الهبة الأردنية: لحظة انفجار أم مشروع لاستعادة الدولة

قضايا

13  يونيو  2018

في شهر نيسان من العام 1989 رفض مجموعة من سائقي سيارات النقل العمومي على الطريق الخارجي، الذي يربط بين “معان” و”عمان”، التحرك بسبب رفع الحكومة لأسعار المحروقات مع تثبيت الأجرة، وهو ما اعتبروه تعديا مباشرا على رزقهم، لتندلع بعدها الهبة الأهم في تاريخ الدولة الأردنية، والتي جاءت كرد فعل مباشر على التوغل النيوليبرالي في الاقتصاد الأردني، الذي قادته وصفات الإصلاح الهيكلي التي قدمها صندوق النقد الدولي، مثلما جاءت كرد فعل من قبل الحركة الوطنية الأردنية على الأحكام العرفية التي كبلت الحريات السياسية والاجتماعية، وجعلت من الأردن معقلا لحكم دكتاتوري، مهيمن على مفاصل الدولة. تمخضت الهبة عن إلغاء الأحكام العرفية وعودة العمل السياسي وإجراء الانتخابات النيابية المعطلة، ولكنها فشلت في استعادة زمام الأمور في الشأن الاقتصادي الذي أصبح يدار من قبل حفنة نيوليبراليين “كومبرادوريين” يتلقون تعليماتهم من صندوق النقد، ومايزالون!

شهدنا بداية العام الحالي موجة من رفع الأسعار في الأردن شملت رفع الدعم عن الخبز “السلعة التي ارتبطت بالتقديس في المخيال الشعبي” مقابل صرف دعم شهري لكل مواطن، إضافة إلى فرض ضريبة إضافية على المحروقات، التي هي بالأساس ترزح تحت تراكم غير مبرر من الضرائب تفوق بكثير ضريبة المبيعات، التي تبلغ 16% مثلها مثل سلع أخرى كالدخان وبطاقات الهاتف المحمول، ناهيك عن رفع الضريبة على عدد من السلع الأساسية كالألبان والخضراوات وحتى المستلزمات الطبية!

ما يثير الدهشة هنا هو ضآلة الاحتجاجات على هذه القرارات الاقتصادية الصعبةالتي تؤثر على السواد الأعظم من الشعب، وبالتحديد الطبقة الفقيرةوالفئات الدنيا من الطبقة الوسطى. صحيح أن وتيرة الاحتجاج تصاعدت بعد إقرار الموازنة بقليل، خصوصا في “السلط” و”ذيبان” وبعض المناطق المهمشة، لكن الاحتجاج لم يكن مؤثرا بحيث يؤدي إلى تراجع الدولة عن قراراتها.

بعد 29 عاما من هبة نيسان المجيدة التي سقط فيها 14 شهيدا، أطلقت حملة “صفها واطفيها على الدوار الرابع” لايقاف السيارات على الدوار الرابع “معقل حكومة هاني الملقي”، احتجاجا على قيام الحكومة برفع أسعار المحروقات بعد يوم واحد فقط من أكبر إضراب شل الأردن منذ أكثر من نصف قرن، كان مجلس النقباء قد دعا له احتجاجا على مشروع قانون ضريبة الدخل وقانون الخدمة المدنية الجديدين. هذا التعنت، لا بل هذا التحدي، الذي أظهرته حكومة “الملقي” دفع الناس للتطرف في رد فعلها نحو القيام بفعاليات نوعية، بغية إجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها. ما شكل المفاجأة للجميع هنا هو انتشار الاحتجاجات كالنار في الهشيم عقب تداول صور وفيديوهات من موقع المواجهة “مواجهة الشعب والحكومة” على الدوار الرابع، حفزت الناس على النزول وتوسيع نطاق الاحتجاج.

بعد ردة الفعل العنيفة التي قابل بها الشارع الأردني قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات، أمر الملك في صباح اليوم التالي بإلغاء قرار الرفع، ظنا منه بأن هذا هو ما خرج لأجله الأردنيون، فيما جاء رد الفعل الشعبي مباشرة عشية اليوم نفسه، عبر الخروج بأعداد كبيرة في مختلف محافظات البلاد مطالبين باسقاط الحكومة، مع تنامي شعارات تغيير النهج، التي أظهرت تطورا ملحوظا في خطاب الشارع الأردني عنه في حقبة الربيع العربي،حين فشل الشارع في صياغة خطاب مضاد للسلطة المهيمنة.هذا التطور المتصاعد، المتسارع في الأحداث جعل الملك يقبل استقالة حكومة “الملقي”، التي أسقطها الشارع خلال فترة قياسية، قبل أن تقود بؤر الاحتجاج الراديكالية – على غرار حي “الطفايلة” – خطابا متجاوزا للحكومة وموجها بشكل مباشر للملك، عكسته هتافات تم تداولها في مختلف مناطق الاحتجاج في الأردن (حتى في الدوار الرابع رغم انكار البعض)، على غرار: “ليش نلف وليش ندور..عبدالله انت المسؤول”، “اسمع يا ساكن عمان..ما بدنا نغير قمصان”، “سمعلي ساكن دابوق..ما بدنا حكم الصندوق”. يختلط هنا الخطاب الموجه للملك بالعداء الواضح للمؤسسات الامبريالية، كصندوق النقد والبنك الدولي “اهتف زيد الصوت وعلّي..يسقط حكم البنك الدولي”.

هذا العداء هو نتاج عقود من الارتهان للبرامج التصحيحية المفروضة من صندوق النقد، بالتزامن مع فتح المجال أمام التحولات النيوليبرالية التي دشنها الملك عبدالله الثاني بعيد استلامه الحكم، والتي تم من خلالها خصخصة المؤسسات والثروات الوطنية، في تمهيد لانسحاب الدولة من دورها في الرعاية الاجتماعية.

سارعت الدولة لتدارك الموقف عبر محاولة تجيير حركة الاحتجاجات الشعبية لصالحها، خصوصا على الدوار الرابع، من خلال تصدير خطاب يظهر الظروف الصعبة التي تعاني منها الدولة الأردنية، والتي دفعت بالشعب إلى الشارع للمطالبة بتحسينها، أملا من الدولة “النظام الرسمي” في الحصول على الدعم الخليجي الذي يبدو بأنه قريب من التحقق. هنا تنبه المحتجون لسيناريو الدولة الذي جرتهم لتطبيقه، فكانت مفاجأة الإفطار الرمضاني على الدوار الرابع ومن بعده الاعتصام اليومي الذي شاركت فيه المحافظات هذه المرة بثقلها، ليغير من تعاطي الدولة مع الأحداث عبر تلفيق قصة طعن الدركي ومهاجمة الوجوه القادمة من “معان” و”الطفيلة” و”جرش” و”العقبة” ومختلف المحافظات، باعتبارها لا تمثل الوجه الحضاري الذي سوّقته الدولة لاعتصام الرابع. هذه المفاجأة دفعت الدولة للتخلي عن لعب دور الحمل الوديع على الدوار الرابع، تماما كما هي مفاجأة الانطلاق من دوار “الشميساني” باتجاه الدوار الرابع، التي كانت بالفعل ضربة معلم، والتي خلطت أوراق الأجهزة الأمنية المعتقلة للدوار الرابع، وسارعت بعدها لتطويق الدوار من جهاته كافة، قبل أن تمنع المحتجين من الوصول إلى الدوار حتى مع إغلاقه أمام حركة السير.

لم يكن الحال في المحافظات بذات وردية الدوار الرابع، الذي غيّر أبناء الطبقة الوسطى من الشكل الاعتيادي فيه. بل حتى في “عمان”، خارج الدوار الرابع، لم يكن الحال ورديا أبدا، حيث شهد حي”الطفايلة” مواجهات عنيفة تخللها إطلاق الغاز المسيل للدموع بشكل مباشر على المحتجين، في تذكير لقمع هبة تشرين التي اتُبع فيها ذات الأساليب. في “معان” وعلى طريق المطار وفي “عارضة عباد” شهدنا قمعا مماثلا، بينما شهدنا مناطق تقليدية للولاء تنتفض للمرة الأولى، على غرار “المفرق” التي خرج فيها المواطنون بالآلاف، فيما شهدت “اربد” تجمعات حاشدة لم تشهدها منذ سنوات، مثلما شهدت العديد من المحافظات شمالا وجنوبا احتجاجات غاضبة، لا تأبه كثيرا بالخطاب السياسي المنمق المخادع الذي يستخدمه نظام الحكم لاستمالة النخب العمانية. فشل قمع الدوار الرابع، مع ازدياده في المحافظات، دفع بعض أبناءها للتوافد إلى الدوار الرابع، وعطل أحيانا الاحتجاجات الشعبية في المحافظات، ومكّن الدولة من السيطرة على بقعة الاحتجاج، خصوصا بعد إعطاء الضوء الأخضر لاستمرار الاحتجاج على الدوار الرابع، بعد أن كانت النية لغير ذلك في اليومين الأولين اللذين شهدا قمعا شديدا وبعضا من الغاز المسيل للدموع.

لم يقم الملك بشيء يذكر للاستجابة للمطالب الشعبية في تغيير النهج، فشكل اختيار الحكومة بقي نفسه دون أي التفات لقوى الشارع التي تقود الاحتجاجات من نقابات وأحزاب وتيارات وطنية بإمكانها الدلو بدلوها في هذا الشأن. هنا لا يبدو أن الملك التقط رسالة الجماهير الغاضبة، فتضاعف الأعداد، رغم الغاء قرار رفع أسعار المحروقات، يُظهر إصرار الناس على الحصول على حقوقهم في نظام ضريبي عادل وإعادة توزيع للثروة المتكدسة لدى طبقة ال1%، ناهيك عن مطالبهم السياسية الاجتماعية في التمثيل السياسي الحقيقي والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن أنماط الفساد والاستبداد المستشرية. كل هذه الاحتجاجات كفيلة بتوجيه رسالة حاسمة للملك، حول فشل الأفكار النيوليبرالية التي يحاول تطبيقها في الأردن، بعد قرابة عقدين من الفشل في الاستفادة منها، مع ما نشهده من تراجع للاقتصاد الوطني وضنك للعيش يهدد كينونة المجتمع وتماسكه.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

وحد صفك.. كتفي بكتفك “ليلة الفض وجوانب تستحق التأمل” والملاحظ أنه رغم حركة القبض وضرب العمال لم تجد عنفا متبادلا، أى أن العمال لم يردوا الاعتداء، أو يستخدموا العنف، على الرغم من توافر وسائل وأدوات غير محدودة بين أيديهم في الشركة تكفي للرد بقوة على الأمن إذا أراد العمال.

صلاح الأنصاري