الرأسمالية، الامبريالية، الربح والتمويل

قضايا

26  يوليو  2018

كتب: طوني نورفيلد

تستهدف الملاحظات التالية مساعدة أي شخص حاول تحليل التطورات التي شهدتها الرأسمالية العالمية. وحتى في حال لم يحاول القارئ ذلك، فإن النقاط التالية سوف تسلط الضوء على بعض القضايا التي يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة ما هو مكتوب أو ما يُناقش حول هذه المواضيع.

الامبريالية والاقتصاد العالمي

إن أي محاولة لفهم الأمور من منظور الاقتصاد الوطني سوف تفشل حتما. حتى الولايات المتحدة، أقوى اقتصاد في العالم، لا يمكن فهمها إلا من خلال النظر إلى كيفية تناسبها مع الاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، يعتبر الدولار الأمريكي هو عملة عالمية وليس العملة الوطنية للولايات المتحدة فحسب. وتتوقف أهميته ودوره على نطاق قوة الولايات المتحدة مقارنة بالبلدان الأخرى، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. ورغم ذلك يمكن أن يتأثر الدولار بالتطورات على المستوى العالمي. فهيمنته ليست ثابتة كما أنها لم تكن قائمة طوال الوقت. تتضح المؤشرات على كون قوة الولايات المتحدة محدودة في انهيار “مشروع القرن الأمريكي الجديد” في عام 2006 والخسائر السياسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم أن الكثير من الدمار قد يكون في مصلحة الولايات المتحدة من منظور تكتيكي، إلا أنه بالكاد وصفة للهيمنة المستمرة.

وينطبق الأمر نفسه على المملكة المتحدة وألمانيا والصين وتركيا والبرازيل الخ الخ التي لا يمكن فهمها الا بأخذ موقعها في الاقتصاد العالمي في الاعتبار، الذي يحدد اختيار سياسات حكوماتها وشركاتها.  ومع ذلك، فإن النقطة الجوهرية هي أن عددا صغيرا من البلدان يتمتع بمركز احتكاري في توفير معظم السلع والخدمات الرئيسية، ومن بين 200 بلد أو أكثر في العالم، لا يوجد سوى حوالي 20 بلدا ممن لها أي وزن  له قيمة في التسلسل الهرمي.

لهذا السبب وحده، فإن النظرية الاقتصادية الكينزية لا فائدة منها في تحليل الاقتصاد العالمي. وبغض النظر عن أخطاء هذه النظرية في فهم طبيعة الرأسمالية المدفوعة بالربح، فإنها تركز فقط على تدفقات الدخل، عوضا عن مصدر هذا الدخل، ولا تسمح في أقصى تقدير سوى بالتوازن في التجارة العالمية. دائما تقريبا، يكاد النهج الكينزي أن يرتبط دائما بالمنظور القومي، الأمر الذي يدعم العديد من السياسات التي تبدو راديكالية. قد تبدو الكينزية “العالمية” استثناءً من هذا، لكنها صندوق أدوات التكنوقراط المثالي. قد توصي اجتماعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  (OECD)، أو اجتماعات مجموعة السبعة (G7) بإحداث تغيرات في السياسة الاقتصادية لدول مختلفة للاستفادة من النمو الاقتصادي العالمي، ولكن كل شيء يؤدي في النهاية الى ما فيه مصالح الدول الرأسمالية المعنية.

القومية والإمبريالية

إن محاولة “إنقاذ” الاقتصاد الوطني من أجل تحسين أحوال السكان، على سبيل المثال، من خلال الدعوة إلى ضوابط الاستيراد أو أشكال أخرى من التنظيم الحكومي، هي سياسة رجعية. أولاً، إنها تتقبل السلطة الحالية للدولة الرأسمالية الوطنية في تحديد ما سوف يحدث. ثانياً، إنها تولي أولوية للمصلحة القومية عن التضامن مع من يواجهون مشاكل شبيهة في البلدان الأخرى. يمثل هذا الأمر على وجه الخصوص مشكلة للتقدميين في البلدان الإمبريالية التي تتمتع بمركز مهيمن في الاقتصاد العالمي. إذا قدم الجذريون أي تنازلات لأولئك الذين يسعون للدفاع عن امتيازاتهم في نظام مفلس، بدلاً من الكشف عن افلاس النظام وضرورة الإطاحة به، فإنهم بذلك يصبحون على مسافة خطوة أو أقل من دعم العنف الإمبريالي، كما يدل على ذلك سجلات الحروب الكثيرة.

ربما يمكنني أن أطرح استثناءً واحداً هنا. بعد استيلاء شعبي على سلطة الدولة، فإن الحكومة الجديدة قد تسن سياسات للدفاع عن نفسها، عندئذ يمكن اعتبارها وسائل مشروعة، لكنها مؤقتة، لتأمين مكاسب تقدمية. لكن إذا طالب طرف جذري بمثل تلك الإجراءات في بلد غني، دون اشتراط الاستيلاء الشعبي على سلطة الدولة قبل ذلك، عندئذ تعرف أنك وجدت مدافعاً عن الإمبريالية.
“الاقتصاد الحقيقي”، والتمويل والربح

هناك أنواع مختلفة من الشركات الرأسمالية وطرق مختلفة يحاولون تحقيق الربح منها. كل الربح أو الإيجار أو الفائدة ينبع من فائض قيمة العمل الذي يقوم به العمال، لكن عملية التبادل في السوق الرأسمالي تُخفي ذلك وتجعله يبدو كما لو أن “كسب المال” في قطاع الأعمال هو ببساطة نتيجة موهبة خاصة أو ربما الحظ، بغض النظر عن طبيعة الأعمال المعنية. لذلك، فإن إنتاج سلعة أو خدمة وطرحها في السوق، أو شراء وبيع هذه السلع، أو أن يكون المرء وكيلاً عقاريًا، أو يقرض الأموال أو يتعامل في العملات الأجنبية والسندات والأسهم، كل ذلك قد يبدو، من منظور السوق الرأسمالي، وكأنه نفس النوع من الأعمال الربحية. هذا الرأي يتعارض معه المنطق السليم. لذلك توصل الاقتصاديون إلى فكرة “الاقتصاد الحقيقي” الذي يصنع الأشياء مقابل باقي الاقتصاد، خاصةً “الاقتصاد المالي”. ومع ذلك، فإن هذا التمييز يتجاهل كون الرأسمالية لا تهتم بصنع أي شيء سوى الربح، وأن جميع شركات “الاقتصاد الحقيقي” الكبرى تشارك بشكل كبير في المجال المالي، بداية من عمليات الاستحواذ على سوق الأوراق المالية إلى كافة أنواع التعاملات المالية.

يتخذ الاقتصاد الحديث شكلاً مالياً بدرجة كبيرة، ويستدل على الإشارات الرئيسية لما هو مربح أو مقبول أو مفيد للرأسمالية من خلال الأسواق المالية – كما ينعكس في سعر سهم الشركة، أو قدرة الشركة أو الحكومة على اقتراض الأموال. وهذا في الأساس شكل أكثر تطوراً من “قوانين العرض والطلب” التقليدية للسلع التي قد تنتجها الشركة. ويبقى الأمر، مع ذلك، هو أن الإنتاج الرأسمالي ينتج الربح، الذي يتشارك فيه، بطرق مختلفة، الأنواع المختلفة من الشركات الرأسمالية.
تلقي الإمبريالية ضوءًا جديدًا على هذه العملية أيضًا. ذلك أن الحصول على التمويل، والوصول إلى الأسواق، والقدرة على استخدام العمالة المستغَلة بشدة، والقدرة على إغلاق الأسواق أمام المنافسين، أو استخدام النظام القانوني لحماية الملكية والبراءات، كلها من المزايا الخاصة بالبلدان الرئيسية، التي لا تتاح سوى بدرجات أقل بكثير للدول الأضعف والأكثر فقراً. يؤثر ذلك على الأرباح التي تحصل عليها الشركات الرأسمالية. إذا لم يأخذ التحليل الذي تقرأه كل ذلك في الاعتبار أو قلل من تأثيره، فإنك تقرأ عملا لجاهل أو، على الأرجح، لمدافع عن النظام الإمبريالي.

أشكال الربح والتمويل

في السنوات الأخيرة، كانت إحدى مجالات بحثي تتناول الربحية الرأسمالية، ومعدل الربح، وما إلى ذلك. وكلما بحثت في ذلك، أصبح الأمر أكثر تعقيدا. أولاً، البيانات المتاحة لا تقيس بالضرورة ما تدعي أنها يقيسه. على سبيل المثال، إذا سجلت الشركة ربحًا كبيرًا، فإن ذلك يبدو كما لو أنه يعكس ما “صنعته” في حين أن الواقع هو أن ربحها هو ما سمح لها به وضعها في السوق، ربما من خلال الاعتماد على استغلال كبير للعمالة من الموردين، أو من موقع احتكاري في الاقتصاد العالمي المدافع عن براءات الاختراع والقوانين التجارية. ثانياً، حتى لو لم تمثل هذه الأمور مشكلة، يبقى السؤال المهم حول الطرق المختلفة التي تولد بها أنواع مختلفة من الشركات الرأسمالية أرباحها.
تميز النظرية الماركسية بشكل كبير بين الشركات الرأسمالية في المجال الصناعي والتجاري وتلك العاملة في مجال الأموال. ومن عجيب المفارقات أن الإحصائيات الحكومية تقوم بشيء شبيه، على الرغم من أن جحافل من علماء الاقتصاد السائد لا تفعل ذلك. يعتمد هذا التمييز على طبيعة الاستثمار الرأسمالي المعني. ذلك أن استثمار الشركات الرأسمالية الصناعية والتجارية يختلف عن الاستثمار المالي.

تستخدم الشركات الرأسمالية الصناعية والتجارية، إلى حد كبير، أموالها الخاصة، أو على الأقل لا تقترض الكثير. ويتضح ذلك في انخفاض معدل اقتراضها، ويكون الاقتراض في العادة أقل بكثير من الاستثمار في أسهم المالكين الرأسماليين. لكن توفير رأس المال في القطاع المالي هو أمر مختلف للغاية، وهو موضوع لم يتم تغطيته أو فهمه بشكل جيد من قِبَل الكتاب الماركسيين (باستثناء، ربما، سوزان دي برونهوف في كتابها “ماركس عن المال”، وواحد أو اثنين آخرين).

الشركات المالية، مثل صناديق التأمين، وصناديق التقاعد، ومديري الأصول، وصناديق التحوط، والبنوك وغيرها، تستثمر في الأموال التي تحصل عليها من آخرين. لدى البنوك أيضًا القدرة على إنشاء أصولها الخاصة، عبر النظام المصرفي كطريقة أخرى “لتوليد” رأس المال. كل تلك السبل لتوليد الربح تختلف تمامًا عن حالة الشركات الرأسمالية الصناعية والتجارية، على الرغم من أن جميعها تعتمد على فائض قيمة العمل الذي  تقوم به الطبقة العاملة.

‟حين تحقق الشركة ربحًا كبيرًا، يبدو الأمر وكأنها “صنعت” ذلك في حين أن الحقيقة هي أن ذلك الربح هو ما سمح لها وضعها في السوق بالحصول عليه”
بالنسبة للشركات المالية، فإن العائدات التي تحصل عليها عادة ما تكون في شكل فوائد على القروض أو على السندات التي تم شراءها، أو كأرباح الأسهم “المكتسبة” من الأوراق المالية التي تمتلكها، أو كإيجارات من استثماراتها في الأصول العقارية. من منظور التحليل الماركسي، يختلف هذا الأمر تقنياً عن أرباح غرفة التجارة الدولية المكتسبة – بعد دفع الفائدة، وما إلى ذلك – من المساهمة برأس المال من قبل مالكي هذه الشركات.

يتضح هذا التمييز ببساطة إذا ما قارنا قوة الشركات المالية بالشركات الصناعية والتجارية. في كثير من الأحيان، تكون نسب إقراض الأولى أعلى عشرين ضعفا أو أكثر من الأخيرة. ونتيجة لذلك، فإن نفس القدر من رأس المال يولد في استثماره أو إقراضه بواسطة الشركة المالية ربحا أعلى من استثمارات الشركات الصناعية والتجارية. وهذا تعبير عملي عن اختلاف معدل الفائدة، أو تلك العائدات “المالية”، عن معدل الربح، بل أن لكليهما دور مختلف تماما في النظام الرأسمالي، كما أطرح في كتابي الجديد.

أي مفهوم عن “استثمار” مالي يصبح أكثر تعقيدًا إذا وضعنا في الاعتبار مشتقاته المالية. ذلك أن ما يتم تسجيله هنا في الممارسة المحاسبية كـ “أصل” هو ببساطة مشتق ذو قيمة سوقية إيجابية. إذا تغير سعر السوق المشتق بحيث يمثل خسارة لصاحبه، تصبح هناك مشكلة.
إن ما يبدو في البداية كأنه مفاهيم واضحة للاستثمار، ومعدل الربح على ذلك الاستثمار، هو أمر معقد بسبب واقع التمويل الحديث. فلننتبه مثلا، على سبيل المثال، أن شركات البورصات الرئيسية تولي اهتماما “لعائد الأسهم” أو “ربحية السهم”، أكثر مما تولي لمعدل الربح المستحق على رأس المال المستثمر. وينطبق الأمر نفسه، رغم أن معدل الربح الأساسي للنظام الرأسمالي يحدد في النهاية “عائد الأسهم”، إلخ.

التاريخ الاقتصادي

كادت مادة التاريخ الاقتصادي أن تختفي بشكل أو بآخر من المقررات الدراسية الأكاديمية. ومع ذلك، فإنه لا غنى عنها لفهم العالم الحديث. لحسن الحظ، لا يزال هناك من يكتب كتبا تبحث في الأرشيف، وتسلط الضوء على الجوانب الخفية للأحداث الماضية المهمة، التي تتعارض في العادة مع الأساطير السائدة، سواء بشأن تمويل دولة الرفاهية في البلدان الغنية، أو المعاملات بين القوى الكبرى أو الطريق إلى الحرب والقمع. قد يبدو أمرا متناقشا أن  أكثر الانتقادات نباهة للإمبريالية يمكن أن تصدر عمن يبدو أنهم كتاب مسايرين للأمر الواضع أو حتى كتاب محافظين، على الأقل أولئك الذين يمتلكون ما يكفي من الذكاء حتى لا يتقبلون بشكل أعمى ما “يعتقد الجميع أنه صحيح”. على العكس من ذلك، غالبًا ما يجمّل العديد من الراديكاليين تلك الأساطير وقصصها المخترعة عن “النضال” ويتجاهلون الحقائق المزعجة، لاسيما شوفينية الجماهير في الدول الكبرى. بدلاً من “نضال” الطبقة العاملة من أجل الإصلاح، القصة التي تبدو كأنها مناهضة للرأسمالية، كان الواقع في كثير من الأحيان هو أن النخب الحاكمة تعقد صفقة مع بيروقراطية النقابات والأحزاب السياسية الشعبية لضمان توافق وطني من شأنه أن يدعم الإمبريالية.

رابط المقال الأصلي

http://www.socialisteconomist.com/2018/06/capitalism-imperialism-profit-and.html

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا في الفراغ الرقمي؟ لا تملك الروبوتات شيئا إزاء التناقضات داخل التراكم الرأسمالي... تحيز رأس المال أو تقليص عدد العمال يعني انه يتم خلق قيمة أقل (إذ يمثل العمل السبيل الوحيد للقيمة) بالنسبة إلى تكلفة رأس المال المستثمر. وهناك ميل لانخفاض الربحية بينما ترتفع الإنتاجية... ولذا سيعني اقتصاد تهيمن عليه بشكل متزايد الإنترنت والروبوتات في ظل الرأسمالية، أزمات أكثر كثافة وعدم مساواة أعظم، ولن يعني وفرة فائقة ورخاء

مارتن ابتشيرتش

احتضار عصر

هاني شكر الله