وداعا بريمو الكمنجة … ميشيل المصري

فنون

03  يوليو  2018

على الرغم من قلة أعماله إلا إنها مميزة وذات طابع وتأثير على أجيال  عديدة، فقد كان طعم الموسيقى عنده عتيقا،يستطيع ان يأخذك في حواري وشوارع ليالي الحلمية، ثم يسافر بك في شوارع النمسا في “من الذي لا يحب فاطمة”، واستطاع أن يأسرك في فيلم “البرنس”. ولكن يبقي اللغز في المقدمة الموسيقية لقصيدة قارئة الفنجان. هل كان ميشيل المصري المؤلف الحقيقي لتلك المقدمة ام  محمد الموجي …

وُلِد الفنان ميشيل المصري عام 1933. كانت الأسرة متوسطة الحال،وسمي بالمصري لأنه كان المصري الوحيد في معهد الموسيقى، حيث كان كل الطلبة من الأرمن والايطاليين إسمه الحقيقي ميخائيل حبيب نخلة.وكان ميشيل شغوفا بالفن، لذلك درس في معهد ليوناردو دافنشي للفنون الجميلة، فقد عشق الرسم والموسيقى على الرغم من رفض والده، إلا أنه حقق ما أراد بعد أن هرب من منزل والده واستأجر شقة في حي عابدين. كما التحق أيضا بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية عام 1949.

كان ميشيل يعشق آلة الكمان، فقد كان دائماً فخورا بامتلاكه أهم آلة كمان  في العالم، حيث صممها التشيكي “ماركو وبرسيفيتش” عام 1939، الذي كان وقتها يعمل في القصر الملكي.أثناء دراسته في المعهد قرر مدير المعهد أن يدرس ميشيل آلة الكورنيت النحاسية. يقول ميشيل، أنه بعد إنهاء دراسته بالمعهد تصالح مع والده عندما آتى ذات يوم متأخراً إلى منزل والده ورأى في يده الكمنجة وطلب منه ان يعزف. وكان ميشيل يعزف وهوخائف، ظناً منه أن والده سوف يغضب ويحطم الكمان، إلا أنه أعجب كثيرا بعزف ميشيل وبكى كالطفل الصغير.

تعرف ميشيل على الموسيقي نجيب رزق الله، وكان يقول: هذا الرجل تربيت على يده موسيقياً، إلى أن أخذني معه إلى الكويت للعمل في مجال الموسيقى. هناك استطاع ميشيل أنيؤسس فرقة موسيقية للعمل في إذاعة الكويت، التي كانت وقتها- 1957 – لا تزال إمارة.

بعد ذلك توجه إلى لبنان مع زوجته اللبنانية التي كانت جارة وصديقة للسيدة فيروز،وتم ترشيحه للعمل  في فرقة الرحبانية كعازف كمنجة من الصف الأول “البريمو” خلف السيدة فيروز في الفترة من 1968 إلى1970.

بعد ذلك جاء إلى مصر ليصبح عازف كمنجة مميز في فرقة أم كلثوم، لكنه ظهر فقط في آخر حفلات وحياة أم كلثوم أو بالأدق آخرأربع سنوات. كان يرفض العمل معها طوال خمسة وعشرين عاماً نظرا لقوة شخصيتها. وكان ميشيل عزيز النفس لا يقبل الإهانة من أحد. وكانت أم كلثوم قد أرسلت له كثيرا ليعمل معها لكنه كان يرفض.

بعد أن استقر في مصر أقنعه احمد فؤاد حسن أن يترك فرقته الموسيقية وينضم إليه في الفرقة الماسية. في ذلك الوقت أيضا أقنعه كل من أحمد الحفناوي ومحمد القصبحي بالذهاب إلى أم كلثوم لأنها تريده، وطلب ميشيل أعلى سعر للموسيقين في فرقتها، فوافقت أم كلثوم. وعندما ذهب إلى الأستوديو، مدت يدها لتصافحه وقالت له:”ميشيل انتظرتك طوال خمس وعشرين عاماً” فتبدلت صورة ام كلثوم في نظره من هذا الموقف وقدم معها”ليلة حب”و”القلب يعشق كل جميل”، و”يامسهرني”.

كانت تلك التجارب مصدر فخر لميشيل المصري، حيث أنه كان العازف المميز “البريمو” خلف أكبر قامتين في عالم الغناء وهماأم كلثوم وفيروز.وكان ميشيل يشيد بالعمل مع فيروز وفرقة الرحبانية، ويقول أنه تمتع وتعلم كثيرا من موسيقاهم والدقة والنظام اللذين عجز عن تطبيقهما مع عبد الحليم حافظ وقت العمل معه. كانت أم كلثوم بالنسبة له هي الأكثر قوة وسيطرة وميل للسلطنة الغنائية، والارتجال في الحفلات، مع قدرة على أن تُمتع جمهورها. وكانت له أيضا متعة في الإبداع الموسيقي.

بعد ذلك بدأ مرحلة العمل مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وعمل في توزيع وتنفيذ الموسيقى طوال 20 عاما، إلا أن أغنية واحدة فقط لم يصاحبه فيها هي “من غير ليه”. وكان يقول “كان عبد الوهاب يسجل الأغنية كل يوم لمدة 25 دقيقة لفترة شهر، فقط ليختار من كل التسجيلات 20 دقيقة هي الأكثر متعة وجمالا”.

مما شاع عن ميشيل المصري أنه مؤلف المقدمة الموسيقية لقصيدة قارئة الفنجان،الأمر الذي اختلف عليه البعض.ولم يعلق محمد الموجي على ذلك وهو الملحن الأساسي لموسيقى الأغنية. كان ميشيل يقول أنهم أدوا 11 بروفة، وأن عبد الحليم طلب من محمد الموجي وميشيل المصري وضع مقدمة موسيقية للقصيدة، فلم يستطع الموجي أن يفعل، فجهز ميشيل 6 مقدمات، اختار منها عبد الحليم المقدمة المعروفة للقصيدة. ويشرح ميشيل أنه وضع بصمته المميزة للمقدمة في التوزيع والتنفيذ، لذلك ظن البعض أنه ملحن قارئة الفنجان وليس محمد الموجي.فالمقدمة كان بها ترديد لبعض الجمل وتأكيدها وربطها بلحن القصيدة.

وعن لحن مسلسل ليالي الحلمية، يقول ميشيل أن العمل أُسند إليه بعد أن اعتذر عنه عمار الشريعي. وكانت تلك مفاجأة لمحمد عبد الوهاب، الذي علق بأنه لم يتصور أن يخرج من هذا اللحن العبقري تلك الروح الشعبية لحواري الحلمية، “فقد بدأ اللحن بجمل موسيقية منفصلة عن المذهب بتكرار ثلاث مرات، وهذا لتنبيه المستمع أن لحنا سوف يبدأ. استخدم مشيل الكمنجة في التوزيع لتلعب دورا ايقاعياً للتنبيه، ثم بدأ بتقسيم اللحن من مقام الحجاز بآلة الاكورديون، ثم اضاف بعد ذلك في الغصن والكوبليه مقام عجم من درجة “ري” وليس “دو”،وذلك لأن درجة “ري” هي الدرجة التي يستطيع أن يبدأ منها مقام الحجاز، وبالتالي يمكن أداء الغصن كله من مقام العجم وإنهاءه بقفلة على درجة “ري”، ومن هنا يستطيع ان يبدأ المطرب في ترديد المذهب دون أن يمهد للعودة من العجم للحجاز، لانهم يقفلان على نفس الدرجة “ري” فتتم النقلات المقامية بسهولة، ويتمتع بها المستمع.” ( بحسب مقال ياسر علوي المنشور بجريدة الشروق بتاريخ 10/ ابريل /2014

تلحين تلك الكلمات الصعبة لمسلسل “من الذي لا يحب فاطمة” كانت من أنجح الاغاني للمطرب محمد ثروت،فقد استطاع ميشيلأن يخلق مقدمة رائعة رغم صعوبة كلمات مقدمة الأغنية “ورياح وأمواج متلاطمة وأسود غطيس وأصفر رنان.. مين اللي مايحبش فاطمة.. لو فاطمة طاقة نور وحنان”. استطاع ميشيل أن يغزل مقدمة موسيقية تليق حقاً بتلك الكلمات على الرغم من “سخافة المسلسل” على حد قوله.

رغم قلة أعماله، إلا أن الملحن والموزع والموسيقي ميشيل المصري كان مميزا حتى في الأعمال الدينية، مثل الجزء الثاني من مسلسل “لا إله إلا الله”، وتميز ايضاً في وضع الموسيقى التصويرية لفيلم “البرنس” و”حارة القرود” و”الطوفان”، كما قام بتلحين الأغاني لمطربي الخليج مثل طلال مداح ومحمد عبده.

توفي ميشيل المصري يوم السبت الموافق 30/6/2018 عن عمر يناهز85 عاما،تاركا لنا أكثر من مائة عمل موسيقي مميز وثري، نستطيع من خلالها أن ننتقل بين مزيج من المقامات الموسيقية والمشاعر المختلفة وهي تنقلنا بين حواري وأزقة وشوارع شعبية.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله