أين تختبيء أغاني ثورة يناير؟

فنون, قضايا

29  يوليو  2018

ذهبت ثورة يناير (يعتقد كثيرون) لحال سبيلها، وأخذت في يدها المحاولات الغنائية التي ارتبطت بميدان التحرير، والتي أدّاها موسيقيون شبّان أمثال: (رامي عصام- محمد عباس- عزيز الشافعي- فرقة كايروكي- عايدة الأيوبي- فرقة بلاك تيما). السؤال: لماذا يا تُرى؟. الأسباب كثيرة وكلها مُعلقة على حبل، والحبل على الغارب، والغارب هذا قِطعة من مجهول عجنها وخبزها مناخ هابط (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة)، يسحبه قطار مصادرة الفضاء العام. سلطة تعمل عقلها بعقل “شويّة مزيكا”؟.

إجابة السؤال معروفة والزمن تجاوز الأسئلة البريئة أو الساذجة بمعنى أدق؟. وهنا نقول إنه بات في حكم الرسمي، أن لا يستطيع واحد مثلي (ومثلي ملايين) أن يتابع خمس دقائق من غناوي الميدان، على شاشات الفضائيات والإذاعات المصرية التي يُديرها حَمَلة المباخر.التعليمات فوق المكاتب:”أُفرم شغل العيال دي”.

السطور السابقة لا تقدم جديدًا، عزيزي القاريء، على القديم الذي يقول إن أنظمتنا تعاديالأفكار والأغنيات، على أنّ السطور المقبلة تحاول أن تقدم مشاغبة فولكلورية لقراءة أغاني السياسة من زاوية التراث الشعبي.

في البدء، عندما كنّا في ميدان التحرير، وكنّا نتلقف أغاني يناير لحظة ولادتها فوق منصّات خشبية بسيطة، كان الرأي الغالب وهو عاطفي على الآخر يقول: “هي دي الأغاني الشعبية ولا بلاش”. في حقيقة الأمر لم تقترب الأغنية الشعبية folk song من انتفاضة يناير بتاتًا، كما لم تقترب الأغنية  الجماهيريةpopular songمن القصة برمتها (يبخل علينا الواقع المُتردي بثنائيات كالشيخ إمام ونجم، وسيد درويش وبديع خيري).

وعلى مستوى النصوص (الأدبية والموسيقية والأدائية) واستمرارية التجرية (التراكم الفني) لا نجد أن نَفَس أغاني الميدان، قريب من هذه أو تلك، فهي ليست سوى مجرد محاولات أدائية حسنة النيّة، قامت على فكرة الاستلاف (استعارة مقاطع من هتافات معروفة أو أزجال أو أشعار دارجة) أُضيفت لهذه المحاولات التي ارتبطت ذاتيًا بحدث قصير العمر (18 يومًا)، وذيوعها ارتبط بفترة قصيرة لذا لم تصمد، وبالمرّة لن نُغفل أن هذه الأغاني البسيطة لم تقدم دروسًا وخبرات شعبية أو أدوار اجتماعية، كان يعدمها الثوار المستمعون. وهنا نكون قاب قوسين من معرفة جواب: لماذا لم تستقر أغاني شباب الميدان في وجدان الناس؟.

هل يجدر بي أن أتسائل:هل تتعزّزُ الأغنية الشعبية على حدث جماهيري كبير؟. هل تتخذ موقفًا من ثورة يناير؟. وإذا كان: فما هو؟. وإذا لم يكن: هل تنام أغانينا الشعبية في كهف غير معلوم؟.

في الحقيقة كل هذه التساؤلات لا معنى لها فولكلوريا لأن الأغنية الشعبية التي يُبدعها الناس بأنفسهم لأنفسهم لا تختبيء بل موجودة في كل وقت، وهي متوارثة شفاهيًا، ومجهولة المؤلف والملحن، وعمرها مئات وآلاف السنين وهي لا ترتبط بمؤد، بل يؤديها كل الناس حيث تكسر الحاجز المُصطنع بين المؤدي والمتلقى، ومنها أغاني العمل والختان والزواج والحب والمناسبات الدينية. وأهم وظيفة للأغنية الشعبية أنها أداة للضبط الاجتماعي حيث تعمل ضد الأفراد/ الحكام الذين ينحرفون عن ضوابط الثقافة الشعبية. ومن نوعيات الأغاني الشعبية نجد الأزجال المُغناه والموال القصصي بأنواعه (الأحمر- الأخضر- الأبيض) وأغاني السير، والأزجال والأمثال التي كان يؤديها المصريون عفويًا (برفقة الطبلة) عندما يخرجون من بيوتهم ثائرين على الحاكم الأجنبي وألاضيشه الذين ينهبون الخير ويسرقون الكُحل من الأعين ثم يفرضون الإتاوات على العامة الجائعين.

طبقًا لعلم الموسيقى الشعبية لا تندرج  أغاني الشيخ إمام ونجم، وسيد درويش وبديع خيري، والأخرى العاطفية/ الاجتماعية المؤداة من جانب محمد رشدي ومحمد عبد المطلب ومحمد العزبي وصولا إلى عدوية وعبد الباسط حمودة وغيرهم، ضمن الأغاني الشعبية فهي أغاني جماهيرية معروفة المؤلف والمُلحن، ومؤدوها ليسوا مغنين شعبيين، فحتى لو أن كلمات وألحان هذه الأغاني لاقت قبولا لدى الناس فتبنوها لفترة ليست هينة، لكن عمرها أقصر من الأغنية الشعبية التي ترتبط بدورة الحياة. كما أن العلاقة بين المؤدي في الأغنية الشعبية والجمهور هي علاقة مترابطة (المؤدون هم المتلقون أي أن الكل يشارك ويغني)، والاستثناء هنا بعض أغاني الشيخ إمام، والأناشيد التي لحنها سيد درويش (نشيد بلادي) وكذا ألحانه المرتبطة بأغاني العمل التي تُحفظ ويتناقلها الناس ويؤدونها في مناسبات شتى وفي أماكن متنوعة.

وإذا كانت الأغنية الشعبية في الغالب مجهولة المؤلف والمُلحن لكن هناك بعض الأغاني يتلقفها الناس لأنها تعبر في لحظة ما عن موقفهم من العالم، فيتبنونها وتصير شعبية رغم معلومية مؤلفها ومُلحنها. وأوضح مثال أغنية (يا بلح زغلول) التي لحنها سيد درويش وألفها بديع خيري، وأدّتها المطربة نعيمة المصرية ومن بعدها الباعة والناس في الشوارع والنسوة في الشُرُفات. هذه الأغنية كانت احتجاجًا على قرار سلطة الاحتلال الإنجليزي (1919) بسجن من يذكر اسم “سعد زغلول” في أي تجمُّع عام. تقول الأغنية:

” يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح

يا بلح زغلول يا زرع بلدي

عليك يعدي يا بخت سعدي

زغلول يا بلح يا بلح زغلول

يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول

عليك أنادى فى كل وادى

قصدي ومرادي

زغلول يا بلح يا بلح زغلول

يا حليوة يابلح يا بلح زغلول

الله اكبرعليك يا سكر

يا جابر اجبر

زغلول يا بلح يا بلح زغلول

يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول

ما عيتشي أبكي وفيه مدبرمين بس ينكر زغلول يا بلح

يا روح بلادك ليه طال بعادك

 

تعا صون بلادك

زغلول يا بلح يا بلح زغلول

يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول

سعد وقاللي ربي نصرني

وراجع لوطني

زغلول يابلح يابلح زغلول

يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول”.

وإذا كانت الألحان في الأغاني الشعبية تعتمد على جملة موسيقية تتنوع في إيقاعها طبقًا لموضوعها ووظيفتها، ففي أغاني العمل يواكب اللحن حركة العمل وإيقاعه النشيط وعلى النقيض يكون اللحن بطيئًا في أغاني المهد.

والأغاني الشعبية معظم نصوصها الأدبية باللهجة العامية (مجهولة المؤلف) لذا من الصعب تتبع نصوصها المكتوبة خاصة المرتبطة بحدث سياسي، وإن كانت الأغاني المُمتضمنة في مواويل سير “ياسين وبهية” و”حسن ونعيمة” و”شفيقة ومتولي”، و”أدهم الشرقاوي”، و”على الزيبق” وسيرة بني هلال، يمكن رصدها في صورتها الأخيرة شأن الحال في أغاني المناسبات الاجتماعية (الطقاطيق الفوكلورية) وبعض غناوي العمل. وتكون الأغاني الشعبية دائمًا مصحوبة بآلات إيقاعية كالطبلة والدف وآلات وترية شعبية كالطنبورة و السمسمية والغاب والربابة.

الأغنية الشعبية إذًا لا تتخفى عن حكاية يناير، لكن لم تهضمها بعد في وجدانها الجماعي علاوة على أنها تتعرض للتهميش والانتزاع من سياقها الشعبي، لصالح الأغاني التقليدية/  والرسمية. فثورة يوليو (1952) لا تحتفظ ذاكرة الناس بأغنية شعبية واحدة عنها، والأغاني التي كانت تُغازل العمال والفلاحين وأفكار يوليو، والأخرى التي غناها عبد الحليم ومحمد قنديل وعبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم، هي أغان تقليدية – سياسية كان يُذيعها التليفزيون فاكتسبت انتشارا كبيرًا على عكس الموال والطقطوقة والدور الغنائي الفكاهي، الذي لم يحظ بنفس النصيب.

وحتى عندما حاولت المؤسسات الثقافية الرسمية في مصر الانتباه لأهمية الأغاني الشعبية (التراثية) اغتالت سياقها الشعبي ونقلتها إلى سياق العرض الجماهيري الذي يقوم على قاعدة العرض والطلب.

عود على بدء: يبقى منعُ أغاني شباب ميدان التحرير طبيعيًا فهو جزء من سلسلة منع أدمنته السلطات في مصر عبر العقود الأخيرة، لكن ورغم هذا، تُسقط الذاكرة الشعبية ذاتيًا هذا النوع من المحاولات الغنائية النمطية والركيكة في ألحانها ونصوصها الأدبية (الكلمات)، والتي تعتمد على نص أدائي غير شعبي (مثال بسيط: تتجلى روح الروك  في أغنية محمد منير: إزاي).

هناك نضوب؟. نعم.عندما كنّا في الميدان كانت أغاني الشيخ إمام وسيد درويش لها الغلبة على تجارب شباب الميدان. وكشأن الأغاني الرسمية(مثال: أوبريت اخترناك أيام مبارك، وتسلم الأيادي في زمن السيسي) تشترك أغاني ثورة يناير مع هذا النوع من الأغاني في سمة الانفجار (الانتشار) الكبير ثم التلاشي الكبير، فالمصير هو الاختفاء: حجبتها السلطة أو الوجدان الجمعي.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن