغلاق.

حاولت السلطة الهروب من الاستجابة لمطلب واحد من مطالب الصحفيين أثناء أزمة هذا القانون، وهو التمسك بإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفي، خاصة أنه أصبح ردة على نتاج نضال جيل من الصحفيين في مواجهة القانون 93 لسنة 1995، فعدلت المادة 29 من القانون الجديد فحظرت في بدايتها حبس الصحفي احتياطيا في جرائم النشر، لكنها ارتدت مرة أخرى عن ذلك بإضافة جملة “فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد”، فمصطلح “التحريض” به من الغموض ما هو كفيل بإظهار إصرار السلطة على التنكيل بالصحفيين وجعل الحبس الاحتياطي عقابا وليس وقاية، بترك هذه المصطلحات كي تُستخدم وفق هواها. كما أن الحبس الاحتياطي الهدف منه منع مرتكب الجريمة من التأثير في التحقيق أو إخفاء الأداة أو التأثير في الشهود أو هروب المتهم إذا لم يكن له محل إقامة وعمل دائم، وهو ما لا ينطبق على الصحفيين، حيث أن جريمة النشر ثابتة بمجرد نشر المادة الصحفية، وبالتالي لا يمكن التأثير في التحقيق أو إخفاء الأداة أو التأثير في الشهود، كما أن الصحفيين من الشخصيات العامة التي لها محل إقامة ومقر عمل دائمين.

ورغم أن العالم كله يتجه نحو الاكتفاء بالإخطار في إصدار الصحف والمواقع الإلكترونية، ورغم أن الدستور في مادته 70 ينص على أن من حق الأشخاص الاعتبارية والطبيعية تملك الصحف بالإخطار، إلا أن المادة 35 من القانون الجديد تشترط في تأسيسهم الصحف شروطا قاسية تحد من إصدارهم لصحفهم، منها إيداع، في أحد البنوك المرخص لها في مصر، ستة ملايين جنيه، إذا كانت الصحيفة يومية، ومليوني جنيه إذا كانت أسبوعية، ومليون جنيه إذا كانت شهرية أو إقليمية يومية، و400 ألف جنيه إذا كانت إقليمية أسبوعية، و200 ألف جنيه إذا كانت إقليمية شهرية، وفى حالة الصحف الإلكترونية يكون رأسمالها 100 ألف جنيه، على أن يودع نصف هذه المبالغ أحد البنوك المرخص لها في مصر قبل بدء إجراءات تأسيس الصحيفة، ولمدة سنة، وهكذا فعلت مع صحف الأشخاص الطبيعية. أما المادة 37 فألزمت المؤسسات الصحفية المملوكة ملكية خاصة، أو الصادرة عن الأحزاب السياسية أو الموقع الإلكتروني الصادر عنها، أن تودع عن كل صحيفة صادرة عنها مبلغًا تأمينيا لا يقل عن مليون جنيه ولا يزيد على مليون ونصف المليون جنيه، بحسب دورية صدور الصحيفة، ويحدد قيمة هذا المبلغ المجلس الأعلى، وذلك لسداد حقوق الدائنين في حالة توقف الصحيفة عن الصدور، ويزاد هذا المبلغ بنسبة 10% كل خمس سنوات، من تاريخ العمل بهذا القانون.

ويتعرض صحفيو المؤسسات القومية لتهديد التسريح  من أعمالهم، حيث تسمح اختصاصات الهيئة، في قانونها، بدمج وإلغاء المؤسسات والإصدارات الصحفية، وهو يعيد إلى الأذهان أزمة داري التعاون والشعب، بعد إلغائهما ودمجهما في مؤسسات الأهرام والأخبار والتحرير، وتسريح عدد من الصحفيين تحت التمرين منهم، ولولا ثورة 25 يناير ما عاد هؤلاء الصحفيين لعملهم وما تم تعيينهم.

وقلل قانون الهيئة من عدد المنتخبين في مجلس إدارة المؤسسة القومية، وجعل من رئيس الهيئة الوطنية للصحافة الحكومية، رئيسا للجمعيات العمومية للمؤسسات القومية، بعد أن أصبح لا يمثل الصحفيين من أبناء المؤسسة سوى اثنان فقط.

هكذا يمثل القنون الذي تم تمريره مرحلة جديدة من السيطرة المطلقة على الإعلام، لا تقف عند الصحافة القومية والمحطات التليفزيونية التابعة للدولة، ولكنها تمتد لتصل حتى للصفحات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة