الخروج من البلاعة! لـ “نائل الطوخي”

فنون

10  يوليو  2018

“أحيانا.. تهيمن عليّ فكرة.. أننا نعيش فقط كي ننفّذ عقوبات.. !

رضوان الكاشف

في كل رواية، مهما بدت للوهلة الأولى بسيطة وكاشفة، يكمن قلق ومعاناة كاتبها ومحاولاته الدائبة للتخفّي، أن يكون نفسه وغيره في نفس الوقت، أن يمسك بطرف من “الحقيقة” التي يعرف مسبقا أنها ربما تكون وهما  أو “أكذوبة كبرى” (كما كان يردد البيّاتي).

إن معاناة الكاتب – حين ينزل ساحة المواجهة – تفرض عليه أن يواجه أسئلة حقيقية، ولكي نصدقه لابد أن يخلق “شخصيات حقيقية” من ذلك النوع اللعين الذي لا يتركك بعد إنهاء الرواية! (كما هو الحال مع روائيين كثيرين.. مشوقين.. يمتلكون مهارات الحبكة البوليسية، المسلية، وكل مهارات الصنعة  والإتقان ودأب العمل اليومي، وقدرة فائقة على جذبك إلى عوالم مصنوعة، متقنة، تمتعك بالطبع، كما يستمتع المرء بلعبة معقدة، تريح ذهنه – ولو مؤقتا – من مواجهة حياة حقيقية. وكم حمدت الله أن “نائل الطوخي” – الكاتب هنا – رغم امتلاكه كل الأدوات والمهارات اللازمة لصنع آليات نصف بوليسية معقدة، أو رواية ألغاز مسلية، كما أجد في أغلب ما يكتب هذه الأيام، إلا أنه كاتب عنيد، كما “حورية” أو “حرنكش” بطلة روايتنا أو الشخصية الأساسية التي تتسلل بهدوء، وبصوت خافت إلى داخلك، وتهيمن عليك، وتمس شفاف قلبك، ما دمت قراتها، أو بالأحرى استمعت إلى نبضها، وامتزجت بعالمها امتزاجا صافيا، لم تعكره أية أحكام مسبقة (أحكام أخلاقية ضيقة أو أحكام أيديولوجية تافهة أو حتى انحيازات لغوية أو طهرانية منافقة!)

فإذا أردت أن تفهم أو تعي وتحس بذلك الصوت الروائي النقي، وتشعر بنبضه الخاص، ينبغي أن تكون متحررا من حواجز – موروثة أو حديثة – قلما ينج منها أحد (من الجيل الذي أنتمي إليه أنا على الأخص، ووضعت في طريقه أحجار ثقيلة، قليلون من تخطوها وكثيرون من أعاقتهم وقزمتا نتاجهم وأفقرت إبداعهم رغم سطوع الموهبة إلى حد مذهل، وذلك يحتاج إلى دراسة مستفيضة، سنؤجلها إلى حين).

لذلك كانت “حورية” مفاجأة لي، بفضل الصوت الحر، الواضح النقي الذي تفجره في داخلك (رغم كل كوابح الموروث وسطوة الديكتاتوريات في دول العالم الثالث، ولا ينقذ من سطوتها إلا القليل من المواهب الاستثنائية). فهو بمقاييس عالمنا الراهن – نوع من المقاومة والتحدي العنيد، الصادم أحيانا، لا يأبه بكل أنواع التربص وضيق الأفق، بل يطيح بها.. ويفرض صوته “أنا هكذا.. وليكن ما يكون!”

وكم كان اختبار الكاتب لصوت المرأة بالذات إعلانا للتحدي، فهي كامرأة مُدانة سلفا (في عالم الهيمنة الذكورية) بحكم المولد، لا تملك سلاحا سوى العناد والتحدّي. حرمها الكاتب من أي ثقافة خاصة أو انتماء ثوري، فهي امرأة عادية بكل المقاييس كغيرها م ملايين النساء، لا طموح خاص لديها أكثر من حياة بسيطة، هادئة، يكفيها زوج تحبه ويحبها، وتنجب كغيرها من النساء لتكمل دورة الحياة وتغدق من زخم محبتها على من حولها دون منغصات أو عواطف تطيح بأحلامها البسيطة!

ولكن هذه “البساطة” لا تكفي لإنقاذها من صدف عمياء تطيح بكل شيء، ولو تحقق لها ذلك لما كانت هناك رواية أو حكاية، فهي تتعرض للغدر من حبيبها الأول – العابر.. بطالب تافه، ولو نجحت في الارتباط به، لكانت حياتها جحيما لا يطاق، حسين عبد الرحيم.. الذي تكشف فيما بعد كم هو بائس، جسد تشوهه ذقن وترهل سلفي، وبائع لكروت الموبايل في مدينة ريفية بائسة!). ثم تتزوج بـ “صبحي” الذي لا تعرف عنه كثيرا، بل تفاجأ بانتحاره بعد إنجابها منه طفلا، أورثه – دون علمها – نوعا غامضا من الجنون أو الصرع، كان كافيا لفقدان زوجها الثاني (الطبيب) بعد أن قتل وحيدها في نوبة غضب جامح، ينتحر بعدها، مما يصيبها باكتئاب مزمن ومنهك.. تحاول الإفلات منه بمراوغات لا تنتهي على مدار صفحات الرواية كلها.

فوحيدها – المقتول – لا يفارقها طيفه، وهي تغدق عليه كل محبتها واحتياجها المضني للهروب من الوحدة المفزعة، لكنه – برغم ذلك – ينمو بعيدا عنها، ويتحول طيفه الذي تلتصق به إلى مصدر عذاب جديد، وعندما يصبح مراهقا، يدمن العادة السرية والتدخين والمخدرات، ولكنه – دون قصد – يسحبها إلى عالم أوسع. إنه يرتبط – على نحو ما – بشباب الثورة، والثورة – بكل ما فيها – هي عالم جديد، صدام دائم، تظاهرات وقنابل دخان وقناصة وقتل ومجازر (وهي التي لم تكن ثورية أبدا كأنما تقذفها موجة عاتية إلى شارع محمد محمود، يم مجازر ماسبيرو. والثورة التي تراها هي صدام ودخان خانق ودماء غزيرة وفوضى شاملة، تجذب الشباب النبيل كما تجذب حثالة الأرض من اللصوص والبلطجية والمواطنين الشرفاء والقتلة والمحتالين وفاشيين ملتحين ومسلحين بعقيدة لا تناقش، كأن الله يأمرهم بتدمير كل شيء.

ورغم أن “حورية” تفقد اكتئابها الخاص وتلتحم بالوضع العام وترتاح مؤقتا لدفء الجموع، لكنها تفقد “هند” برصاصة طائشة في محمد محمود، وكانت صديقتها الوحيدة، ان  العالم  لم يعد محتملا  كما قبل، فتهيم على وجهها أسبوعين كاملين.. تلتحف ببطانية قذرة وتنام كيفما اتفق ، على أرصفة قذرة، كأنها درويشه هائمة لا تشعر بالقذارة ولا غزو البراغيث والشعر الملبد بالطين، ولا حتى بشخص عابر يغتصبها في سيارة مهجورة على الطريق، دون أن تتبين ملامحه أو تهتم، فهي لا تشعر بجسدها، ولا عاد الجنس شيئا له أي معنى (دون حب)، واليأس من الحب يهزم كل رغبة. حتى تجربتها العابرة مع “هند” ..السحاقية (التي أحبتها من طرف واحد) لم تعد تذكرها. وكعادتها حين تصل إلى قاع البالوعة تذهب لتستنجد بضريح السيدة زينب، نصيرة المستضعفين والبائسين في كل مكان. ثم ينتهي هذا الحج إلى أرض الثورة بعودتها لسكنها، للاستحمام، والنظافة، والعودة لوحدتها وعزلتها الحميمة ومع جوينت الحشيش والموسيقى (بسماعات الأذن التي تعزلها عن العالم). والشيء الأهم، أنها أصبحت مسكونة بعالم جديد لم تعرف مذاقه من قبل.

إن للثورة زخم وهدير ومواجع تفوق مواجعها بكثير. إنه شعور جديد لا يمكن وصفه. لقد شعرت بتحرر. خرجت من البالوعة. لم تعد تحمل ذنوب موت ” زوجها  أو حتى موت ابنها. ..ولا  حتي ام  جمال ( العجوز  المقعدة  الكارهة  للعالم

ان الشعور بالذنوب القديمة يهدأ، أو لم تعد له السطوة نفسها على الأقل، وتعرف الفيسبوك، وتبرع في الفضفضة وتوثق علاقتها (بقمر) – وتلك لها قصة جانبية قذفت بها إلى ستوكهولم!! لكن تدور الدوائر وتصيبها لعنة “حب جديد” وضجر وصراع، البحث عن الذات، البحث عن الحب، عن حياة بسيطة، هادئة. وتنتهي اللعنة بأن تقذف بها إلى سجن القناطر لتحكي حكايتها ويلتف حولها الجميع، وتصبح الأم “حرنكش”، أسطورة حية تمشي على الأرض كونها كانت ومازالت تحلم بعالم جديد.. وأحيانا نسمع صوتها [حلمها] يتردد داخلها. ولكن خلافا لجميع التوقعات، خلافا لتوقعاتها هي نفسها، فأسفل منها لم تجد الهاوية.. كانت بالضبط نقيض الهاوية.. براعم صغيرة تبدأ تزهر، وتيارات صغيرة من الماء تبدأ في التحول إلى شلالات وتشكل أنهارا كبيرة لتروي الأرض وتحول البراعم إلى أشجار، وهكذا.. وأنا أجلس بين الجميع كالبرنسيسية (ص 285)

ملاحظة أخيرة

التبرير الفني يختلف – كما هو معروف – عن التبرير الواقعي. في الفن نجيز ما هو ممكن الحدوث، لكن الواقع أن التاريخ هو محاولة لرصد ما قد حدث بالفعل. لكن يحدث – حتى في روايات من التراث الروائي الرفيع – كنا عند ديستوفسكي – أن نجده يصل – دون مقدمات أو مبررات فنية كافية – إلى حدث ما (كما في رواية الشياطين، فإن انتحار “ستافروجين” الفتى النرجسي العابث، المتمرد على كل شيء. هذا الانتحار لا يقف على أرض صلبة ويفتقد لدوافع فنية مقنعة، وربما يكشف عن الميل العميق للعبقري الروسي لإدانة العدمية والالحاد والفوضوية، والوصول بهم إلى الانهيار الحتمي. ومع ذلك تظل الرواية ككل عمل عبقري، وشخوصها مرسومة بعمق لا يتركك  مخيلتك بعد الرواية). وتثير رواية “الطوخي” – الخروج من البلاعة – أسئلة مشابهة: هل كان انتحار صبحي مقنعا؟ أو بذل الكاتب أي مجهود لتقديمه لنا؟ ماذا ترك – داخل “حرنكش” من مواجع؟؟؟ هل انتحار اللواء “ناجي” مقنع؟ العجوز الحكيم ، والمتماهي، المنسجم مع الحياة العسكرية، ولا يتمتع بأي وعي متطور أو ضمير حساس، ولا يزعجه أكثر من البواسير التي تجعله مشغولا بنفسه وبعالمه الصغير (في منزل عزبة النخل) حتى تدخل “حرنكش” وتنبش في أسرار نزوات الشباب فيعترف لها أنه ليس الأب المتوهم… الخ. فلماذا الانتحار إذن؟.. لماذا يتم القضاء على الجميع – كما في الدراما الشكسبيرية – دون ضرورة، “حورية” وحيدة تماما، والحاجة “حرنكش” في سجن القناطر، المرأة الأسطورة، شبه المقدسة؟

إن جسامة الكوارث التي لا ترحم “حورية”، أي بعد مصرع الابن الوحيد والزوج (لأسباب عبثية لكنها ممكنة الحدوث) طالما أن الزوج (طبيب الأسنان) له أم (مدمرة) وشخصية سامة، ثم ابن مثل “هيثم” ليس طفلا عاديا أيضا، لكنه أكثر شبها بمراهقي   جيله. والمشكلة العجيبة هي في ابنها الوحيد “محمود” المصاب بالصرع أو نوع من الجنون لم نعرفه حتى النهاية.

