بشير صقر.. سيرة من سير المسيرة العسيرة

من ذكريات الطفولة والشباب – الجزء الخامس رحلة الصعيد.. والحركة الطلابية بجامعة أسيوط

قراءات, قضايا

26  يوليو  2018

الجزء الخامس يتناول بعض تفاصيل نقلي لمدينة أسيوط ومماحكات الأمن والأزهر معي وكذا تفاصيل صلتي بطلاب ومدرسي وموظفي معهد أسيوط الديني وبشيخه.. ثم تعرفي بطلاب الجامعة وانفجار الحركة الطلابية بجامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط عام 1972 واستخدام الدولة للعنف ثم اللجوء للمواجهة السياسية بأسيوط والعودة للعنف سريعا ومحاولتها التنسيق مع جماعة الإخوان وجماعات الإسلام السياسي في هذا الشأن، وطبيعة صلة الدولة بجماعات الإسلام السياسي.كذلك لجوء أجهزة الأمن لإيجاد مبرر جديد لإبعادي عن جامعة أسيوط في سياق تقليم أظافر الحركة الطلابية. وينتهي بإعادة إبعادي عن أسيوط لجرجا وإبعادي عن مهنة التدريس إلى أعمال المكتبة.

تعلمتُ السياسة في مدرسة كمشيش وتحديدا الكفاح الجماهيري، وكانت أربع سنوات كفيلة بحصولي على زاد نادر من الأفكار والتجارب والمشاعر الغنية والمتنوعة والتي قد لا تتوفر لمَنْ هم في مثل وضعي؛ لكني وللحقيقة لم أتوقف عند حدود هذه المدرسة.. فواصلت التعلم والمعرفة بنَهَم شديد. لأني أدركت أن “السياسة ليست فهلوة وأونطة ولا عضلات وفتْونة ولا جِعير وصوت عالي ولا تَلوّن ولف ودوران” بل هي علْم كسائر العلوم له أصول وقواعد ونظريات وخبرات متنوعة يجري تحصيلها بالكد والدأب والعمل وبالإبداع؛ علاوة على أنها وضوحٌ في المبدأ وصراحة في القول واستقامة في السلوك والممارسة بل ربما تزيد عن ذلك لتصبح فنّا يتجلي ويتطور بمشاعر وأحاسيس وطبيعة الأشخاص الذين يشتغلون بها بتفان وإخلاص.

 وفي أوساط السياسيين عموما هناك من درسوا السياسة ولم يمارسوها وهناك من تعلموها ومارسوها بل وهناك من يمارسونها دون أن يتعلموها وتلك هي الأغلبية.. والآفة.

مغادرة المنوفية.. وإقصاء عمدي نحو الصعيد:

في 14 يونيو1971الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا ارتديت ملابسي ونزلت من منزلي في ميدان المحطة بشبين متهيئا لركوب القطار الذاهب لمدينة منوف القريبة منا حيث يسكن بعض أقاربي من عائلة الزقزوقي، وعلي ما يبدو أن المُخْبر المكلف بمراقبة المنزل لم يتنبّه لدخولي المحطة لأن المسافة بين منزلي وبينها لا تستغرق أكثر من نصف دقيقة في منطقة كثيفة بالمارة. وصلتُ منوف ومكثت عند أقاربي ليلة واحدة، وفي ظهر اليوم التالي فوجئت بأحد أصدقائي وكان طالبا بالمعهد العالي للإلكترونيات يطرق باب المنزل؛ وفور دخوله أخبرني بمداهمة منزلنا من قِبَل الشرطة بعد منتصف الليل بحثا عني حيث فتشتْ المنزل لمدة ساعتين. وقد قام إخوتي أمان وأسامة ومهدية وشفيع بالتهكم على أسئلتهم وتعليقاتهم ولم يهابوا الموقف؛ بعدها غادرت الشرطة المنزل ومعها شقيقي أسامة وشفيع (واحتجزوهما لمدة يوم كامل). حيث كان الأول يستعد لامتحان الثانوية العامة بعد يومين بينما الآخر في الإعدادية.. كما أفاد صديقي بأن هناك شيئا مشابها حدث في كمشيش لكنه لم يعرف تفاصيله بعد..

لم يمكث صديقي طويلا وخرج يحمل توصياتي للأسرة وخصوصا بشأن إبلاغ النيابة للإفراج عن إخوتي وقد أوصلها لأمان.

بعد ساعة تقريبا غادرتُ منوف إلى مكان آخر ومن هناك إلى القاهرة، وعرفتُ بعد أيام بحقيقة ما حدث من بلطجة مع قادة وأهالي كمشيش ومن عدوان على بعضهم في مقر المباحث العامة؛ حيث كان الغلّ هو عنوان تلك الهجمة البربرية.

حوار ساخن مع وكيل الوزارة داخل لجنة تصحيح الامتحانات:

بعد أيام قليلة توجّهت إلى لجان تصحيح أوراق امتحان الثانوية الأزهرية بإدارة المعاهد في شارع بورسعيد بالقرب من حي السيدة زينب؛ وفي حجرة مادة الأحياء أخذت مكاني وشرعت في العمل لمدة يومين أو ثلاثة بعدها فوجئنا بجلبة خارج صالة التصحيح ثم طرْقٌ على الباب ودخول هوجة من الأشخاص يتقدمها الشيخ عبد العزيز عيسي وكيل الوزارة المشرف على المعاهد الأزهرية. ألقي السلام قائلا: أين الأستاذ بشير صقر..؟ فالتفتُ نحوه قائلا: أيوه.. أنا بشير. فقال:إنته ليه يا أستاذ ما رُحْتش أسيوط..؟ (وكنت أسمع اسم أسيوط لأول مرة في هذه الآونة).فأجبت: وأروح أسيوط ليه أنا في معهد شبين الكوم وأنا أصلا من شبين. فرد: إنته كنت في معهد شبين.. دلوقت إنته في معهد أسيوط. فقلت: مين قال كده.. وما حدش بلغني بالنقل..؟ فقال: أنا ببلّغك اتفضل قوم سافر.. وكانت لهجته تحمل نبرة عصبية.فرددت عليه قائلا: لما أخلص تصحيح أبقي أسافر. فرد: إحنا مستغنيين عن تصحيحك. فقلت: وأنا متمسك بحقي في إنهاء التصحيح. فتنهّد ورد: لوسمحت الموقف ما يستحملش هذا الجدال. فسألته:ونقلتوني أسيوط ليه..؟ دا انتوا لسه نقلينّي لشبين من سنتين بس..؟ فرد: إبقي اسأل بتوع الداخلية. فقلت ساخرا: داخلية..؟ احنا في الأزهر.

أشار عبد العزيز عيسي لأحد مساعديه بصوت عال: جهز له استمارة سفر. ثم وجّه حديثه لي قائلا: تعالي معايا علشان تاخد استمارة السفر. فقلت له بلهجة مُصِرّة: لن أغادر من هنا إلا لما أخلص تصحيح النهاردة، وبكره أجيلك علشان أشوف إيه الحكاية وأدبّر أموري. فرد: ما تتأخرش.. ثم انصرف.

بعدها حصلتُ على استمارة السفر صباح اليوم التالي وسافرت إلى أسيوط في اليوم الثالث ووصلت مبني المعهد في الواحدة ظهرا واتخذت إجراءات تسَلّم العمل وسألت الحاضرين: أعمل إيه دلوقتي..؟ فرد أحدهم: ” رُوح رَوّح.. وابقي تعالي في بداية الدراسة.”

أول أيامي بأسيوط.. خصم 68 يوما من راتبي.. فساد مغلف بالاستبداد:

في صباح السبت 25 سبتمبر1971 عدت لأسيوط حيث بدأت الدراسة؛ والتقيت بمعلمي العلوم وبعد حوار قصير أعطوني جدول التدريس الخاص بي. وسألت الأستاذ صلاح – فني وأمين معمل العلوم – وكان يبدو رجلا طيبا وبشوشا: أنا لم أصرف مرتبي عن شهر يوليو وأغسطس أين الموظف المختص..؟ رافقني الرجل إليه.. فقال لنا المختص: إدارة المعهد أفادت بتغيبك عن المعهد 68 يوم وتم خصمها من مرتبك وما يتبقي لك لدينا 34 قرشا. فضحكت قائلا: ” والله فيهم الخير”. كان الخبر مذهلا للأستاذ صلاح الذي رد على الموظف قائلا: هو مدرس وكل المدرسين لم يحضروا طوال الإجازة الصيفية وصرفوا مرتباتهم.. ما هذا الذي يحدث..؟ وقال لي هيا نذهب لشيخ المعهد. فقلت له: لا.. لن أذهب؛ وإن أردتَ الذهاب.. فاذهب بمفردك وسأنتظرك في المعمل.. فهناك حصة في انتظاري بعد قليل.. عندي عمل.

توجه الأستاذ صلاح إلى الشيخ وعاد بعد فترة كنت أثناءها داخل الفصل وبعد خروجي قال: شيخ المعهد مندهش مما حدث؛ فقلت له: كيف يندهش وهو المسئول عما حدث..؟ فرد قائلا: لا هذا شيخ جديد غير الشيخ السابق.. وهو رجل محترم وستعرفه فيما بعد.

المهم أن الأستاذ صلاح كان – أثناء وجودي في الفصل – قد عرض موضوعي على مدرسي العلوم وقام بتجميع مبلغ من المال لإعطائه لي لتدبير أموري، وعند عودتي عرض على المبلغ وكان يزيد عن أربعين جنيها. فقلت له: شكرا يا أستاذ صلاح معي نقود وأخرجتها من جيبي وأطلعته عليها. فأقسم يمينا وأصرّ على أن آخذ المبلغ. فقلت له: أعِدُك إن احتجتُ لشيء ستكون أنت أول من أبلغه. وكنت قد ارتحت للرجل.. وشعرت أنه مشفق علي.

بعد عدة أيام وفي الممر الرئيسي للمعهد كنت أقف قرب معمل العلوم وإذا بأحد المشرفين- ممن يعطونك انطباعا بأنه ” حَلنْجي ” – يقف في الطرف الآخر ويناديني بينما كان بالقرب منه اثنان من لابسي الجلاليب البلدية بأحجام هائلة. وعندما رددت عليه قال: انتظرني لدقائق أنا قادم لك..ثم اختفي.، وبعد قليل جاءني وقال: ما هي أخبارك وأين ستسكن وكيف تدبر أمورك..؟ ففهمت أن نداءه لي كان بغرض تعريف “جوز المخبرين” بشكلي. ثم عرفت بعدها أن المخبريْن علّقا على هيئتي قائليْن: أهوَ هذا..؟ لقد كنا نتصور أنه شيء هائل.! إنه كالعصفورة. ولما سألهم أحد العاملين بالمعهد: وكيف عرفتم ذلك..؟ ردّا عليه: من سُمْعتِه وملفه الذي جاءنا من المنوفية..الخ

كنت منذ اليوم الأول في الدراسة قد بحثت عن مكان للمبيت فدلّني أحد المعلمين على استراحة نادي المعلمين وكانت تقع قريبا من محطة القطار. وبالفعل أقمتُ فيها وتعرفت على بعض روادها من النزلاء.

كان جدولي الدراسي موزعا بين القسم الإعدادي القريب من محطة القطار والثانوي في الطرف الجنوبي للمدينة بجوار حديقة الحيوان وكان بناية شامخة ذات روْنق كالقلعة مترامي الأطراف واسع الحجرات جيد البناء والتنسيق ذا هيبة تقارب هيبة أبنية الأزمنة القديمة البعيدة، ولم أر له شبيها في معاهد مصر كلها.

شيخ المعهد يحاورني.. والطلاب يرغمونني على رواية قصتي:

عرف كلُ من في المعهد بقصتي من المعلمين والموظفين، ولدي لقائي الأول بشيخ المعهد سألني بلطف شديد: ما هي يا أستاذ بشير الحكاية.. فرجال الأمن يتكلمون عنك كما لو أنك وحش كاسر.. وليس بني آدم..؟ قلت له: هذه عادتهم.. المبالغة لإخافة الناس مني؛ ثم سردتُ له موجزا للموضوع. فقال لي:أنا كنت أمين الاتحاد الاشتراكي بمحافظة المنيا.. ولا أجد في كلامك شيئا يُخيف؛ بالعكس حديثك يدفع أي شخص للتعاطف معك. فقلت له: إنه قدري. صمَتَ الشيخ للحظات وقال: سؤال أخير. قلت له: تفضّل. فقال: هل تصلّي..؟ فرددت على الفور: هل تريد الحقيقة ؟ أجاب: بالتأكيد. قلت له: أصلي الجمعة فقط. فقال مبتسما وهو يتأهب لمغادرة مقعده: قم وافعل ما تريده.

لم أتوقع هذا الحوار المباغت، ولا هذا العقل والاتزان واللطف من واحد من مشايخ الأزهر قبل ذلك طيلة ست سنوات؛ لذا كان لقائي بالشيخ عمر أحمد عمر مريحا لي، وبعد أسابيع توطدتْ علاقتنا، بل وكان كثيرا ما يطرح على بعض موضوعات العمل ليأخذ رأيي فيها حتى أنه كان يضمّني بشكل ودّي لبعض اجتماعاته التي يعقدها مع وكلاء المعهد الخمسة.

لا ” أحياء ” اليوم.. إلا بعد أن نسمع قصتك:

في الشهر الأول ولدي دخولي فصل”رابعة ثالث” الثانوي – السنة النهائية بالمعهد – وفي حصة الأحياء قام أحد الطلاب أثناء كتابتي عنوانَ الدرس على السبورة بترك مقعده ليغلق بإحكام باب الفصل (الموارب) وعاد لمكانه وقال: يا أستاذ بشير “النهارده مفيش أحياء إلا لما نسمع قصتك وعاوزين نعرف منك الحقيقة”. فرددت عليه: أية قصة بالضبط..؟. فقال: قصة نقلك من بلدك لأسيوط وحكاية السياسة وخصم شهرين من مرتبك. فقلت له موجها حديثي لجميع الطلاب: يا إخوتنا أنا عملي هو التدريس وأتقاضى أجري في مقابل هذا العمل؛ ولا يمكن أن أتحدث في وقت العمل في أمور شخصية أو أية أمور أخرى سوي المقرر الدراسي ليس خوفا من أحد ولكن لأن ذلك التزام أخلاقي عندي لا أخالفه.

ردت مجموعة منهم في لحظة واحدة: لا تجْهِد نفسك يا أستاذ فيما تقول.. لن ننصت للدرس. وقام جميعهم بتنكيس رءوسهم على أدراج المقاعد ووجوههم للأسفل وظلوا صامتين. انتظرت ما يقارب النصف دقيقة ثم قلت: عشرة دقائق لا غير بعدها نعود للدرس. فردوا جميعا: موافقون.

أوْجَزتُ لهم الحديث في الآتي: في بلدتنا نقوم بنشاط عام نطالب فيه بتحرير الأرض التي احتلها الصهاينة في عام 67، وندعو بعض قادة المقاومة الفلسطينية للتحدث في ندوات للتوعية وفي جزء آخر نناصر الفلاحين الفقراء ضد مستغليهم من العائلات الإقطاعية التي كانت تسخرهم للعمل في أراضيها دون مقابل، وفي جزء ثالث نشارك في مقاومة البعوض وآفات القطن وتقوية تلاميذ الصف السادس الابتدائي وكشف المنحرفين في الجمعية الزراعية. ولا نخافُ أحدا في هذا البلد، وإذا لم يعجبنا شيء نقوم بالاحتجاج أو التظاهر. وهذا لا يروق للحكومة وللمباحث وأجهزة الأمن. ولو كنتُ مخطئا أنا وزملائي في هذا النشاط فلّْيحاكمونا ويعاقبونا. لكن لأنهم لا يملكون أي دليل لإدانتنا طوال سنوات ولا يريدون إلّا مواطنين عجزة وجبناء وخُرْساً.. طردونا من بلادنا.. ولذلك رفعنا عليهم قضية تطالب بعودتنا وبتعويضنا.

بانتهاء الدقائق العشر علق أحدهم قائلا:ما قلتَه لنا ليس فيه خطأ ولا يَعيبُك. ورد آخر مستكملا: نحن معك.. ولو أردتنا ببنادقنا فنحن مستعدون. فعقبتُ على تعليقاتهم قائلا: شكرا وأنا لست محتاجا لمساعدتكم لأن كلَّ منطقة مليئةٌ بالشرفاء من أهلها علاوة على أن الأمر لا يحتاج بنادق أو غيرها.

استدعاء من المباحث العامة بأسيوط لإخطاري بقرار الإبعاد:

بعد أيام وصلني استدعاء من المباحث العامة بأسيوط لمقابلة الرائد أحمد الهرميل في السابعة مساء من خلال اثنين من المخبرين حضرا للمعهد.

وفي الموعد المحدد توجهتُ من نادي المعلمين حيت أقيم إلى مقهى ماجستيك بميدان المحطة أي على بعد أمتار قليلة وظللت بها حتى التاسعة مساء؛ قمت بعدها بالتجول في وسط المدينة وتناولت عشائي ثم عدت للنادي في العاشرة.

في اليوم التالي وجدتُ سيارة أمن الدولة على باب المعهد وبها بعض المخبرين يطالبونني بالتوجه معهم لمديرية الأمن فركبت معهم ليستقبلني الرائد الهرميل.

وهناك حاول الدخول معي في حوار متشعب فرفضته وقصَرْته على موضوع الإبعاد وقلت له:

الدستور الطازج الذي أصدرتموه يُجّرم منع التنقل بحرية للمواطنين في المادة 41 وأنت تعلم ذلك جيدا، ولو لديكم دلائل على ارتكابي أعمالا غير مشروعة فهناك شيء اسمه القضاء؛ أم أن الديمقراطية ليست سوي لافتة..؟ لذا لجأتُ لرفع قضية ضدكم وسأحصل على حكم بالعودة وإدانة وزير الداخلية وسأحصل على تعويض وبعدها سأسألك: مع مَنْ كان الحق..؟ أم تريد الإجابة عن السؤال الآن..؟.هل يمكنك إفادتي عن نتيجة تفتيشكم لمنزلي بشبين الكوم..؟ هل عثرتم على شئ رغم أن المداهمة كانت مباغتة..؟

ضابط أمن الدولة: المنوفية تتاخم كفر الشيخ:

لم يكن الهرميل يرد على أسئلتي لأنه لم يكن لديه رد. لذا أصْرَرْت على محاصرته خلال اللقاء وإشْعاره بذلك الحصار وسألته: إذا كنت أنا من المنوفية فلم حَظرْتم إقامتي في كفر الشيخ.. هل لديك رد..؟ فقال بسرعة: طبعا.. لأن المنوفية تتاخم كفر الشيخ ولها حدود معها. رددت عليه: أأنت متأكد..؟ قال: طبعا. فقلت له: هل أصَحّح لك معلوماتك..؟ واستكملت: المنوفية حدودها مع القليوبية من ناحية ومع الغربية من الشمال.. وليس مع كفر الشيخ لأن حدود كفر الشيخ مع الغربية التي هي بلدك ومع البحيرة.. لا بأس.. أتركنا من هذه: هل أرسلت لي لتتناقش معي..؟ فرد: وشيء آخر. سألته: ما هو..؟ قال: أن تُوقّع لنا بالعِلْم على قرار الإبعاد. فرددت عليه: تقصد قرار حظر الإقامة رقم 1065 / 1971. قال: بالضبط.. ثم قدم لي مَلْزَمة من الورق بها القرار ومعه إقرار بعدم الذهاب إلى المنوفية وكفر الشيخ..وعدد آخر من الممنوعات.ولما اطّلعتُ عليها قلت له: هل ما مع القرار من أوراق يعتبر من القرار..؟ رد قائلا: نعم. قلت له آسف سأوقع على القرار فقط وتجاهلت المكان الذي حدده لتوقيعي؛ وتحت نص القرار مباشرة كتبت بخط يدي عبارة [أخطرت بالقرار 1065/1971 يوم كذا ووقعت]..وتركت له القلم ونظرت له قائلا: أهناك شيء آخر..؟ رد: لا. بعدها غادرت المبني عائدا لنادي المعلمين.

زيارة لصديق تحل مشكلة غدائي اليومي:

في الأسابيع الأولي بأسيوط ذهبت لزيارة شقيق أحد أصدقائي وكان طالبا بالسنة النهائية بكلية الطب البيطري. وفي حجرته بالمدينة الجامعية تداولنا الحديث في شئون الحياة، وأخبرته بقصة الإبعاد. كان سمير شخصا جادا رائعا ومهتما بدراسته، وحيث تكررت زياراتي له سألني: كيف تعيش وتأكل.. فأخبرته آكل في المطاعم وأجلس على المقاهي وأتابع الصحف ولا شيء أكثر. فقال لي: لدي فكرة ربما تروقك.. هناك عدد من الطلاب يتغيّبون عن المدينة الجامعية عدة أيام في الشهر ويتركون لي “بونات التغذية” فما رأيك في أن تأخذها حتى لا تحمل همَّ الغداء كل يوم..؟ فكرت للحظات وقلت: ألا يمكن أن يتسبب ذلك في متاعب لك أو لزملائك الغائبين..؟ قال: لا. قلت له: أوافق بشرط. قال وهو يبتسم: وما هو..؟ أجبته: أن أدفع ثمنها أولا. فرد على: توقعت شرطك.. وأوافق عليه.

هذا وقد صادفت أثناء مغادرتي المدينة الجامعية إعلانا للجنة الثقافية بكلية التجارة عن ندوة شعرية بالكلية بحي الوليدية في إحدى أمسيات شهر أكتوبر 1971.

ندوة شعرية تُعرّفني بطلاب جامعة أسيوط:

في الموعد المحدد ذهبت لكلية التجارة بحي الوليدية مخترقا أهم شوارع أسيوط شارع الجمهورية. وكان الشعراء المدعوون هم صلاح عبد الصبور، محمود حسن إسماعيل، وأحمد هيكل. دارت الندوة وألقي الشعراء ما تيسر من أشعارهم، بعدها بدأ النقاش الذي كان جانب منه يتعرض لما تم إلقاؤه من قصائد، وأثناء رد أحد الشعراء على أحد الأسئلة تطرق – عابرا- إلى شعر العامية. رفعت يدي بعدها وعرّفت الحضور بنفسي ودخلت في الموضوع متسائلا: لماذا يَعتبِر كثير من شعراء الفصحى أن شعر العامية ليس شعرا..؟. تبادل الضيوف الثلاثة الرد على التساؤل بعدها قلت تعليقا رأيته مهما هو (أن الصورَ الشعرية والصياغات وكذلك ترابطَ القصيدة وبناءها لا ينفرد بها شعر الفصحى بل إن هناك من القضايا ما يُجيد شعرُ العامية التعبيرَ عنها بشكل لا يقل إن لم يتفوق على شعر الفصحي فسألني أحد الحضور من الطلاب مقاطعا: مثل ماذا، اضرب مثالا..؟ فرددت عليه: هناك شاعر شاب يدعي نجيب شهاب الدين له عدد من قصائد العامية بالغة الجودة من وجهة نظري منها قصيدة بعنوان الإبن وقمت بإلقائها على الحضور:

(1)

 سميت عليك..

 باسم العرق فوق الجباه

 باسم الغرام اللي ما بين الأنام

 ساعة الشبع والحياة

يا زحمة الأشواق..

 شلتك على كتفي العجوز

 ألِفّ بيك الأسواق.. دلوقتي ما يْهمنيش

ما يْهمنيش الخطاوي اللي جايّة

في آخر الليل

 في الشارع المحني الطويل

 ح ارقص.. وأقول للناس بقالي حيل

سميت عليك يا بني..

 يحميك من الخوف اللي غالبني

   (2)

سميت عليك.. باسم الجسارة.. والحياة

يا نفس طالع رُقَيّق..

 باب الجبان ضيّق

والدنيا بِرحة وراه

يحميك من الضهر الجبان

 إرْقُد على صدر بابا..

 حِسّ الدفا والأمان

 للخوف.. عيون واسعة

 يا بو العيون الحايْرة ما تخافش..

 م العين اللي ع الشيش دايرة

 ما تخافش م العسكري..

