بشير صقر.. سيرة من سير المسيرة العسيرة

من ذكريات الطفولة والشباب – الجزء السادس الرحيل إلى جرجا.. وحرب أكتوبر1973

قراءات, قضايا

29  يوليو  2018

ويتناول إصدار قرار نقلي إلى جرجا ويتابع أحداث الحركة الطلابية بأسيوط عام 1973 وما اكتنفها من إجراءات عنيفة من جانب الدولة وأجهزتها الأمنية من تقديم قادة الحركة لمجالس التأديب وفصلهم وردود فعل الطلاب ضدها من مظاهرات واعتصامات لتنتهي بصدامات دموية واعتقالات وفض الاعتصامات بالقوة. كما يتطرق إلى تدابير متنوعة لاغتيال صلاح يوسف أحد أبرز قادتها ثم الاعتداء عليه فيما بعد اعتداء وحشيا كما سبق الاعتداء علي غيره من هؤلاء القادة.

إضافة إلى بداية التحرش الأمني بي تمهيدا للقبض علي وزَجّي بقضية طلاب أسيوط. كذلك يتناول حرب 6 أكتوبر 73 وإبراز التباينات حول تشخيصها من القوي السياسية.

وينتهي الجزء السادس بفصلي من الأزهر ورفض عودتي إليه فيما بعد.

طلبتُ من شيخ المعهد إعداد إخلاء الطرف واستمارة السفر من الآن لكي أتسلمهما بتاريخ الغد 14 إبريل 1972 تمهيدا للسفر إلى جرجا بعد غد 15 إبريل72. فردّ الرجل مستسلما: حاضر.. أمرنا لله. صافحت جميع الموجودين واحتضنني بعضُهم وفي صباح اليوم التالي تسلمتُ الإخلاءَ واستمارة السفر، وفي اليوم الثالث سافرت إلى سوهاج ومنها لجرجا. وكان بعض طلاب جامعة أسيوط قد عرفوا الخبر فتطوع أحدهم وكان بالسنة النهائية بالطب وأعطاني اسم صديق له من جرجا يعمل والده تاجرا للأقمشة واسمه أبو الحمد السهولي الكتاتني.. لمساعدتي في استئجار مسكن. وبالفعل لجأت للتاجر الذي قام بالاستفسار من معارفه عن شقة خالية حتى عثرنا عليها وكانت علي البحر مباشرة في الدور الثالث وكتبنا عقد استئجارها.

وفي معهد جرجا كان الخبر قد سبق وصولي مع توصيات إيجابية من زملاء بمعهد أسيوط، واستلمت العمل واستأذنتهم حيث كانت أسرتي مازالت في شقة أسيوط ونقلنا أغراضنا بعد فترة ومعي بشري وشفيع.هذا وقد تم نقل أوراق شفيع من مدرسة أسيوط الصناعية لمدرسة مماثلة بالبلْيَنا التي تبعد عن جرجا (15كم) ويمرّ بها القطار حيث كانت جرجا تخلو من المدارس الصناعية آنذاك.

أمين مكتبة بدون عمل:

مع بدء العام الدراسي الجديد 72/1973 في شهر أكتوبر تعرفت علي عدد من العاملين بالمعهد الجديد وكانت المكتبة غرفة متوسطة ولها أمين يقارب الستين عاما.

في الأيام الأولي كنت أقضي بعض الوقت بها متحدثا مع أمينها الذي أخبرني بألا عمل حقيقي بها ولا وظيفة للمكتبة.. وقُرْب ظهر كل يوم كان بعض معلمي المعهد – ثلاثة ا أو أربعة مشايخ – يفِدون للمكتبة للثرثرة مع أمينها في أمور شخصية واجتماعية وكنت أجلس بينهم صامتا مستمعا ومشاهدا دون مشاركة في الحديث الذي لم يكن يخرج عن (التَشارُك في تربية المواشي وتجارتها، وشراء الأراضي وبناء العقارات، والجنس) وذات يوم سألني أحدهم لم لا تُشارِكنا فقلت له: لأني لا أفقه في الموضوعين الأول والثاني ولا أحبذ الحديث في الثالث.لذا كنت أتفادي الدخول للمكتبة في وجود أصدقاء أمينها.وعندما أدخلها بالخطأ ينفض الجَمْع؛ وقد سمعت أحدَهم ذات مرة يقول: هيا.. الشيخ بشير وصل. وقد حاولت المزاح معه مرة مستفسرا عن اللقب الذي منحوه لي (شيخ) وهل هو باعتبار أن أغلب العاملين هنا شيوخا ومن ثم أندرج تحت هذا المُسمّي وأكتسب لقبَهم أم لمعني آخر..؟ فرد ضاحكا: لا.. أنت لست شيخا ومعروف هنا بالأستاذ. ففهمتُ أن القصد كان المعني الثاني أي أنني منسوبا إليهم شيخ يفُضّون بسببه مجلسَهم العامر “بالفرفشة “.

وإلي جوار هؤلاء كانت هناك شخصيات أخرى كثيرة بالغة الجدية وراقية الاهتمامات لا أتذكر منها سوي الأستاذ محمد سرحان من قرية الكوامل.

مجالس تأديب وفصل من الجامعة واعتصامات طلابية ومطاردات شوارع

واعتقالات عشوائية وفض الاعتصامات بالقوة وصدامات دامية:

وبحلول العام الدراسي الجامعي 1972/ 1973 استأنفت الحركة الطلابية نشاطها بقوة مستفيدة من تجارب العام السابق وتجلي اتساعها وتطورها السريع ونضجها في مظاهر ووقائع عديدة كانت لغة مجلات الحائط أحدَ مؤشراتها البارزة، وكان من الواضح لأي مراقب منصف أن شوطها القادم سيختلف كيفيا عن شوطها الأول.

وحيث أسفرت المواجهة السياسية عن فشل ذريع للدولة وأجهزتها الجامعية والأمنية، وساد ذلك اليقين في أرْوِقتها في نهاية العام الدراسي السابق وبدأ الاستعداد لسياسة جديدة دشنتها زيارة سابقة لوزير الشباب كمال أبو المجد لأسيوط واجتماعه بقادة الجماعات الدينية بعيدا عن الجامعة ودعما لتلك السياسة كان السادات قد عيّن محمد عثمان إسماعيل محافظا لأسيوط الذي كان راعيا لجماعات العنف السياسية الإسلامية.

تعاون المحافظ الجديد مع الكادر الإخواني د. خالد عبد القادر عودة الأستاذ بالهندسة وكانت إحدى ثماره اتخاذ إدارة الجامعة قرارا بفصل ستة طلاب منهم أربعة من الهندسة هم (صلاح يوسف، وأحمد عرفات ومحمد المدني، وأحمد بكري) وواحد من العلوم هو (أحمد كمال) وآخر من التعاون الزراعي هو (طاهر يوسف)، حيث تم فصل الأول والثاني نهائيا بينما فصل الأربعة الآخرون لمدة عامين؛ إلا أنه تم تخفيف الفصل عن الثلاثة الأخيرين إلى سنة. وبعدها تعدّل الفصل النهائي لأحمد عرفات إلى فصل سنتين ولمحمد المدني من فصل سنتين لسنة؛ ولم يعد الخمسة الأخيرين للجامعة إلى بعد انقضاء مدة الفصل بينما لم يعد صلاح إلا بعد سبع سنوات في عام1980 وبعد أن تقدم بالتماس – بعد سنوات- لتعديل عقوبة الفصل النهائي.هذا وقد أثار تقديم قادة الطلاب الستة لمجالس التأديب وفصلهم إلى موجة غضب عارمة في صفوف طلاب الجامعة وأفضي ذلك إلى رد فعل عكسي وحالة من التمرد غير مسبوقة حيث أنّ مَنْ تم فصلهم ظلوا وسط الطلاب في كلياتهم يمارسون دورهم., بيُسْر بالغ ودون صعوبات.

يقول محمد المدني: كنا نسيطر علي الجامعة تماما، ففي أي كلية أو مدرج كنا نعقد مؤتمرا، ولم تكن هناك أدني مقاومة لا من إدارة الجامعة؛ ولا من الأساتذة رواد الاتحادات الطلابية؛ ولا من الجماعات الدينية؛ ولا من عملاء الأمن؛ ولا من الأساتذة المناوئين لنا، علاوة علي أن الأغلبية الساحقة من المدينة الجامعية كانت تعاوننا بما فيها مساكن الطالبات. أما أجهزة الأمن فكانت خارج مباني الجامعة.

هذا وانتشرَ عقدُ المؤتمرات في كليات الجامعة ثم تطور الأمر إلى اختيار كلية العلوم مركزا للنشاط الموحّد نظرا لموقعها الجغرافي المتوسط وصار للجامعة مجموعة من القادة معروفون بالإسم.

وفي مؤتمر جامع احتج الحشد الطلابي المشارك علي إجراءات التأديب وقرارات الفصل واتخذ قرارا بالاعتصام في مبني كلية العلوم؛ ولم تتمكن إدارة الجامعة من السيطرة علي الموقف مما دعاها للاستعانة بالأستاذ يوسف عبد الحافظ والد صلاح للمساعدة في إثناء ابنه وزملائه عن الاستمرار في الاعتصام إلّا أن الطلاب رفضوا فضّه.

 وحيث أصبحت إدارة الجامعة في “حيص بيص” فقد برز دور أجهزة الأمن علانية بعد أن ظل طوال الشهور السابقة متخفيا وراء عباءة إدارة الجامعة..

وعندما اندلعت المظاهرات تجوب طرقات الجامعة وترفع شعارات الاحتجاج علي مجالس التأديب والفصل التي تحمل أسماء المفصولين من زملائهم مثل [وَعْدْ يا طاهر عَهْد يا بكري // مش حنسيب الجامعة ونِجْري، وعد يا يوسف عهد يا مدني // مش ح نسيب الساحة ونمشي] تحفزت لها قوات الشرطة؛ وبينما أفلتت إحداها متجهة لقلب مدينة أسيوط ووصلت حتى عمارة صيدناوي اصطدمت بالشرطة ثم عادت. واستمر ذلك الفوران لمدة ثلاثة أيام (12- 14 فبراير73) وانتهي بصدام أمام المدينة الجامعية للطالبات اتسع نطاقه وأصيب العديد من الطلبة وقامت مجموعات الإسعاف التطوعي الخمسة – من طلاب الطب – بدورها في علاجهم..بعيدا عن المستشفيات الرسمية.

من جانب آخر كانت بعض سيارات الأمن تطارد الطلاب في الشوارع المحيطة بمبني الجامعة، وبعضٌ آخر يهاجم التظاهرات والتجمعات وأحيانا يقتحمها.. وبتكرارها استخدم الطلاب الحجارة ضدها، وفي إحدى الهجمات انقلبت سيارة جيب وبداخلها العقيد عبد العزيز حبيب الذي سقط تحتها مصابا بكسور مضاعفة في الحوض لم يبرأ منها إلى أن توفي بعد شهور.. وقد شهد الواقعة من الطلاب أعداد غفيرة منهم محمد داود وربيع الجندي.

وأعقب ذلك حالة هستيرية من عنف الشرطة مارست فيها القبض العشوائي علي الطلاب من الشوارع المحيطة ليتجاوز المقبوض عليهم مائة طالب كانت الشرطة تلقي بهم محتجزين في أقسامها حتى رحّلت معظمهم إلى السجن علي ذمة ” قضية طلاب أسيوط “.

محاولات متنوعة وشروع في قتل صلاح يوسف:

بعد سنوات عاد صلاح يوسف للجامعة وحيث كان يتردد علي عدد من زملائه في المدينة الجامعية بشكل منتظم لاستكمال دروسه وكتبه تربّص به أعضاء الجماعة الإسلامية (الجماعات الدينية سابقا) بكمين محكم واعتدوا عليه بوحشية بالعصي والشماريخ والسكاكين حتى وصل إلى حافة الموت حيث ظل بعدها عدة أسابيع طريح الفراش..واستمر علاجه ومعاناته منها شهورا طويلة.

هذا ويذكر أحدُ قيادات الاتحاد الاشتراكي بأسيوط أن محمد عثمان إسماعيل كان قد اتفق مع أحد أبناء البداري علي اغتيال صلاح إلا أن تدخلات حدثت وأسفرت عن منع ذلك.. فضلا عن تراجع ابن البداري لتخوفه من النتائج.

تحرّشات أمنية تمهيدا للقبض علي:

في هذا التوقيت- مارس 1973- لجأت المباحث العامة للتمهيد للقبض علي متخذة الخطوات التالية:

  • أكْثَر مندوبُها في جرجا (المخبر حمدان) من التردد علي المعهد في أوقات عدم وجودي به والتشهير بي واختلاق الأكاذيب وبث الشائعات التقليدية بين العاملين بالمعهد، ولم يكتف بذلك بل تعمّد إيصالها لي من خلال عدد من الموظفين الإداريين
  • تعمد السؤال عني تليفونيا بواسطة مجهولين في أوقات عدم تواجدي وإيصال ذلك لي.
  • مع بداية امتحانات آخر العام أوائل مايو 73 حضر المخبر حمدان لمقر المعهد وجلس في حجرة السكرتير وكانت صغيرة؛ بينما كنتُ وعددٌ كبير من المعلمين نتواجد في غرفة شيخ المعهد المجاورة التي تتسع لثلاثين شخصا خلال الفترة التي تفصل بين امتحان مادتين. وحيث كنا خارجين للتوّ من اللجان فقد ملأت الضوضاءُ الحجرة. وبينما كنت جالسا علي أريكة كبيرة.. فوجئت بأحد الموظفين (رسول) يخبرني بأن حمدان مخبر المباحث العامة – أمن الدولة – يطلبني في غرفة السكرتير. فقلت له: من يريدني يَحضُرْ إلى.عاد الرسول ليقول: إنه “يريدك في كلمتين علي جنب”.. فقلت له بصوت عال أَسكَتَ الضوضاء المنتشرة في الحجرة تماما: لقد قلت لك من يريدني فلْيحضر إلى. وإذا لم يرغب في الحضور فلْيغادر المعهد. وإلا فسأقوم بإحضاره بنفسي.

كان المخبر حمدان ضخم الجثة طويل القامة مفتولا.. وغبيا؛ وهو معروف في جرجا بـ”رزالته” مع التجار وكان يفرض عليهم إتاوة دورية مما جعله مكروها هناك.

لم يعُدْ الرسول مرة أخرى بعد أن وصل صوتي لغرفة السكرتير، فقمت من مكاني وسط صمت وترقبِ الجميع وتوجهتُ إلى حيث كان يجلس ووقفت علي باب الغرفة موجها كلامي له: فيم تريدني.. لا نحن أصحابٌ ولا هناك بيننا أسرار..؟ فرد قائلا: تمَهّل قليلا. فدخلتُ الحجرة وأمسكت رسغه بقبضة يدي.. وقلت: تعال معي.. هل هناك ما يُخْجِلك..؟، فسار معي وأنا ممسك برسغه إلى حجرة شيخ المعهد وبدخولنا ضحك البعض.. ثم ساد صمت عميق في انتظار ما سيحدث. أجْلسْته علي طرف أريكتي وجلستُ في وسطها ثم قلت له بصوت عال يسمعه الجميع: لِمَ أَرسلتَ في طلبي.. لم تريدني.. أمام الناس جميعا..؟ فتلَعْثم ولم يردّ. قلت له: ما الذي كنت تريد أن تسِرَّ به في أذني كما أبلغني رسولك..؟ قلْهُ أمام الناس.. فلا نحن تقابلنا قبل ذلك.. ولا جلسنا معا.. ولا تحادَثْنا.. أي أنه ليست بيننا أسرار.. قل ماذا تريد مني؟ لم يجد ردا سوي: وماذا سأريد منك..؟ فقلت له: طالما لا تريد شيئا فلم أرسلتَ لي رسولا.. أم أن هناك من أرسلك لي.. وهو ما يريد مني شيئا.؟ ظل صامتا ولم يُجِب فقلت له: أخبر مَنْ أرسلَك أنني لا أذهب لمقر المباحث إلا بأمر النيابة.. هل فهمت..؟ فرد علي: اتكلم كويس. فقلت: أنا أتكلم أفضل منك وممن أرسلك. فرد علي: أنت قليل الأدب. فلم أمهله ووجهت له صفعة قوية ونهضتُ قبْلَه منتصبا وباليد الثانية وجهت له صفعة أخرى أشد؛ فتكاثر المدرسون وأحاطوه بدائرة ليمنعونا من الاشتباك فكنت أقفز لأعلى وأضربه واستمر ذلك حوالي 3-4 دقائق طالت فيها أظافره رقبتي فخدشها. واحتجزني المدرسون في جانب بينما هو يقف في الجانب الآخر من الحجرة. ثم قلت له أمام الجميع: ما فعلتَه هنا هو جريمة اعتداء علي موظف أثناء تأدية عمله وأمام أكثر من عشرين شاهدا. وقلت لأحد وكلاء المعهد: لو سمحت يا مولانا أعطِني ورقة لكي أشكوه للنيابة وأنتم الشهود؛ ووجهت لحمدان تهديدي: والله لن أتركك ولن تفلت من يدي.

كتبت الشكوى وتوجهت للنيابة وقابلتُ رئيسَها ورويتُ له ماجرى تفصيلا مُنوّها لكل تصرفات المخبر حمدان خلال الشهور الأخيرة ومشيرا إلى أن ما حدث اعتداء من مواطن جرجاوي علي شخص غريب وإصابته واعتداء علي موظف أثناء تأدية عمله في غرفة رئيسه وبالتالي منْعِه من استكماله علي مرأى ومسمع من عشرين موظفا.. هذا وكان “الخربوش” الذي أصابني دليلا طبيا علي جريمة الاعتداء بينما ما ناله مني فلا أثر مادي له.

وأدليت بأقوالي وتم استدعاء شهود الواقعة الذين شهدوا بما جري.. وكانت أٌقوالهم جميعا في صالحي، بعدها تم استدعاؤه والتحقيق معه.

هذا وقد انتشر خبرُ (ضرب حمدان من مدرس بالمعهد الديني) في كل أرجاء جرجا بسرعة البرق. وكان كثير من الأهالي حتى الذين لا يعرفونني يصافحونني في الشارع ويشدون علي يدي ويقولون “عفارم عليك”.

وبعد أسبوعين أو أكثر من واقعة حمدان في المعهد الديني كانت شقيقتي هند في زيارتي ومعها شقيقتي أمان وزوجها وقضوا عندي عدة أيام، وفي التاسعة من صباح 28 مايو 1973قمت بتوديع أمان وزوجها بعدَ مرافقتهما لمحطة القطار للعودة إلى القاهرة وبعد عودتي للمنزل بدقائق إذا بباب المنزل العمومي يدق بشدة، فأطلّتْ هندُ من شباك جانبي وعادت بسرعة لتقول: دول عساكر. وحيث فهمتُ أن ساعة القبض علي قد حلّت.. ولأن سلم المنزل كان ينتهي عند باب شقتي ولا يصل للسطح فقد قمت باستخدام سلم خشبي متحرك ” نقالي ” للوصول للسطح ثم سحبته لأعلي ووضعته علي جانبه ملاصقا للسطح وأوصيتُ هندَ بالهدوء والصمت والادعاء بأني خرجت لتوديع أمان وزوجها ولمْ أعُدْ.. وأن شفيع خرج لشراء بعض الاحتياجات المنزلية.

داهمتْ قوة المباحث الشقة بحثا عني فلم تعثر لي علي أثر وقامت بتفتيش الشقة بدقة بحثا عن أوراق فلم تجد شيئا فأخذت معها مجموعة من الكتب السياسية التقليدية.. ولأن الفترة بين دخولي المنزل ومداهمة المباحث للشقة لم تتجاوز 7- 8 دقائق ولأن سلم المنزل ينتهي عند شقتي ولأن هند لم تكن منزعجة فقد توهّموا أني مازلت بالخارج رغم تأكيد مراقبي الشقة من المخبرين بمشاهدتهم لي أدخل المنزل.. لذلك تركوا اثنين من المخبرين داخل الشقة لبعض الوقت بعدها تركوها ورابطوا علي سلم المنزل. وبقيت حراسة أخرى حول المنزل.

كان اليوم شديد الحرارة وشمس جرجا قاسية وتحدث عنها نابليون في مذكراته.. وظللتُ علي السطح الخالي من أي ساتر أو حائط حتى الخامسة مساء.. بعدها شاهدني من بُعْد – يزيد عن السبعين مترا – بعض سكان العمارات العالية فأخطروا الشرطة التي أحضرت سلما وصعدت به لسطح المنزل، واقتادتني للأسفل وأثناءها لم يكفّ أفرادها عن ضربي حتى فقدت القدرة علي الوقوف كذلك قبضوا علي هند وألقوا بها في سيارتهم وسط استياء سكان المنازل المجاورة.وهنا لم يترك المخبر حمدان الفرصة وظل يعضّني بأسنانه بدءا من باب شقتي وحتى سيارة الشرطة.وفي مركز شرطة جرجا عاودوا الكَرّة هناك حيث تعرضنا لضرب مستمر لمدة لا تقل عن نصف ساعة.

وبعد أربع ساعات تم إطلاق سراح هند لتعود للمنزل بينما قضيتُ ليلتي في مركز جرجا ومنه إلى مركز شرطة سوهاج في اليوم التالي.

صدام آخر مع الشرطة في سوهاج وترحيل لأسيوط:

في ظهر 29 مايو وبعد نقلي لمركز شرطة سوهاج طلبت من حارس الحجز أن أدخل دورة المياه فرفض وإثر سخونة المشادة معه جاءني ضابط برتبة ملازم أول ليشتمني ببذاءة فبصقت عليه وأغرقت وجهه برذاذ اللعاب والمخاط. وما هي إلا دقائق حتى عاد الضابط مع ثلاثة جنود وبأيديهم سلسلتين من الحديد تنتهيان بكلبْشين، وعصاتين سميكتين من الخيزران بطول مترين ونصف. ووضعوا كلبْشا في كل يد وشدوهما بقوة لشل حركتي وتولي الضابط والجندي الثالث ضربي بالعصي لمدة تقارب العشرين دقيقة. وفي المساء نقلوني مقيدا إلى مقر المباحث العامة بأسيوط ومنه إلى قسم أول شرطة أسيوط. وفي اليوم التالي إلى النيابة حيث التحقيق وهناك حاول المحقق أخذ أقوالي وسألني عن صلتي بطلاب الجامعة ولم يوجه لي تهما محددة تخص وقائع مادية إضافة إلى أنه لا توجد مضبوطات ذات شأن ولا شهود. المهم أني رفضتُ التحقيق وطلبت محاميا وطبيبا فلمْ يستجبْ وعُدتُ للقسم بعد مغادرتي له بفترة وجيزة.

زيارة أمان لي.. وبرقية إضراب عن الطعام:

بعد أيام حضرت أمان لأسيوط وزارت لأول مرة أسرة صلاح يوسف المكونة من ثمانية أبناء وبنات وقضت ليلتها هناك وفي الصباح حصلت من النيابة علي تصريح بزيارتي، وعصر نفس اليوم توجهَتْ لقسم الشرطة وبدخولها أجلسوها في حجرة أحد الضباط الخالية وأغلقوا بابها لحين حضوري. بعد أكثر من نصف ساعة أخرجوني من الحجز لرؤيتها.. فأبلغتني أنها ظلت لعشر دقائق أو أكثر في الحجرة المغلقة بمفردها؛ وفجأة انفتح الباب بقوة وظهر عدد من ضباط أمن الدولة بملابس مدنية ليسألها أحدهم: ” وانتي كنتي هربانة فين يا بشري..؟ ففهمت أمان ما وقعوا فيه من لَبْس وردّت بابتسامة ذات مغزى: أنا لستُ بشري، وأستكملت قائلة: ومَنْ قال أنّ بشري هاربة..؟ فقالوا أين هي..؟ ردت عليهم: في منزلنا بشين الكوم. ودار بينها وبينهم حديث قصير سخرت فيه منهم حتى شبعت وقالت: ألا زلتم تتعاملون مع المتهمين السياسيين بأساليب القرن التاسع عشر، وبعد حوالي ربع ساعة سألتْهم: هل سأري أخي أم أرحل..؟ أم تفضلون أن أبلغ النيابة..؟ وحيث أدركوا أنهم أمام نوع مختلف من النساء يعرف ما يقول غادروا الحجرة ليحضر أحد ضباط القسم بصحبتي لألتقي بها ويتركنا بمفردنا.

