الرقص الشعبي في صعيد مصر :”الكفّ” نموذجًا

فنون, قراءات

28  يونيو  2018

لكل جنوب في العالم خصوصية، ولجنوب مصر أدوات ثقافية تلوّن عناصر الفولكلور  (العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والألعاب والفنون الشعبية)برموز وألوان البيئة وبقايا أفكار موروثة: النيل والسماء وحرارة أو برودة الجو وتضاريس الأرض والظواهر الطبيعية وشقيقتها الخرافية.

ولمّا كان الإبداع الشعبي كالشجرة، فإن الرقص الشعبي في صعيد مصر واحد من فروع الفنون الشعبية المتوارثة عن المصري القديم الذي كان يتخذ من الرقص وسيلة ليعبر بها عن موقفه من العالم، ويُلبي من خلالها حاجاته العاطفية وشواغله الذاتية وتصوراته للكون والطبيعة والظواهر الميتافيزيقية (الأرواح والإله).

ورقصة الكف واحدة من الرقصات الشعبية التي تتميز بحضور كبير في معظم محافظات الصعيد وإن اختلفت التسميات (الكفّافة- الكف النوبي- زفّة العرب)، وهي ترتبط بعادات وتقاليد الجنوبيين وتتداخل في أدائها فنون الغناء والموسيقى والأزياء الشعبية والحُلى والشعر، وهي تعتمد على جمل إيقاعية وغناء تبادلي مُرتجل بين الجماعة والمغني الفرد.

 عدد من الشباب يتجمع قبل انطلاق الرقصة  الشعبية ( الصورة من إحدى قرى محافظة قنا في مناسبة زفاف)

 

 

 

جانب من رقصة الكف: الأذرع مفتوحة إلى أعلى وبشكل أفقي حتى يكون صوت ضرب الأكف أعلى

 

 

البساطة قرينة بسمات الرقصة، فهي سلسة في خطواتها وتقوم على الأداء الجماعي وترتبط بكافة المناسبات الاجتماعية المرتبطة بدورة الحياة. وعلى مستوى اللياقة تتطلب مرونة في الجسم وتوافقا بين إيقاع دبيب القدمين والتصفيق بالكف.

تتباين إيقاعات التصفيق بتباين دراما النص الأدبي (الشعر أو الموال) الذي يؤديه المغني الشعبي

 

وبتحليل الرقصة نجد مجموعة من الرجال يقفون على شكل قوس، ويتراوح عددهم من سبعة إلى عشرة أفراد. على الجانب الأيسر من هذه المجموعة يقف أحد المغنيين وعلى الجانب الآخر يقف أمامهم بقليل رجل يُمسك بدف.

ويختلف تصفيق الراقصين، فقد يقوم كل منهم بتصفيقة واحدة منتظمة أو بتصفيقتين، وعند الرقص ينثني الجزء العلوي للجسم قليلا إلى الأمام. وتكون الرجلان مفتوحتين وتتقدم إحداهما قليلا للأمام بينما تكون الركبتان منثنيتين قليلا وتُرفع القدم الأمامية ويُدق بها على الأرض مع كل تصفيقة.

وفي هذا الوضع يحمِّل الراقص ثقل جسمه على الرجل الأخرى (الخلفية) ولكن هذا الوضع لا يدوم كثيرا إذ سرعان ما يتغير عندما تتحرك المجموعة جهة اليمين وجهة اليسار على الجانبين.وتكون الرجلان مفتوحتين قليلا وفي وضع متواز ويتقدم الراقصون بخطوات قصيرة للأمام مع تحريك الذراعين من الخلف إلى الأمام وثني الكوعين وهزّ الكتفين.

وهنا تواصل المجموعة الرقص وتقوم بتغيير أوضاعها بأن تقف في وضع أمامي (تكون إحدى الرجلين للأمام). ويتقدم كل فرد من المجموعة بإحدى الرجلين للأمام مع التصفيق ولكن في بطء وبخطوات قصيرة حتى تصل المجموعة إلى وضع ركبة ونصف (تكون إحدىالركبتين ملامسة للأرض) ثم يميل كل راقص بجذعه إلى الأمام مع التصفيق، ثم يتقدم بعد ذلك من هذا الوضع بأن يرتمى بمؤخرته للخلف لكي يجلس على الرجل الخلفية، على أن تكون الركبة الأمامية مفرودة ثم تواصل المجموعة حركاتها من وضع الوقوف فتثب بالقدمين معا جهة اليمين وجهة اليسار والركبتان منثنيتان مع التصفيق.

ويُلاحظ هنا أن الجذع ينثني جانبًا في اتجاه الوثبة، ومن الممكن أن يثب كل راقص جانبًا بقدم واحدة تتبعها القدم الأخرى وبينما ترقص المجموعة تدخل فتاة أو أكثر ويقفن في وسط القوس نحو الأمام. أما إذا كانت سيدة فإنها تغطي كل جسمها وتحجب وجهها وترتدي شالا أسود يُغطي رأسها ووجهها وينسدل حتى نهاية يدها، وهذا الشال يُشبه الجناح الطائر.

يُلاحظ أن الجذع ينثني جانبًا في اتجاه وثبة الراقص

وفي هذه الحالة (وجود الأنثى) ترقص الفتاة أو السيدة أمام المجموعة وتمشي وتدور وتحرك يدها تبعا لحركاتها وهي بذلك تمثل حركات جناحي الطائر، وتثني جذعها جهة الجانبين، وتتخذ يدها وضع الذراعين جانبا في وضع ثابت مستمر، وتحمل ثقل جسمها على قدم واحدة تقف بها في وضع كامل على الأرض، بينما تستند على مشط القدم الأخرى فقط. وهنا يجب القول إن وضع الرجال (الراقص) يتغير عندما يتقدم تبعًا لاتجاه تحركات الفتاة أو السيدة تجاه المجموعة.

يقوم هذا الراقص الفردي بثني ركبتيه بصورة كاملة في بعض حركاته، والغرض من دخول السيدة واشتراكها في الرقصة هو تأكيد حمايتها ونُصرتها، والمجموعة تقوم بثني ومدّ الركبتين باستمرار.

يتراوح عدد الراقصين بين خمسة وعشرة راقصين.والكف ليس رقص فقط ولكنه فن قول وكلام عن موضوع معين يطرح للفنان ،ونجد أن رقصة الكف تُصاحبها أغان، تكون في أحيان كثيرة مجهولة المؤلف، ومنها على سبيل المثال أغنية تقول:

قِبلي قِبلي يا سلام

قِبلي زرع الحمام قبلي

ايوه قبلي أيوه

رايحين فين يا بسبوسة

جسمك أحلى من القوطة

جسمك أحلى من القوطة

هويـــــــــــــا

والناس في جنوب مصر يستعينون في ليالي الكف بأحد المُنشدين (المؤدين الشعبيين) ويُصاحب المُنشد دائمًا عازف عود وضارب على الدف وآخر على الطبلة، ويحصلون على أُجرتهم في نهاية المناسبة (المبلغ يتراوح بين 2000 و3000 جنيها مصريا).

وتؤدي الفرقة مجموعة من الابتهالات والأغاني الاجتماعية ذات المغزى، كما يقوم المُنشد في بعض الأحيان بإلقاء مجموعة من الأشعار بالإضافة إلى تأدية بعض الأغاني للمداحّين: أحمد برين وعبد النبي الرنان.وبخصوص الآلات، يبقى الدف هو الآلة الأساسية (حال غياب العود) والذي على إيقاعه يصفق الكفّافة.

الدف عنصر رئيسي في رقصة الكف

 المغني الشعبي والآلات المصاحبة (عود وطبلة ودف)

يرتدي المشاركون في الرقصة الجلباب الصعيدي الطويل ذي الأكمام الواسعة، حيث يساعد هذا الأمر على حرية حركة الأكف خلال التصفيق، ويعتمرون عمامة بيضاء بينما ترتدي الفتاة (إن شاركت) التي تشارك أحيانا في الرقص جلبابا واسعا وقصيرا يساعدها على تأدية الحركات الإيقاعية. وهي ترقص أمام الكفافة وعلى رأسها شال أسود يغطي وجهها. وحتى لا تقع في حرج، ترقص معها واحدة من كبيرات السن غالباً، وتلتزم أيضاً بالشال الأسود، وحين تنزل الراقصة، يشتعل الميدان، يدك الرجال الأرض بأقدامهم إلى أن يتصاعد الغبار في الجو.

وبحكم العادة الشعبية، تورّث عائلات كثيرة في قرى الصعيد رقصة الكف لأبنائها  لتنمية الشعور بثقافتهم الشعبية على أنّ للرقصة وظائف جمالية، فهي تُرسي الشعور بقيمة الجمال وتجعل الفرد المُشارك أو المُتلقيحسّاسًا تجاه مظاهر الإبداع الشعبي.

ويبقى أن لرقصة الكف وظائف اجتماعية،فهي واحدة من أدوات استمرار عناصر التراث الشعبي، وهي تُربّط أفراد المجتمع (القرية أو المدينة) في مناسبات اجتماعية مختلفة. ولأن الفن الشعبي يعود دائمًا إلى جذوره الأولى فإن الرقصة تمنح المشاركين فيها فرصًا جمّةللترويح عن النفس والاستمتاع بالحياة لأجل استمرار الحياة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

بيتهوفن: الإنسان و المؤلف الموسيقي و الثوري – الجزء الثاني بالأحمر ينشر مقال آلن وودز : بيتهوفن: الإنسان و المؤلف الموسيقي و الثوري - الجزء الثاني . كان تفاؤل بيتهوفن الثوري سيخضع لاختبار صارم. فعلى الرغم من أن نابليون قد استعاد جميع أجهزة و أشكال النظام القديم ( النظام الملكي قبل الثورة الفرنسية ) ، إلا أن فرنسا كانت تحت حكم نابليون تثير الذعر و الكراهية لأوروبا الملكية. فكانت تلك الدول تخاف من الثورة حتى في شكلها البونابرتي المنحط - تماما كما سوف يكون الحال لثورة أكتوبر البلشفية، في شكلها الكاريكاتوري الستاليني والبيروقراطي في وقتٍ لاحق. كلهم تآمروا ضد فرنسا، وهاجموها، وحاولوا بكل الوسائل خنقها.

آلن وودز

مني إليها!

مارينا سمير