من وراء الحجاب

قضايا

24  يوليو  2018

في 24 يوليو من العام الماضي اكتشفنا في “بالأحمر” انه قد تم “حجبنا”، بعد خمسة أشهر فقط من الصدور. ومثلنا كمثل العشرات غيرنا لم نعرف الجهة التي قامت بالحجب، ولا مبرراتها في ذلك (علق أحد الأصدقاء على قرار الحجب ساخرا بقوله: “لعلهم لم يفهموا شيئا مما تنشرون فقرروا أن وراء الأكمة ما وراءها”).

لم يصعب علينا مع ذلك، كما لم يصعب على غيرنا – وهم كثيرون، “تخمين” أن جهازا أمنيا ما، من بين من اعتدنا أن نطلق عليهم بصفة عامة عبارة “الأجهزة”، يقف وراء القرار بالحجب وإن لم يكن بالضرورة منفذه تقنيا، فالاستعانة بالـ”خبراء الأجانب” أمر شائع في مثل هذه الأمور، وعلى حد قول أحد الأصدقاء فإن الأممية الوحيدة الموثوق في وجودها في عالم اليوم هي أممية الأجهزة الأمنية.

موقع “بالأحمر” واحد من منتوجات ثورة يناير، وعلى الأخص هزيمتها. ففي زمن الثورة يعلو العملي والتاكتيكي والمباشر فوق كل شئ، أما زمن الهزيمة والتراجع فهو زمن التدبر في الأسباب، وفي الرؤى الاستراتيجية والأبعد مدى، أي انه زمن الاعداد لما هو آت، ولو بعد حين.

نستهل الورقة المفهومية لتأسيس “بالأحمر” (وتعود نشأة المبادرة لعام 2016) باقتباس من رسالة من كارل ماركس لأرنولد روج عام 1843، تتعلق بدورها بمشروع تأسيس اصدار ثوري جديد: “من أجل نقد لا هوادة فيه لكل شئ قائم”. ولعله من المفيد هنا أن نقتبس كامل الفقرة التي تضمنت تلك الجملة المبهرة، فهي تكاد تعبر خير تعبير عن مفهومنا لاصدارنا المحجوب. يقول ماركس في رسالته: “ولكن، وحيث اننا غير معنيون ببناء المستقبل وحسم كل شئ مرة وإلى الأبد،  يعدو ما علينا تحقيقه في اللحظة الراهنة جليا تماما: وأشير هنا لنقد لا هوادة فيه لكل شئ قائم، وهو لا هوادة فيه بمعني انه لا يخشى نتائج ما يتوصل اليه، وبعنى انه غير معنى كثيرا بما يترتب عليه من صدامات مع القوى المهيمنة.”

لسنا في بالأحمر معنيون كثيرا باليومي والتاكتيكي والمباشر، ولسنا معنيون كثيرا بالـ”صدامات” القائمة والمحتملة. مهمتنا هي النقد، والانتماء الحقيقي لقضية الثورة والحرية، لا يخصص النقد لما يترائى له، ولكن يرفع سلاح النقد في وجه “كل شئ قائم”، بما فيه وعينا وممارستنا نحن.

لسنا معنيون بالوعظ في الناس أو “بتوعية” أحد، ولكننا معنيون ومنذ اللحظة الأولى لصدورنا في أواخر فبراير 2017، بإتاحة منصة للحوار العميق والثري والحافل بالتنوع قدر الامكان والجاد والمحترم قدر المستطاع، من أجل المساهمة في إطلاق عملية مشتركة ومتواصلة لخلق وعي جديد قوامه التدبر في الممارسة، وقوامه الانقضاض المتواصل على نفسه، لخلق وعي جديد في ضوء ممارسة دائمة التجدد.

موقع “بالأحمر” هو ربما الموقع الفكري والسياسي الأفقر ماديا في بلادنا، ولكننا نواصل؛ حُجِبنا ونواصل؛ نعاني مع غيرنا من تبعات القمع والقهر والإحباط واليأس بين صفوف قوى الثورة والحرية في بلادنا، ولكننا، مع الكثيرين غيرنا، نواصل.

فعلى حد تلك الخاتمة الشهيرة لذلك الكتيب ذائع الصيت الصادر عام 1848: “ليس لدينا ما نفقده غير أغلالنا، وعالم لنكسبه.”

هيئة التحرير

 


هكذا بدأت الفكرة

دعوة لتأسيس مجلة فكرية يسارية (لا حزبية)

 من أجل “نقد لا هوادة فيه لكل شئ قائم…” من خطاب كارل ماركس لأرنولد روج (سبتمبر 1843) 

تقديم

خمس سنوات بعد انفجار الثورة المصرية تحت شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية”، يجدر بنا النظر المتعمق في خاصية بارزة من خصائص حالة الفوران الشعبي غير المسبوق في عمقه ومداه التي شهدتها بلادنا منذ 25 يناير 2011، والتي تواصلت ثلاث سنوات، أسقطت خلالها ثلاث أطقم  حاكمة، ومازالت آثارها باقية رغم ضراوة الثورة المضادة، متمثلة في مئات الآلاف من الشباب المتمسكين بمبادئ الثورة وشعاراتها، والتواقين لمصر قوامها الحرية والعدالة الاجتماعية، ومتمثلة كذلك في نضالات سياسية واجتماعية متواصلة، رغم التضحيات الكبرى، على خلفية أزمة حكم طاحنة لا يبدو منها فكاك.

تكمن تلك الخاصية في رأينا في تجاوز ساحق للسياسة (كشعارات وممارسة عملية وطرائق نضال) للفكر (كرؤية للعالم ومناهج لتفسيره ومرشد لا غنى عنه لقضايا البرامج والاستراتيجية والتكتيك). إذ نلاحظ أن شعارات الثورة المصرية في مجملها، وكثير من المناضلين الذين اضطلعوا بقيادتها ميدانيًا، وجزء هام من مبادراتها التنظيمية القاعدية والتعبوية النضالية، انتموا جميعا إلى “اليسار”، ليس بمعناه الأيديولوجي الضيق، ولكن بالمعنى الاستراتيجي الفضفاض القائم على الربط بين التغيير الاجتماعي والتحرر السياسي وعلى إدراك مركزية الحركة الجماهيرية من أسفل في تحقيق مطالب الثورة. لكننا نلاحظ في الوقت نفسه مفارقة الفجوة الهائلة بين هذا وبين مستوى تبلور فكر اليسار وعمقه واتساع تأثيره، فضلا عن الغياب الفادح لنقاش فكري حقيقي في أوساط التيار الجذري في الثورة، ولنضال نظري جدير بهذه التسمية في مواجهة البنى والأنساق الأيديولوجية السائدة التي يمتد نفوذها في كثير من الأحيان، وبأشكال متنوعة، لمعسكر الثورة ومناضلي اليسار.

المشروع المقترح

إذن، فالسياسة سبقت الفكر في الثورة المصرية. لكننا نلاحظ من ناحية ثانية أن هذه الثورة خلقت – كما كان محتما لها أن تخلق – فضاءً جديدا لثورات في الفكر والثقافة نرى مؤشراتها ومظاهرها كل يوم؛ ثورات يفجرها الآلاف من الشباب، وترفد في مجراها إنتاج أعداد كبيرة من المبدعين الجدد في شتى مجالات الفكر والثقافة، وتصيب المجتمع القديم بفزع ظاهر بهجومها النقدي على كل البنى الأيديولوجية البالية الحافلة بالتناقضات.

وهكذا، فالمهمة المطروحة ليست إطلاق ثورة في الفكر والثقافة، فهذه قائمة بالفعل، ولكن مساعدة تلك القائمة على التحقق بأكمل الصور وأكثرها فاعلية. من هنا، فنحن نطمح لإنشاء منصة للنقاش والإنتاج الفكري والنضال النظري والثقافي ذات طابع يساري في منظورها العام، حديثة ومجددة، راديكالية في نقدها للقديم، ومبدعة وجريئة في إنفتاحها على كل ما هو جديد وغني وعميق ومتنوع. ونوجز تصورنا في التالي:

  • هي منصة لا حزبية، هدفها تجديد الفكر اليساري وإطلاق ثراءه وإبداعه في كافة المجالات، وليس الدعاية والترويج لمنظور فكري أو أيديولوجي يعبر عن فصيل حزبي أو سياسي بعينه.
  • تعمل على رفد الإنتاج النظري والفكري المبدع والمجدد في الإطار العام لمبادئ اليسار وشعارات الثورة المصرية، وفي مختلف مجالات الفكر، وتسهم بالتالي في تنظيم النقاش وتوحيده، وليس فرض رؤية بعينها عليه، حتى لا يعود الحوار “حوار طرشان” أو يبقى شذرات تتناثر هنا وهناك بلا فاعلية أو هدف.
  • تنأى بنفسها عن اليومي والتكتيكي، ومن ثم عن التنابذ والتشاتم والحلقية والشللية، وكلها أمراض طالما عانت منها قوى اليسار والثورة المصرية عموما، وتنشد الأطر الفكرية الأعم والأكثر شمولا في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفي نظرتها للحركات الاجتماعية وفي تشخيصها للأوضاع الإقليمية والعالمية.
  • تتطلع لأسلوب حي وجذاب في الكتابة، ولصرامة علمية ودقة في التحقق من المعلومات والإسناد، وللابتعاد عن الخطابة والوعظ، مع طرح الأسئلة وتحفيز التفكير والنقاش، وتجنب الإغراق في الطابع الأكاديمي الجاف.
  • تشجع الحوار والتناظر شرط أن يكون قوامه الاحترام المتبادل بين المتناقشين والابتعاد عن التصيد والتهكم، حوار يقوم على مناقشة الأفكار المخالفة من منظور أقوى ما فيها وليس هفواتها.
  • تجمع بين الدراسات المتعمقة والحوارات والمناظرات حول قضية بعينها، وبين المقال القصير في قضية فكرية أو ثقافية بعينها، وتنفتح على كل تنوع مبدع في أساليب السرد، كما تجمع بين اسهامات اليسار المصري والعربي والعالمي، وتعمل على ترجمة ونشر بعض من أهم منتجات مفكري اليسار المعاصرين في العالم، وفي مختلف مجالات الفكر.
  • لا يقتصر اهتمامها على القضايا السياسية الكبرى، ولكن يمتد ليشمل شتى مناحي الفكر: في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والعلوم والفكر الديني والثقافة. وتهتم بشكل خاص بقضايا النضال الثوري وبقراءة تجاربه واستخلاص خبراته، وتعني بقضايا من نوع قراءات في تجربة الثورة المصرية وموجة الثورات العربية، تطورات الإقليم وصراعاته، الوضع العالمي وتطورات الإمبريالية، النظام الرأسمالي العالمي اليوم، خصائص التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في مصر، العمال والحركة العمالية، القضايا الزراعية والفلاحية، التجارب الثورية والنضالية العالمية، أحوال اليسار في العالم، قضايا البيئة، قضايا المرأة والنوع الجنسي، الدين والعلمانية ونقد الفكر الديني، تاريخ مصر والبلدان العربية، القضية الفلسطينية، الصراع ضد الإمبريالية العالمية، إشكاليات حركات المقاومة والتحرر الوطني، تاريخ وحال الفكر المصري والعربي، الثقافة والسينما والموسيقى والغناء، وغيرها من القضايا.
  • تتعاون بقدر الإمكان مع الإصدارات المماثلة في المنطقة العربية والعالم، بما يشمل حقوق الترجمة وتبادل المقالات والدراسات والمشاركة في طرح ونقاش قضايا بعينها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

رؤية اشتراكية حول حرية التعبير ويميل بعض دعاة الاشتراكية من أعلى إلى الدفاع عن الحريات الديمقراطية المتعلقة بالطبقة العاملة فقط. لكن هذا التصور يعبِّر عن منظور ضيق ومحدود التفكير لطبقة يجب أن تكون، على حد قول لينين، "المدافع عن الشعب"، ممثل مصالح الأغلبية الاجتماعية الكبيرة.

صامويل فاربر