المكسيك: عنف وفساد وعدم مساواة، فهل ينقذها أملو؟

قراءة سريعة في فوز الرئيس اليساري

قضايا

07  يوليو  2018

جاء فوز أندريس مانويل لوبيز أوبرادور (ألمو) في الانتخابات الرئاسية المكسيكية تحت مظلة حزب مورينا التقدمي الجديد نسبيا، مفاجئا وغير مفاجيء في نفس الوقت. أما سبب عدم المفاجاة فيرجع إلى أن استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات أوضحت أن ألمو يحظى بتأييد ضخم ومتزايد، فـ88 مليون مكسيكي (من  مليون 127 لهم حق التصويت) قد منحوه تأييدهم في أكبر انتصار انتخابي منذ انتهاء الحرب بنسبة 53% من الأصوات. وقد جاء مرشحو الأحزاب الممثلة للنظام، متأخرين عنه كثيرا. ولأول مرة، انقسمت أحزاب النخبة المدافعة عن الوضع الراهن حول من يجيب أن يكون مرشحها المثالي، وفي نفس الوقت دفع الغضب الصريح وخيبة الأمل التى يشعر بها المواطنون العاديون، تجاه الأوضاع الاقتصادية في المكسيك وصعوبات الحياة اليومية التى يعانون منها بألمو إلى كرسي السلطة.

ومع ذلك تبقى النتيجة مفاجئة لأن قدرة الطبقات الحاكمة المهولة على “تظبيط” الانتخابات (كما فعلت في المرات السابقة)، أو أن تجد طريقة لوقف ألمو قد فشلت.  بالطبع قد تحاول المحاكم المكسيكية أن تلغي النتيجة بزعم وقوع “تجاوزات”، إلا أن حجم الانتصار الذي حققه ألمو قد يعنى أن هذه المراوغة في الأغلب لن تنجح. لقد فاز حزب مورينا الذي ينتمى له ألمو كذلك بأغلبية مقاعد الكونجرس المكسيكي كما فاز بخمسة من تسعة مقاعد لحكام الولايات ومن ضمنهم كلوديا شاينبوم التى أصبحت حاكمة ولاية مكسيكو سيتى، لتصبح بذلك أول امرأة تفوز بهذا المنصب في المسكيك. لكن مورينا الآن في تحالف مع حزب مسيحي يمينى متشدد، وهو ما قد يؤثر على ما ستفعله الإدارة الجديدة خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية وقضايا “الأسرة”.

لقد فاز ألمو في الانتخابات لأن حملته ركزت على ثلاث قضايا رئيسية تشغل المكسيكيين وتثير غضبهم: تزايد انتشار العنف اليومي في جميع أنحاء البلاد، الفساد المستشري بين السياسيين والمسؤولين، وارتفاع وتزايد معدلات عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء. ففي المتوسط، قُتل شخص ما في المكسيك كل 15 دقيقة خلال شهر مايو، مما وضع البلد قريبا من تجاوز عدد قتلى العام الماضي والذي بلغ 29168 عملية قتل.

كما ارتفعت أعمال القتل السياسي، حيث قتل 130 سياسي، بينهم 48 مرشحا لمنصب الرئاسة، منذ بداية الدورة الانتخابية في سبتمبر، وفقًا  لـ‏”إيتيلكت”‏ للاستشارات السياسية.

وتكمن وراء هذا العنف معركة عصابات المخدرات والجريمة المنظمة والإجرام العام التي غالبا ما تتم تسويتها عن طريق الاغتيال. والشرطة في هذه المعركة مع المجرمين إما تفتقر إلى الموظفين أو الدعم من الحكومة؛ أو كلاهما معا، وهو ما يجعلها تدخل في تحالف مع هذه العصابات بدلا من مكافحتها.

ويرتبط الفساد ارتباطًا وثيقًا بالأرباح الهائلة التي تحققها تجارة المخدرات وإنتاجها، والأنشطة الإجرامية الأخرى، والسياسيون من أحزاب المؤسسة متورطون حتى أعناقهم في هذا، فلم يكن تصنيف المكسيك العالمي للفساد أعلى من أي وقت مضى.

لقد عصفت بالبلاد سلسلة من فضائح الفساد الكبري، بما في ذلك فضيحة خافيير دوارتي، الحاكم التابع للحزب الثوري الديموقراطي الذي لقى حتفه في طائرة هليكوبتر حكومية في عام 2016 بعد اتهامه بالفساد، وظهرت زوجته مؤخراً في منـزل فاخر في واحدة من أرقى المناطق في لندن.

وكانت حكومة الرئيس إنريكي بينيا نييتو متورطة في الفساد من اللحظة التى تولى فيها منصبه. اشترت زوجته منزلًا مخصصًا من مقاول حكومي بتسهيلات كبيرة. ثم جاءت التغطية على الاختفاء المروع لـ 43 من طلاب كلية المعلمين، واستخدام برامج التجسس المتطورة التي اشترتها الحكومة لمراقبة الصحفيين ومحامي حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت اختلس كبار المسؤولين الأموال العامة لدفع تكاليف الحملات الانتخابية الحزبية.

لقد وعد ألمو بإنهاء الفساد ولكن من غير الواضح حتى اللحظة كيف سيفعل ذلك. ألمو يقول إنه سيعيد طرح الثقة في كل المسؤولين بعد عامين فقط (بما فيهم الرئيس نفسه) وإنه سوف يبيع الطائرة الرئاسية ويعيس في مقرات متواضعة.

 يقول ألمو انه سوف يدافع عن الفقراء (يقدر عددهم بـ 50 مليون مكسيكي) أولا قبل الأغنياء. وهذه هي القضية الثالثة التي أدت إلى فوزه في الانتخابات. المكسيك هي واحدة من أكثر المجتمعات غير المتكافئة في العالم في القرن الواحد والعشرين- التي تجاوزتها فقط جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري. في الآونة الأخيرة ، قامت مؤسسة بروكينجز الأمريكية بتعديل المقياس المعياري لعدم المساواة في بلد ما، وهو معامل جيني. وكلما اقترب جيني من 1، كلما ارتفع مستوى عدم المساواة. وتشير التقديرات الجديدة إلى أن معامل جيني في المكسيك لعام 2014 يرتفع من 0.49 إلى 0.69 في المائة، وهو قريب من جنوب أفريقيا، التى هي الأعلى في بلدان العالم من حيث عدم المساواة.

وراء القصة المروعة للعنف والفساد وعدم المساواة يكمن الوضع الراكد للاقتصاد المكسيكي. وهو يحتل المرتبة 15 في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي  كما أنه ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية. والاقتصاد المكسيكي متقدم بدرجة كافية تسمح بإدراجه ضمن أعلى 30 اقتصادا وفقا لتقدير منظمة التعاون والتنمية في الميدان. ومع ذلك كله فحالة الاقتصاد المكسيكي يرثى له.

عدم المساواة ليس فقط بين الأغنياء والفقراء ولكن أيضا في التنمية غير المتكافئة للاقتصاد في ظل الرأسمالية. فقد بلغ النمو الاقتصادي التراكمي في الولايات المكسيكية ذات الأداء الأفضل 32٪ بين عامي 2007 و 2016، أي ضعف المعدل في أمريكا اللاتينية، لكنه أيضا يبلغ أربعة أضعاف معدل النمو في الولايات ذات الأداء المنخفض. وتظهر هذه الفجوة الكبيرة أيضا في معدلات دخل الفرد.

في أوكساكا وتشياباس، على سبيل المثال، حوالي 70% من السكان يعانون من الفقر و23 – 28% يعيشون في فقر مدقع، وفقا لبيانات من المجلس الوطني لتقييم التنمية الاجتماعية والسياسية (CONEVAL).

وخلافا لآراء الاقتصاد السائد، فإن اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية (نافتا) مع الولايات المتحدة وكندا عام 1994 لم تأخذ الاقتصاد المكسيكي قدما. في الواقع، في حين أن الاقتصاد المكسيكي ارتفع إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 16٪ من الناتج الأمريكي في 30 عاما إلى منتصف الثمانينيات، فقد انخفض إلى 12٪ منذ ذلك الحين.

لم تنجح ‏ اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، في تعزيز الأداء الاقتصادي للمكسيك، بل زادت من اعتمادها على التجارة والاستثمار في الولايات المتحدة، وحبستها في سجن الإجراءات الليبرالية الجديدة في الثمانينيات وزادت التفاوتات بين المناطق الأسرع نمواً، وهي المناطق الحدودية مع الولايات المتحدة بمناطقها الاقتصادية الخاصة، و وبين المناطق الريفية الفقيرة في الجنوب. والآن يصر الرئيس الأمريكي ترامب على إعادة التفاوض لجعل الاتفاقية تصب بصورة أكبر في مصلحة للولايات المتحدة الأمريكية!

علاوة على ذلك، وكما يقول التقرير الممتاز الصادر عن CEPR، فلو كانت نافتا نجحت في استعادة معدل النمو لما قبل عام 1980 في المكسيك، كان يمكن للمكسيك اليوم أن تكون دولة ذات دخل مرتفع، وأن يكون دخل الفرد فيها أعلى بكثير من البرتغال أو اليونان، وما كانت قضية إصلاح الهجرة لتكون قضية سياسية رئيسية في الولايات المتحدة اليوم، حيث أن عدداً قليلاً من المكسيكيين وقتها كانوا ليسعوا لعبور الحدود.

كان معدل الفقر في المكسيك في عام 2014 أعلى من معدل الفقر في عام 1994 بنسبة 55.1٪. ونتيجة لذلك، زاد عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي 20.5 مليون مكسيكي في عام 2014 (أحدث البيانات المتاحة) عما كان عليه في عام 1994. الأجور شهدت تقدما طفيفا منذ عام 1994. كان هناك انخفاض في الأجور الحقيقية بنسبة 21.2٪ من 1994-1996 مصحوبا بأزمة البيزو والركود. لم تتعافى الأجور إلى مستوى ما قبل الأزمة (1994) حتى عام 2006 أي بعد 11 سنة. وبحلول عام 2014، لم تتجاوز هذه النسبة عام 1994 سوى 4.1 في المائة، وبالكاد تفوق مستوى الأجور في عام 1980. وكان الحد الأدنى للأجور إذا ما أخذنا معدل التضخم في الحسبان، أسوأ بكثير، فقد انخفض من عام 1994 إلى عام 2015، بنسبة 19.3٪.

نتيجة لانخفاض الربحية والاستثمار، بالإضافة إلى التأثير السلبي لاتفاق نافتا، فقد أصبح الاقتصاد المكسيكي في حالة ركود بشكل أساسي، والسبب يكمن في فشل القطاع الرأسمالي في المكسيك. أجل، “الفترة الليبرالية الجديدة” منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، برئاسة المؤسسات المكسيكية المتعاقبة والمؤيدة لقطاع الأعمال، أوقفت الانخفاض في ربحية رأس المال المكسيكي إلى حد ما، لكنها فشلت في تحويل الربحية إلى أعلى، كما حدث في معظم الاقتصادات الرأسمالية الأخرى.

أدى النمو الاقتصادي البطيء في فترة ما بعد انهيار النظام العالمي إلى أزمة في المالية العامة حيث اضطرت الدولة المسيكية إلى دفع فاتورة فشل القطاع الخاص. فبين عامي 2008 و2018، نمت الديون العامة من 21٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 إلى 45.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018. وتبتلع خدمة هذا الدين الآن 20٪ أكثر من الإيرادات الحكومية من تلك المخصصة للصحة والتعليم والحد من الفقر في الميزانية الاتحادية. هذا هو العبء الذي سيرثه أملو.

وتزعم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي المروج الرئيسي لاجراءات الليبرالية الجديدة في المكسيك، أنه “من المتوقع أن ينتعش النمو، مدعوما بالاستهلاك الخاص والتصدير”. لكن حتى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ترى أن “عدم اليقين (مع ترامب) سيستمر في كبح الاستثمار الخاص”. ومع ذلك، فإن “الاستثمار الخاص يمكن أن يزيد إذا انتهت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية بشكل إيجابي”. وتواصل منظمة OECD المطالبة “بإصلاحات هيكلية” (أي إجراءات نيوليبرالية لخفض الإنفاق الحكومي وخصخصته) “لتعزيز حكم القانون وتحسين الجودة المؤسسية”.

على الرغم من تفاؤل OECD، فقد شهد قطاع الاستثمار الرأسمالي حالة من الركود أو الهبوط منذ نهاية الركود الكبير (عام 2008).

والسبب وراء هذا الوضع هو أن ربحية رأس المال المكسيكي لم تنتعش منذ الركود الكبير، على الأقل وفقاً لمعدل العائد الصافي على بيانات رأس المال التي قدمتها AMECO في الواقع، لا تزال الربحية أقل بحوالي 18٪ من مستوى عام 2007 و 28٪ أقل من ذروة 1997 “الليبرالية الجديدة”.

برنامج ألمو هو في الأساس كينزي، يقوم على فكرة استخدام الاستثمار العام “لضخ الاستثمار” في القطاع  الخاص والادعاء بأن الأموال التي تم توفيرها من تقليل الفساد ستوفر التمويل اللازم. لكنه غير راغب في التراجع عن خصخصة جزء من شركة PEMEX ، شركة النفط الحكومية، أو ايقاف الكابوس المسمي بمقترحبمطار “مكسيكو سيتي” الجديد – فقط للنظر في “مراجعة العقود”. ولكن كيف يمكن لألمو قلب الطاولة على الفساد وعدم المساواة والعنف من دون السيطرة على البنوك (أجنبية بشكل أساسي)، وإعادة تأميم “بيميكس”، والسيطرة على العمليات العسكرية متعددة الجنسيات داخل المكسيك؟

لقد هنأ دونالد ترامب ألمو على فوزه في الانتخابات، ولكن الجار الشمالي للمكسيك يحكمه  الآن قومي امبريالي مجنون عازم على شن حرب تجارية مع الجميع ومن دون استثناء. المكسيك دون شك أول من يواجه هذه العاصفة مسلحة باقتصاد رأسمالي يعاني من الفقر والفساد والعنف. ومع ذلك ، فمع وجود عدد هائل من السكان الشباب وموارد النفط والغاز والصناعة الحديثة في بعض المناطق، فإن المكسيك في وضع أقرب بكثير من النجاح إذا ما قارناها بما كانت عليه فنزويلا أو كوبا.

ألمو لن يتولى الرئاسة قبل خمسة أشهر أخرى (ديسمبر) وعليه أن يستعد لتحديات كبيرة في المستقبل.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة في التحليل الأخير، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

علي الرجال

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما