محمد صلاح، والثورة وهزيمة مصر

قضايا

04  يوليو  2018

 مشكلة مصر الحقيقية هي أنها مكان لا يعيش فيه الأمل أبدا، لكنه أيضا لا يموت تماما.

لم يكن أمرا صادما أن تخرج مصر من كأس العالم، لكنه كان مخيبا للآمال. مشكلة مصر الحقيقية هي أنها مكان لا يعيش فيه الأمل أبدا، لكنه أيضا لا يموت تماما. جرؤنا على الأمل مرة أخرى على الرغم من أن كل شيء يقول لنا ألا نفعل. لقد الهمنا النجاح غير المتوقع لشخص شعرنا أنه واحد منا، خاض نفس المعارك التي اضطررنا إلى خوضها كي نصل إلى القمة، بالعمل والاجتهاد المستمر. كان محمد صلاح، الرجل صغير الحجم الذي تحدى العمالقة ليصبح واحدا منهم، مصدر أمل لكثير من المصريين بطرق مختلفة.

أردنا أن نرى فيه ممثلا لما يمكن لمصر أن تصبح عليه، لكننا كنا نعلم في أعماقنا أنه لا يمثل سوى نفسه. أعجبنا هروبه من مصير الرداءة الرهيب الذي كان سيحكم به عليه لو أنه بقي في مصر. لو أنه فقد بعد أن أصبح قويا بما فيه الكفاية.. لو أنه فقط يعود ويقاتل نيابة عنا… وقد فعل ذلك، إلا أن نجاح رجل واحد لا يكفي لإنقاذ أمة. هل قلت أمة؟ كنت أعني الفريق.

أهدرت مهارات محمد صلاح لأنه بينما كان نجماً، كان في حاجة لمن حوله ليجعلوه يبرق. لا أستطيع حقا إلقاء اللوم على أعضاء فريقه كأفراد. فهم أيضا كانوا ضحايا لانعدام هروبهم. هم غير قادرين على الهروب من الرداءة المحيطة بهم. لم يكن هناك فريق. كل شيء في مصر سياسي، حتى عندما لا يبدو كذلك. كرة القدم شأن سياسي، وتجاهل السياسات المتحكمة في كرة القدم هو موقف سياسي.

إن تحليل الخطأ الذي حدث هو أمر مجازي. تألق البعض لم ينقذ الفريق. وهو ما ينطبق على أمور أخرى كثيرة في مصر، ليس أقلها الثورة. طموحات واستقامة قلة قليلة لم تتمكن من إنقاذ الأمة، فقد كانت هناك قوى أخرى كثيرة – أكثر من اللازم –  خارج السيطرة.

جرؤنا على الأمل، وما زلنا نجرؤ على الأمل. بعد أن تعهدنا ألف مرة بألا نشعر بالأمل مرة أخرى، لم نستطع سوى أن نجرؤ على الأمل مرة أخرى. عندما تأتي الضربة، لا تكون صادمة، ولا مفاجئة، إنها ببساطة مخيبة للآمال. وفي آخر الأمر نسأل أنفسنا، “هل نحن أغبياء أم ماذا؟”

لقد قلت لنفسي أن لا آمل مرة أخرى لأن كل شيء ضدنا، ولكن ها أن أفعلها مرة أخرى.نحن لا نتعلم أبدا.

لكن رغم كل هذه الضربات، يسعدني أن هذا هو الدرس الذي لم نتعلمه. هذا هو الدرس الذي لا نتعلمه أبداً؛ هذا هو الدرس الذي لا نرغب في تعلمه أبداً. لقد التقيت بالكثيرين ممن هربوا من هزيمتنا الثورية. لقد تعهد جميعهم بطرق مختلفة ألا يترك نفسه للأمل، بعضهم بدل بيئته، وغيّر بعضهم الطريقة التي يتحدثون بها عن الثورة والبعض ينتقدها بشكل عنيف ويلعنها. ولكن في كثير من هذه الحالات، تظل تلك المسافة من الثورة مجرد واجهة رقيقة، تختفي عند الدخول في نقاش أعمق، أو بعد تناول بعض الكئوس في حفلة ما، أو من خلال أمل الفوز في مباراة كرة قدم. لا يمكن أن نتملص مما كان يمكن أن نفعله وما كان يمكن أن نكون عليه. إنها حالة مستمرة مثل المذاق المتبقي من احتساء مشروب شديد الحلاوة.

جرؤنا على الأمل، وما زلنا نجرؤ على الأمل

لكن بغض النظر عن الثوريين، فإن الذين يقبلون بالغناء على ألحان عزف النظام يعلمون جيداً أنه رغم طبولهم وخطاباتهم الصاخبة عن النجاح والفخر، إلا أن مصر في الواقع لا تنجح. كانت كرة القدم هي الأفيون الذي يقدمه النظام لكنها خرجت عن السيطرة. كما أصبحت سبيلا للهروب من سيطرة الحكومة، مساحة من البهجة الخالصة منقطعة الصلة بالواقع السياسي. لهذا السبب، انتمت مجموعات من الشباب لفرقهم بحماس شديد ثم تحول إلى السياسة في زمن الثورة. وعندما تجاوزت كرة القدم كونها أفيونا للجمهور بدأ النظام في ملاحقة مشجعيها، فتآمر على قتلهم بداية في إستاد بورسعيد، ثم بعد ذلك في إستاد الدفاع الجوي، ثم إلقاء القبض عليهم ووضعهم تحت ظروف قاسية دون أي تهم حقيقية.

بالنسبة لأولئك المصريين الذين ليس لهم مصلحة في أي مما يدور حولهم، مع ارتفاع الأسعار وتدهور الأحوال المعيشية، فإنهم سعوا إلى كرة القدم لتعطيهم نوعًا من السعادة الخالصة. عزز محمد صلاح فخرهم، لأنه كان ناجحًا بحق في جميع أنحاء العالم، وكان على استعداد للعودة، والقتال نيابة عنهم. بطريقة ما، كان هناك أمل أن لا نضطر إلى القيام بأي شيء بشكل جماعي لننفذ إلى خارج تلك الحفرة. ولكن بغض النظر عما فعله، كانت المهمة ستكون دوما مستحيلة.  ذلك أن رجلا واحدا لا يستطيع أن ينقذ مائة مليون مهما كانت قوته. وبالمثل، لم يكن رجلا واحدا من زج بنا في تلك الحفرة، رغم أن الأمر قد يبدو كذلك في بعض الأحيان.

يمكننا أن نتحدث كثيرا عن كيفية استغلال كأس العالم من قبل مسئولي كرة القدم، وكيف تم استغلال صلاح دعائيا. يمكننا أن نتحدث كثيرا عن تفاصيل انهيار كل شيء بالتفصيل، ولكن في النهاية هذه التفاصيل ليست هي المهمة. نحن جميعا  مسئولون بشكل جماعي عما وصلنا إليه، بغض النظر عما يتصف به بعضنا من خير أو شر استثنائي.

كان العبء أثقل من أن يحمله شخص واحد، ومع ذلك فإننا نستمر في الأمل… ومثلما حدثت معجزة في 25 يناير 2011، حيث كان هناك ما يكفي من الأشخاص الموهوبين بالنزاهة والشجاعة لإخراجنا من غفوتنا،  قد يأتي في المستقبل وقت يكون فيه عدد كبير من الناس اللامعين فيرفعونا بعيدا عن هذه الحفرة التي نجد أنفسنا فيها. لهذا السبب، وعلى الرغم من مرارة خيبة الأمل التي تأتي من الأمل الذي لا يتحقق، قد يكون من المجدي الاستمرار في الاحتفاظ ببعض الأمل وألا ندعه يموت. ربما يأتي اليوم الذي يحدث فيه أمر جيد، ويحيي الأمل مرة أخرى.

رابط المقال الأصلي على موقع Open Democracy

https://www.opendemocracy.net/north-africa-west-asia/wael-eskandar/mo-salah-revolution-and-egypt-s-defeat

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة المسيحيون يقتلون ويهجرون ويهاجرون طلبا للنجاة من القتل والترويع والاضطهاد في مصر وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق، بل ولبنان نفسه. فما العمل؟ هذه دعوة ملحة من أسرة تحرير "بالأحمر" للتدبر والحوار حول المذبحة الجارية والكارثة المحدقة وكيفية المواجهة

بالأحمر

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

أغاني الثورة والمقاومة “وداعا يا جميلة” لقطة من فيلم روما مدينة مفتوحة للمخرج الايطالي روبرتو روسليني انتاج عام 1945