لماذا لا تموت الأساطير؟

أفكار

24  يونيو  2018

وأنت جالس على كرسيك أو سريرك، وأنت تتجول في بيتك بين المطبخ وصالة الضيوف، وأنت تمشي في الشارع، أو تحضر مناسبة اجتماعية (ميلاد- زواج – موت)، حتمًا ستقابل الأساطير في كل ركن وزاوية وطريق: ظاهرة للعيان، أو مختبئة في الصدور. الأسطورة كبناء اعتقادي ( طبقًا لعلم الفولكلور / علم الثقافة الشعبية) وُجدت في اللحظة التي وُجدَ فيها الإنسان في هذا العالم.

منذ ملايين السنين، وحتى وقت قراءتك لهذه السطور، صمدت الأساطير في وجه عواصف التاريخ والجغرافيا والعلم. من دون شك يمكن أن تقول وأنت مرتاح البال أن الأسطورة هي الدين الأول للإنسان الأول، وعندما تنوعت الأديان ( سماوية ووضعية) باختلاف الأمكنة والأسماء والرسل والكتب، والتفسيرات الذاتية، استطاعت الأسطورة (بمرونة هائلة) أن توزّع نفسها على هكذا تنويعات عقائدية. الهدف يبقى واحدًا بالنسبة لها: أنا القوة الروحية الهائلة، كيف لي أن أموت؟.

من حق الأسطورة أن تقول عن نفسها ما تشاء، لكن من حقنا نحن أن نسأل (فولكلوريًا): لماذا لا تموت الأساطير؟. ما الذي يمنحها الحياة كل هذا الزمن المديد: الأفكار الاعتقادية التي ترقص حولها أم وظيفة نفعيّة كامنة فيها؟. هل تعشّش الأساطير في الشرق ( العالم العربي بالخصوص) وحده أم أن الأسطورة عنصر ثقافي عالمي؟. هل الأسطورة هي الخرافة؟. هل الأسطورة تبدّل جلدها عندما تنتقل في نوافذ المكان والزمن؟ هل للأسطورة وظائف في حياة الناس؟.

يُحسب لجيمس فرايزر، علم الأنثروبولوجي ( مولود في أسكتلندا عام 1854) أنه أظهر من فتح النوافذ العلمية على عالمية (عدوى الأساطير) في الثقافات الشعبية.  يُشير في كتابه “الغصن الذهبي” عن أسطورة كبش الفداء في الفصل التاسع والخمسين (قتل الله في المكسيك!)  إلى أنه “لم تظهر عادة قتل الإنسان كممثل للإله أكثر وضوحًا وأكثر قدسية مما ظهرت عليه عند قوم أزتيك في المكسيك القديمة. وعندما احتل الإسبان المكسيك في القرن السادس عشر ، دفعهم فضولهم لاكتشاف هذه المنطقة البعيدة “أزتيك”التي فسرت لنا ديانتها الشرسة البريرية أمورًا كثيرة عن طريق قياسها مع شعائر وتعاليم كنيستنا. كانوا يأخذون أسيرًا يعتقدون أنه خيّر. وقبل أن يضموه إلى أوثانهم، يسمونه باسم المعبود الذي يضحون لأجله ويُلبسونه الزينة التي يلبسها ذلك المعبود نفسها. وأثناء فترة هذا التمثُّل لشخص الإله (سنة أو أقل قليلا)، يعبدونه ويجلونه كإله، وفي نفس الوقت يتمتع الرجل ويمرح ويأكل ويشرب. وعندما يجوب الشوارع يأتيه الناس لأداء العبادة، ويجلبون له الصدقات، ومعهم أطفالهم ومرضاهم كي يباركهم و يشفيهم، ويتحمل منهم الكثير لأن عليه أن يقوم بهذا الأمر على حساب راحته، ويحرسه في هذا كله اثنا عشر رجلا كي لا يهرب من الزهق، وكان يتجول على أنغام الناي كي يأتيه الناس لعبادته، وما إن يحلّ وقت الاحتفال حتى يُصبح بدينا، فيقتلونه ويفتحون جثته، ويأكلونه على أنه أُضحية مقدسة”.

ما يدعّم هذه الظاهرة، والتي انتقلت حسب “فرايزر” إلى الأديان السماوية / والأديان اللاسماوية، شواهده في الفصل الثامن والخمسين على أسطورة “كبش الفداء”، إذ يذهب إلى أن روما القديمة كانت في أول مارس من كل عام، تختار رجلا من أبنائها وتضربه على أعضائه التناسلية بأفرع الأشجار الخضراء حتى يصرخ في الشوارع ثم تطرده خارج المدينة، وكان يُسمون هذا الرجل المُعذب المطرود “ماموريوس فيتوريوس: مارس القديم”، وبما أن شهر مارس هو فصل الخصوبة وازدهار النباتات فلا بد من طرد مارس القديم المتمثّل في الرجل المسكين.

هذه الأسطورة انتشرت عند الإغريق القدامي أيضًا، والعهدة على “فرايزر”، كان يُختار عبدًا من كل منزل إغريقي، ويُضرب بالعصا حتى ينزف، والسادة يصيحون حول أذنيه “أخرج أيها الجوع، وأدخلي أيتها العافية والثروة”. أهل أثينا كانوا يقتلون امرأة ورجلا كل عام ككبش فداء عن ذنوب كل النساء وكل الرجال على الترتيب.

ماسبق كان أمثلة، ويمكنك أن تعقد بنفسك مقارنات على متشابهات أسطورية عالمية كما يحلو لك، فعالمية الأفكار الاعتقادية (فوق الطبيعية) موجودة في كل مكان وزمان ويمكنك أن تتبع تسلسلاتها والعناصر التي تسقط منها والأخرى التي يضيفها ناس ثقافة معينة على الأسطورة كي تتشابه مع بيئتهم وظروفهم الحياتية

إلى هنا يمكن الغوص في بناء الأسطورة وشقيقاتها، من وجهة نظر علم الفولكلور، الذي يرى أن هناك فرقًا شاسعا بين الأسطورة والخرافية وإن اتفقتا في وظيفة واحدة شعبية (تجديد دورة الحياة) فإن كل واحدة منهما تنتمي إلى سلوك روحي يختلف عن الآخر. والأسطورة تقدم للإنسان منذ وجودها إجابات تتعلق بمصيره ( خوفه من) المجهول المُتعلق بيد مغامرات الظواهر الكونية: البرق- الرعد- المطر- الزلازل.

لذا كان لا بد للإنسان القديم أن يربط هذه الظواهر الكونية التي يعجر عن تفسيرها بقوى غيبية يقدم لها التضحيات كي تحاول أن تساعده في السيطرة على هذه الظواهر المؤرقة لباله وبال عياله وحياته الشخصية، ومن هنا نشأت الطقوس الدينية، والأسطورة هنا هي الحكاية المرتبطة بهذه الطقوس. فالإنسان في كل الحضارات قدس الشمس وعبدها، لأنه كان يكره الظلام، وهو قدم الأُضحيات للشمس كي تتعارك مع الظلام الشرير وتقضي عليه. هذه الدوافع الداخلية (الخوف من شيء معين) يخرج في شكل حكاية، ووصف الحكاية دراميًا هو الأسطورة (نلاحظ أنها دائمًا تكون ذات مغزى ديني).

الخرافة (أو الحكاية الخرافية أو الشعبية) هي نسخة مُعدلة من الأسطورة لكن منزوعة المضمون الديني، عدَلها أو حذف منها أو أضاف عليها راو مجهول يقوم بهذا الدور في كل ثقافة محلية في العالم.

مثال دال: سندريلا هي في الأصل أسطورة تحورت إلى حكاية خرافية/ شعبية. فهي ملكة أو إلهة الربيع، التي تعرضت للإهمال وانعزلت وسقط جمالها، إلى أن جاءتها جنيّة وأعادت إليها بهاءها كي تحضر حفل إجياء عيد الربيع الذي يحضره الإله في الأسطورة القديمة، وسندريلا تظهر وتختفي، وهذا الحضور والغياب هو لتذكير الناس بالربيع الذي يجيء بالبهجة والخصوبة والحصاد ثم يتبعه الشتاء. وعندما يحين الربيع المُقبل ويجد الملك الإله سندريلا ويتزوجها يحل الربيع.

هذه الأسطورة طبقًا للدكتورة نبيلة إبراهيم أستاذ الأدب الشعبي، في كتابها “أشكال التعبير في الأدب الشعبي” ذات وظيفة دينية، وترتبط في أصلها بظواهر كونيةاسترعت نظر الإنسان حيث يرتبط الربيع عندهم بظهور سندريلا والملك الإله. ولما انتقلت هذه الأسطورة بين الأمكنة كحكاية شفاهية سقط المغزى الديني لصالح المغزى الخرافي (المُتعة والترويح عن النفس).

ما دلّ على فكرة الأسطورة في سالف الفقرات، ينتمي إلى ما يُسمى بالأسطورة التعليلية (ظاهرة غريبة تسترعي انتباه الإنسان فلا يجد لها تفسيرا فيخلق لأجلها حكاية أسطورية) وهذا النوع هو الأكثر انتشارًا في جانب المعارف الشعبية إلى جانب أنواع الأساطير الأخرى: (الرمزية – أسطورة البطل الإله- أسطورة خلق الكون- الأسطورة الطقوسية- أسطورة جلجامش/ ملحمة الدولة الأشورية).

إذًا، تحيا الأسطورة لأنها تتسم المرونة، والقدرة على تجديد نفسها، رغم كل المعارك التي افتعلها رجال الدين الرسميون ضدها في أكثر من مكان (موقعة تاريخية)، والتهم التي ألصقوها بها (أسموها خزعبلات تارة وخرافات تارة أخرى). وهذه الأسطورة موجودة في كل المجتمعات (المتقدمة – والمتأخرة) وفي كل الطبقات الاجتماعية، وإن اختلفت في درجة الظهور، فهي تختبيء في الصدور، وتخرج وقتما تشاء ( وبصور ولغات شتى)، وترتبط بقرابة عميقة مع مثيلاتها في موضوعات دورة الحياة: أسرار الظواهر الفيزيقية والنفسية كالأحلام والنوم والميلاد والموت والتنبوء بالمستقبل، وشكل الروح، والشياطين والقديسين والأولياء والقرابين والحج لطلب البركة، والأحجار والنباتات السحرية والتعاويذ والتراتيل، والصور، والصمت والصوم وخلو المعدة من الطعام والطهارة، وعذرية المرأة والموقف من سؤال ماذا بعد الموت.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة