قل موازنة مالية.. وليس موازنة اجتماعية

قضايا

09  يوليو  2018

تحمل أي موازنة عامة وجهين، مثل وجهي العملة المعدنية.. ملك وكتابة، كذلك فللموازنة وجه مالي، يتعلق بضبط الإنفاق الحكومي وزيادة فرص تحصيل الدولة للإيرادات حتى نطمئن إلى أن الخزانة العامة لا تعاني من عجز يؤدي إلى الإفلاس؛ ووجه آخر اجتماعي يتعلق بدور الدولة ومسئولياتها تجاه مواطنيها.. واقعنا الراهن هو أن العملة مستقرة على وجه واحد، أو بتعبير آخر فإن الطابع المالي يهيمن على موازنة الدولة.

تضع الحكومة هذه الأيام، بمباركة صندوق النقد الدولي، هدف تحقيق “الفائض الأولي” على رأس أولوياتها، وقد احتفت خلال الفترة الماضية بأنها تمكنت من تحقيق هذا الفائض في موازنة 2017-2018 لأول مرة منذ عشر سنوات.

“الفائض الأولي” ببساطة هو الفارق بين إجمالي ما تنفقه الحكومة خلال العام المالي وإجمالي ما تحصل عليه من إيرادات، وهو “أولي” لأنه يستبعد من حساباته النفقات الخاصة بفوائد الديون التي تقع على عاتق الدولة، والمفيد في هذا المؤشر هو أنه يُظهر لنا حقيقة التوازن بين نفقاتنا وإيراداتنا بعيدا عن تكاليف الديون التي قد تتفاقم لأسباب خارجة عن إرادتنا.. مثل زيادة أسعار الفائدة أو انخفاض قيمة العملة المحلية في مواجهة الأجنبية.

وقد ساهم هذان العاملان بالفعل في زيادة تكلفة الدين بمصر خلال الأشهر الأخيرة بعد أن عوّم البنك المركزي الجنيه ففقد أكثر من نصف قيمته، وتسبب ذلك في ارتفاع قيمة الديون الخارجية عند تقويمها بالجنيه المصري. وقد رفع المركزي أسعار الفائدة بنسبة 7% لاحتواء التضخم الناتج عن التعويم، فساهم ذلك في زيادة فائدة الديون المصدرة محليا.

بمعنى آخر، فإن استهداف الفائض الأولي أشبه بأسرة كانت تعاني من تفاقم الديون، فقرر رب الأسرة التفاوض مع الديانة لجدولة المبالغ المستحقة حتى لا يتم الحجز على أثاث المنزل، ثم أخذ يربي أولاده على العيش بما يتفق مع مستوى دخل الأسرة كي لا يضطرون للاستدانة مجددا.

وتُرجح الحكومة أن يبلغ هذا الفائض ما يساوي 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2017-2018، الذي انتهى بنهاية يونيو الماضي، وأن يقفز إلى 2% من الناتج خلال الأعوام المالية الثلاثة التالية، أي حتى نهاية يونيو 2021.

أما عن الديون، فتخبرنا  الحكومة في البيان المالي لموازنة 2018-2019 ( أي الموازنة الجديدة للعام المالي الذي بدأ في أول يوليو الجاري) أنها تخطط لوضعها على مسار تراجعي بعد أن تضخمت خلال الفترة الأخيرة، ففوائد الديون وحدها تمثل ما يقرب من ثلث نفقات العام المالي الجاري (31.4%)، وإذا أضفنا إليها أصل القروض نفسها سنجد أنها تُمثل ما يقرُب من نصف استخدامات (نفقات) الموازنة العامة.

ساهم في ذلك بطبيعة الحال سياسات الحكومة التي خفضت من ضرائب الأثرياء في 2015، وعجزت عن خلق إيرادات كافية من النقد المحلي و الأجنبي، ثم اختارت أن تحل مشكلتي نقص الموارد المالية بالتوسع الشديد في الاستدانة، وفي هذا السياق أعلنت في صيف 2016 عن استهداف حزمة من التمويلات الخارجية بقيمة 21 مليار دولار لسد الفجوة التمويلية.

