إلى المهدي المنجرة – سلامًا طيبًا ووردة

قراءات, قضايا

15  يوليو  2018

“إن صندوق البنك الدولي والبنك العالمي، هما أخطر مؤسستين على حاضر ومستقبل بلداننا وقد كانوا كذلك من ذي قبل.  كتاب قيمة القيم“.

حلت علينا ذكرى رحيل المناضل وعالم الاقتصاد والاجتماع المغربي المختص في الدراسات المستقبلية “المهدي المنجرة” في 13 يونيو 2014،  تاركًا خلفه تراثاً معرفياً كبيراً من النقد للاستعمار- الفرنسي تحديدًا- ولسياسات العولمة، بالإضافة إلى نقده لليبرالية الغربية ونظامها المالي والمؤسسات التابعة لها كالبنك الدولي والتي وصفها بالمتوحشة. كما انتقد الحكومات في بلدان العالم النامي المدعومة من الاستعمار، ودعا لمحاربة الجهل والفقر الممنهج ضد شعوب هذه البلدان.

المحطة الأولى

وُلِد “المهدي المنجرة” في عام 1933 بالعاصمة المغربية ـ الرباط، وكان من ضمن  أول الأفواج والبعثات التي توجهت للدراسة في الولايات المتحدة وليس فرنسا، وهذا ما سوف يعطي المهدي فكراً مغايراً وفلسفة مختلفة، تمكنه فيما بعد من عملية نقد وتحليل شاملة لبلده المغرب، المحتل والخاضع لبقايا الفكر الفرنسي. وعلى الرغم من أن دراسة المهدي كانت في مجال البيولوجيا، في جامعة كورنل الأميركية، إلا أنه ظل منشغلا بالسياسة وعلم الاجتماع، فقد كان رئيسًا وناطقا باسم رابطة الطلاب العرب في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويُعتبر “المهدي” أحد أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدولية. حيث تولى العديد من المناصب منها: مستشار الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة، وتولى منصب المدير العام لإدارة اليونسكو، وفي سبعينات القرن الماضي، شغل منصب أستاذ كرسي الاقتصاد المبرز في جامعة لندن، التي تخرج منها. بعدما رحل عن الولايات المتحدة لرفضه المشاركة في الحرب الكورية، والخضوع إلى التجنيد الإجباري الأمريكي الذي كان مفروضا على حاملي الإقامة الدائمة في هذا الوقت، قرر الرحيل إلى إنجلترا، وسجل أطروحة في علم الاقتصاد، بجامعة لندن، حول “الجامعة العربية”، ناقشها سنة 1954.

عاد إلى المغرب في العام 1957 بعد استقلال المغرب، ليلقى ترحيباً من قبل عاهل البلاد الملك محمد الخامس. وتم تعيين “المهدي المنجرة” ضمن أساتذة الشعبة الاقتصادية في جامعة محمد الخامس بالرباط، كما تم تعيينه مديرًا للإذاعة والتلفزيون المغربي. وطلب منه الملك محمد الخامس أن يقوم بإنشاء مؤسسة مغربية إعلامية تضاهي الـ بي بي سي البريطانية.
وما بين عامي 1975 و1976 تولى المهدي مهمة المستشار الخاص للمدير العام لليونسكو، كما انتُخب سنة 1981 رئيسا للاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية في العاصمة الإيطالية روما، ليسجل اسمه كأصغر عضو في نادي روما للمستقبليات.
ترك “المهدي” عمله في الأمم المتحدة معللًا هذا بانحراف المؤسسة الدولية عن دورها، والتحيز لدول الشمال على حساب دول العالم الثالث. كما اعتذر عن العديد من المناصب في المغرب التي لم تكن تقبل بشروط “المهدي”، وتفرغ للبحث العلمي والكتابة.

فكر المهدي

سُمي “المهدي” تيمنًا بالمخلّص في الفكر الإسلامي “المهدي المنتظر”، وانعكس الاسم فعليًا على فكر “المهدي المنجرة”؛ فقد كرس نفسه لإنتاج مشروع يساهم في تقدم دول العالم الثالث. وقدم العديد من المؤلفات منها “قيمة القيم”، و”انتفاضات في زمن الذلقراطية”، و”الإهانة في عهد الميغا إمبرالية”، و”الحرب الحضارية الأولى”، وغيرها العديد من المؤلفات الهامة والمستشرفة للمستقبل العربي والعالم النامي.

عمل المهدي بشكل دائم على خلق مفاهيم جديدة خاصة يصف بها الأحوال في العالم العربي وأفريقيا كـ “الذلقراطية“. ويُعد هذا المصطلح أحد إبداعات “المهدي” الثقافية والتوعوية، فهو يشكل تركيب خماسي من الجهلوقراطية، والفقروقراطية، والشيخوقراطية، والكذبوقراطية، والتخلفقراطية، وهي عناصر تُغرق الوطن العربي في الرداءة الحضارية.

في ضوء مفهوم الذلقراطية يشير “المنجرة” أننا نعيش في فترة تطرح علينا تساؤلات كبرى، لكن لا نجد لها إجابة إلا في التشاؤم، حيث لا يمكن أن نصل إلى حالة ذل أكثر مما وصلنا إليه، وبالخصوص في العالم العربي. فيشير إلى الحكام العرب حيث يقبلون الذل ممن هم أقوى منهم، وبالخصوص من أمريكا وإسرائيل، وحين يقبلونه يسقطونه علينا كشعوب، وشعوب تقبل الذل من حكامها؛ فنحن إذن أمام ذل وإهانة عظيمة.
يقول “المنجرة”: يعيش العالم العربي الخوفقراطية، إضافة إلى التفقيروقراطية التي أصبحت نظامًا للتدبير والحكم أيضًا. ويعطي أولوية للجهلقراطية والكذبوقراطية والشيخوخقراطية. والأهم بالمصطلحات أنها يكمل كل واحد منهم الآخر ويمكن تلخيصها بـ “الذل” . انه شر قديم يعود بقوة ليبسط هيمنته على العالم . فقد غدت المهانة شكلًا للحكم ونمطًا لتدبير المجتمعات وطنيًا وعالميا.

كما وسع “المهدي” نطاق مفاهيمه لتشمل العالم مثل تعبير “الفوبقراطية” والذي أطلقه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مُعلنًا عصراً جديداً تتزعمه الولايات المتحدة من الخوف وتهميش الآخر والعصف بالحريات الفردية. ويرى “المهدي” أن هذا الحادث درس للولايات المتحدة لتتعلم أنه مهما بلغت قوتها ستعود إلى الانكسار، كغيرها من الدول المستعمِرة الأوائل: أسبانيا والبرتغال وغيرهما من دول أوروبا.

شغل مفهوم “الإستقلالية” حيز كبير من مشروع “المهدي” لإخراج الوطن العربي من أزمته، وحددها في – استقلالية القرار الوطني عن كل مؤسسات الهيمنة الدولية سواء النقدية أو الاقتصادية أو السياسية. وقد انتقد “المهدي المنجرة” منظمة اليونسكو، بمناسبة العبث بآثار العراق أثناء الغزو الأمريكي.

وقد أشار “المهدي المنجرة” في أكثر من مناسبة إلى أن اليونسكو لم تحرك ساكنا للتصدي لنهب الآثار العراقية وهي المنظمة العالمية التي لها دور عالمي في ميدان الثقافة والحضارة في حين أنها لم تقم بأي عمل يذكر للدفاع عن التراث الثقافي والإنساني العريق.
وأعتبر “المهدي” أنه أمر طبيعي أن تسير اليونسكو في هذا التوجه باعتبار أن نظام الأمم المتحدة بما فيه جملة من المنظمات العالمية تعتبر أدوات في يد الهيمنة الاستعمارية الأمريكية، هذه الهيمنة التي تدعمها وتكرسها دول غربية كثيرة.

وفي نفس الاتجاه كان الدكتور “المهدي المنجرة” من الأوائل الذين انتقدوا دور الجامعة العربية، إذ كان موضوع أطروحته لنيل الدكتوراه – كما أشرنا سابقًا- هو نشأة جامعة الدول العربية، وقد خلص في تحليله إلى كون أنها آلة من آليات الاستعمار، موضحا أنها لعبت دورا استعماريا، وقد انكشف أمرها بوضوح، عندما أضحت مجرد ملحق للبيت الأبيض والبنتاغون، بعد أن كانت محلقا لوزارة الخارجية البريطانية.

 بالإضافة إلى اهتمام “المهدي” باستقلالية المثقف عن السلطة الحاكمة، والعمل على إحياء التراث الشعبي الخاص بالدولة، ويشترك في هذا مع “أنطونيو غرامشي”، الذي أعطى للمثقف العضوي والتراث الشعبي دورا كبير في إعداد ثقافة بديلة قادرة على تغيير الأمور.
وأعتبر “المهدي” أن الانطلاق من احترام التعددية الثقافية للشعوب العربية يعد أساسا لبدء تكريس مفاهيم قيمية مثل الديمقراطية، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجوهرية بين كل حضارة. ومن هذا تأتي الأهمية الاستثنائية والمحورية للتعليم وقيمة المعرفة وضرورة العناية المركزة بالبحث العلمي.

لهذا أشاد “المهدي” بالنموذج الياباني في النهضة، حيث يرى أنه لابد من الاعتماد على اللغة المحلية والثقة في الذات والاستفادة القصوى من الثروات والطاقات البشرية، دون الاعتماد على النموذج الغربي، فقد كان يرى أن اليابان أحد بلدان الجنوب ولا تمثل دول الشمال المتغطرس. وقد حصل على وسام الشمس المشرقة من الإمبراطور الياباني شوكي في العام 1986.

قدم “المنجرة” في كتابه “قيم القيم” بعض الأطروحات للمساهمة في إخراج دول العالم الثالث من كبوتها، تلخصت في الآتي:

– القضاء على الأمية.
– القضاء على الفقر عن طريق قوانين تضمن العدالة الاجتماعية.
ـ بناء ديمقراطية حقيقية بزيادة نسب مشاركة الشعب في تحديد نموذج التنمية الذي يريدون، عبر نخبة بيروقراطية تساعدها ويدعمها في مشروعها خبراء دوليون.
ـ تعميم اللغة المحلية.
ـ تقليص المساعدات والاعتماد على الذات.
ـ احترام القيم السيوثقافية لكل شعب.
ـ تقييم البحث العلمي وتشجيع الابتكار.
ـ احترام حرية الأشخاص والجماعات، وتغيير أنماط الاستهلاك.

نبؤات “المنجرة”

يظهر “المهدي المنجرة” في إحدى الندوات المصورة في عام 2000 ليتوقع أن الوضع في الوطن العربي لن يستمر هادئاً للحكام، وعليهم أن يحققوا نقلة نوعية في التغيير في طريقة الحكم، فالتحجج بالاستقرار سيغلي من فاتورة التغيير. وضرب مثالا بالفلبين؛ فعند ثورة الشعب على الحاكم لن تنقذه المدافع ولا القواعد الأمريكية على أرضه ولا المخابرات الأجنبية.
كما أنه من أوائل من استخدموا مفهوم الحرب الحضارية، مما دفع صامويل هنتنغتون – أحد أكبر المفكرين وعلماء السياسة في القرن العشرين- أن يعلن في مقدمة نظريته وكتابه “صدام الحضارات” الصادر سنة 1993 أن المغربي “المنجرة” هو أول من سبقه إلى أطروحة “صدام الحضارات” وكتب في مقدمة كتابه قائلًا: “إن المهدي المنجرة، ذلك العالم المستقبلي الذي اكتشف بأن تاريخ العالم ليس صيرورة، ولكنه صراع مستمر بين الحضارات”.
وقد ظهر “المنجرة” في فيديو مُعقبًا على أحداث حرب الخليج الأولى في عام 1991، أي قبل صدور كتاب “صراع الحضارات” بعامين، وصرح أنه أجرى حوارًا مع مجلة “دير شبيغل” الألمانية. ووصف أن ضرب العراق من قبل الولايات المتحدة هو أول حرب حضارية. كما شدد “المهدي” أنه لم تعد الحروب والنزاعات تقوم على أساس اقتصادي أو إيديولوجي بل على أساس حضاري.
فيما يخص ظاهرة تطور الحركات الإسلامية؛ يرى “المهدي” أن هناك اتجاهاً نحو الأصولية. فقبل العام 2001، لم تكن الأصولية تمثل إشكالًا، حتى على الصعيد العالمي، بل على العكس من ذلك، كان المسلم إنساناً مطيعاً، لا يكاد أثره يبين، وكان من مناهضي الشيوعية و يتعبد في المسجد. لكن هذا المسلم اليوم بدأ يظهر بشكل آخر وبصورة أخرى، لاسيما وأن عدد المسلمين كُثُر على الصعيد العالمي، وهذا مُشكُل في نظر الغرب، يفسره “المهدي” بأنه مُشكُل يكمن في كون آليات التواصل الثقافي لم تعمل بين البلدان الأوروبية و الآخرين، و هذا عنصر أو سبب بشري و ليس ديني.

لهذا نوّه أن الإنسان يواجه خطر هيمنة الفكر الغربي الذي لم يعد يسمح للمواطن في العالم الثالث بحرية التفكير والاختيار، حيث أصبحت سياسات الشمال – دول العالم الأول- قائمة على إلغاء أي بديل أمام دول الجنوب، وهذا ما يهدد وجود الإنسان. واعتبر في مؤلفه “عولمة العولمة“: “أن التنوع الثقافي سواءً على المستوى الوطني أو الدولي سيبقى إحدى الحاجات النفسية والروحية الأكثر أولوية.”

المحطة الأخيرة

شكلت رحلة حياة “المهدي المنجرة” روحاً إنسانية لا يملكها إلا نوع نادر الوجود من الرجال؛ حيث ظهر مدى اهتمامه طيلة حياته بمستقبل فقراء العالم ودول العالم الثالث رغم كونه من طبقة ميسورة، ورغم القمع الذي طاله من النظام المغربي لسنوات، حيث مُنع من إلقاء المحاضرات وتم محاصرته اقتصاديًا وتقليل ظهوره إعلاميًا؛ لهذا لم ينل “المهدي المنجرة” الشهرة المستحقة له في حياته بسبب آرائه الصادمة ونقده الدائم وبُعده عن دوائر السلطة وصُنع القرار. وعلى الرغم من كل هذا فقد خصص جزءً من عوائد مؤلفاته كجائزة تمنح لمبدعين العالم الثالث. وقد منحها بنفسه لأطفال العراق وللطفل الفلسطيني الشهيد “محمد الدرة”. وأوصى بأن يتم التبرع بمكتبته التي تضم آلاف الكتب والمجلدات للمكتبة الوطنية المغربية.

وفي أبريل عام 2010 صار طريح الفراش، وتوقف عن الكتابة إلى أن رحل في يونيو 2014، وهو يحاول أن يضع أسساً لعالم آمن ومطمئن، يقوم على الاستقرار والسلام، عبر تفعيل دور الحوار والتعايش والتفاعل بين الحضارات والثقافات.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Tina diaz

    المهدي المنجرة نموذج للانسان المطلوب الاحتذاء بة لان الالتزام بقضايا الانسانية والاستمرار في متابعتها والتعرض للملاحقة من قبل السلطات الحاكمة التي يناهضها لايمكن متابعتها باستمرار الا لرجال من ذوات المعادن الاصيلة

موضوعات ذات صلة

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت