بشير صقر.. سيرة من سير المسيرة العسيرة

من ذكريات الطفولة والشباب ملحق ما بعد كتابة الذكريات.. وخاتمة..

قراءات, قضايا

31  يوليو  2018

يتحدث هذا الجزء عن ملحق أضفته مؤخرا للنص بعد ملاحظات من بعض الأصدقاء، ثم تأتي الخاتمة توضيحا لصلة الشروط الموضوعية بالشرط الذاتي، مع تقدير موجز لهذه المرحلة وبالأدوار التي تضمنتها، وإشارة لوضع المجتمع الراهن ونواقصه التي تشكل عراقيل حقيقية أمام التغيير، ومن ثم ضرورة معالجتها لاستئناف مسيرة الكفاح واستعادة مصر وإعادة بنائها.

ملحق ما بعد كتابة الذكريات:

عرضتُ هذا النص قبل النشر علي بعض الأصدقاء لكي يبدوا رأيهم فيه فأفادني ثلاثة منهم بأن نقصا واضحا يعتريه وهو غياب الحديث عن الأسرة ككل لأنها كانت علي مقربة من هذا التاريخ بل وشارك بعض أعضائها فيه حيث لا يكفي الحديث عنهم كأفراد في سياق الأحداث. ولم يكن علاج الأمر ممكنا – خصوصا وأني شرعت في نشر جزئين منه – إلا بإضافة هذا الملحق لسطوره الأخيرة.

ولأن أصدقائي كانوا علي صواب في تلك الملاحظة فقد بدأت في تحديد رءوس موضوعات هذا الملحق كالآتي:

  • القيم التي حكمت منزلنا بشكل عام.
  • القيم والأفكار التي أضافها النشاط العام في جانبيه الاجتماعي والسياسي.
  • التحققات العملية لذلك.

والتي سنتناولها كالآتي:

كانت السمة المميزة لأسرتي تتمثل في العلاقات الإنسانية بالجيران والأقارب والأصدقاء باعتبارهم جميعا – وبدرجات متفاوتة – جزءا من أسرتنا. لكن كيف ولماذا..؟ فهذا ما لا أستطيع الإجابة عليه إجابة دقيقة.. لكني سأحاول التطرق لعدد من الأمور التي تشير إلى تلك الإجابة:

  • أعتقد أن قيمة عدم التمييز بين أفراد الأسرة كانت أحد العوامل التي شكلتها.. فالكل سواسية.. والكل يعمل.. والكل يتمتع بنفس الفرص المتاحة باستثناء الثلاثة الكبار (أنا وعبد الغفور وبشري) نظرا لأنهم يقومون بأدوار جوهرية في بناء الأسرة وتوفير سبل المعيشة لها وتسيير دولاب العمل اليومي الذي لا يمكن لأسرة أن تعيش بدون إحكامه وضبطه خصوصا في ظل غياب عائلها الأساسي منذ عام 1960 حيث كنت في السابعة عشرة ومهدية (الأخت الصغرى) لم تكمل الخامسة من عمرها. فقد كان مطلوبا مني رعاية الأسرة بمعناها الواسع.. وليس مجرد إعاشتها بمعني الإشراف علي دراستهم وبث القيم الإيجابية وتعميق القيم الموجودة والتي نراها خليقة بالتبني؛ واتخاذ القرارات الرئيسية المتعلقة بالمستقبل بالمشاركة مع والدتي وشقيقي عبده في حالات تواجده بالمنزل – حيث كان قد غادر المحافظة عام 1963 إلى الصعيد موظفا ببنك التسليف وواصل تغيبه لالتحاقه بالقوات المسلحة مجندا عام 1966 وحتى 1973 ومن الجيش عاد لعمله بالصعيد – علما بأنه كان يدفع مرتبه كاملا للأسرة بعد تجنيده بسنتين حتى انتهت علاقته بالجيش.
  • جو الحرية الذي كان شائعا بالمنزل والذي كانت إحدى تحققاته هو أننا لم نتدخل في مناقشة أمي في ميراثها من أبيها مع بقية الورثة بالمرة.. بل ولم نعرف تفاصيله. كذلك لم يكن يتدخل أي منا في حق أي فرد بالأسرة في أن يلبس ما يشاء وأن يذاكر كيفما شاء ومع من يشاء شرط أن تكون نتيجته الدراسية إيجابية.

-وعلي سبيل المثال كانت أمان لا ترتدي غطاء للرأس حتى السنة قبل الأخيرة في المرحلة الإعدادية.. ثم ارتدت إيشاربا في السنة الأخيرة وفي الأولي الثانوية طواعية وبرغبتها الشخصية. وفي يومٍ تأخرت عن مدرستها عام 1966 وعلي بابها كانت تقف ناظرة المدرسة لمحاسبة المتأخرات ومعرفة السبب. هذا وقد طلبتْ من أمان أن تخلع غطاء رأسها وإلا لن تدخل المدرسة.. فاستدارت أمان وهمّت بمغادرة المدرسة؛ فنادتها الناظرة بعصبية قائلة: إلى أين..؟ فأجابت أمان: ألم تقولي أني لن أدخل المدرسة إلا لو خلعت الإيشارب..؟ وأنا لا أريد أن أخلعه. فتراجعت الناظرة قائلة: هيا إلى فصلك.

بعد عام آخر وجدنا أمان تذهب لمدرستها دون غطاء رأس.. والأهم أنها لم تضعه علي رأسها بناء علي أمر أو رجاء أو حتى تحبيذ.. ولم تخلعه استنادا لنهْي أو تهديد أو حتى سخرية فهي مَنْ اختارت في الحالتين.

  • لقد كانت البنات الأربعة يتبادلن ملابسهن طواعية فقد كن في سن وأجسام متقاربة ولم يطلب منهن أحد ذلك.
  • وأتذكر أيضا أنني عندما أُبعِدْتُ إلى أسيوط ورحل معي شفيع وبشري كان لدي شفيع 9 قمصان بينما لم يكن لدي سوي أربعة.
  • كانت قيمة التضحية والإيثار والتعاطف مع الفقراء واليتامى إحدى القيم التي كانت راسخة في أسرتنا حيث رحبتْ باستضافة أسرة أحد أخوالي المتوفين لمدة عامين ونصف وكانت السعادة الغامرة بذلك تملأ منزلنا وحل محله الحزن الواضح بمغادرتها عائدة إلى القرية. وعلي ما يبدو أن فقدَ أبينا قد خلق نوعا من التعاطف مع كل الأسر التي فقدت عائلها.
  • هذا وكانت بشري أكثر من ضحت من إخوتها بل وحُرمَت من التعليم نظرا لاحتياج والدتي لها في أعمال المنزل مما جعلها تتغيب كثيرا عن المدرسة باعتبارها كبري البنات ويدها اليمني في تلك المهمة. لكنها ومن الناحية الأخرى تعلمت فن الحياة وإدارة المنزل. ليس هذا فحسب بل أنها شاركت في رفع الشعارات في مؤتمر سيد مرعي بأسيوط عام 1973، وساهمت في إنقاذ أحد القيادات الطلابية هناك مع شقيقي شفيع من عدوان الأمن عليه.. فضلا عن دور الجندي المجهول في عديد من الأعمال التي ساهمت في النضالات الطلابية بجامعة أسيوط.. وهو ما دعا صلاح يوسف للإصرار علي الزواج منها.. رغم اعتراضي عليه استنادا إلى الفارق الواسع بينهما في الثقافة والمستوي التعليمي باعتبارها لم تحصل علي شهادة إنهاء الدراسة الابتدائية وهو مثقف وكاتب قصة ومهندس وزعيم طلابي بارز.
  • هذا وكانت مهدية تقوم بمساعدة زميلتها المريضة بشلل الأطفال في إيصالها يوميا من منزلها القريب من منزلنا إلى مدرستها طيلة سنوات المرحلة الإعدادية.
  • كما شرعت هند بعد أن أنهت المرحلة الثانوية في التوجه لملجأ الأيتام بشبين الكوم لتعليم الصبية النزلاء ومحو أميتهم الأبجدية حيث التقت بمدير المؤسسة طالبة منه أن تقوم بهذه المهمة.. فتصور المدير أنها تريد أن تقوم بالخدمة العامة المقررة علي خريجات الجامعات آنذاك.. فنفت ذلك، فسألها: ومَنْ أرسلك إلينا.. فردت: لم يرسلني أحد وأوضحتْ له أنها تريد ذلك كمبادرة منها. وحيث سألها أحد الجالسين بالحجرة (وكان مدرسا للموسيقي) عن اسمها فأجابته: هند صقر.. فطلب اسمها بالكامل: فردت: هند محمد عبد الرحمن صقر. فسأل: بنت الأستاذ محمد صقر المدرس..؟ فأجابت: نعم. فقال موجها حديثه للمدير: إبن الوز عوام. وكان هذا التعليق بمثابة تزكية لها للقيام بالمهمة التي استمرت سنوات طيلة الإجازات الصيفية وضمت لها زميلات أخريات من طالبات وخريجات الجامعة.. بل ونسجت علاقة جميلة مع تلاميذها حيث كانوا يترددون عليها بمنزلنا للزيارة وعرض بعض مشاكلهم لحلها.هذا وتكررت تجربتها في محو الأمية في حي فقير هو العزبة الغربية أغلبه من الفلاحين؛ وقد شارك معها فيه عديد من الشباب والفتيات من طلاب المدارس الثانوية والجامعة بعضهم من المترددين علي منزلنا.
  • وبانخراط الأسرة في مناخ العمل العام الاجتماعي والسياسي اتسع المجال لقيم أخري جديدة لم تتعارض مع القيم السابقة لكنها أسهمت في رفع وعي أفراد الأسرة بالعمل السياسي خصوصا في جانبه العملي؛ ولأن المترددين علي المنزل كانوا من الطلاب الذين صار لهم دور فاعل في النشاط السياسي بالجامعة فيما بعد وكانوا يتشاركون في النقاشات السياسية العامة وأحيانا الأدبية.. وبذا تحول منزلنا إلى بؤرة لهذا النشاط الذي توسع بمرور الوقت. وهو ما ساعد شقيقتي أمان ثم مهدية علي احتراف رفع الشعارات في المؤتمرات – بجمعية الشبان المسلمين بشبين الكوم وكمشيش – ومن ثم في مظاهرات الجامعات فيما بعد. وقد بدأت أمان هذه المهمة منذ عام 1968 وهي في الثانوية العامة بينما بدأتها مهدية وهي في الصف الثاني الإعدادي في عام 1969.
  • وقد ذكرتْ أمان أنه في إحدى مظاهرات جامعة القاهرة عام 1973 قامت قوات الأمن المركزي باحتجاز المظاهرة أمام تمثال نهضة مصر ومنعتها من التقدم فما كان من أمان التي كانت ترفع شعارات المظاهرة إلا أن أعطت ظهرها لقوات الأمن وأشارت للطلاب بالجلوس علي الأرض ثم استدارت لتخاطب الجنود الذين تبينت أن أغلبهم من أبناء الفلاحين قائلة: (يا جنود يا فلاحين // داحنا اخواتكو المخلصين، يا جندي أنا وانته واحد // واللي ظالمني وظالمك واحد) وكررت الشعارات والطلاب يرددونها.. وبعد حوالي 7-8 دقائق وجدت الدموع تنساب علي وجوه بعض الجنود في الصفوف الأمامية.. حيث كانت أمان تقف في مقدمة المظاهرة.

لقد كانت المؤتمرات السياسية بشبين الكوم وكمشيش فرصة مواتية لطرح كل الشعارات الثورية في مختلف جوانب النضال السياسي؛ وأستطيع القطع بيقين أن 80% من شعارات الحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي جاءت من كمشيش. من جانب آخر وحيث انتقلت أمان لمدينة الإسكندرية ولكلية الآداب حيث تزوجت هناك؛ فقد استضافت بعض فلاحي كمشيش- المبعدين عن قريتهم – بعد أسبوع من الزواج في منزل الزوجية ولمدة عام كامل. وفي نفس الوقت داومت علي النشاط السياسي في الجامعة حيث تم القبض عليها ثلاثة مرات عامي 1974، 1975 وأودعت بسجن الحدرة وكانت قد سبقت استضافتها بسجن القناطر اعتبارا من 21 فبراير 1973 لعدة شهور حيث كانت تشارك في تظاهرات الجامعة آنذاك.

  • هذا وقد ساعد أمان علي قيادة المظاهرات- إضافة لحسها الوطني- وثوق علاقتها باللغة العربية وآدابها حيث كان لها فيما بعد بعض الاجتهادات في كتابة الشعر وتحديدا شعر العامية كان منه تلك الأبيات من قصيدة بعنوان “الدولار” التي كتبتها مما يزيد عن عشرين عاما:

إدخلي يابنتي جوّه

وسّعِي إنتي وهوّه

دا الغريب داخل بقوة

والدولار هوه الفتوّة

التراب اللي انتي بيه تتكحّلي

سيبي فيه رُفات جدودك وارحلي

حتبعيه بكام دولار..؟.. لا تسألي

والغلابة لا حول ليهم ولّا قوة

الدولار يا بنتي عينه ع الثمار

ع الكنوز ف الأرض.. وف بطن البحار

ع العقول المُنجزة.. وحتى الصغار

عينه ع اللولي حتى في جوف المحار

والخواجة اللي انتي مبهورة بدولاره

والدولار اللي انتي مغشوشة ف خَضَاره

أوّل الرِسْمال ما ياخد فيه مداره

مش قرارك راح يكون.. حيكون قراره

الدولار ده نابه أزرق

يِعْلا هوّه..جنيهنا يغرق

بقوته.. يقدر يفرّق

بين أبويا.. وبين صغاره

الدولار له فكرُه برضه

ييجي يوم.. ولابد فارْضه

يومها مين.. يقدر يعارضه..؟!

وفاس أبويا..مش ف أرضه؟

  • خلاصة القول لقد أفصحت رحلة الأسرة في الحياة عن عدد من المبادئ والقيم الإنسانية والسياسية لا تخطئها العين، وقد ظلت متمسكة بها لأبعد مدي. وفي نفس الوقت دفعت بعدد من أفرادها للطفو علي سطح الحياة السياسية – في حقبة محددة من الزمن – لكن الأدعى بالملاحظة والتأمل ليس من طفا على السطح.. بل من لعب دور الجنود المجهولة في صمت وجلد واقتناع ومن ثابر علي هذا الدور حتى في زمن الجزْر والانحطاط. ولعل من كان قريبا من الأسرة يري في بعض أفرادها – المعروفين أكثر للناس- أصحابا للدور الأبرز فيها؛ لكن الحقيقة والأمانة تستدعي أن أقول أن الأدوار المجهولة البناءة هي الأحق بالملاحظة والأجدر بالتأمل والتقدير. وقد تمثلت تلك الأدوار في هند وبشرى ومن خلفهما الأم. وداخل هذا الدور تحظي هند بالدور الأثبت والأبرز والأكثر اتساقا مع المبادئ والقيم التي تحدثنا عنها – أثناء وبعد تلك الحقبة- حيث ما زالت تمارس هذا الدور حتى الآن – بأشكال مختلفة – داخل الأسرة؛ والأهم أنها تمارسه ليس باعتباره دوراً أو واجباً بل باعتباره عادة وطبيعة متأصّلة.. باختصار لقد توحّدت مع هذا الدور.

ولأن الحياة الحديثة باغتتنا بوسائل وأدوات مبهرة لأبصارنا.. وأعاقت نظرتنا العميقة والمدققة للأشياء.. فقد ساهمت في إضعاف تمييزنا بين الأدوار الطافية علي السطح ذات البريق والوهج وبين الأدوار المجهولة البناءة.. ذات التأثير الأعمق والأبعد.

ولا يبقي في هذا المشهد إلا القول بأن نساء هذه الأسرة الخمسة هنّ مَن قمْنَ بأهم الأدوار فعالية و بناء واتساقا مع النفس والمستقبل.

  • هذا عن الفترة التي شهدت تأجج الكفاح السياسي بشأن القضية الوطنية وغيرها في ستينات وسبعينات القرن الماضي. لكن عوامل التعرية التي أغرقت مصر فيما بعد في طوفان الانفتاح والخصخصة وإعادة هيكلة الزراعة ومصالحة إسرائيل والردة السياسية التي قادها السادات وعمقها مبارك وتعهدها بالخدمة والرعاية قد طمست الكثير مما أنجزه شرفاء كثيرون من أبناء الشعب المصري.. حتى وصل بنا الأمر إلى ما نحن فيه الآن.. لكن يبقي في النهاية أن هؤلاء الشرفاء لم يتخاذلوا ولم يجبنوا بل واصلوا المسير قدر ما تحملت طاقتهم.
  • خاتمة: نحن لا نختار ظروفنا.. وإنما نختار طريقنا

يولد البشر متشابهين وربما متساوين، ولا تمثل الفوارق الاستثنائية بين الأشخاص إلا حالات قليلة أو نادرة. بعدَها تتولي الظروفُ المحيطة (من أفكار وموروثات وموارد ووسائل) تحديدَ مساراتهم التي يتخذونها في الحياة؛ مرتبطة بوثوق بمسار المجتمع الذي يعيشون فيه.. وبتعبير آخر أن مسار المجتمع يمثل الدفة المُتحكّمَة في مسارات الأفراد. ولا يمثل الاختلاف في مسارات بعض الأفراد عن مسار مجتمعهم إلا حالات قليلة أو نادرة علما بأن ذلك الاختلاف لا يكون مطلقا بل نسبيا.

وعليه فلكي ينجح هؤلاء الأفراد المختلفين في تعديل مسار المجتمع لابد وأن يكون هناك قاسم مشترك واسع بين مسار ذلك المجتمع ومسارهم. وبدون هذا القاسم المشترك الواسع تتبدد محاولاتهم سدي. ومن الطبيعي بعد ذلك أن يشرعوا في خلق هذا المشترك لكي ينجحوا.

وفيما عرضناه من ذكريات يمكن القول أن خياري الأول لم يكن هو الموجه لمساري بشكل مطلق – رغم كل قناعاتي- بل كان محكوما في النهاية بظروف المجتمع الذي أعيش فيه.

ولأن دفتي الشخصية ودفة أمثالي تختلف – في جوانب عديدة – عن المسار الذي اتخذه المجتمع إلا أنها بمفردها لم تستطع أن تدفع مجتمعنا لمسار أكثر صوابا وتقدما أو حتى أن تغيّر فيه تغييرات جوهرية، وكل ما نجحت فيه أن تترك أثرا وتختط مسارا يمكن قراءته أو ملامسته لفترة من الزمن قبل أن تطمره الأيام.

وقطعا كانت لي اختياراتي إلا أنني لم أختر أو أخترع ظروفي. اخترت مساري ولم أختر أو أرغبْ في النتائج التي حصلت عليها لأني لا أعيش في مجتمعي بمفردي. وما يصدُق علي يصدق علي بعض أمثالي – الفرادى- بل ويصدق علي الأعداد القليلة المجتمعة معا من أمثالي.

ورغم أية مشاق صادفتُها أو معاناة قاسيتُها فأنا راض عنها وربما لو أعيدت ولادتي لاخترت نفس الطريق – وإن كنت سأغير بعض تكتيكاتي- ولتبنّيت نفس القيم والمفاهيم التي حكمت مساري الذي حاولت بأمانة ودقة أن أشير إليه في هذا الحديث.

وإذا أسمينا ظروف المجتمع ومساره بالظروف أو الشروط الموضوعية – بالتعبيرات الحديثة- وجب أن نسمي اختيارات الأفراد من أمثالي بالظروف أو الشروط الذاتية. وعليه فلكي ندفع المجتمع الذي نعيش فيه للأمام لابد وأن نغير الظروف الموضوعية بواسطة الظروف (الشروط) الذاتية.

وبالعودة إلى ما عرضناه نجد أن مجتمعنا المصري كان ومازال يعاني من عقبات ومعضلات أساسية تحول دون تقدمه، منها انخفاض الوعي بكل أشكاله المعروفة (السياسية والنقابية والثقافية) أي أنه يفتقر لوجود أحزاب سياسية حقيقية تحكمها قواعد ديمقراطية لا تعرف الهزل أو الشكلية وتُعبّر تعبيرا صادقا وأمينا عن فئات المجتمع المتنوعة وطبقاته؛ كما يفتقر إلى نقابات حرة حقيقية تضم العاملين في المهن والحرف والأشغال المتنوعة جميعا من عمال وفلاحين وحرفيين ومهنيين ومهمشين وعاطلين وتدافع عن مصالحهم باستماتة ولا تفرق في ذلك بين أعضائها علي أساس ميولهم السياسية أو أديانهم أو لون بشرتهم أو موقعهم الجغرافي أو الجنس الذي ينتمون إليه أو العرق الذي أوْجدهم، كما تفتقر إلى الثقافة الجادة التي تمزج – بحصافة وحكمة – بين ثقافة المجتمع المحلي وثقافات الحضارات والشعوب الأخرى، وأن تتطور بعد هذا المزج ولا تبقي ثابتة أو أسيرة للماضي بل ناظرة ومتجهة نحو المستقبل وأدواته واحتياجاته وإلا ماتت وتحللت.

ولا يمكن تحصيل وتبني تلك الثقافة دون أن يكون العلم الحديث هو محرّكُها وفارسها الأول والتعليم بكل أنواعه (النظامي وغير النظامي) هو أداتها ووسيلتها المسنونة الناجعة. ولا يخفي علينا أن الأشكال الثلاثة للوعي في مجتمعنا تبتعد أشد البعد بشكل متصاعد عما ننشده ونهدف إليه.

 باختصار لا أحزاب حرة ديمقراطية، ولا نقابات حرة قوية، ولا ثقافة جادة ولا علم ولا تعليم.. بل توغل في التخلف وانحدار نحو الماضي وتجاهل أو غضٌ للبصر إزاء المستقبل، ودوران حول الذات دون سعي إلى الأمام.

إن العوائق والمعضلات التي يتم زرعُها في هذا المسار تُحقق مصالح الفئات المالكة والحاكمة فتأخذ من كل الفقراء والفئات الوسطي في المجتمع كثيرا من جهدهم بل وفي كثير من الأحيان حياتَهم، وعليه فإن إزالة تلك العوائق والمعضلات أو بشكل أدق انتزاع الحقوق بأنواعها يتوقف علي الوسيلة التي تستخدمها الطبقات السائدة في فرض الأمر الواقع علي الفقراء؛ وفي كل الأحوال لابد من انتزاعها مهما كانت الوسيلة وأيّا كان الثمن.

إن التجربة عموما تساعد في ابتكار رؤية للمستقبل متجنبة مواطن الزلل. وهذا ما يمكن أن نستخلصه مما خضناه أوْ مرّ بحياتنا من تجارب متنوعة ومحاولات.

ونشير أخيرا إلى أن التجربة التي لا تشمل عموم المجتمع وتقتصر علي جزء منه (محافظة أو قرية أو حتى مهنة بمفردها) لن تعدّل في ميزان القوى في المجتمع تعديلات جوهرية تمَكّن من دفعه للأمام وتغييره، بل ستكون أقرب إلى تجربة علمية في المعمل أو أشبه بحقل إرشادي في الزراعة، تقتصرُ فوائدُها علي كونها مؤشرات ورءوس أسهم لما يجب عمله في عموم المجتمع وهو ما ينطبق بشكل كبير علي ما أسهمنا به في حياتنا. لذا فما عرضناه ليس مذكرات ولا سيرة ذاتية بقدر ما هو محاولة للتعرف علي تضاريس المجتمع من خلال وقائع عملية عاصرتُها أو شاركتُ فيها في مراحل زمنية مختلفة وسعي لتلَمُس رؤية للمستقبل.

4 نوفمبر 2017

بشير صقر

تمت

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

إلتزم الجميع الصمت نظر لي أحدهم حاقدًا، لأنني لست موثق اليدين مثلهما، ضحكت على نظرته بصوت عال، ضحكت على أنه يحسدني لأنني سجين ولكن لست مكبل اليدين مثله.

أحمد جمال زيادة