بشير صقر.. سيرة من سير المسيرة العسيرة

من ذكريات الطفولة والشباب – الجزء الرابع رحــــــــــلة إلي كمشــــيش

قراءات, قضايا

25  يوليو  2018

يتناول الجزء الرابع.. تعرفي على أحد الأصدقاء الذي تربطه علاقة بقرية كمشيش وقادتها ودوره في تعريفي بهم. ومشاركتي الأولي مع فلاحي القرية من منتفعي الإصلاح الزراعي في معركة بشأن أرض الحراسة. علاوة على التعرض ببعض التفصيل لمؤتمرات ذكري شهيد الفلاحين صلاح حسين التي تتضمن الشعارات السياسية، والموقف من الحل السلمي بشأن الأرض المحتلة. كما يتضمن حديثا عن استشهاد الطيار أشرف مقلد، وتولي السادات الحكم. وينتهي بقرار حظر إقامة 18 فردا من قادة كمشيش في محافظة المنوفية في منتصف يونيو 1971 ويتعرض لتصورات القادة المبعدين عن عملية الإبعاد.

التقائي بالسيد رفعت.. والتعرف على كمشيش:

في العام الدراسي 1957/1958 وأنا بالصف الثاني بمدرسة المساعي المشكورة الثانوية بشبين التحقت بفريق كرة القدم بالمدرسة؛ وأثناء التدريبات بملعب المدرسة كانت الكرة تعبر السور نحو ملعب آخر لمعهد المعلمين الفرنسي المتاخم لنا، لذا كنا نعتلي السور لاسترداد كرتنا أو لردّ كرة جيراننا إذا ما عبرت لملعبنا. وفي تلك الأيام تعرفتُ على طالب المعهد الفرنسي (السيد رفعت عبد العزيز) الذي كان حارسا لمرمي المعهد؛ ورويدا رويدا توطدت صداقتنا خصوصا بعد أن اكتشفتُ أنه قارئ نهم للأدب والسياسة ورومانسي حالم وليس من نوع البشر الذين لا يفكرون أبعد من أنوفهم.

كان السيد رفعت يكبرني بعام ونصف ولم يكن شخصا تقليديا.. بل يتمتع بقدر عال من الرقة والتهذّب ويقطن بقرية البتانون وهي من أكثر قري المنطقة عراقة وتعليما وثقافة. كنا نتبادل الزيارات إلا أن زياراتي له بقريته كانت أكثر نظرا لأن أباه كان يملك مقهى شهيرا هناك يضم بين رواده مجموعات من الفلاحين والتجار والمتعلمين والمثقفين والشباب ومنهم زملاء لي بفريق الكرة وآخرين بالصف الدراسي.

وكانت له صلات بقرية كمشيش تعرّف من خلالها على تجربة الشهيد صلاح حسين في مقاومة الإقطاع. وفي نوفمبر 1967 اصطحبني معه لحضور أربعين والدة الشهيد؛ وهناك بدأت مرحلة أخرى من حياتي.

دعاني قادة كمشيش لإلقاء كلمة في ذكري الأربعين وتعرفْتُ بعدها على زوجة الشهيد واكتشفت أن منزلنا في سابق الأيام كان يقع في مواجهة منزل الشهيد بشارع المدارس بشبين الكوم وأني أعرف شقيقه الأصغر – الطيار حمودة – جيدا، وفي فترة تالية نقلْنا مسكنَنا إلي شارع البحر وللمصادفة كان يقابله من الضفة الأخرى منزل أسرة زوجة الشهيد وأني أعرف عددا من أشقائها حيث كان أحدهم في نفس صفي بمدرسة المساعي الثانوية لكن في القسم الأدبي.

وفي كمشيش تعرفت بشغف على نوعية جديدة من العمل العام هي مقاومة الفلاحين لجبروت الإقطاع. كما دعتنْي زوجة الشهيد فيما بعد لزيارتها بمنزلها في البر الشرقي الذي تشاركها فيه أسرة خالها؛ ووجدتها ترعي ثلاثة أطفال وتقيم معها أختها الصغرى التي تَصادَف أن كانت في سن شقيقتي أمان وفي مدرستها وصفها الدراسي. بعدها ترددتُ على منزلها كثيرا حيث كان في طريق الذهاب اليومي إلي عملي بالمعهد الديني بالبر الشرقي.