ولما كنت قد طلبت من ضباط القسم في وقت سابق أن أنتقل لسجن أسيوط بدلا من وجودي في القسم تجاهلوا طلبي، ولذا طلبت من أمان أن ترسل برقية باسمي للنيابة لإخطارها بإضرابي عن الطعام اعتبارا من الغد احتجاجا علي خرق القانون بإبقائي بقسم الشرطة رغم انتهاء التحقيق، حيث رفض القسم طلبي بترحيلي إلى السجن. وبالفعل أرسلتْ أمان البرقية صباح اليوم التالي لحضورها وبعدها تم نقلي إلى السجن.

عزلي عن طلاب الجامعة..وحبسي انفراديا بالسجن.. بالمخالفة للائحة السجون:

قبيل وصولي لسجن أسيوط قامتْ المباحث العامة بنقل طلاب الجامعة المحبوسين علي ذمة “قضية طلاب أسيوط” إلى عنبر آخر غير العنبر الذي تقرر نقلي إليه بينما تم الإبقاء علي عدد من أساتذة الجامعة المحبوسين علي ذمة نفس القضية مقيمين في عنبري. وبوصولي للسجن مضربا عن الطعام تم تسكيني في زنزانة انفرادية يفصلها عن المحبوس المجاور زنزانتين خاليتين من الناحيتين. وظل هذا الوضع مستمراً لمدة تزيد عن شهر. هذا وقد علّقْتُ إضرابي عن الطعام مساء يوم وصولي، لكن النيابة لم تحضر إلى السجن للتحقيق معي بشأن برقية أمان إلا بعد يومين.

وعموما فلائحة السجون لا تُطبَق تطبيقا صحيحا في السجون المصرية، وعلي سبيل المثال لا يُحْبسُ انفراديا إلا المُعاقَب أو المضرب عن الطعام، كذلك تنص اللائحة علي حتمية نقل المضرب عن الطعام لمستشفي السجن حرصا علي حياته ومتابعة حالته الصحية. وبالنسبة لي كان منطقيا أن أحبس انفراديا في يوم وصولي مضربا عن الطعام أما بعد ذلك فالحبس الانفرادي يُعَد مخالفة قانونية.. تُعاقبُ عليها إدارة السجن فيما لو تم إثبات ذلك. كذلك فللمحبوس الحق في ساعة رياضة يوميا يقضيها في فناء السجن.

بعد أيام استُدْعيت لمكتب مأمور السجن؛ وعلي باب المدخل الفاصل بين السجن ومبني الإدارة تعامل معي أحد الصولات بخشونة و”جليطة” فنَهَرْته.. لذا أمسك بيدي بعنف وحاول ليّها، كان ذلك في ساعة الرياضة حيث شاهدْتُ بعض أساتذة الجامعة في الفناء. ولما طالبتُ الصولَ بترك يدي رفض فقمت بجذبه ولي يده ودفعته ليقع علي الأرض وقلت له: “حتتغاشم معايا حطلّع روحك، ولو ما أخدتش منك حقي هنا حاخده برّه”.

دخلت للمأمور فسألني بعض الأسئلة التقليدية التافهة استنتجت منها أن الأسئلة ليست مربط الفرس في استدعائي بل رغْبتُه في التعرف علي شخصيتي استنادا لما يشاع عني. وليس بعيدا أن يكون احتكاك الصول بي مُدَبّرا ليجري التعرف علي رد فعلي لأنه لم يكن هناك سبب يدفعه للخشونة معي بالمرة. بعدها دار حوار مع المأمور أوضحتُ فيه أن قضية طلاب أسيوط التي نحن علي ذمتها فاشلة وأن الغرض من حبس الطلبة هو إبعاد القادة عن جموع الطلاب، وهو نفس السبب الذي بسببه عزلتموني عنهم في عنبر مستقل. المهم أني أشرت له أننا لسْنا سُذّجا ولا مُغَرّرا بنا، ولنا رؤوس تجيد التفكير وطالبتُه بتطبيق اللائحة.

عدت لزنزانتي وجلست أفكر عن وسيلة للاتصال بالطلاب في العنبر الآخر الذي يحظى بحراسة قوية. وتفتق ذهني عن إرسال رسالة مكتوبة لصلاح للتعرف علي بعض المساجين الموثوق بهم، وبحثت عن وسيلة في ظل الحبس الانفرادي ومنع الاختلاط بأي نوع مع النزلاء في السجن.. وأخيرا توصلت إليها.

ابتداع وسيلة للاتصال.. وشفرة للحوار:

كان معي بنطلون بيجامة، استخدمت رباطه المطاط (أستك) في عمل “نبلة”، وذلك بربط طرفيه في قطعتي حديد متجاورتين من شُرّاعة باب الزنزانة بعدها كتبت الرسالة. ومن خلال مشاهداتي لعدد من المساجين اخترت أحدهم وكانت زنزانته تقع في مواجهة زنزانتي لكنها في الدور الأعلى مني مباشرة فقد كنت في الثالث شرقي بينما هو في الرابع غربي، وتحدثت معه بالإشارة وأفهمته أن معي رسالة – وأمسكت بها في يدي لكي يراها – وأرغب في أن تصل إلى صلاح وكانت كلمة صلاح هي الوحيدة التي نطقت بها وأشرت له إلى النبلة وجذبت المطاط للخلف ثم تركته ففهم، بعدها أحضرت ورقة بيضاء وقلبتها عدة مرات ليدرك أنها خالية وأنها غير الرسالة، ثم قسمتها أمامه لأربعة أقسام متساوية وطوَيتُ كلَ قسم عدة مرات حتى صار طوله حوالي6-7 سم وعرضه حوالي 1سم ثم أرسلت الورقة المطوية له بالنبلة ولقوّتِها اصطدمت بسور المَمْشى الموجود أمام الزنازين وسقطت في الدور المقابل لي (أي الثالث غربي)، فأرسلت له الورقة الثانية إلا أنها كانت ضعيفة فلم تصل إليه وسقطت في الدور الأرضي، ثم أرسلت الثالثة بقوة أقل من الأولى وأكبر من الثانية فوصلت إلى باب زنزانته، وكذلك أرسلت الرابعة فوصلت أيضا. وهنا جاء دور الرسالة.. فطويتها حتى صارت بحجم الأوراق السابقة وأرسلتها فوصلت وأخذها المسجون وسلمها لصلاح ولما قرأها أرسل الرد مع السجين فوزي (كهربائي السجن) الذي يدخل جميع العنابر وكل الزنازين.

كان عبد العزيز الذي تلقف رسالتي سجينا عسكريا وليس مدنيا، وقد تم سجنه لارتكابه مخالفة التغيّب عن الخدمة العسكرية لمدة طويلة ( شهرين). وقد تغيب عن وحدته العسكرية لأنه علم بمقتل شقيقه الأكبر في قريته، بعدها شرع في الإعداد للأخذ بثأره وقام بالآتي:

  • تسلل ليلا لبلدته ودخل متنكرا إلى منزله الذي كان يقع في أطراف القرية بالقرب من الحقول.وعرف بقصة قتل أخيه بالتفصيل، وطلب من أخته مراقبة جيرانه الذين قاموا بالقتل مراقبة يومية وإبلاغه بتوقيت تجمعهم بحقلهم المجاور لحقله. ثم عاد ليشتري مدفعا رشاشا بثلاثة أرجل (سِبْية)، وجِوال ذخيرة واتفق مع أحد السائقين علي استئجار سيارة نصف نقل تخص الإدارة الزراعية، وما أن علم من أخته بالموعد حتى عاد بمدفعه وذخيرته محملة بالسيارة ليلا ونقل المدفع والذخيرة لحقله وأخفي السيارة في مكان قريب وعاد ليتربّص لجيرانه القتلة وظل في حقل الذرة المجاور من قبيل الفجر حتى الصباح، وما أن جلس خصومه لتناول الغداء حتى فتح عليهم النار من مدفعه فقتل سبعة بينما جُرِحَ الثامن الذي جري مترنحا حتى سقط في المصرف ليغرق، بعدها أخفي جسم الجريمة وأعاد السيارة لسائقها وعاد لمنزله، وفي الصباح خرج ليتجول في شوارع قريته التابعة لمركز الغنايم محافظة أسيوط.. ثم بدأ في تلقي عزاء شقيقه.
  • بعد يوم آخر عكَفتُ علي عمل شفرة لتساعدني في النقاش مع الطلاب في العنبر الآخر وانتهيت منها في يومين. وأرسلت حل الشفرة مع عبد العزيز وبعد أن وصلتْ صلاح أرسلتُ الشفرة مع فوزي الكهربائي في يوم آخر. وبوصولها أصبح الوضع مهيأ لتبادل الرأي حول الكثير من القضايا والأحداث بيني وبين الطلاب.
  • في شهر سبتمبر 1973 بدأ الإفراج عن الطلاب من السجن، وفي نهايته خرجْتُ بعدهم.

قضيت الليلة الأولي بعد خروجي من السجن في منزل صلاح يوسف بأسيوط بعدها توجهت إلى جرجا.

دروس انتفاضة الطلاب بأسيوط:

1-كانت الحركة الطلابية في القاهرة والإسكندرية ثم أسيوط تستهدف تحرير الأرض التي احتلها أعداؤنا منذ عام 1967 وكان ذلك الهدف محركها الأول؛ لكنها في نفس الوقت تناولت في نشاطها قضايا أخرى بالغة الأهمية مثل الأوضاع الاقتصادية (التي جسدت فيما بعد جوهر انتفاضة الشعب في يناير 1977) والديمقراطية ومنها حق الاحتجاج السلمي المتمثل في حرية التعبير وعقد المؤتمرات والمسيرات والتظاهرات إلا أن تحرير الأرض كان مركز هذه القضايا جميعا.

2-ويجب أن نُقرّ أنه رغم شروع الدولة في إعادة بناء القوات المسلحة بدءا من منتصف 1967 في أعقاب الهزيمة وحتى أكتوبر 1973 إلا أن اندلاع الحرب لم يكن شيئا مُحتما؛ لأنه كان يخضع لشروط وعوامل شتي خارجية وداخلية. وكان من ضمن العوامل الخارجية ما صرح به السادات عن “الضباب” وأن “99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا” ومنها مصادر السلاح وأسعاره ونوعيته، وكذلك الدعم الدولي. أما العوامل الداخلية فكانت قدرة الاقتصاد المصري علي تحمل تكلفة الحرب، وكفاءة إعداد المقاتلين عسكريا ومعنويا، وتماسك الجبهة الداخلية وروحها المعنوية..الخ.

3- ولذلك فلولا الحركة الطلابية التي أشعلت حماس الشعب وأخرجته من حالة الألم واليأس التي عاشها آنذاك ومارست ضغطا شديدا علي النظام لكان من الممكن ألا تندلع حرب أكتوبر، وأبلغ دليل علي ذلك ما جري في أيام الحرب الأخيرة من أحداث ( كالثغرة وفصل القوات ومحادثات الكيلو 101 وفك الارتباط) وبقية النتائج السياسية التي كان مؤشرها استقالة ثلاثة وزراء خارجية في بحر شهور احتجاجا علي ما دار في محادثات كامب ديفيد من تنازلات بطلُها السادات…الخ. وكذلك الإفراج عن جماعة الإخوان في عام 1974 من السجون.. وفتح الباب واسعا أمامها للعمل واستعادة نشاطها الواسع.

4-وبالنسبة لنشاط الحركة الطلابية في أسيوط فقد كانت هناك نقطتان بارزتان؛ الأولي: هي العنف والعنف الدموي الذي طبعها. والثانية:هي أن الجامعة كانت مفرخة للشباب المناضل في عموم الصعيد من بني سويف حتى أسوان. حيث لعب هذا الشباب دورا هاما في التوعية السياسية في ثمانية محافظات علي الأقل. ومَثّل ذلك الشبابُ نواة للعمل السياسي فيما بعد فيها.. هذا من ناحية

5-ومن ناحية أخرى أسهمت الحركة الطلابية في أسيوط في مشاركة كثير من الطالبات في النشاط الطلابي؛ صحيح لم يكن بنفس الشكل والمستوي الذي تجلي في جامعات أخرى.. لكنه علي أي حال كان تغيّرا يصعب حدوثه هناك لوْلا الحركة.

6-ومن ناحية ثالثة كان من النتائج – التي لا يلمسها سوي من ساهم في النشاط في أسيوط أو كان علي مقربة منه – هو إضعاف النعْرة الجِهَوِية العُصْبَوية المتمثلة في انحيازات الطلاب – في الانتخابات والتجمعات وممارسة الحياة اليومية – لأبناء محافظاتهم (قبلي / بحري)؛ وداخل الصعيد (أسيوط/بني سويف/قنا.. الخ.).

7-ورغم أن إسهام الطالبات في النشاط وإضعاف النعرة الجهوية كان مكسبا هاما.. إلا أن المكسب الأهم تمثل في إدراك الطلاب ومن ثم قطاعات أخرى من الشعب بأن هناك منطق قوي امتلكه الطلاب يقارع رأسا برأس منطق الدولة ويتفوق عليه.. بل ويهزمه؛ تجلي إبان المواجهات السياسية مع قادة كبار في الدولة ( الشافعي – مرعي – عبد المجيد عثمان).. بدليل نشوب الحرب بعد عام من اندلاع الحركة الطلابية.

8-هذا وتبين للشعب كذلك كيف عاد النظام الجمهوري الذي تأسس بعد ثورة 1952 إلى استخدام نفس الأساليب والأدوات التي كان يستخدمها النظام الملكي قبل عام 1952 ضد الحركة الوطنية المصرية.. بتوظيف جماعات الإسلام السياسي لوقف تصاعد حركة الطلاب وانحياز تلك الجماعات للنظام الحاكم.. بينما هي تتشدق ليل نهار بتكفير الحكام والشعب معا. وأبرز الأدلة علي ذلك هو التعاون الوثيق بين محافظ أسيوط ( محمد عثمان إسماعيل) مع أجهزة الأمن رغم أنه كان راعيا مخلصا لجماعات الإسلام السياسي المعادية للنظام والتي قتلت السادات فيما بعد. والمثير في الأمر أن السادات هو من قام بدعمه واستخدمه ودفع به من أمين الاتحاد الاشتراكي في أسيوط إلى منصب المحافظ ثم إلى وزير في بحر 3 سنوات. ومثال آخر هو تعاون – لنفس الغرض – بين المحافظ محمد عثمان مع إدارة الجامعة ومع الدكتور خالد عبد القادر عودة الكادر الإخواني المعروف والأستاذ بهندسة أسيوط وهو ابن المرحوم عبد القادر عودة أحد ست قيادات للإخوان تم إعدامهم في خمسينات القرن الماضي. لقد كانت غرفة عمليات الدولة لمواجهة الحركة الطلابية تجمع بين أجهزة الأمن وإدارة الجامعة والدكتور عبد القادر عودة ممثل جماعة الإخوان وبين المحافظ المذكور راعي وصاحب الصلات الوثيقة بالجماعات الإسلامية ومُصْدر كثير من تكليفاتها ومدبّر بعض عملياتها ضد الطلاب.

9-ورغم المواجهة السياسية التي بدأت بها الدولة دورها لإخماد حركة الطلاب بأسيوط إلا أنها عادت سريعا لممارسة المواجهة الأمنية ليس فقط بالعصي والاعتقالات لكن أيضا بالاعتداءات الجسدية والفصل من الجامعة ومحاولات الاغتيال، ولم تدخر جهدا في التحالف مع أعداء الأمس لدحر أعداء اللحظة ( الطلاب).

10-لقد اقتصر سلاح الطلاب علي الأدوات السلمية ( مجلات الحائط، المؤتمرات، المسيرات، التظاهرات) لكن النظام الحاكم كان يعود دائما للعصي والقهر وتقييد الحرية والتحكم في المستقبل بمجالس التأديب. وليس جديدا أن تخالف هذه الأساليب العنيفة الدستور والقانون بل والمواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها الدولة مع بقية دول العالم وأقرّت بالالتزام بها وبتعديل القوانين المصرية لتتطابق معها.

ورغم كل هذه التجارب التي رفعت وعي قطاع الطلاب الجامعيين ومن يرتبط به من فئات مجتمعية أخرى.. فلماذا تدهورت أوضاع الشعب المصري إلى هذا الحد.. إلّا إذا كانت هناك عوامل تحركت وتسللت – دون أن نلمسها – في الاتجاه المعاكس وأوصلته إلى ما يعيشه الآن من محن تتعاظم كل يوم عن اليوم الذي سبقه..؟!

والإجابة المنطقية علي سؤال لماذا تدهورت..؟.. هي فهمنا لما نسميه بالمعارضة وفي تطبيقنا لهذا الفهم.

 فليس كلُ مَنْ يعارض النظامَ الحاكم يُعَدّ ثوريا مخلصا؛ لأن هناك نوعان من المعارضة والمعارضين؛ هما المعارضة من أجل كرسي الحكم فقط.. والتسمية الأصح لها هي المنافسة (أي المنافسة علي الكرسي)، وهناك المعارضة من أجل انتزاع حقوق الشعب الأساسية مثل (ضروريات المعيشة، والتعليم والصحة والثقافة،والتنقل بحرية، وتأسيس الأحزاب والنقابات والروابط والنوادي والاتحادات بحُرّية، ودعم المنتجين للسلع المادية كالغذاء والدواء والكساء؛ والخدمات ومستلزمات المعيشة الضرورية) فكلما زادت أعداد المنتجين للسلع والخدمات الأساسية وتحسنت أوضاعهم علي حساب الوسطاء من الموزعين والسماسرة والمستوردين والمصدرين والمتاجرين بقوت الشعب.. كلما قَوِي الاقتصاد وقويت العملة الوطنية (الجنيه) في مواجهة العملات الأجنبية.. وكلما زاد رخاء الشعب واستقراره.. وهكذا.

6 أكتوبر والتنبؤات التي أثبتها واقع الحرب ونتائجه السياسية:

اندلعت حرب أكتوبر 73 بعد أيام وكنت لحظتها في أبو تشت أول مراكز شمال قنا مع صديقي السيد مقلد زميل الإبعاد من المنوفية حيث كان موظفا ببنك التسليف.

تناولنا إفطار رمضان مع بعض جيرانه واستأذناهم لنتداول الحوار بشأن الحرب للتوصل لتشخيص لها بعد أن قلّبْنا محطات الإذاعة المحلية والأجنبية وتوصلنا للآتي:

أن كل المقدمات المادية والسياسية في مصر توضح أن الحرب التي اندلعت ظهر يوم 6 أكتوبر 1973 لا تعْدو أن تكون حربا لتحريك الحل السلمي وليس لتحرير الأرض، رغم أنها تبدو من الناحية الشكلية غيرُ ذلك. فهي تشبه الجملة المعترضة في اللغة العربية؛ بمعني أنها تتعارض مع سياق الجملة شكلا (أي تتعارض مع سياق الحل السلمي شكلا لأنها حرب) لكنها تتسق معها مضمونا (أي تتسق نتائجها مع الحل السلمي مضمونا). وشرعنا في تفسير ذلك من التاريخ القريب ومن عدد من المقالات الصحفية وتحديدا مما ورد في مقال هيكل (بصراحة) الصادر بأحد أعداد الأهرام في الربع الأول من عام 1969، ونقلنا عبارة هيكل الدالة علي ذلك بنصها الذي كنا نحفظه عن ظهر قلب والذي كان يقول [إن معركة بيننا وبين العدو يسقط له فيها ما بين 10- 20 ألف جندي لها من الأبعاد المادية والمعنوية ما هو كفيل بإزالة آثار العدوان]. هذا وذيّلنا تشخيصنا للحرب وتحليلنا للموقف ببرنامج عمل يشارك به الشباب في توعية الجمهور حتى لا نفاجأ بتوقف الحرب في منتصف الطريق دون تحرير سيناء.

وقمنا بتوزيع البيان المذكور علي طلاب جامعة أسيوط الذين يقطنون محافظة قنا وشرعنا في إرساله لأسوان وسوهاج وأسيوط.وكان ذلك الرأي مُخالفا لعدد من التحليلات الأخرى.. حتى أثبتت الأيام صحته.

الفصل من العمل ورفض الأزهر إعادتي:

قامت شقيقتاي أمان وهند في أعقاب القبض علي بجمع أغراضنا من الشقة ونقلها ( أواخر يونيو 1973) حيث أصبح تواجد أخي شفيع بمفرده في جرجا بالغ الصعوبة في غيابي؛ وقد كان تعاطف الأهالي معهما أثناء نقل الأمتعة من المنزل لمحطة القطار مشهدا مثيرا؛ ففضلا عن مساعدة الجيران لهما في عملية إنزالها من الشقة للعربة ومرافقتهما في عملية الشحن بمحطة القطار..كان توديعهما في شوارع جرجا حتى ممن لا يعرفونهما بالغ الإثارة سواء بالمصافحة أو بعبارات الثناء والتشجيع خصوصا وأني كنت في وقت سابق أقوم بإعطاء دروس للعديد من فتيات المدينة في مادة العلوم بفصول إحدى الجمعيات الأهلية هناك مما ترك أثرا طيبا لديهم.. وعرّف بعض السكان بي.

هذا وقد عدت إلى جرجا – بعد خروجي من السجن – عند بدء الدراسة بالمعهد وأقمت في أحد الفنادق المتواضعة.

 في الأسبوع الثاني من ديسمبر 1973 كنت في زيارة للقاهرة أصبت خلالها بالتهاب رئوي ولم أستطع العودة لجرجا في موعدي. واشتد بي المرض بسبب إهمالي في العلاج وقمت في 12 ديسمبر بإخطار المعهد ببرقية لتحويلي إلى الطبيب لكني للأسف لم أتمكن من عمل الإجراءات اللازمة نظرا لتفاقم حالتي. وهنا طالبني إخوتي بالبحث عن عمل آخر لأكون قريبا منهم حيث أن وجودي في جرجا لا يفيدني وفي نفس الوقت يضُرّ الأسرة. المهم صدر قرار فصلي من الأزهر.. وتقدمت بطلب للعودة قبل انتهاء عام علي انقطاعي.. إلا أن لجنة شئون العاملين بالأزهر خالفت القانون ورفضت عودتي وسط دهشة صغار موظفي شئون العاملين بإدارة الأزهر الذين أفادوا بأنها السابقة الأولي خلال عملهم بالأزهر التي يتم فيها رفض طلب عودة للعمل من هذا النوع؛ حيث كان من حقي العودة قبل انقضاء عام علي انقطاعي عن العمل حتى لو كنت قد تقدمت باستقالتي طالما لم أرتكب عملا مخلا بالأخلاق والأمانة. وكان واضحا تدخل أجهزة الأمن لدي الأزهر وهو ما دعاني للبحث فورا عن عمل آخر في مدينة القاهرة.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. محب عبود

    احييك على هذه الذاكرة الحديدية، واذكرك ان الزملاء جميعاً كانوا قد خرجوا، وكنت انت على وشك الخروج، وحينما لم اخرج مع باقى الزملاء، نصحتنى باعلان الاضراب عن الطعام، وشرحت لى كيفية اجراءاته، وهوماقمت به فعلاً، وانك ارسلت برقيه من الخارج للنيابه اننى مضرب عن الطعامن وقد أدى ذلك لصدور قرار بالافراج عنى

موضوعات ذات صلة

لا… إسرائيل ليست ديمقراطية ليست إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إنها، في الحقيقة، ليست ديمقراطية على الإطلاق.

إيلان بابيه

إلتزم الجميع الصمت نظر لي أحدهم حاقدًا، لأنني لست موثق اليدين مثلهما، ضحكت على نظرته بصوت عال، ضحكت على أنه يحسدني لأنني سجين ولكن لست مكبل اليدين مثله.

أحمد جمال زيادة