شوف الطيور اللي طايرة

 ما تخافش م القلعة وم الرهبان

   (3)

 ما تخافش م الخايفين.. إضربْ..

بسيفي اللي متعلّق بقاله زمان

 إفتح إيديك المولودين

بوسة عشان بابا

 يا ريحة الناس.. والسنين الطيبين

 إطلَعْ على كتفي شوف

إلعب في كل الرفوف

 ما تخافش من أي شيء

 لأني قَبْلك خُفت من كل شيء

  (4)

طول اللي ما طُلتهوش

في الفجر لو طلبوك

في الدنيا.. لو صَلَبوك

طول اللي ما طاله أبوك

عوّضني كل الخسارة..

أنا خسرت كتير خسرت طعم الجسارة

وكسبت بصّة عينيك..

 يا طفلي يا مولود

إوصِل ما بينك وبيني

 خليني أنا ابنك.. وِاكْبر.. وربّيني.

كان الرد من الشعراء إيجابيا خصوصا صلاح عبد الصبور. وفور انتهاء الندوة وجدتُ جمْعا من الطلاب وقد أحاطوا بي وأثنوا على القصيدة وعلي الحوار.. وطالبوني بمرافقتهم حتى نتعارف بشكل أفضل. كانوا حوالي تسعة طلاب منهم صلاح يوسف وطاهر يوسف.

في شارع الجمهورية توقف ثلاثتُنا وعرَجْنا على شقة بالدور الأرضي كان يسكنها طاهر مع أخرىن ولفتَ نظري أن طاهر كان شاعرا صغير السن حاد الذكاء وخفة الظل، وفي منزله امتد الحديث معه ومع صلاح حتى الحادية عشر مساء، بعدها غادرت منزله على موعد بلقاء هذه المجموعة في اليوم التالي.

تكررت لقاءاتنا مع شفيع عبد الغفار وصلاح عبد البديع وفوزي سعيد والمعتز بالله فهمي وعاصم الشريف ومصطفي محمد على وغيرهم، لكن أكثر من داوم على زيارتي حتى في عملي كان صلاح يوسف أمين اللجنة الثقافية بكلية الهندسة. وكان أكثر من تحدثت معهم عن قصة الإبعاد. لذلك دعاني للقاء بأعضاء اللجنة الثقافية بكليته يضم عددا من أصدقائه وبعض الأساتذة منهم د.فتح الله الشيخ أستاذ الكيمياء بكلية العلوم. ودار الحديث عن تاريخ مصر الحديث ونشأة الرأسمالية المصرية. وتوثقت علاقتي بالمجموعة ودعاني صلاح يوسف لمنزله فتعرفت على أسرته كبيرة العدد ووالده الموظف بالبريد؛ وهكذا اتسعت الدائرة التي أعيش فيها لتتجاوز حدود المعهد الديني ونادي المعلمين إلى طلاب جامعة أسيوط بانتماءاتهم الجغرافية المتنوعة وإلي عدد من طلاب الأزهر في بحر شهرين لا أكثر.

الحصول على شقة أمام المعهد:

كان صديقي عبد الحميد بدر الدين – وهو من نفس سني ومن قرية كَلْبِشو مركز بركة السبع- مجندا في القوات المسلحة بأسيوط، ولما عرف بوجودي حضر إلى وفي إحدي زياراته قال أنه يعرف مجندا آخر في كتيبته من أسيوط يمكن أن يساعدني في الحصول على شقة لأستأجرها، وبالفعل عثرنا علي الشقة في شهر ديسمبر 1971 ولحسن الحظ أنها كانت أمام مبني المعهد الثانوي. بعدها قمنا بتحويل أوراق شقيقي شفيع من شبين الكوم إلى مدرسة الصنائع بأسيوط وحضرت بشري لتقيم معنا، وقد داوم عبد الحميد على زيارتي والاتصال بي حتى انتهت خدمته بالجيش.

شروع في إبعادي عن أسيوط:

وفي الخامس من يناير 1972 أرسل وكيل المعهد الإعدادي أحد السعاة إلى في الفصل يطالبني بالحضور لمقابلته، فأفدته بأن ينتظرني بعد انتهاء الحصة، فعاد الساعي طالبا مني الحضور فورا فقلت له بحزم: قل له لن أترك الحصة إلا بعد انتهائها لأن الدرس الذي أشرحه هام ولابد أن أنتهي منه أولا.انتهت الحصة وذهبت إليه فوجدت معه رجلا في منتصف الثلاثينات يحمل حقيبة ويرتدي حلة ثمينة، عرّفني به قائلا: الأستاذ على الشرقاوي مفتش تحقيقات بإدارة المعاهد الأزهرية بالقاهرة. رحبتُ به قائلا: خير يا أستاذ على. فلم يعقب وسألني: هل يمكن أن نذهب معا للمعهد الثانوي ونتحدث في الطريق..؟ قلت: وهو كذلك. وقبل أن نغادر قال وكيل المعهد للضيف: أنا قلت لك أنه لن يترك عمله لأي سبب ولن يحضر إلا في نهاية الحصة.

خرجنا إلى الشارع واتخذنا طريقنا لما يزيد عن كيلومتر فقال لي: وكيل المعهد يتحدث عنك باحترام بالغ. وسألني عن قصة الإبعاد فعرضتها عليه باقتضاب. بعدها تطرق لسبب حضوره والمهمة المكلف بها.. قائلا: هناك اتهامات منسوبة لك بأنك تتحدث مع طلاب المعهد في الأمور السياسية.. لذا تم تكليفي بالتحقيق في ذلك. سألته: ممن تُوَجه الاتهامات من داخل المعهد أم من خارجه..؟ رد قائلا: من خارجه ثم قال ما رأيك في ذلك..؟ قلت له: أن رأيي لا قيمة له لأني المتهم، ولا يبقي إلا أن تسمع أطرافا أخرى كالزملاء وإدارة المعهد بقسميه علاوة على الطلاب. فعقب قائلا: هذا صحيح. أكملت حديثي: وأقترح عليك أن تطلب من إدارة المعهد كشفا بأسماء الطلاب المسجلين في فصولي (وهي أربعة فصول بالإعدادي وخمسة بالصف الأول الثانوي، واثنان بالصف الرابع الثانوي) وتنتقي منهم عينات عشوائية وتقوم بالتحقيق معهم بعيدا عن بعضهم وأن تصرف من ينتهي التحقيق معه إلى خارج المعهد دون أن يختلط بمن لم (يجري) معهم التحقيق.

قبل أن نصل المعهد بمائتي متر قال لي: رغم أن ذلك يتعارض مع مهمتي التي حضرت من أجلها فإني أحييك على أمانتك ويشرفني أنني تعرفت على رجل مثلك. فشكرته باقتضاب.

بلغنا المعهد وهناك وجدنا في انتظارنا ثلاثة من الوكلاء والمدرس الأول للعلوم بينما كان شيخ المعهد قد غادر تاركا خبرا بإيصال المحقق لمنزله ليستكمل التحقيق. بعدها استأذنتُ المحققَ ووكلاءَ المعهد قائلا: أنا أسكن أمام المعهد وسأعود لكم بعد ساعة.

قام المحقق بأخذ أقوال الوكلاء ثم المدرس الأول المشرف على عملي، واستخدم الاقتراح الذي طرحته في اختيار الطلاب والتحقيق معهم. ولما عدت للمعهد انتظرت بعيدا عن حجرة التحقيق حوالي نصف ساعة ناداني بعدها أحد الوكلاء لأخذ أقوالي ثم توجهت مع المحقق لمنزل شيخ المعهد على بعد خمسمائة متر. وما أنْ دخلنا للمنزل حتى قلت لشيخ المعهد: هناك بعض الاحتياجات المنزلية سأذهب لشرائها وأعود إليكم بعدها. قال الشيخ عمر: أستاذ بشير.. لن أقول كلمة واحدة إلا أمامك إجلس. تناول المحقق غداءه بمفرده فقد سبقه الشيخ ثم بدأ التحقيق.. وياله من تحقيق؛ فقد قال الشيخ عمر كل ما في بطنه وبدأ حديثه قائلا: إننا راقبْنا واختبرنا الموضوعات التي يتحدث فيها مع الطلاب منذ الحصة الأولي له بيننا- لأن الأمن حذرنا منه – فلم نجد ثغرة، إنه يدخل حصته بمجرد انتهاء الحصة السابقة ليستفيد من الـ 5 دقائق التي تفصل الحصتين ولا يخرج من الفصل إلا عقب جرَس بدء الحصة التالية ومن ثم يستفيد بخمسة دقائق أخرى؛ ولا يوجد مدرس بالمعهد يتصرف هكذا. المدرس الأول يقول أنه أفضل منه شخصيا، وأمين المعمل الأستاذ صلاح يقول: لم أجد مدرسا طيلة عمري يشرح لتلاميذ الصف الأول الإعدادي تركيب الذرة ويخترع التشبيهات لإفهام التلاميذ كما يفعل هذا الرجل. ثم ذكر إطراءات أخرى شخصية كثيرة ومتنوعة. المهم أن المحقق كتب كل كلمة وكان يطرح السؤال وبعده تنساب إجابة الشيخ عمر لا تتوقف والمحقق يدون أقواله بلا توقف.

لقد كنت جالسا بعيدا عنهما في حالة من الذهول؛ ولو خرج أبي الذي يحبني من قبره لما قال عني ما قاله شهود هذا التحقيق.

أنهي المحقق المهمة.. وودعته ولم أعرف إن كان قد سافر في نفس اليوم أم أنه حلّ نزيلا في أحد الفنادق ليراجع أوراقه لعل هناك ما قد يكون نسيه فيستكمله في اليوم التالي.

انفجار الحركة الطلابية بجامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط:

في نهاية عام 1971 كان للسادات عبارة شهيرة يبرر بها التأخر في تحرير الأرض المحتلة اسمها “الضباب”. وفي ذلك الوقت كانت تعتمل وتنضج في الجامعة إرهاصات احتجاج واسع لطلابها بشأن الحرب. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى انفجرت رافضة قصة الضباب. ففي تلك الفترة كانت إنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند قد مهدت الأرض بنشاط سياسي واسع ومدروس لتُوقِفَ اعتداءات باكستان على حدودها وتُسكتها تماما وقد نجحت في مسعاها بشن حرب خاطفة حققت أهدافها كاملة. وقد مثّل ذلك خلفية للمقارنة مع الوضع في مصر.. ورصده الشعب المصري وفي مقدمته طلاب الجامعة. وخلال شهر يناير 1972 كانت جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر والإسكندرية في حالة غليان وصخب لم تحدث في مصر منذ عقود.

وارتبك السادات وتعامل مع الاحتجاجات بطريقة عنيفة وقام باقتحام الجامعات بقوات الأمن مما ولّد غضبا في الشارع المصري وتعاطفا مع الطلاب.

وكنتُ وعددٌ من طلاب أسيوط قد غادرنا – كلٌ على حدة- إلى جامعة القاهرة نستطلع الأمر ونُجري حوارات مع بعض قادتها الذين كنا نعرفهم قبل ذلك، وبسبب ظروف عملي عدت لأسيوط بعد يومين.

وفي اليوم الثالث حضر صلاح يوسف لمنزلي وتحاورنا في الأمر فقال: أن طلاب جامعة أسيوط وبالذات طلاب الهندسة مصرون على استئناف حركة الطلاب التي قمعها السادات في القاهرة والإسكندرية.. لذا أعددنا بعض المقالات التي تتحدث عن الحركة والاعتقالات، والحل السلمي، وفلسطين وغيرها من موضوعات الساعة. هذا وقد قام بالاتصال بالكثير ممن قابلتُهم في الندوة الشعرية واللجنة الثقافية بكليته، كما اتصل بكلية الطب والعلوم والزراعة وأصبحت بذلك جامعة أسيوط تحت المنظار وتطور العمل بها بسرعة مذهلة وانتقل النشاط إلى كليات أخرى كالتربية والتجارة.

من ناحية أخرى ارتكبت إدارة الجامعة ورُوّاد اتحادات الطلاب من الأساتذة أخطاء شتي أسهمت في ردود أفعال عكسية ساعدت الحركة على النهوض وصار صوتها مسموعا خلال ثلاثة شهور. والأهم أن ما سمعناه عما يجري في جامعة أسيوط قد رفع حماس طلابها ومثل لهم دفعة معنوية قوية.

اللجوء للمواجهة السياسية في جامعة أسيوط أنضج الحركة:

ثلاثة مؤتمرات سياسية لوكيل الجامعة وحسين الشافعي وسيد مرعي

في أواخر فبراير 1972عزمت إدارة الجامعة على القيام بمواجهة سياسية للحركة الطلابية بأسيوط – غالبا لتفادي الخطأ الذي تم ارتكابه باستخدام العنف في جامعات القاهرة والإسكندرية- فاختارت أكثر كلياتها سخونة لتضرب ضربتها ودفعت بأخطر كوادرها (د. عبد المجيد عثمان) وكيل الجامعة ليقوم بهذا الدور. وبالفعل تم الإعلان عن عقد مؤتمر بكلية الهندسة.

محاولة د. عبد المجيد عثمان:

وفي المؤتمر رأى الدكتور عبد المجيد أن من الأوْفق أن يبدأ حديثه مع الطلاب ليطفئ مبكرا الحماس البادي على الوجوه بدلا من أن يتحدث الطلاب فيشعلون الموقف. وكان ذلك التصور يتضمن قدرا من الحقيقة.

يقول أحد الحاضرين للمؤتمر بدأ عبد المجيد عثمان حديثه الذي استمر قرابة الساعة وتمكن من تهبيط حماس كثير من الطلاب وإن لم يتمكن من إقناعهم وأنهي كلمته بتقديم طالب الهندسة وأمين لجنتها الثقافية صلاح يوسف للاستماع إليه.

قام صلاح- وبذكاء شديد – بتلخيص حديث عبد المجيد عثمان في عدد من النقاط تناولها واحدة بعد الأخرى بالتفنيد والدَحْض وفي بعض الحالات بالسخرية حتى انقلب المؤتمر بكامله ضد د. عبد المجيد واشتعلت الهتافات ضده وضد الجامعة وكاد الطلاب يفتكون به لولا أن قام صلاح بحمايته ورفضَ العنف في معاملته وأخرجه مهزوما دون المساس به، وهو ما رفع أسهم صلاح وسط الطلاب.

ومثلت تلك المناظرة السياسية نقطةَ التحول في النشاط الطلابي بأسيوط ليرتقي ذلك النشاط المبعثر إلى حركة في طريق التبلوُر، كما كانت بداية تشكّلِ قيادة جماهيرية لطلاب الهندسة وربما للجامعة فيما بعد. باختصار صار للحركة الطلابية المصرية – بعد إغلاق جامعات القاهرة والإسكندرية واعتقال قادتها- صار لها رأس جديد وامتداد يبشر بالتطور.

محاولة حسين الشافعي:

بعدها لجأت الدولة لكبار قادتها لإخماد شعلة الحركة في أسيوط فأعلنت عن لقاء قريب لحسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية، وكان الاستعداد للمؤتمر قبله بأيام قائما على قدم وساق، وتفتحت قريحة الطلاب عن إجراء استباقي مباغت ربما يفلح في دفع الجامعة لإعادة النظر في زيارة الشافعي والتراجع عنها. تَمثّل ذلك الإجراء في إصدار بيان يغطي أرجاء الجامعة وكلياتها بصياغة جريئة مليئة بالثقة. وبالفعل تمت كتابته وذهب به صلاح يوسف لزملائه من مختلف محافظات الصعيد في المدينة الجامعية وسهر عليه الطلاب ينسخونه مئات النسخ ويوزعونه ليلا لبلدياتهم ويلصقونه في دورات المياه ويتحدثون عن مضمونه مع بقية الطلاب من المحافظات الأخرى. لم يكن تصوير المستندات آنذاك قد وصل مصر؛ لكن حمْيَة الطلاب حلّت محل التكنولوجيا وبذا صار ورقُ الكربون فرسَ الرهان في انتشار البيان.

وانزعجت إدارة الجامعة وطار صواب أجهزة الأمن حيث لم تصلهم إخبارية واحدة عن البيان قبل أن يقرأه الطلاب على جدران الجامعة ومرافقها.

لكن حسين الشافعي حضر في الموعد، والتقط بعضُ الطلاب من دهاليز إدارة الجامعة خبرا عما رصده الشافعي من رشاو للأساتذة ونشروا أخبارها في مجلات الحائط. وعُقِد المؤتمر في موعده وتمكن الطلاب من إجبار منظميه على أن يكون لهم كلمة ألقاها صلاح وعرّي فيها لجوء الدولة للعنف وإغلاق الجامعات واعتقال قادة الحركة، وهو ما وضع الشافعي في حرج بالغ حيث لم يكن ما قدموه من تبريرات جديرا بالصمود أمام منطق الطلاب.وانتهي المؤتمر بخيبة شديدة لهم وفرح عارم للطلاب.

فحتى هذه اللحظة أيقن الطلاب بعد مؤتمرَي عبد المجيد عثمان وحسين الشافعي أن الحركة الطلابية على حق في كل مطالبها لأن الدولة لم تستطع حتى الآن أن تصمد أمام منطقهم القوي وهو ما ثبّتَ ذلك اليقين في صدورهم وأشعرهم بقيمتهم وبقيمة العمل الجماعي.

محاولة سيد مرعي:

بعد مؤتمر الشافعي تم الإعلان عن زيارة جديدة لسيد مرعي أحدِ السياسيين القدامى المخضرمين والذي رأس البرلمان في وقت سابق وتحدد موعدُها وجرت عمليات الإعداد لها. وكان الطلاب لها بالمرصاد فأعدّوا بيانا يهاجم الزيارة ويوضح مراميها ويربطها بقضية تحرير الأرض. كما اتخذوا إجراءات مُحْكمة أشد مما اتبعوها في زيارة الشافعي بشأن نسخ البيان الذي نشروه بشكل أوسع مما سبقه. وقابلَ البيانَ من الناحية الأخرى مجلاتُ حائطٍ ساخنة ونقاشات موسعة وصلتْ حتى مساكن طالبات الجامعة اللاتي أبلين بلاء حسنا في نشر البيان. وكانت المفاجأة المدوّية هي تأجيل الزيارة لموعد يحدد فيما بعد. وفور تحديد الموعد الجديد صعّد الطلابُ دعايتَهم بشكل لم يسبق له مثيل حيث كانت النجاحات التي أحرزوها في المرتين السابقتين قد حصدت أنصارا جددا بالعشرات وسّعت نطاق الحركة فتصاعدت لغة التحريض وجسارتُه وصدر بيان طلابي جديد أسهم في تأجيل الموعد الثاني لزيارة سيد مرعي؛ وهو ما أشاع جوا من التفاؤل والبهجة ورفع الشعور بالثقة لمستويات جديدة وقلّص بدرجات مماثلة معنوياتِ الإدارة وقدرتَها على الحركة.

وتَحدّد الموعد الثالث لقدوم سيد مرعي فرأي الطلاب أن تكرارَ الهجوم الطلابي بنفس الأدوات السابقة غيرُ مُحبّذ؛ وبالعكس باتت المواجهة المباشرة على الملأ مع خصم تلقي ضربتين موجعتين هي الأنسب.

وجاء اليوم الموعود وكان الطلاب قد أعدّوا عدتهم من حيث الحشد والشعارات وما ينوون طرحه في كلمتهم. وتَحَدّد المدرّج الذي سيقام فيه المؤتمر فشرع الطلاب في احتلاله ولم يتركوا لإدارة الجامعة موطئا لقدم.. حتى المنصة احتلوها، وأصبح دخول السيد مرعي إليها نوعا من المستحيل مما اضطر المنظمين لنقل المؤتمر إلى حديقة مجاورة داخل الجامعة.

من ناحية أخرى استغل الطلاب الفترة الزمنية التي فصلت نقلَ مكان المؤتمر من المدرج للحديقة في رفع حرارة الحشد الجماهيري؛ لدرجة أن بعضهم لجأ لإطلاق شعارات سوقية ضد سيد مرعي منها: [سيد مرعي جي ع الأرض المزروعة // سيد مرعي جي وف (إيده) زعزوعة]، وبدأ المؤتمر في تلك الأجواء المتوترة؛ وعندما تحدث سيد مرعي لم يأت بجديد وهو ما أتاح للطلاب في كلمتهم التي ألقاها صلاح يوسف التطرق لقضايا لم يسبق إثارتها في مؤتمرات سابقة. هذا وكانت قد بزغت فكرةٌ لم تخطر على البال طيلة الفترات السابقة؛ فقد اقترحت شقيقتي بشري قبيل المؤتمر بساعات قليلة أن تشارك في رفع عدد من الشعارات.وساعتها سألتُها عما تحفظه منها فذكرتْها على مسامعي منها [(من عين شمس إلى أسيوط // صوت الطلبة مش حيموت)، (كل الناس دي معانا لمبدأ // للنهاية ومن المبدأ، الإنسان اللي له مبدأ // ما بيتاجر ولا يسترزق،الإنسان الثاير يبدأ // ما بْيستنى الظروف تبدأ) ] فأضفتُ لها شعارا أو اثنين وقلت لها: وهو كذلك.

كانت تلك الشعارات هي الجديد في الأمر وكان إلقاء فتاة لها هو المفاجأة فلم يسبق أن شاركت الطالبات في النشاط الجماهيري قبل ذلك. وكان من المشاهد الفريدة التي يذكرها طالب معهد التعاون الزراعي محمد على عبد الكريم أحد منظمي المؤتمر ذلك الكردون البشَرِي المُصْمَت الذي أحاط به الطلابُ بُشرَي أثناء مغادرتها المؤتمر.. والذي إنْ دلّ على شيء فقد دلّ على أن الطلاب نجحوا تماما وباءت كل محاولات الجامعة بالفشل الذريع.

انتهي المؤتمر الذي فرض فيه الطلاب هيمنتَهم وآراءَهم ومن الجانب الآخر باءت بالفشل خطة استعانة الدولة بمسئولين كبار لمواجهة الطلاب سياسيا.. بل واهتزّت قناعتُها في أسلوب المواجهة السياسية لصالح العنف.

تمهيد سياسي للعودة لسياسة العنف والقتل:

وضح جليا للدولة أن تيار المواجهة السياسية في جامعة أسيوط قد صب ثماره لصالح الطلاب بعد فشل المؤتمرات الثلاثة- لوكيل الجامعة والشافعي ومرعي – فبدأتْ في الاستعداد لتحريض الجماعات الدينية في أسيوط على حركة الطلاب بدلا من التدخل المباشر للأمن. لذلك تم إرسال أحمد كمال أبو المجد وزير الشباب آنذاك والداعية الإسلامي المعروف إلى أسيوط لا ليتحدث في مؤتمر جماهيري نتائجُه معروفة سلفا؛ بل لتأليب الإسلام السياسي على حركة الطلاب ولذلك عقد اجتماعا تمهيديا مع أعضاء الجماعات الدينية (نواةِ الجماعة الإسلامية فيما بعد؛ التي قتلت السادات واحتلت مديرية أمن أسيوط بالسلاح، وعاثت فسادا في مصرفي ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته) حضره حوالي60 طالبا منهم ناجح إبراهيم وكرم زهدي وعاصم عبد الماجد وأسامة حافظ.. الذين صاروا فيما بعد قادة هذه الجماعة.

هذا وقد جري اللقاء في مكان بعيد عن الجامعة وهو ما آثار الريَبْ. ووصل الخبر ومكان الاجتماع لصلاح يوسف بالمصادفة؛ فتوجه إلى هناك واستمع لما يدور وشارك في الحوار الذي انتهي بخلاف واضح بين الحضور وصلت حدوده إلى ظهور رأييْن. وعلي ما يبدو أن الاجتماع لم يحقق مبتغي الدولة فورا بصرف النظر عن نوايا الجماعات الدينية؛ التي اتضح أنها كانت منشغلة بحوار يستهدف توحيد صفوفها تمهيدا لتشكيل الجماعة الإسلامية أكثر من اهتمامها بحوار مع رموز الدولة، وربما تكون استشعرت من شواهد شتي أن الدولة ترغب في استخدامها مجرد استخدام يتوقف وقتما يحقق أهدافه.

كمين أمني.. والاعتداء على طاهر يوسف:

في نهاية عام 1972 كان طاهر يوسف – الطالب بمعهد التعاون الزراعي بأسيوط – قد نقل محل سكنه من شارع الجمهورية إلى منطقة معزولة نسبيا؛وفي إحدى الأمسيات وأثناء عودته من الجامعة نصب له الأمن كمينا تم فيه الاعتداء عليه وإصابته إصابات جسيمة. وعلِمتْ شقيقتي بُشري بالأمر فأرسلتْ شقيقي شفيع للاطمئنان عليه وإحضاره إن كانت حالته تستدعي ذلك. واكتشف شفيع أن طاهر ذهب لقسم الشرطة المختص للإبلاغ عن الواقعة ومكث به لمدة ثلاثة ساعات دون اتخاذ أي إجراء أو تحقيق فاصطحبه مع بعض زملائه في الجامعة لمنزلنا بعد أن وجده لا يستطيع السير. وفي وجودهم قامت بشري بتضميد جراحه (الوجه والذراعين والكتف والصدر والأرجل)، وحيث كنتُ خارجَ أسيوط لمدة يومين فقد سألتني بشري فور عودتي وعِلْمي بما جري قائلة: هل تصرفتُ تصرفا صحيحا..؟ فقلت لها: لم يكن هناك تصرف صائب أفضل مما قمت به أنت وشفيع. هذا وظل طاهر بمنزلنا أربعة أيام حتى التأمتْ جراحُه جزئيا واسترد بعض عافيته وعاد لسكنه مرة أخرى.

كان طاهر شاعرا واعدا منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره في بني سويف، وكان دوره محوريا في نشاط الطلاب بأسيوط فلم يُعقَد مؤتمرٌ أو تبدأ مسيرة أو مظاهرة لم يلعب فيها طاهر دورا حاسما في عملية الحشد، وكان لسرعة بديهته ودقة ملاحظته وخفة ظله وكفاءته النادرة في الحوار مع الجمهور الدورَ الأبرز في ذلك. حيث اعتاد على إلقاء أشعاره في ساحات مجلات الحائط والمؤتمرات وقبيل بدء المسيرات.

لذا كان العدوان عليه رد فعل وإدراكا لمدي خطورة دوره، ومن الناحية المقابلة كان الحفاظ عليه وإنقاذه – حرصا على ترابط واستمرار قيادة الحركة متماسكة عالية المعنويات – مهمة ضرورية.

حالة حرب غير مُعْلنة:

وقبل أن نتطرق إلى فترات الصدام الجماعي والتي بدَتْ نُذُرُها واضحة في الأفق نوجز الوضع الذي كان قائما في أسيوط في نهاية العام الدراسي 1971/ 1972 فيما يلي:

كان ما يجري في الجامعة ومحيطها وامتداداتها يؤكد للعين المدققة أننا في ساحة حرب حقيقية لا تحتاج إلى بُرْهان.. سواء وقت السلم أو في لحظات الصدام التي أتت فيما بعد؛ والتي بدأت بالاعتداء الوحشي على طالب التعاون الزراعي طاهر يوسف في كمين أمني أثناء عودته لمنزله من الجامعة.

باختصار أصبح ” اللعب على المكشوف ” ففي معسكر الدولة / الجامعة كانت الاتصالات والتحضيرات بين أجهزة الأمن والجامعة قائمة على قدم وساق.. وكذا بين أمين الاتحاد الاشتراكي بأسيوط محمد عثمان إسماعيل (المحافظ فيما بعد) والجماعات الدينية وجماعة الإخوان المسلمين ممثلة في د. خالد عودة. وكانت عمليات التنسيق والتعاون بين المجموعتين على أشُدّها..علاوة على توسيع عمليات الرقابة والمتابعة البوليسية التي – من حماقتها وتوترها– خرقتْ كلَ البديهيات والقواعد المعروفة في عملها؛ فقد روي لي طالب الطب آنذاك صلاح عبد البديع واقعة طريفة تعرّضَ لها وتبرهن على تلك الحماقة.. حيث وجدَ في أحد الأيام واحدا من المُخْبرين ينتظره بدراجته أمام باب منزله.. ولما همّ صلاح بركوب دراجته تابعه المخبر كظلّه وكلما دخل شارعا انعطف وراءه وكلما عرَجَ على صديق توقف منتظرا حتى يخرج. فقرر صلاح أن يعطيه درسا ليتخلص من ” رزالته “. فقام باستدراجه إلى منطقة نائية لينفرد به.. وفي أحد المنحنيات تربص به ثم فاجأه وأمسك به وقال له: نصف ساعة من الرزالة تكفي.. والآن جاء دورك لتتعلم. وانهال عليه بالصفعات والركلات حتى أوقعه على الأرض ولم يترك أثرا يدينه على جسمه.. ثم عاد إلى منزله. بعدها لم يره في منطقته مرة أخرى.

ومن الجانب الآخر- في معسكر الطلاب- كان تقييم وضع الحركة يقوم به بشكل دائم عدد من قادتها من محافظات الصعيد (أسيوط، بني سويف، أسوان ، قنا، الأقصر) ومحافظات الوجه البحري (الشرقية، السويس، الإسكندرية، المنوفية، القاهرة)؛ لقياس مدي تواجدها في الكليات المختلفة ووزنها، ومدي التفاف الطلاب حولها ومشاركتهم فيها، ومستوي المواجهات السياسية مع رجالات الدولة وعملائها والقوي السياسية المعادية كجماعات الإسلام السياسي وغيرها؛ والقضايا المثارة في النقاش بين الطلاب وعلي مجلات الحائط وفي المؤتمرات بل وفي اللقاءات الجانبية بين طلاب المدينة السكنية ومستوي إلمام الطلاب بها. علاوة على مدي الميل نحو مركزة الحركة لتغدو حركة موحدة في الجامعة.

هذا وقد لعب جَمْعُ المعلوماتِ حول هذه الأمور (القوي المعادية، مستوي الحركة، الميل لمركزة الحركة) لعب دورا هاما في دقة ما تتوصل له القيادة الطلابية من آراء وتقديرات وقرارات، وقد يسّرَ جمعَ المعلومات الصلةَ الوثيقة للقيادة بكل تجمعات الطلاب في المدينة السكنية وكليات الجامعة من خلال ما حصدته من قادة جدد وعناصر بارزة في الكفاح اليومي. بل وكانت أبعاد وصدي ما يحدث في الجامعة تنتقل خارجها حيث يتداول عديد من أهالي المدينة على المقاهي ما يدور داخل الجامعة من أحداث وكذا في التجمعات العامة مثل بعض النوادي.

لقد خلق هذا الجو الحربي حالة من الاستقطاب والتوتر والتربص يؤذن بانفجار وشيك؛ لولا أن جاءت امتحانات نهاية العام ثم الإجازة الصيفية لتقطع هذا النمو الصاعد للحركة، لكن ما لبثت عودة الطلاب في العام الدراسي الجديد 72/ 1973 أن لحمت شوطها السابق بشوطها القادم.

قرار جديد بالإبعاد عن أسيوط:

بنهوض الحركة الطلابية بأسيوط عام 1972وتأكُّد أجهزة الأمن من صلتي بطلاب الجامعة – الذين كانوا يترددون على منزلي بشكل مستمر- بات من المحتم الإسراع بنقلي بعيدا عن الجامعة، لذلك انتظرتْ أجهزة الأمن شهر مارس الذي يعود فيه طلاب الأزهر إلى بلدانهم وقراهم لإصدار قرار نقلي من معهد أسيوط حتى تضمن انعدام أي رد فعل من طلاب المعهد فيما لو أُعْلِنَ عن النقل في وجود أعداد كبيرة منهم قيْدَ الدراسة.. والدليل على ذلك أن التحقيق معي انتهي في يومين ولا يحتاج حسمه في الأزهر والداخلية واتخاذ قرار بشأنه – في ظل احتدام الحركة الطلابية في أسيوط – أكثر من أسبوع آخر؛ فلم كان التأخر حتى أول إبريل لتنفيذ النقل من معهد أسيوط..؟

هذا وقام وكيل وزارة الأزهر لشئون المعاهد الدينية (الشيخ عبد العزيز عيسي) في أول إبريل 1972 بإبلاغ شيخ معهد أسيوط (عمر أحمد عمر) بقرار” نقلي إلى معهد جرجا بمحافظة سوهاج مع إبعادي عن التدريس وإلحاقي بأعمال المكتبة “. وكانت تلك – على حد قول الشيخ عمر – أول مرة يقوم فيها وكيل وزارة بإبلاغ إشارة تليفونية بنفسه. وفي الحقيقة فإن شيخ المعهد تعجب بشدة من قرار النقل من أسيوط وقرار الإبعاد عن مهنة التدريس.