أول مشاركة في الكفاح الفلاحي بكمشيش:

وفي يناير 1969 شهدتْ قرية كمشيش صداما محدودا بين بعض فلاحيها والشرطة إبان تنفيذ حكم قضائي لصالح الفرع ” الفقير” من أسرة الفقي الإقطاعية. كان مضمون الحكم هو تسليم الإقطاعي قطعة أرض صغيرة سبق أن فرَضَت عليها الدولةُ الحراسةَ؛ وتسلّمَها من الدولة بالإيجار أحدُ الفلاحين من منتفعي الإصلاح الزراعي ليزرعها؛ وقد تصدي مع أهله للشرطة وطردوها رافضين تنفيذ الحكم.

وكانت خطورة الموقف تتركز في أن استلام الإقطاعي لقطعة الأرض من الفلاح ستكون الخطوة الأولي لتكرار ذلك مع كثير من الفلاحين المنتفعين بأرض الإقطاعي التي صادرها قانون الإصلاح الزراعي أو التي فُرِضت عليها الحراسة في وقت سابق.أي أنها ستكون حلقة في سلسلة لن تنتهي؛ ومن هنا كان وقف ذلك والتصدي له حاسما في عدم تكراره مع فلاحين آخرين.. وإغلاق هذا الباب تماما.

كنت أذهب لكمشيش بعد انتهاء العمل حيث كان الفلاحون يتأهبون ربما لصدام أوسع محتمل بعد أن أرسلت أجهزة الأمن مَدَدا من القوات عَسْكرَ بالقرية تمهيدا ” لعلاج ” ما أفسده الفلاح محمد النجار بمقاومته لهم.

عندما حلّ أول خميس- بعد واقعة النجار- عُدتُ مبكرا من عملي بسمنود وذهبت إلي كمشيش وقضيت أول ليلة فيها مشاركا فلاحيها في موقفهم ومتضامنا معهم. كان النهار يشهد تجمعَ فلاحي القرية على أرض محمد النجار وفي المساء كانت هناك استحكامات أخرى مختلفة.

وفي الساعة الثانية من صباح الجمعة سمعنا طَرْقا على باب المنزل الذي نقضي فيه الليل؛ وأفاد الطارق بوصول الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة والأستاذ محمد خليل من القاهرة بشأن هذا الموضوع. التقينا به بعد دقائق وبدأ الحديث بأسئلة من الدكتور أنيس عن تفاصيل الموضوع وتدْوينٍ لما يسمعه من إجابات وتوضيحات بأجندته. وفي نهاية اللقاء ذكر أنه سيُخْطر اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي بفحوى الموضوع وبرأيه فيه. وفهمنا منه أنه حضر لنا بمبادرة شخصية فور سماع الأخبار.. بعدها عدنا لاستئناف نومنا حتى الصباح.

مَرّ نهار الجمعة كاملا، وبعد ساعة من انتصاف الليل بلغنا تليفونيا منه أن الموضوع سيجري حلّه ببقاء جميع الفلاحين الزارعين لأرض الحراسة فيها. وما أكد الخبر هو قطع السكون المخيم على نقطة الشرطة بكمشيش والقوات المرابطة بالقرب منها وبوادر جَمْع مهمات الجنود استعدادا للمغادرة والعودة لمعسكراتها. وهو ما يعني أنه عقب اتخاذ قرارات اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي في الساعات الأولي من يوم السبت صدرتْ الأوامر بسحب القوات المرابطة من القرية حيث سمعنا أصوات الجنود تكتنفها حالة من الهرج والمرج وهم يغنون [سالمة يا سلامة // رحنا وجينا بالسلامة] حيث كانوا في حالة واضحة من السعادة.

هذا وكانت هناك واقعة سابقة مماثلة في قرية ديروط بمحافظة البحيرة تم فيها طرد الفلاحين من أرض الحراسة؛وكانت الدولة فيما سبق قد تحفظت عليها من الإقطاع.وفي نهار السبت كانت الإذاعة والتليفزيون والصحافة قد نقلت قرارات اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي التي رأس اجتماعها جمال عبد الناصر “بمنع طرد الفلاحين الزارعين لأرض الحراسة منها طالما كانوا يسددون ما عليهم من التزامات”.

كانت هذه الأحداثُ جميعُها بالنسبة لي تمثل حالةً درامية أشهدُها لأول مرة في حياتي، إلا أن هناك تصرفا تمّ معي من أحد قيادات كمشيش قبل حضور الدكتور أنيس بست ساعات أثار تساؤلات كثيرة في رأسي وأرْجَأتُ التفكيرَ فيه لما بعد. كان هذا التصرف هو (مطالبتي بإحضار كاميرا لاستخدامها في التقاط بعض الصور لاعتصام الفلاحين على الأرض) وكان ردي الواضح: (ليس لدي كاميرا ولا أعرف أحدا من أصدقائي لديه كاميرا). كان مغزى هذا الطلب في تقديري الأوّلي “أنه اختبار لمدي صلابتي وتماسكي في مجابهة هذا الموقف”. بمعني (أني لوْ كنتُ استصعبُ الموقفَ سوف أجدُ الطلبَ مَخْرَجا مناسبا لتفادي البقاء في المعركة؛ وإن أردتُ البقاءَ سوف أردّ على السؤال بالنفي)؛ ورغم أن ذلك الاختبار من حق قادة كمشيش إزاء شخص حديث العهد بالنضال الفلاحي إلا أنه – بيني وبين نفسي – أثار امتعاضي ورفضته.. لكنني لم أظهر ذلك.

مؤتمر سنوي لذكري استشهاد صلاح حسين.. ومؤشرات لا تكْذِب ضد فلاحي كمشيش:

يُذْكَر أن مؤتمر الذكري الأولي لاستشهاد صلاح حسين عام 1967 لم يُعْقد بسبب اعتقال عدد كبير من قادة كمشيش لمدة شهرين أو يزيد إثْرَ قيام قيادة الاتحاد الاشتراكي بالقاهرة بتجميد عضوية أمين وحدة كمشيش (كمال عطية)؛ وقد بدا ذلك مؤشرا على موقف جديد ضد القرية، ولما احتج بقية قادتها على قرار التجميد بالاعتصام في نقطة الشرطة قام وزير الداخلية آنذاك (شعراوي جمعة) بإصدار قرار عاجل باعتقال المعتصمين وإيداعهم سجن القلعة لمدة شهرين ثم أَفرجَ عنهم بعدها.

وفي عام 1969 حل موعد ذكري الشهيد صلاح حسين (30 إبريل) وفيها يُعقَد مؤتمرٌ سياسي يحضره كثير من السياسيين والمثقفين والأدباء والشخصيات العامة اليسارية؛ علاوة على وفود فلاحية من محافظة كفر الشيخ والدقهلية حيث كانت الأولي بؤرة لنضالات فلاحية يقودها طبيب وأستاذ جامعي في القانون؛ وتزخر بعديد من الشباب اليساريين والشعراء وهو ما يشابه نسبيا الوضع في مناطق دكرنس وسندوب وبهوت بالدقهلية. إضافة لبعض الوفود الأصغر من المنيا ومناطق أخرى. فضلا عن أحد قادة المقاومة الفلسطينية وعدد من طلاب فلسطين بجامعة المنوفية وكذلك كثير من طلاب المنوفية الناشطين في الجامعة.

كان الاستعداد للمؤتمر يبدأ قبل موعد الذكري بأسبوع وكان القاسم المشترك في عملية الإعداد هو أحمد خليل- بمهاراته المتنوعة في الكتابة والرسم والتنسيق وإبداء الملاحظات السياسية – ومحسنة توفيق واللذين كانا يحضران من القاهرة ويعسكران بالقرية حتى ينتهيا من اللمسات النهائية لعملية الإعداد. وكانت بعض الوفود تحضرُ صباح 29 إبريل حيث تجري لقاءات بفلاحي القرية خصوصا من منتفعي الإصلاح الزراعي وكذا لقاءات بطلابها وشبابها.

وكنت أساهم معهم فيما يتطلبه التحضير للمؤتمر حيث قمتُ بإعداد كلمة سياسية موضوعها الرئيسي التأكيد على ضرورة تحرير الأرض المحتلة منذ عام 1967 ودعم المقاومة الفلسطينية، كذلك تناولتُ بالتفنيد ما كان يكتبه هيكل في جريدة الأهرام حيث سعي بدأب شديد لحل سلمي تكون مقدمته حربا محدودة مع العدو الإسرائيلي. وتوضيحا لذلك: روّج هيكل في هذه الفترة من خلال مقاله الأسبوعي “بصراحة” عبارة مفصلية بالغة الأهمية ذكرها ما بين يناير ومارس 1969 نصها كالآتي: [إن معركة بيننا وبين العدو الإسرائيلي يَسْقط له فيها ما بين 10 – 20 ألف جندي.. لها من الأبعاد المادية والمعنوية ما هو كفيل بإزالة آثار العدوان]، وتفسير العبارة هو: أن نقوم بمعركة محدودة نكبدُ العدوَ فيها خسائر ما بين 10 و20 ألف جندي.. وهو ما ستكون نتائجُه العسكرية والسياسية كفيلة بإزالة آثار عدوان حرب 67.

وتفنيد ذلك هو: يتحدث هيكل عن معركة محدودة ولا يتحدث عن حرب مفتوحة، ويتحدث عن تداعيات متنوعة لتلك المعركة المحدودة تُفْضي لإزالة آثار العدوان ولا يتحدث عن تحرير كامل الأرض بالحرب،ناهيك عن أن تلك العبارة المركبة المائعة المليئة بالتعاريج والتلميحات لا تتخذ مسارا واضحا وكلمات قاطعة مركزة تشير لأقصر الطرق لتحرير الأرض المحتلة. المهم أني ناقشت ذلك في لقاءات ما قبل المؤتمر مع عدد من قادة كمشيش ومع بعض الضيوف والمدعوين.. هذا من ناحية الكلمة التي كان مقررا أن ألقيها.. والتي للأسف لم أتمكن من إلقائها لسبب غير مفهوم.

لكني من ناحية ثانية شرعتُ في ابتداع دور آخر بالمؤتمر يتمثل في صياغة شعارات (هتافات) سياسية واضحة باللغة الفصحى وباللهجة الدارجة (العامية) تغطي كافة القضايا التي نتوقع إثارتها في المؤتمر مثل قضية الديمقراطية – تحرير الأرض المحتلة – دعم المقاومة الفلسطينية – تسليح الشعب وتدريبه – استخدام الحرب الشعبية في المشاركة في عملية التحرير- دعم الفلاحين ورفع وعيهم السياسي – القضاء على ورثة الإقطاعيين الذين ينشطون في سلب أراضي الفلاحين – منع الشركات الأمريكية من التنقيب عن البترول المصري – الانتباه للأصوات التي ظهرت مؤخرا وتُسفّه مجانية التعليم والصحة ووضع حدٍ أدني لأجور الفقراء – التصدي لدعاة الاستسلام للأمر الواقع خصوصا في مجال الفن والأدب.. الخ. على أن يتولي إلقاء هذه الشعارات عدد من الفلاحين والشبان من الجنسين.

الشعارات السياسية.. والمؤتمر الموازي:

لقد كان للشعارات السياسية (الهتافات) دورٌ بالغ الأهمية في هذا المؤتمر بل وفي كل المؤتمرات التي تُستَخدَمُ فيها فيما بعد؛ فهي من جانب تمثل مؤتمرا موازيا للمؤتمر المنعقد، ومن جانب آخر تدعَم المتحدث من على المنصة إن كان يتخذ موقفا ثوريا وتعارضه إن كان موقفه انتهازيا أو متخاذلا، ومن جانب ثالث تبْرِزُ موقفَ الجمهور في المؤتمر وتوضح أنه ليس مجرد مستمع بل طرف مشارك وله رأي يجب الإنصات له. أما عن تنفيذ تلك الفكرة (الشعارات) فكان كالآتي:

بعد كتابة الشعارات يجري عرضُها على بعض الشخصيات السياسية الناضجة للتعرف على مدي ملاءمتها للحظة الراهنة، ثم تُقَرأُ على الأشخاص الذين سيرفعونها ويُؤخذُ رأيُهم فيها، وبعد إقرارها يتم توزيعها عليهم إما فرادي.. أو في مجموعات إن كانت الشعارات طويلة، بعدها يتم تدريبهم على إلقائها ومتى يقوم بتكرارها وفي أية لحظة من كلمة المتحدث يتم رفعها حتى لا تقطع أفكاره…الخ. يتلوها اختيار أماكن رافعي الشعارات على مساحة المؤتمر.

وفي هذا المؤتمر (1969) نفذنا التجربة الأولي فلاقت نجاحا واضحا واستحسانا من الحضور، بعدها تم تطوير ذلك باستخدامها في المظاهرات والمسيرات. هذا وقد عوّضَتْ الشعاراتُ بعضَ ما كانت كلمتي- التي تم حجبها – تتضمنه من وجهات نظر.

بعد انتهاء المؤتمر وعودة ضيوفه إلي بلادهم كان رد الفعل في عديد من المناطق إيجابيا وهو ما ساهم في تطوير أدائنا وأدواتنا. ومن ناحية أخرى زادت علاقتي بفلاحي كمشيش متانة وتعرفت على مئات الأسر فيها تعرفا مباشرا وليس من خلال قادة القرية حيث مكنني ذلك من دخول نصف بيوت القرية حصريا دون أدني مبالغة.

توثّق الصلة بفلاحي كمشيش.. وقصة بقرة “بَغدّة”:

في إحدى أمسيات صيف عام 1970 كنت أسير ليلا في طريق الحقول مع عبد الحميد عطية أحد قادة القرية من الفلاحين حوالي العاشرة مساء؛ وباقترابنا من أحد بيوتها المتناثرة سمعنا جَلَبة داخله. طرقنا الباب نستطلع الأمر؛ فأخبرونا أنهم يُوَلّدون بقرة متعثرة في ولادتها. دخلنا المنزل فإذا بالقائم بعملية التوليد (العم عبد المولي رضوان) فسألناه عن سبب التعثر في الولادة فأفادنا بأن الجنين يتخذ وضعا معاكسا.. فرأسه ناحية رأس أمه وليس ناحية ذيلها. ونظراً لكبر كرش البقرة وضخامتها لم يتمكن عم عبد المولي من الوصول لرأس الجنين رغم استعانته بحبل له خيّة في طرفه، وقد حاول- لمدة ساعة قبل حضورنا – تعليق الخيّة في فك الجنين لجذبه للخلف ليتخذ الوضع الصحيح إلا أنه لم يتمكن من ذلك. واستأنف محاولاته في وجودنا إلا أنه لم يَفلَح.

وهنا سألت العم عبد المولي على استحياء: أين موقع رأس الجنين بالضبط..؟ فأشار لي بيده: هنا.. وكان المكان في مقدمة الكرش. فقلت له على استحياء أشدّ: لدي فكرة لعلاج الموضوع.. فضحك بعض الموجودين وابتسم بعض آخر.. لا لشيء إلا لأني كنت الوحيد بين الموجودين السبعة أو الثمانية الذي يلبس قميصا وبنطلون (أفندي يعني).

كانت البقرة قد ظهر عليها الإعياء (واتفَرْهَدِتْ) بينما وجه صاحبتها (العمة بغدّة) يكتسي بتكشيرة مزعجة. فقلت للعم عبد المولي أدْخِل يدك في بطن البقرة وسأرفعه لك؛ وانحنيت تحتها وعند مقدمة الكرش رفعت ظهري لأعلي وبالتالي ارتفع الكرش والجنين فالتقط العم عبد المولي فكّه بخية الحبل وجذبه.. ثم عدّل وضْع أرجل الجنين وتمكن في بحر دقائق من إخراجه من بطنها. وهنا انْفرَجَتْ أساريرُ الجميع وضجّوا بالضحك وانهالت النكات (لأ دا انت تلازِم عم عبد المولي في أي ولادة جايه، أيوه يا دكتور، والله دا انته مبروك) وهكذا.

بعدها صمّمت العمة بغدة أن أتناول العشاء عندها فقلت لها: “تبقي لي عندك عشوة”، وعُدْنا أدْراجَنا بعد ساعة وربع من العناء اللذيذ. وفي اليوم التالي صارت قصة بغدة وبقرتُها معروفة للكثير من أهالي القرية.

أكثر مؤتمرات الذكري سخونة:

لقد اقتصر أغلب النشاط السياسي العملي في كمشيش منذ واقعة الصدام بين منتفع الإصلاح الزراعي محمد النجار مع الشرطة في يناير 1969 على عقد مؤتمر ذكري الشهيد صلاح حسين في 30 إبريل من كل عام منذ 1968 وحتى 1971.

وقد كان مؤتمر1970 ساخنا مقارنا بالمؤتمر السابق في 69، واعتادت شاهندة زوجة الشهيد على إقامته في فناء منزل أسرتها الذي كان يتسع لحوالي 2500 فرد.

وفي هذا المؤتمر حضرَتْ وفودٌ من كوبا وفيتنام وألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي والمجر وفلسطين لكن لم يطرح رأيَهُ في المؤتمر سوي الاتحاد السوفييتي والمقاومة الفلسطينية.. ربما بسبب اللغة؛ وكان ضمن الحضور عدد قليل من شباب الماي والبتانون فضلا عن وفود كفر الشيخ والدقهلية.

وأتذكّر ما قاله رئيس الوفد السوفييتي تعليقا على شعار رفعتْه أمان صقر يقول [لا رجعية ولا استعمار // الحل السلمي علينا عار] حيث قال الرجل معترضا: لماذا تعارضون الحل السلمي..؟ ولأنه لمْ يكنْ ممكنا فتْحُ حوار بشأن ذلك معه لأنه كان معروفا للكافة أنه برغم دعم الاتحاد السوفييتي لمصر بالسلاح والخبراء فإن ثقتهم قد انهارت بشأن الجيش المصري وأدائه في حرب 1967 وحصولِ إسرائيل والولايات المتحدة على كثير من الأسلحة السوفيتية كغنائم من الحرب وهو ما يُعَدُ خسارة فادحة لهم على المستوي السياسي والعسكري والتقني علاوة على الخسارة المالية؛ فمصر كانت تحصُل على السلاح السوفييتي بأسعار زهيدة جدا مقارنة بأسعارها في السوق العالمية، كما كانت تسدد ديونها للسوفييت بالبرتقال والموبيليا وليس بالعملة الصعبة.

المهم أن شاهندة أرملة الشهيد صلاح أبلغتني برأي رئيس الوفد السوفييتي السابق ذكره.. لهذا كان من الضروري أن نؤكد لهم أن رأيَهم لا يُلزمنا ولا نتقيّد به، ولذلك قمتُ برفع شعار يُحيّي الشعب السوفييتي وفي أعقابه مباشرة أعدْتُ الشعار الذي رفعتهُ أمان حرفيا وهو ما لقي استحسان الحاضرين.

استشهاد الطيار أشرف مقلد عام 1970:

قبل هذا المؤتمر بأسبوعين استشهد الملازم أول أشرف مقلد شقيق شاهندة أثناء التدريبات بطائرة سوخوي في مصر في 16 إبريل 1970. وشارك في تشييع جنازته (في 20 إبريل) بقرية كمشيش مندوب من رئاسة الجمهورية وآخر من قيادة سلاح الطيران، ومحافظ المنوفية وكثير من السياسيين والمثقفين والطلاب من كثير من المحافظات. وفي الجنازة رُفِعتْ شعارات قوية ضد مبادرة روجرز- وزير الخارجية الأمريكي – التي وافقت عليها مصر(لأ ياروجرز جي ليه // قبلك سيسكو عِصينا عليه)، وشعارات أخرى ضد مساعديه سيسكو وسكرانتون: (لاسيسكو ولا جولدمان // لاعملا ولا أمريكان، لاسيسكو ولا سكرانتون // عزْمْ ولادنا أقوي م الفانتوم)، كما رُفع شعار مطوّل مُوجهٌ للفلاحين أشعل الجنازة المشتعلة أصلا:

يا فلاحين يا فلاحين // إنتوا فين يا فلاحين..؟

يا فلاحين يا مُعْدَمين // مالكو ليه متكمّمين..؟

ساكتين على إيه يا فلاحين // واليهود مستوطنين..؟

دا عيشكو سريس يا فلاحين// وغموسكو طين يا معدمين..

لابدل تمثيل يا فلاحين // ولا منحة تعين وانتو صايمين.

مَحْناش ساكتين يا فلاحين// على جولة سيسكو مع اليمين

ساكتين على إيه يا فلاحين // شيلوا السلاح ضد اليمين

حقكو خدوه يا فلاحين // ولا تطلبوه يا معدمين

ما يُحُك جلودكو يا فلاحين // إلا ضوافِرْكو يامعدمين

إحنا فين واحنا مين..؟ // آدي الشمال وادي اليمين..؟

علاوة على شعار آخر يجمع كل شهداء كمشيش سواء في المقاومة ضد الإقطاع أو في معارك اليمن أو في الإعداد لمعركة تحرير سيناء.. يقول:

 يا كمشيش هاتي ما تعِدّي // عنّا ولادِك ما بتْخبّي

أرضك طرحـت أول عنتر// ضد الظلم وأهله بيظهر

يا كمشيش هاتي ما تعدي…..

يابو زيد وحَميتْ الأرض // من أطماع أعداء الشعب

يا كمشيش هاتي…..

يا حمودة يا قلب الثورة // رَويت بالدم اليمن الخَضْرا

يا كمشيش هاتي…..

الخط.. المبدأ.. الكفاح // هما السلاح يا صلاح

يا كمشيش هاتي…..

يا أشرف يا زهرة غالية // دمك عمرُه ما يصبح مَيّه

التار بالنار يا ثوار // و يا جنود على خط النار

يا كمشيش هاتي.. ما تعدّي…..

والشهداء الذين تناولهم الشعار هم عبد الحميد عنتر واستشهد عام 1957، وأبو زيد أبو رواش واستشهد عام 1955 وهما فلاحان، وحمودة حسين (طيار) شقيق صلاح واستشهد عام 1963، وصلاح حسين الذي استشهد عام 1966، علاوة على أشرف مقلد (طيار) واستشهد عام 1970.

هذا وقد سمع مندوبا الرئاسة وسلاح الطيران، والمحافظ وأجهزة الأمن جملة هذه الشعارات أكثر من مرة وبصورة واضحة والتي (تعارض التلكؤ في تحرير الأرض وحصار الحريات، وصعوبة المعيشة) لمدة لا تقل عن ساعة ونصف استغرقها سير الجنازة من المنزل إلي المقابر. وبدءا من صباح اليوم التالي امتلأت شوارع القرية بمجموعات تضم الواحدة عشرات الأطفال يرددون مقاطع من شعار (ياكمشيش هاتي ما تعدي..).

مؤتمر 1971 بعد تولي السادات.. وتفنيد آراء هيكل:

تولي السادات الحكم في أكتوبر1970 وفي مؤتمر الذكري الأخير الذي تلا انقلاب 14 و15 مايو1971 قامت السيدة/ محسنة توفيق خلال المؤتمر بإبلاغي بضرورة رفع شعارات تكشف دعاية هيكل التي تسعي لعدم الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية تمهيدا للحل السلمي الذي ارتفعت نغمته كثيرا بعد وفاة عبد الناصر وتولّي السادات مقاليد الحكم؛ لأن ما قيل عن هيكل من منصة المؤتمر ليس كافيا. وعلي إثر ذلك انتحيتُ جانبا وكتبت شعارا رفعته أمان يقول:

راسْنا بِراس الأمريكان // يا نعيش احنا يا الأمريكان

راسْنا بِراس الأمريكان // يا نموت احنا يا الأمريكان

مش حنصالح الأمريكان // لأ حنّاطح الأمريكان

بينّا وبينكم.. فيه ميدان // وبالسلاح نبني السلام

وكان ذلك الشعار ردا على مقال هيكل الذي طالب فيه بعدم مناطحة الثور الأمريكي الهائج.

الاستبداد يمشي على أرجل، إبعاد 21 شخصا عن محافظة المنوفية في 14في يونيو 1971:

بعد إطاحة السادات برجال عبد الناصر بشهر واحد.. صدر قرار ممدوح سالم رئيس الوزراء الذي تولى وزارة الداخلية في نفس الوقت برقم 1065 / 1971 بإبعاد (أي حظر إقامة) 18 فردا من قادة كمشيش بمحافظة المنوفية. هذا وقد صاحب عملية الإبعاد هجوم بربري من قوات الأمن بقيادة سامي خضير رئيس فرع أمن الدولة بالمنوفية حيث تمت مداهمة المنازل ليلا وتدمير محتوياتها والعدوان على أهلها بل وعلي عدد من المُبْعَدين، وشمل القرار كلا من:

شاهندة مقلد – كمال عطية – موسي أبو لبن – شوقي شريف- أحمد رجب- ربيع عيسي –  بدراوي أمان- محمود النجار – رجب حرحش – نوال أبو شافعي- السيد مقلد – عبد المجيد الخولي – الشربيني تعلب – تفيدة أبو شافعي – سامي أبو خليل – الدمرداش النجار- عبد الحميد عطية – بشير صقر.

منهم خمسة حُظِرَت إقامتُهم في محافظتين ( المنوفية وكفر الشيخ ) وهم: شاهندة مقلد، وربيع عيسي، وأحمد رجب؛ وعبد الحميد عطية، وبشير صقر.

وبعد ثلاثة شهور صدر ملحق بإبعاد ثلاثة آخرين هم: شحاته أمان، على عزام، عاشور شريف. والأول محامي والآخران فلاحان.

كما صدر فيما بعد ملحق آخر بإبعاد السيد مقلد من الفيوم إلي قنا، وبشير صقر من أسيوط إلي جرجا بمحافظة سوهاج.

المبعدون بالقهر والاستبداد وتصوراتهم عن المستقبل:

في شهر يوليو 1971 التقي الجزء الأكبر من المبعدين في منزل أحد الأصدقاء بشارع الهرم بالقاهرة تناولوا فيه كيفية مواجهة هذه الهجمة؛ وقد رأي الحاضرون جميعا باستثنائي بأن الدولة ستعيدهم إلي كمشيش بعد إصدار الدستور الجديد (صدر في أواخر 1971) بينما كان لي رأي مختلف فقد أكدتُ لهم أن ما قرره السادات بإبعادنا من محافظتنا لا يعْدو أن يكون الضربة الأولي التي ستتلوها ضربات أشد؛ خصوصا إذا ما استمررنا في المقاومة والنشاط، وأتذكر أني قلت أن مشهد تشييع جنازة أشرف في 20 إبريل 1970 وما دار فيه؛ علاوة على ما دار بعدها بأيام في مؤتمر الذكري في30 إبريل 1970 ثم في مؤتمر 1971؛ إضافة إلي التقارير التي نقلتها المباحث العامة عن الجنازة والمؤتمر في العام الماضي من أن أطفال كمشيش كانوا يرددون يوميا الشعارات السياسية للجنازة.. هذه كلها كانت القشة التي قصمت ظهرَ البعير وأسهمت في إصدار قرار الإبعاد. أي لا عودة لنا للمنوفية برِضَاء الدولة. وبالمناسبة ففكرة الإبعاد هي فكرة السادات بالأساس وليس أحدا غيره لأن الدستور- الذي صدر في عهده بعد الإبعاد كان ينص في المادة 41 منه على – ” تجريم منع المواطنين من التنقل “.

وتأكيدا لذلك، [أُذكّر بما قام به السادات في عام 1954 عندما توجه لكمشيش لعقد صلح بين الفلاحين وعائلة الفقي الإقطاعية التي تهَرّبتْ من تطبيق قانون الإصلاح الزراعي لمدة 9 سنوات. ذهب السادات للقرية – موفدا من مجلس قيادة الثورة – وجلس في قصْر الفقي وأرسل بعضَ الخفراء لاستدعاء قيادات الفلاحين لمقابلته؛ وعندما عرفوا بمكانه رفضوا الحضور، فأمر بإقامة خيمة في الشارع وجلس فيها؛ وجمع قادة الفلاحين (20 شخصا) خارجها ثم أدخلَهم الخيمة واحدا بعد الآخر وليسوا مجتمعين. كان السادات يسأل الفلاح ما هي مشكلتك..؟ فيجيب الفلاح: ليست لي مشكلة شخصية.. المشكلة عامة مع الإقطاع. وبمجرد سماعه هذه الإجابة يمنعه من استكمال كلامه ويأمره بالخروج من الخيمة.. وهكذا. وحيث فشل السادات يومها في إبرام الصلح فقد أمر باعتقال العشرين فلاحا وزجّ بهم في معتقل قنا عشرين شهرا دون محاكمة..] إذن فالسادات له سابقة مع هذه القرية.

وقد اتفق المبعدون الحاضرون على رفع دعوي قضائية أمام القضاء الإداري يطالبون فيها بإلغاء قرار الإبعاد رقم 1065 / 1971 وبالتعويض.

هذا وقد تولي الدفاع عنهم الأستاذ نبيل الهلالي المحامي؛ بعدها صدر الحكم عام 1975 بعودتهم للمنوفية وبالتعويض (400 جنيه لكل مبعد). وهكذا اكتشف المبعدون الـ 21 أو أغلبهم وهم [3 نساء،6 فلاحين، 12 من الموظفين والمهنيين] أن الدولة خالفت الدستور والقانون وأبسط قواعد الديمقراطية ومواثيق وعهود حقوق الإنسان التي وقعت عليها مع كثير من دول العالم ولم تُعِدْهم لبلدهم كما توقعوا.. بل كانت تبعدهم مرة ثانية من المحافظات التي أبعدوا إليها وتعمّدت التنكيل بهم فنقلت الموظف لمحافظة بينما ألقت بزوجته في محافظة أخرى.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور