نشأة السينما الصهيونية وتناقضاتها

قضايا

12  يوليو  2018

ما كان للكيان الصهيوني أن يصبح له أي موطئ قدم في أرض فلسطين لولا ما حظي به من دعم وحماية من القوى الإمبريالية المسيطرة على مقدرات العالم على طول تاريخ الصراع العربي الصهيوني. فتاريخ هذا الصراع، بشكله الحديث، يعود إلى بداية ظهور الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، حين قال “تيودور هرتزل”، الأب الروحي للحركة الصهيونية: “إن الشعار الذي يجب أن نرفعه هو فلسطين داود وسليمان”. وقد كانت المساحة التي تصورها “هرتزل” لقيام الكيان الصهيوني من النيل إلى الفرات، ممتلئا فكره بالنزعات القومية العنصرية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر.

بالتزامن مع بداية سقوط الدولة العثمانية، التي قمعت وأفقرت شعوب المنطقة لصالح مركزيتها في الأستانة، بدأت فكرة القومية العربية تظهر في مناطق عديدة في البلدان التي تتحدث باللغة العربية. وقد مر الصراع العربي الصهيوني بمراحل عديدة بداية من نهاية القرن التاسع عشر وصولا إلى إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني عام 1948 ومغادرة بريطانيا لأرض فلسطين وتسليمها للكيان الصهيوني.

مبحثنا في هذا المقال هو انعكاسات هذا الصراع في سينما على طرفي الصراع.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن أي عمل سينمائي هو عمل سياسي بحت محدد بالأيدلوجية التي تنتجه أو بالأيدلوجية التي يُنتج في نطاقها. وهو وسيلة دعاية أيدلوجية وقومية فعالة استخدمتها كل قوميات العالم للدعاية عن نفسها منذ اختراع السينما.

نعود إلى بدايات السينما الصهيونية. لقد بدأت السينما الصهيونية قبل إعلان قيام الدولة الصهيونية ولقد حاول تيودور هرتزل منذ عام 1899 حتى عام 1902 أن يصنع فيلما دعائيا لأهداف الحركة الصهيونية لكنه فشل في ذلك. وكانت هناك محاولة أخرى عام 1903 قام بها المصور ألفريد عبادي الذي تم إرساله من شركة أديسون، حين ذهب إلى فلسطين بعد رحلته في مصر ولبنان وصوّر فيلمي “قطيع أغنام على الطريق إلى القدس” و”سياح يصلون إلى يافا”.

كما كانت هناك عدة محاولات تصوير توثيقي بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى مثل مشاهد دخول الجيش البريطاني إلى فلسطين وهزيمة الجيش التركي وهو ما فتح الباب لوضع أقدام الحركة الصهيونية في فلسطين.

تذكر مراجع السينما الصهيونية أن من أهم آباء السينما الصهيونية بشكلها المتطور بعض الشيء هم “ناثان أكسلود” و”باروخ أجداتي” و”جاكوب بن دوف”. ففي عام 1912  أخرج “جاكوب بن دوف” فيلما بعنوان “حياة اليهود في أرض الميعاد” بالإضافة إلى فيلم بعنوان “الفرقة اليهودية” تم صنعه عام 1922. وفي منتصف العشرينات أخرج “أكسلرود” عددا من الأفلام التسجيلية قبل أن يُخرِج أول فيلم روائي طويل له بعنوان “أودد” عن كفاح الشباب اليهودي في المستعمرات التعاونية. أما بالنسبة للمحاولات الأولى لصناعة السينما الصهيونية الناطقة فقد كانت هناك محاولة للبولندي “ألكسندر فورد” وقد جاء إلى فلسطين لتصوير فيلم بعنوان “الصبار” عام 1932، وتم تصديره على أساس أنه الفيلم الطويل الأول الذي صنعه اليهود، إلا أن تمويل الفيلم لم يكن صهيونيا خالصا. وفي عام 1933 تم إنتاج فيلما صهيونيا آخر بعنوان “عوديد الرحال” وقد تم تصويره كفيلم صامت نظرا لضعف ميزانية صانعيه في ذلك الوقت. يسرد الفيلم قصة شاب أسمه “عوديد” سافر مع أصدقائه وتاه عنهم في أرض فلسطين ويعرض الفيلم المشاهد الطبيعية الفلسطينية بجماليتها عبر رحلة تيه “عوديد”. ثم كان هناك أيضا مشروع لفيلم بعنوان “الأطلال” لكنه لم يكتمل بسبب اندلاع الثورة العربية عام 1936.

تنطلق تصورات ومنطلقات السينما الصهيونية في مجملها منذ نشأتها حتى الآن من فكرة القومية اليهودية، ليس على أساس اللغة المشتركة أو الاقتصاد المشترك بين اليهود وإنما على أساس التراث التاريخي المشترك لليهود بتداخل التاريخ المقدس في التوراة وتاريخ قبائل الخابيرو الذي يعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام، مع تاريخ يهود الكيان الصهيوني الحالي، بالإضافة لتاريخ ووقائع الأقليات اليهودية حول العالم والتصور الصهيوني المدلس حول حلم دولة إسرائيل الكبرى المنصوص عليها في التوراة من النيل إلى الفرات، وإن كان أغلبية الإنتاج السينمائي الصهيوني قد تركز على الفترة التي أعلنت فيها دولة الكيان الصهيوني عن احتلالها الرسمي لفلسطين ما بين عامي 1948 و1949.

على الجانب الآخر، وفيما يخص السينما الفلسطينية، كانت البداية على يد الأخوين “إبراهيم” و”بدر لاما” الفلسطينيين، حين اتجها إلى فلسطين، وطنهما الأصلي، قادمين من مهجرهما في تشيلي، آملين في وضع حجر الأساس للسينما الفلسطينية؛ إلا أن رحلتهما لم تكتمل بسبب توقفهما في الإسكندرية وانجذابهما باشتعال النشاط الثقافي والفني هناك، فقررا المكوث فيها للاستفادة من هذا النشاط، فصنعا واحدا من أولى الأفلام العربية وهو “قبلة في الصحراء” عام 1927، ثم قررا العودة بعدها إلى فلسطين.

كانت البداية الفعلية عام 1935 حين صنع “إبراهيم سرحان” فيلمه التسجيلي عن زيارة الملك سعود بن عبد العزيز لفلسطين وزيارته للقدس ويافا بصحبة مفتي الديار الفلسطينية. لقد تميز “إبراهيم سرحان” كأب من آباء السينما الفلسطينية بأنه كان الأول في مسعاه لإنشاء صناعة سينمائية فلسطينية تنطلق من على أرض فلسطين، حتى أنه كان يصنع معداته السينمائية بنفسه داخل فلسطين. لكن بعد نكبة 1948 أُجبِر على الرحيل من فلسطين وانتهى به الحال يعمل سمكريا في مخيم شاتيلا للاجئين.

تلا ذلك صناعة عدة أفلام لسينمائيين فلسطينيين مثل “أحمد الكيلاني” و”جمال الأصفر”،  فقد درس “أحمد الكيلاني” الإخراج والتصوير في القاهرة، وتخرج عام 1945، ثم عاد إلى القاهرة ليؤسس مع “جمال الأصفر” و”عبد اللطيف هاشم” الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية وأنتجوا بعض الأفلام، إلى أن جاءت النكبة واضطروا للرحيل عن فلسطين. إلا أن كل تلك الأفلام كانت أفلاما محدودة من حيث الكم والكيف بالمقارنة مع حركة السينما الصهيونية الدعائية لأهداف الحركة الصهيونية، مدعومة من البرجوازية الكبيرة اليهودية حول العالم. لكن جدير بالذكر أن الصحافة السينمائية الفلسطينية قد ساعدت في دعم حركة السينما الفلسطينية في ذلك الوقت ومن أبرز تلك المجلات “جريدة الحقيقة” المصورة التي صدرت في عكا عام 1937 والتي تحولت فيما بعد إلى جريدة “صوت الرأي العام” ثم كان الدور الأبرز لدعم السينما الفلسطينية لجريدة “الرياضة والسينما” التي صدرت في القدس باللغتين العربية والانجليزية ومجلة “الأشرطة السينمائية” المتخصصة في السينما والتي صدرت في القدس أيضا عام 1937 باللغتين العربية والانجليزية. أما عن أول فيلم روائي فلسطيني تمت صناعته في فلسطين فقد كان بعنوان “حلم ليلة” من إخراج “صلاح الدين بدرخان” سنة 1946، حيث عُرض في القدس ويافا وعمان وبلاد أخرى.

أما بالنسبة للسينما الصهيونية الروائية الطويلة بمفهومها التجاري فلقد ظل الإنتاج السينمائي الصهيوني مقتصرا على الأفلام التسجيلية القصيرة منذ العشرينات حتى عام 1962 باستثناء تجارب سينمائية معدودة أبرزها فيلم “التل 24 لا يرد” من إخراج المخرج البريطاني “ثورولد ديكنسون” عام 1954 وقد كان آخر فيلم روائي يقوم بإخراجه. يقول “ديكنسون” عن هذا الفيلم:

“في عام 1953 كنت ألقي محاضرات في فصل دراسي صيفي عن أفلام التدريب العسكري، وكان هناك عدد كبير من الناس من مختلف الدول، ومنهم بعض الضباط من دول اسكندنافية. وفي يوم ما جاءت إلي امرأة من بين المشتركات في هذا الفصل الدراسي وقالت لي أنها شديدة الاهتمام بما أقول، لأنهم في إسرائيل يقومون بإعداد فيلم عن حرب استقلالهم، وقد أدركت أنها مهمة صعبة لا يمكن أن تتم بالطريقة التقليدية، وأنها سوف تذهب إليهم وتطلب منهم أن يوقفوا كل شيء ويستعينوا بأحد الخبراء، فإذا وافقوا فلتأت وتساعدنا. لم يكن لدي ما أفعله في تلك الأيام ولذلك وافقت على طلبها. وقد ذهبت ببساطة لكي أنقل إليهم أن هذا النوع من الأفلام لا يُصنع بالطريقة التي يتصورونها. ولكنني لم أستطع الخروج. ففي كل مرة كنت أقول فيها أنني أخبرتهم بكل شيء كانوا يقولون: لا إننا لم نزل في البداية. وفي النهاية قالوا لي أنهم في الحقيقة ليس لديهم من يصنع هذا الفيلم وعلى هذا بقيت.”

تدور أحداث فيلم “التل 24 لا يرد” خلال حرب النكبة 1948 ليلة وقف إطلاق النار بين الطرفين بعد محاولات الكيان الصهيوني اغتصاب أكبر مساحة من أرض فلسطين. الشخصيات الرئيسية للفيلم هم ثلاثة رجال وامرأة من القوات الصهيونية يتم تكليفهم باحتلال “التل 24” في القدس، والفيلم عبارة عن رواية كل شخصية لقصتها. فالرجل الأول أيرلندي، كان جنديا في الجيش البريطاني، ووقع في غرام فتاة يهودية، وقد انضم إلى القوات الصهيونية ليثبت لها أنه مؤمن بقضيتها. والرجل الثاني سائح أمريكي يهودي كان يقوم بزيارة سياحية للقدس حين وقعت الحرب وأصيب وأنقذه أحد رجال الدين الصهاينة. بعدها قرر الانضمام للقوات الصهيونية. والثالث هو يهودي متدين هاجر إلى فلسطين من إحدى دول شرق أوروبا، يقوم بالقبض على جندي مصري يعترف له بأنه نازي ويكره اليهود. وفي نهاية الفيلم، وبعد سرد الشخصيات لحكايتها، يُقتلون بعد أن ينجحوا في احتلال “التل 24”. لقد كان مسعى الفيلم هو الدعاية للصهيونية بأنها حركة ساعية لاستقلال إسرائيل عن الاحتلال البريطاني، ويصور الحرب وكأنها حرب وطنية دفاعا عن القومية اليهودية يشارك فيها اليهود من كل الأجناس ليشاركوا الفلسطينيين حربهم الاستقلالية عن الاحتلال البريطاني، بينما في الواقع يعد الفيلم تجسيدا لتناقضات الكيان الصهيوني ومدى رجعيته الدينية وإرهابه واستيطانيته وعنصريته وانتهازيته التي قامت عليها الحركة الصهيونية. فهو يصور في ثناياه أن أصحاب الأرض ومن يشاركونهم الدفاع عن أرضهم هم امتداد للنازيين ومشابهين لهم في معاداتهم لليهود. إلا أنه في الحقيقة يصدر مدى التشابه بين النازية والعنصرية الصهيونية من الناحية الأيدلوجية. فقد جاء مسعى الفيلم الدعائي المزيف بهشاشة ودعائية مكشوف زيفها للجميع.

بعد حرب 1967 تطورت صناعة الفيلم الصهيوني الروائي الطويل تطورا نوعيا كبيرا وبدأ إنتاج الأفلام الصهيونية الروائية الطويلة بدعم هوليودي أمريكي. وقد جاء إنتاج الروائية الصهيونية الطويلة متأخرا لأسباب عديدة منها عدم وجود خبرات وكوادر سينمائية صهيونية خالصة. إلا أن السبب الحقيقي يرجع إلى عدم وجود أساس ثقافي مشترك لمكونات المجتمع الصهيوني لتعدد اللغات والأجناس والهويات والقوميات التي تكون منها المجتمع الصهيوني في هذه الفترة، وعدم وجود ملتقى صهيوني متماسك لتلقي تلك الأعمال، وبالتالي فإن إنتاج الأفلام الروائية الصهيونية الطويلة بمفهومها التجاري في تلك الفترة كان سيصبح مرآة تعري التناقضات الأيدلوجية التي قامت عليها الحركة الصهيونية، وتعري الطبيعة الميتافيزيقية التي يتكون منها منطلق الحركة الصهيونية، فهم جمع من بشر يحملون نفس المعتقد الديني ويختلفون في الهوية والجنس والقومية واللغة، مما لا يمكن أن ينتج ثقافة قومية صهيونية كما كان يريد الصهاينة تصديرها للعالم في ذلك الوقت. كان الإنتاج الثقافي الإسرائيلي في تلك الفترة يكاد يكون بلا هوية أو شخصية قومية، وهو ما كان يدركه جيدا “بن جوريون” أهم مؤسسي الكيان الصهيوني، حيث كان دائما يعادي الإنتاج السينمائي الروائي الصهيوني سعيا منه إلى إخفاء عورة الهوية القومية التي يفتقر إليها الكيان الصهيوني والتي كان من المهم إخفائها ثقافيا في ذلك الوقت. وكان رجال الدين من أكبر مؤيدي هذا الإخفاء الثقافي والتدليس، بل أنهم كانوا يرون أن أمام إسرائيل مهمات أهم وأكثر جدية من الإنتاج الثقافي، ولا داعي لتجسيد مشاكل إسرائيل على مرأى ومسمع العالم، وأن السينما تنشر التفاهة وتركز على الأمور الدنيوية.

حين بدأ الكيان الصهيوني يرسخ احتلاله واغتصابه الكامل لأرض فلسطين في بداية ستينيات القرن الماضي بدأت المساعي لتأسيس وإنتاج سينمائي روائي طويل بالإضافة إلى إنشاء التليفزيون الإسرائيلي عام 1966، قبل الحرب بعام، ليكون منصة الدعاية الصهيونية الداخلية.  وقد اقتصر التليفزيون برامجه على برامج التعليم الصهيونية في ذلك الوقت، وبعد حرب1967 تحول التليفزيون الإسرائيلي من بث البرامج التعليمية إلى بث البرامج المختلفة، وهو ما يدعم فكرة ارتباط المضي في الإنتاج الثقافي الصهيوني بترسيخ احتلال الكيان لأرض فلسطين والأراضي العربية ليكون مواجها للتليفزيونات المصرية والسورية والأردنية عندئذ.

على العكس تماما من اهتمام الكيان الصهيوني بالسينما التسجيلية، فهي سينما لا يمكنها إظهار التناقض الأيدلوجي والاجتماعي الذي قام عليه الكيان الصهيوني، كان مسار السينما الصهيونية التسجيلية مختلفا عن السينما الروائية الطويلة. فقد بدأ إنتاج السينما التسجيلية في الكيان الصهيوني بشكل احترافي عام النكبة 1948 واستمر إنتاج الأفلام التسجيلية بواسطة قسم السينما لمكتب المعلومات التابع لمجلس الوزراء الصهيوني حتى نهاية الخمسينات، وقد تم إنتاج أكثر من ثلاثين فيلما تسجيليا تحمل الطابع الدعائي المزيف للصهيونية. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن هوليود والسينما الأمريكية على وجه العموم كانت لها دور في مساندة السينما الصهيونية وسد نواقصها. فلطالما، وعلى مر الزمان، أنتجت هوليود أفلاما تؤيد الصهيونية وتقدم مضمونا يهدف إلى خلق التعاطف مع اليهود المشردين. ففي عام 1949 أخرج “سيسيل ديميل” فيلما بعنوان “شمشون ودليلة” بالإضافة إلى فيلم “داود وباتشيع” الذي تم إنتاجه عام 1951 وفيلم “خبايا إيزابيل” عام 1953، وقد اقتصر مضمون تلك الأفلام على جذب التعاطف مع الشخصية اليهودية.

أيضا شهد عام 1961 كثافة ونشاطا خاصا للسينما الصهيونية، فهناك فيلما صهيونيا بعنوان “أعطني عشرة رجال يائسين وأنا أغير بهم وجه العالم”، تم إنتاجه بالاشتراك مع جهة إنتاج فرنسية وقام بإخراجه المخرج الفرنسي “بيير زيمر”، وقد شارك هذا الفيلم في مهرجان برلين الغربية السينمائي، وكان وفد الكيان الصهيوني في المهرجان كبيرا، وذهب بإمكانيات كبيرة، وأقام حفلات ضخمة في فنادق برلين الغربية، ونُشرت عنه مقالات في المجلات السينمائية الألمانية، وتصدرت تلك الصحف عناوين مثل “إسرائيل تتقدم” و”إسرائيل قادمة”، وظهر الدعم الغربي الإعلامي واضحا جليا عبر الاهتمام بهذا الفيلم الذي تدور أحداثه عن بعثة صهيونية مكونة من ثلاثة عشر شابا وفتاة ذهبت إلى نقطة قاحلة في صحراء النقب، وكان المطلوب منهم أن يقيموا تعاونية في هذه النقطة ويعمروها، ويصور الفيلم الكثير من المبالغات عن كفاح تلك البعثة وهزيمتها للطبيعة الصعبة من أجل تعمير دولة إسرائيل، فخرج الفيلم كمنتج دعائي به الكثير من المبالغات الساذجة، ليقدم في النهاية رسالة بأن من يتعب في العمل في الأرض فهي له حتى وإن كان لها أصحاب من قديم الأزل.

المرأة في السينما الصهيونية:

على مدار التاريخ القصير للسينما الصهيونية، وفي اغلب إنتاجها، لم يخرج تصور المرأة عن التصور التوراتي والصهيوني، فغالبا تظهر المرأة في السينما الصهيونية في صورة أرملة حرب أو زوجة جندي. فليس للمرأة في الرواية التوراتية إلا أن تكون على هامش الرجل، تساعده ليقوم بدوره كخادم للمشروع الصهيوني. فالنساء في السينما الصهيونية دائما يقدمن الحلول المثالية والرومانسية من أجل وحدة الجماعة الاجتماعية الصهيونية في مواجهة الآخر، سواء كان فلسطينيا أو عربيا؛ وغالبية الأفلام الصهيونية التي تشكل المرأة مادتها الرئيسية تميل إلى هذا الطابع، فتأتي وكأن دورها يتمحور كعامل مساعد مثالي يقدم التضحيات الشخصية من اجل أهداف الكيان الصهيوني والأهداف والتصورات التوراتية الأسطورية، فتظهر النساء في السينما الصهيونية كأداة ولغرض ديني، حيث ترتبط الخصوبة وجسد المرأة دائما بالمشروع الصهيوني والتوراتي.

سينما الرفض داخل الكيان الصهيوني:

ظلت الأفلام الصهيونية تدور حول المؤسسة العسكرية الصهيونية وترعاها حتى نهاية السبعينيات حيث بدأت سينما الرفض تظهر حين أخرج “رام ليفي” فيلمه “خربة خزعة” عام 1979 المأخوذ عن رواية “يزهار سيميلانسكي” المنشورة عام 1949. وتدور الرواية والفيلم حول تأسيس الكيان الصهيوني المغتصب على أنقاض هزيمة الشعب الفلسطيني عام 1948، حيث يظهر الفيلم الوجه الحقيقي لاغتصاب أرض فلسطين. وقد قوبل هذا الفيلم بهجوم ضاري من كل مؤسسات الكيان الصهيوني من صحافة ونقاد ومؤسسات حكومية وعسكرية وأمنية إلى أن وصل الأمر إلى منع وزير المعارف الصهيوني للفيلم من العرض في القناة التليفزيونية الصهيونية الوحيدة في ذلك الوقت وتسويد الشاشة في الوقت الذي كان مقررا فيه عرض الفيلم. أحدث منع الفيلم ضجة كبيرة أجبرت الكيان الصهيوني على عرض الفيلم بعد أسبوع من منعه، وجاءت أغلب ردود الفعل في الشارع الصهيوني بإنكار الحقيقة ومهاجمة الفيلم جماهيريا. وقد كان رد الفعل هذا خير دليل على زيف وعي المتلقي الصهيوني في ذلك الوقت ودعمه الأعمى للكيان. قلة قليلة جدا من المشاهدين استوعبت الفيلم وبدأت في إدراك الحقيقة، مما جعل مؤسسات الكيان الصهيوني تقيل عددا كبيرا من القائمين على التليفزيون الصهيوني، كما تم إلغاء قسم الدراما وانتشر خوف شديد من مشاهدة الجمهور الصهيوني لهذه النوعية من الأفلام، خوفا من كشف الحقائق. كان ذلك بعد اتفاقية العار “كامب ديفيد” في عهد “مناحم بيجن”. تلا هذا الفيلم موجة أخرى من الأفلام في بداية الثمانينات اهتمت بعرض الروايتين، الفلسطينية والصهيونية، ومن أهم الأمثلة على هذا الاتجاه فيلم “خماسين” للمخرج “داني فاكسمان” وفيلم “من وراء القضبان” لـ “أوري باراباش”. وفي عام 1986 حدث تحول مهم في السينما داخل الكيان الصهيوني عبر فيلم “آفانتي بوبولو” الذي أخرجه “رافي بوقاعي” وقد قام بالتمثيل في الفيلم ممثلون عرب، وكان الدورين الأكبر من نصيب “سليم ضو” و”سهيل حداد”. ولقد صدّر الفيلم الجنديين المصريين كشخصيات يجب التعاطف معها، وقدم الجنود الصهاينة في صورة الأشرار خلال حرب 1967. وقد جاء رد المؤسسة العسكرية الصهيونية على هذا الفيلم بتمويل إنتاج فيلم مضاد له وهو “أصبعين من صيدا”، الذي يدور الفيلم حول اغتصاب الكيان الصهيوني لأرض لبنان، ويصدر زيفا تعامل الجنود الصهاينة الإنساني مع السكان المدنيين اللبنانيين بينما يقتلونهم. ومثّل هذا الفيلم في داخله قمة التناقض والزيف والكذب المفضوح، بل وصل بفجاجته إلى تصوير المدنيين اللبنانيين في مشهد يظهرهم بأنهم أشرار: فأثناء اقتحام جنود الاحتلال الصهيوني لأحد المنازل يكتشفون إن نظرات الخوف في عيون العائلة ما هي إلا تمويها لأن هناك سرداب سري في المنزل يؤدي إلى مخزن أسلحة. ودون أن يشعر صناع الفيلم، قدموا دون قصد العنصرية والإجرام الصهيوني بكل فجاجة. استمرت المؤسسة العسكرية طوال فترة الثمانينات في تمويل الأفلام التي تصّدر الحرب واغتصاب أرض الشعوب كرد فعل على خطر الشعوب العربية على الكيان الصهيوني.

السينما الصهيونية والتطبيع:

بعد اتفاقية السلام الصهيوني، التي وقعها السادات مع الكيان، تعددت الزيارات السينمائية بين القاهرة وتل أبيب بدءا من عام 1979، فحضرت إلى القاهرة “فرح فاوست” من إسرائيل وكذلك “إليزابيث تايلور”، التي كانت ممنوعة قبل اتفاقية كامب ديفيد، لتعلن من القاهرة إنهاء المقاطعة الثقافية العربية مع الكيان الصهيوني. وجاء “انريكو ماسياس” أيضا بعد أن كانت أفلامه ممنوعة، وغيرهم. فانتشرت على أغلفة الصحف صور السادات ورئيس مجلس الشعب مع “إليزابيث تايلور” و”فرانك سيناترا” و”انريكو ماسياس” وانتشرت تصريحات “إليزابيث تايلور” الصحفية في مصر حول مغامراتها العاطفية، وكان أشهر تصريح لها في صحيفة “الإجيبشيان جازيت” المصرية، وكان نصه كالتالي: “إنني سعيدة بوجودي في مصر، ليس لسبب شخصي وإنما لهذا التقارب الذي يتم بين مصر وإسرائيل”. وفي مهرجان القاهرة السينمائي في سبتمبر عام 1979 جاء إلى المهرجان وفد ثقافي صهيوني ونشر خبر وجوده في مجلة أكتوبر. وقد كانت إدارة المهرجان قد أرسلت الدعوات عبر المنتج “جورج باري”. وحضر الوفد الصهيوني حفل افتتاح المهرجان وكانت “إليزابيث تايلور” تجلس بين السفير الأمريكي بالقاهرة والممثل الصهيوني “أهارون امبالي”، وحين صعدت على المسرح هتفت بالعبرية (شالوم). لكن وبرغم كل هذا كان هناك رفض في أوساط الصحفيين والسينمائيين الذين أصروا على عدم تسليط الضوء على الوفد الإسرائيلي، وعدم توجيه الدعوات لندواتهم.  وكان هناك أيضا موقف المخرج المصري “يوسف شاهين”، فحين تواصل معه الوفد لشراء فيلم “إسكندرية ليه” اعتذر عن توزيع الفيلم عالميا عبر هذا الوفد وشركة وارنر ثم عرض عليه الوفد مشاركته في إنتاج عمل سينمائي فرفض،

وفي يناير عام 1980 نشرت مجلة أكتوبر خبرا بعنوان “الحب والحرب في أول فيلم مصري إسرائيلي مشترك”. وفي فبراير من نفس العام نشرت مجلة أكتوبر أن الفيلم سوف يطلق عليه اسم (سيناء 1973) وأن “محمود قابيل” سوف يمثل فيه بالاشتراك مع الممثل الأمريكي “دوستين هوفمان”. بعد هذا الفيلم توالت مظاهر التطبيع السينمائي واحدة تلو الأخرى برعاية رسمية، وفي نفس العام أقيم أسبوع سينمائي برعاية نادي البحر المتوسط في مدينة “فيتيل” الفرنسية تحت عنوان “سينما البحر المتوسط”، وقد كان هدف هذا الحدث هو قبول الكيان الصهيوني ثقافيا في البلدان العربية، ووصل الأمر لوصف مندوب التليفزيون الإسرائيلي هذا الحدث بكامب ديفيد السينما. وقد شارك في هذا الحدث المخرج المصري يوسف شاهين بخمس أفلام، بعدما رفض في القاهرة التعامل مع الوفد الصهيوني قبل شهور من هذا الحدث. أيضا شارك أرشيف الفيلم الجزائري بأحد عشر فيلما، وشارك شادي عبد السلام بأربع أفلام، كما شاركت المغرب وتونس بالإضافة للكيان الصهيوني الذي شارك بثلاثة أفلام طويلة وثلاثة أفلام قصيرة. ومن هنا بدأت رحلة التطبيع السينمائي مع الكيان الصهيوني بصورة أوسع وأشمل مما سبق.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف

القانون وشيزوفرانيا الحكم في مصر ثلاث مسائل كانت وما زالت تلح على مصر كدولة ومجتمع، قبل الثورة وبعدها: 1) تشكيل سلطة قوية مصحوبة بآليات قانونية، 2) التحديث (وهنا تحديداً المقصود هو تطوير آليات الحكم ومزيد من كفاءة مأسستها)، 3) مجتمع صاحب مسؤولية سياسية وجنائية ومدنية عن أفعاله.

علي الرجال