ظل كلاهما يتصل بالآخر بالتليفون يوميا لعدة ساعات – أحدهما للتعجيل بالنقل والآخر لوقف النقل وتعديله – حتى يوم 13 إبريل. فشيخ المعهد يتحدث عن المبررات المهنية المعدومة للنقل وبطلان التهم الموجهة للمدرس بينما وكيل الوزارة الذي يدرك حقيقة الأمور أكثر من شيخ المعهد- أو يخشي غضب ممدوح سالم رئيس الوزراء – يستميت في إفهامه أن المسألة ليست مبررات مهنية بل مبررات سياسية.. فكلاهما متمسك بمبرراته ومصرّ عليها وفيما يلي جانب من حوارهما:

  • الشيخ عمر للشيخ عبد العزيز عيسي: كل التحقيقات في صالح المدرس المتهم بدءا من الطلاب ووصولا لشيخ المعهد ومدرسّه الأول.
  • الشيخ عبد العزيز: لا أريد أن أرد عليك بما لا يجب أن يقال فالتحقيقات التي جاءت في صالح المدرس هي التي أوْجَبت نقله وهذا كلام رئيس الوزراء ممدوح سالم لي، وربما لو جاءت التحقيقات عكس ذلك لكان من المحتمل تركه بأسيوط.
  • الشيخ عمر: إن نقله للمكتبة سوف يُفَرّغُه ويتيح له الحديث مع الطلاب في أي موضوع يريده بينما في التدريس فهو مقيد بموضوع الدرس وخروجه عنه سيكشفه ويمثل مخالفة في حقه.

وكانت آخر محاولات شيخ المعهد للإبقاء على موظفه المتهم داخل معهده هي قوله لوكيل الوزارة – الذي صار وزيرا للأزهر بعد أقل من عام – “لقد أحيل أمين مكتبة معهد أسيوط إلى المعاش اليوم.. وأرجوكم نقل الأستاذ بشير مكانه، وأعتقد أن هذا حقي كشيخ للمعهد باعتباره موظفا في معهدي وخصوصا أن مكتبة معهد أسيوط زاخرة بالكتب ومتسعة ويرتادها كثير من الطلاب وطلاب الدراسات العليا الإسلامية وتحتاج لجهد كبير في العمل والتنسيق.. بينما مكتبة معهد جرجا ليست سوي غرفة واحدة صغيرة محدودة الكتب ولا تحتاج لأي جهد- حسبما علمت من مدرسين سابقين بمعهد جرجا- وبها أمين مكتبة ومن ثم لن يكون له عمل هناك بينما أنتم مطالبون بتعيين أمين جديد لمكتبة معهدي.”

وهكذا ظل الجدال محتدما طيلة ثلاثة عشر يوما ولعدة ساعات يوميا حتى قال وكيل الوزارة لشيخ المعهد “يا شيخ عمر.. ممدوح سالم الذي هو أيضا وزير للداخلية قال لي من ساعة أن تقارير مباحث أسيوط تفيد أن الموظف لم (يُبْدي) أية مقاومة للقرار حتى الآن بينما المعارضة تأتي من شيخ المعهد.. إعمل معروفا وخلصنا من هذا الموضوع “.

البرقية والحسم: لقد كنت منذ علمي بالإشارة التليفونية التي وصلتْ لمعهد أسيوط بنقلي لجرجا أترددُ يوميا على المعهد أستمع لجدالات شيخه مع وكيل الوزارة واستمتعُ بها، وما كان يفوتني منها كان الشيخ عمر يُعيده تفصيلا على مسامعي.

ولأني كنت أعرف مسبقا [ أني لن استمر في أسيوط قلت للشيخ عمر “حخلّص لك الموضوع ده النهارده”، فنظر لي باستغراب قائلا: كيف..؟ قلت له: أعطني ورقة بيضاء؛ فأعطاها لي فثنيْتُها وقسمتها نصفين.. وبالقلم وبعيدا عن الجالسين جميعا كتبت برقية لرئيس المباحث العامة بأسيوط، وقمت بنسخها في النصف الثاني من الورقة واحتفظت بالورقتين في جيبي.. ثم استأذنت الجميع قائلا: ثلث ساعة وأعود.

ذهبت لمكتب تلغراف المحطة، وأخرجت بطاقة تحقيق الشخصية وأرفقتها بإحدى الورقتين (البرقية) وطالبت موظف التلغراف المختص ” بإرسال هذه البرقية “. تناولها الموظف وبدأ في قراءتها ونظر لي بتفحُّص ودهشة وسألني: أتريد إرسال هذه البرقية..؟ فقلت له: نعم وبطاقتي معك.. أهناك شيء آخر تريده..؟ صمَتَ الرجل لحظات..فلاحقته مستكملا بلهجة حازمة: أسَتُرْسلها أم لا..؟ أعاد الرجل النظر لي حيث كنت شديد الهدوء ورَدّ: سأرسلها. وقد أدرك الرجل أني لست من أسيوط ولا من الصعيد وتوجّس من أن يكون هدوئي ولهجتي معه تُخْفيان شيئا.. فحرّر الإيصال وحصّل مني قيمته وقدمه لي فتناولته وشكرته.

عدت لشيخ المعهد وقلت له: هيا يا فضيلة الشيخ جهّز لي إخلاء الطرف واستمارة السفر. فرد على: ماذا فعلت..؟ قلت له: كنت أرسل برقية. تساءل: لمن..؟ فقلت: لهذا.. وناولته نسخة البرقية، وبدأ في قراءتها؛ امتقع وجهه ونظر لي مذهولا وقال: يانهار أسود أأرسلت هذا الكلام..؟ قلت له: نعم. واستكملت: ومنذ وصلتْ الإشارة التليفونية وأنا مدرك أني سأغادر أسيوط ولن أبقي فيها، ولكني ظللت منتظرا الثلاثة عشر يوما لكي تخوضَ تجربتك بنفسك وتتوصل في النهاية ألّا فائدة تُرْجي من هؤلاء.

 وتوضيحا لمبررات إرسالها قلت له: لقد أرسلتُ البرقية ليعرفوا أني لا أخافهم، ولأني عندما أتلقي ضربتين منهم في بحر أقل من عام لابد من رد جزء منهما لهم؛ فأنا لا أنسحب من المعركة مستسلما. أنا أعرفهم جيدا يا فضيلة الشيخ، وأنتم خَبِرْتموني جيدا وعايشتموني وقلتُم رأيكم في في تحقيقات رسمية وحكّمْتم ضمائركم.. لكن هؤلاء لا يحْتكمون لضمير وإنما لرغباتهم. أنا لست غاضبا من نقلي لأنها كلها بلاد مصرية..أنا فقط حزين لأني سأفارق أناسا مثلَكم كانوا معي أكثر عدلا ممن يتَحكّمون في بلدنا.

قرأ الشيخ عمر البرقية بصوت عال للموجودين وكانت كالتالي:

السيد العميد عبد المنعم عوض مفتش المباحث العامة بأسيوط

لم تتحمّلوني في أسيوط خمسة أشهر.. فلماذا تحمّلْتم إسرائيل في سيناء خمس سنوات..؟

أقترح عليكم إصدار قرار بنقل الإسرائيليين من سيناء إلى روديسيا، والأوْفر لكم أن تنقلوني لوادي حلفا من الآن.

تحريرا في 13/4/1972

المعهد الديني بأسيوط

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مقاطع من الخميس الدامي لما إنْكَسَر عرابي من على الحصان لا انهدّ حيل الخيل، ولا قَلِّت الفرسان ولا كتاب النيل فى ليل اتقفل والدم سايل لسه ع العنوان

زين العابدين فؤاد