ويظل “محمود” – بعد موته – رفيقا ملازما لأمه، ترى شبحه أو طيفه معها، وتحدثه طوال الوقت، ويكفي ذلك لإدراك أننا أمام كارثة جديدة –ضربت عقل “حرنكش” وهي تتعايش – أو تحاول – مع قدرها، مستندة إلى “هند”، وشبح ابنها، وأحداث الثورة، وجوينت الحشيش، وضريح السيدة زينب، واللواء “ناجي” – صديق الأب وعشيق الأم – رغم أنه معادي لكل ما تؤمن به أو تحبه.

كمثال، لقد لسع فيوز دماغ “حرنكش”..  أو اصابها  انهيار  ترك  داخلهانوعا من الجنون (لم يقف الكاتب عنده كثيرا ولا اهتم بتوضيحه، فالأحداث كفيلة بالشرح، لكن يظل كراهيتها لهيثم وحلمها بقتله لغزا، غير مقنع، بل واهتمامها بالحصول على سلاح (مسدس) وزيارتها للواء “ناجي” (الأب الروحي).. كل ذلك كان يمكن الاستغناء غنه، دون أن تفقد الرواية إيقاعها الأصلي، الذي بدأ باقتراب النهاية – يشعرني الكاتب ببذل جهد كبير لاستعادة الزخم والتوتر الأصلي، واستشعر ذلك – بقوة – في علاقتها الأخيرة بالطبيب (أخو زوجها) المتزوج، ثم علاقتها بزوجته (التي تحولت إلى ضميرها الأخلاقي على حين غرة، ولم تكن هناك مقدمات مقنعة لهذا التحول، ليس في الأحداث بل في شخصية البطلة ذاتها، كأنها قد شفت من جنونها فجأة (رغم أن قتلها للعشيق الأخير الذي أحبها بجنون، يؤكد أن جنونها ما زال حيا نابضا ومسطرا على أفعالها، كأنه قدر يناديها، فلابد أن تنفذ عقوبة ما، كغيرها. إن سجن القناطر ومن يسكنوه هن من كانت تبحث عنهن طوال الوقت، ومنهن تتشكل دائرة وجودها المبعثر ويلتئم الجرح النازف وتتحول الشرتقة إلى فراشة، تجد الحرية المفقودة وتحولها الأخير.

إن كل ما تطرقت إليه لا يعدو أن يكون محاولة للبحث عن جذور شجرة واحدة في غابة كثيفة متشابكة الأغصان، ومن نافل القول أنها أبعد ما تكون عن أي تلخيص. فتلك رواية تعد قراءتها بمتعة نادرة، وكل ما ذكرته عنها لا يعدو كونه دعوة لقراءة متأنية واعية. فلقد نجح الكاتب – دون مبالغة – في إبداع عالم خاص. لكنه – في الوقت نفسه – يمس كلا منا على نحو ما.. مسا رقيقا وعميقا وكاشفا، تاركا شخوصه كلها تتحدث عن نفسها بسلاسة وحرية دون تدخل بتعليق أو تحليل أو إطلاق أحكام من أي نوع، مانحا للقارئ وحده الحرية الكاملة أن يراها وينهل منها كما يشاء.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

خطيئة الربيع العربي: استسهال الصدام مع الجيوش النظامية ان مسألة التعامل مع الجيوش النظامية مسألة شديدة الدقة والحساسية ولا يجوز التعامل معها بخفة أبدا. إنها مؤسسات تشكل أحد أهم أركان السلطة في أي نظام سياسي.

يزن زريق‎