لكن الحكومة تقول اليوم إن هذا الماضي السيء في طريقه للانتهاء سريعا. فحسب توقعات صندوق النقد الدولي المبنية على السياسات المطبقة من الحكومة، سوف ينخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 91.3% في العام المالي الذي انتهى قبل أيام إلى 72.3% في 2021-2022.

هكذا تبدو الصورة مثالية. لكن إذا ألقينا نظرة متفحصة على رب الأسرة سنجده مُنهمكا في حديثه مع الدائنين، وقد ارتدى مثلهم نظارة تتدلى عند أرنبة الأنف، وصار يحمل آلة حاسبة، ويتكلم بلغة الأرقام، ونسي أن دوره الأساسي هو تدبير شئون الأسرة، وأن تحقيق فائض في الموازنة صار هدفا مقدسا عنده حتى وإن تعارض مع الدور الأساسي لرب الأسرة في رعاية الأفراد المنتمين لهذه الأسرة.

الميثاق الذي يحدد لنا دور الدولة (الأب) في حالتنا هو الدستور المصري، الذي نص في نسخته عن عام 2014 على أن الدولة تلتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعى، بما يضمن  لجميع المواطنين الحق في حياة كريمة.

 لذا فتحقيق الفائض المالي على حساب هذا الهدف يجعل الموازنة أشبه بحالة “صنمية رأس المال” التي تحدث عنها كارل ماركس، حيث يتم إضفاء الطابع البشري على الفائض الأولي ونصير سعداء بأنه ينمو ويكبر أمام أعيننا، بينما تتحول حياة البشر لمجرد أرقام، فنقرأ أن الدعم الموجه للفئة الفلانية انخفض بنسبة كذا، ولا نتحدث كثيرا عن الآثار الاجتماعية لتخفيض هذا الدعم.. تكتسب الأموال طبيعة بشرية في مخيلتنا.. و يتحول البشر إلى مجرد أرقام، وتصبح شرعية الدولة نابعة من خدمة الأهداف المالية وليس البشر.

خلال الفترة الماضية كان تحقيق أهداف تخفيض العجز الأولي يتم على حساب النفقات الموجهة لتوفير الحياة الكريمة للقاعدة العريضة من المواطنين، ووفقا لتقديرات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، كان الإنفاق على الصحة يتراوح بين 1.3 – 1.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، في الفترة من 2014- 2015 إلى 2017 – 2018، في مقابل الأهداف الدستورية بجعل هذه النسبة عند نحو 3%.

كذلك كان الإنفاق على التعليم يتراوح في نفس الفترة بين 3.8 إلى 2.6% في مقابل أهداف دستورية عند نحو 6%. هذه التقديرات بالطبع، وفقا لتقييم المبادرة المصرية لأوجه الإنفاق الحقيقية على التعليم والصحة، بعيدة عن منهجية الحكومة في حساب هذه النفقات حيث تساهم المنهجية الرسمية في تضخيم هذه النفقات.

تزامن ذلك مع تخفيضات متتالية في دعم الوقود، مع افتراض مسبق بأنه دعم غير عادل وموجه للأغنياء. في الوقت الذي توجه العديد من بنوده لوسائل النقل الرخيص، مثل دعم السولار أو غاز الطهي في المنازل (أنبوبة البوتاجاز)، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، تستهدف الحكومة خفض هذا الدعم تدريجيا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 3.3% في عام 2016 – 2017 ليصل إلى 0.4% في 2021-2022.

ومن المنتظر أن تكون الحكومة قد انتهت من برنامج تحرير أسعار الوقود خلال 2019، بينما ستستمر في عملية الزيادة المستمرة في أسعار الكهرباء التي بدأتها من 2014-2015 حتى يتم تحريرها في 2020.

الجدول من إعداد احمد إسماعيل

تتجلى هيمنة “المالي” على “الاجتماعي” في السياسات الضريبية أيضا، مع تعاظم دور ضرائب الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة مقابل ضرائب الدخل التصاعدية، والمعروف أن ضرائب الاستهلاك أقل عدالة في توزيع العبء لأنها تُدفع على ثمن السلعة أو الخدمة ولا تراعي مستوى دخل المستهلك. وقد زادت نسبة ضرائب القيمة المضافة (المبيعات سابقا) من الناتج المحلي الإجمالي من 4.3% في 2014-2015 إلى 6.1% متوقعة في 2018-2019، بينما ظلت الضرائب العامة (التي تشمل ضرائب أرباح الشركات وأنشطة اقتصادية مختلفة) تدور حول نسبة 7% من الناتج الإجمالي خلال تلك الفترة.

حسنا.. استطعنا إرضاء الدائنين، واطمأننا إلى أننا لن نقع في شرك الإفلاس ويأتي الأغراب للاستيلاء على مقتنياتنا.. وقد دفعنا ثمنا باهظا لذلك من جيوبنا، تَمَثل في عملية تقليص الدعم العنيفة والنظام الضريبي غير العادل كما بينّنا. فما هي الأهداف الاجتماعية لموازنة الدولة وبرنامجها المتفق عليه مع صندوق النقد؟

تضع الموازنة هدفا لها بتخفيض مستويات البطالة لـ “أقل من 10%” خلال العام المالي 2019 – 2020، أي العام الذي سيبدأ في يوليو 2019، ولا تحدد إن كانت البطالة ستظل عند عتبة الـ 10% أم تهبط عنها بفارق مهم. والواقع أن معدلات النمو الاقتصادي المتحققة في الوقت الحالي تعد جيدة للغاية، فقد تجاوزت مستوى الـ 5% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري، لكن البطالة ظلت فوق مستوى 10% خلال الفترة من يناير إلى مارس الماضيين، وهو ما يجب أن يدفعنا لإثارة التساؤلات حول طبيعة النمو الاقتصادي المستهدف وتأثيراته الاجتماعية.. والأهم من ذلك، كيف نفترض أن المشتغلين سيستفيدون من ثمار النمو الاقتصادي في ظل تقييد الحريات العمالية، فالاحتجاج والتفاوض هو الأداة الطبيعية لإعادة توزيع الدخول الناتجة عن النشاط الاقتصادي، والعمال في أشد الحاجة للحرية هذه الأيام لتحسين القيمة الأسمية لأجورهم بعد أن تآكلت الدخول الحقيقية تحت وطأة التضخم خلال الفترة الأخيرة.

ولا حديث في الموازنة بطبيعة الحال عن معدلات الفقر المستهدفة، ومن هي الشرائح التي نطمح لأن ننتشلها من دوائر العوز والحاجة. كل الحديث يدور حول تغطية الفئات الهشة بمعاشات التضامن وتكافل وكرامة، دون طرح أي فلسفة واضحة لهذه المعاشات. هل تكفي مثلا مع حزمة الخدمات الاجتماعية المقدمة للفئات المستهدفة لجعل تلك الأسر فوق مستوى الفقر؟ وكيف نطمح لأن يكون لهذه المعاشات دور تنموي من  خلال إلزام الأسرة المستفيدة  بتشجيع الأطفال على الذهاب للمدارس في الوقت الذي نشكو فيه من تردي جودة التعليم؟ هل تجري تطويرات في نظام التعليم تضمن للملتحقين به وظائف أفضل في المستقبل وتشجع أبناء الأسر الفقيرة على عدم تسرب أبنائها من المدارس؟ لماذا لا تطرح الحكومة هذه القضايا في حزمة واحدة بأهداف واضحة لكي تتم محاسبتها عليها؟

بصفة عامة، فإن غلبة الطابع المالي على حياتنا وتقديس صنم رأس المال يتجلى في تقارير صندوق النقد وما تحمله من رؤى بشأن البلاد. فإذا نظرنا لتقرير المادة الرابعة الصادر عن مصر سنجد فيه مستهدفات مستقبلية شديدة الوضوح بشأن عجز الموازنة والنفقات والإيرادات والديون وخلافه.. وسنجد أيضا توقعات طموحة للغاية بشأن معدلات البطالة بحيث تصل إلى 4.9% في 2021-2022 دون الحديث بشكل مفصل عن الأسس الموضوعية التي تنبني عليها هذه التوقعات..

أما عند الحديث عن الفقر فلا يترك لنا الصندوق سوى أعمدة خالية من أي توقعات، وكأنها قضية هامشية في ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة