“بتوع المترو” .. أوراق قضية لا زالت تمر من فوقها العجلات

قضايا

12  يونيو  2018

إنها دولة تبحث عن إعادة هيكلة القطاعات، والقطاعات كالقطارات إذا لم تزود بالمكابح المطلوبة تدهس وتفتت عظام البشر، تدك أرزاقهم بلا رحمة.

وقد مر شهر حتى الآن على قرار الحكومة المصرية رفع سعر تذكرة المترو وفق نطاقات ليصل حدها الأقصى 7 جنيه بما يعادل 350% زيادة على سعر التذكرة في أقل من عام ونصف و 7 أضعافها في أقل من عامين .

ورغم هذا لا زال الجميع يشعر أن العجلات تسير. فمنذ الليلة الأولى لم تكن المكابح غائبة أو معطلة، لكن هناك من قرر بين ليلة وضحاها، دون إنذار، رفعها عن القضبان فكانت مشاهد يوم الثاني عشر من مايو الماضي.

مشاهد تعكس الكثير عن التقسيم الطبقي وشكل السلطة في مصر، حيث سيدة في جلبابها الأسود البسيط تصرخ على الرصيف “حرام عليكم.. هانجيب منين”، ووزير بكامل أناقته على الشاشات يهدد بالاستقالة إذا تم التراجع عن القرار.

داخل السياق وخارجه

قبل شهر من الآن، وبحثاً عن المنطق، أخذ المسئولون يفندون دفاعهم عن القرار الوليد، فقال وزير النقل “هشام عرفات” أن قراره بزيادة أسعار تذاكر المترو تأخر 15 عاما، وكان أمامه خياران إما أن يتوقف المرفق أو يستمر.

ومن مجلس النواب دافع المهندس أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية فقال: “رغم مشقة وصعوبة القرارات الإصلاحية لإعادة الهيكلة المالية لكثير من القطاعات إلا أننا جميعا نعلم أنه الطريق الصحيح.

هذا بينما تبني الإعلام الرسمي والخاص المؤيد للدولة خطابا يركز على أن سعر تذكرة المترو في مصر هو الأرخص عالمياً ، فأشارت جريدة اليوم السابع إلى أسعار التذاكر في عدد من الدول الأوروبية كالتالي:  الدانمرك 4.60 دولار أي 80 جنيهًا مصريًا،  السويد 4.20 دولار أي 73 جنيهًا مصريًا ، انجلترا 4 دولارات أي 70 جنيهًا مصريًا،  ألمانيا 2.90 دولار أي 50 جنيهًا مصريًا. وهو الخطاب الذي جاء ليكشف، دون قصد، عن حجم الفروق بين الحد الأدنى للأجور في مصر وغيرها من دول العالم بما يجعل سعر التذكرة في مصر هو الأعلى على مستوى العالم.

منها على سبيل المثال لا الحصر ما عرضته هيئة الإذاعة الألمانية (DW) على موقعها> فبينما يبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر 1200 جنيها، يبلغ الحد الأدنى للأجور في ألمانيا 1280 يورو شهريًا أي ما يعادل 20 ألف جنيها مصريا، و في الدانمرك 1563  يورو أي ما يقارب 32 ألف جنيها مصريا وغيرها.

ونأياً عن مقارنة الدخول والأسعار بنفس الاتجاه، وبحثاً وراء فلسفة دور الدولة و استحقاق الدعم وطرح رؤية بديلة تسمح للنظام الحاكم للخروج من الأزمات الاقتصادية دون المساس بحقوق رئيسية للشعب وفق الدستور، كتب نائب رئيس وزراء مصر الأسبق والخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين مقالا حول الأزمة جاء فيه:
“المبرر الأساسي الذي ساقه السيد وزير النقل لزيادة أسعار التذاكر هو أن جهاز المترو سوف يخسر هذا العام نحو خمسمائة مليون جنيه لو لم تتم الزيادة. ولكن فى الواقع أنه حتى لو اعتبرنا أن هذه الخسائر حتمية، وأنه لا توجد مصادر أخرى كالإعلانات أو الإيجارات التى يمكنها زيادة موارد المترو، فإن السؤال الأهم هو: وما الضرر فى أن يخسر جهاز المترو خمسمائة مليون جنيها وأن تدعمه الخزانة بهذا المبلغ من أجل توفير خدمة عامة يستفيد بها ملايين المواطنين من محدودى الدخل؟ أليس هذا تحديدا هو الغرض من وجود الدعم؟ وأليس من المنطقى أن توجه الدولة جانبا من مواردها لتوفير خدمات عامة ضرورية لصالح غير القادرين؟

إجمالى الدعم الذى يشكو منه السيد وزير النقل لا يتجاوز خمسمائة مليون جنيه سنويا، وهو مبلغ ضئيل بالنظر إلى أهمية الخدمة العامة التي يتيحها، وأن عدد المستفيدين منها نحو ثلاثة ملايين راكب يوميا. وهذا المبلغ لا يتجاوز ١٥ فى الألف من إجمالى بنود الدعم والانفاق الاجتماعى فى مشروع موازنة العام القادم والبالغ ثلاثمائة وثلاثين مليار جنيها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن السعر كان قد تضاعف فى مارس ٢٠١٧ من جنيه واحد إلى جنيهين، فإن هذا يعنى أن تكلفة بعض الرحلات قد زادت سبعة مرات خلال فترة لا تتجاوز عاما وربع، وهذه زيادة غير مقبولة مهما كانت خسائر جهاز المترو أو تكلفة تشغيله.”

مشاهد تبقى ..

بينما امتلأت الشاشات والأوراق ليلاً بآراء جامدة تكونت على الأرض مع شروق الشمس ملامح “صورة” حية.

كانت السادسة والنصف صباحا، موعد انطلاق أول مترو من محطة حلوان. خرج المصريون من منازلهم (2 مليون مستخدم يومياً للمترو حسب ما أعلن وزير النقل السابق هاني الضاحي عام 2015 ) بإتجاه أعمالهم.

 لم تكن هناك نوايا مسبقة للاحتجاج ولكن كانت قلة الحيلة وانعدام المخرج أمام “شباك التذاكر” هي ما دفعت المئات للتجمهر على رصيف مترو حلوان والوقوف على أبواب المترو لمنعه من التحرك من محطته الأولى. قال أحدهم بعفوية وقد اكتشف في نفسه قيادة جماهيرية وليدة الصدفة: “ياجماعة كلكم اقعدوا زيي كده ع الابواب عشان الناس في المحطات التانية لما المترو يتأخر يعرفوا اننا هنا معترضين فيعملوا زينا”.

لم تكن هناك هتافات بالمعني المتعارف عليه، ولكن غلب على المشهد صوت الدعاء المصحوب بالغضب، المنتظر لعدل عظيم. قالت احداهن صارخة “حسبي الله ونعم الوكيل”. التقطها أحد الشباب ورددها بصوت عالي وهو يقف فوق أحد المقاعد الحجرية على الرصيف وتوالي الهتاف عالياً.

 مشاهد متتالية ذات إيقاع سريع شهدها مسرح الرصيف، وانتهت إلى اصطفاف رجال ونساء في ردهات النيابة الكلية بمدينة حلوان بعد التفاف قوات الأمن عليهم في زي رسمي وغير رسمي والاعتداء بالضرب على عدد كبير منهم.

في أوراق التحقيق، قالت المتهمة الخامسة: “انا صعب عليا الولد اللى دعكوه ضرب،حاولت أوقفه بعد ما وقع على الأرض، شدوني”.

هي سيدة أربعينية من مدينة الصف التي تبعد حوال 35 كيلو مترا عن حلوان، أرملة وأم لطفلين، تعمل منظفة للمنازل، تتخذ رحلتها إلى وسط البلد مرتين بالأسبوع مقابل 150 جنيه باليوم الواحد أى أن دخلها الشهري لا يزيد عن 1000 جنيها (أقل من الحد الأدني للأجور) وتكلفة ركوب المترو لها وحدها شهريا تصل إلى 240 جنيه شهريا أي أكثر من 20% من دخلها الشهري. ليس هذا بالطبع إجمالي تكلفة انتقالها للعمل، فلكي تصل من بيتها في الصف للمترو في حلوان يجب أن تستقل مواصلة أخرى أو أكثر، بينما تتحدث القياسات الدولية عن 14% من دخل الفرد كحد أقصى لتكلفة المواصلات.

(وينص الدستور المصري في المادة 27: “يهدف النظام الاقتصادي إلى  تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي، ورفع مستوي المعيشة، وزيادة فرص العمل وتقليل معدلات البطالة، والقضاء علي الفقر.)

أما “هو” فلم يكن إلا الشاب الذي قاد هتاف “حسبي الله ونعم الوكيل”، في هذا الفيديو يظهر وسط مجموعة من الركاب المعترضين، جميعهم يهتفون ويحتجون، يقف بينهم رجال الأمن العام بزيهم المدني وأجهزتهم اللاسلكية، لا يبدو على وجوهم الغضب، بل في بعض المشاهد التعاطف، يحاولون إقناع المواطنين بفض الاحتجاج لأنه لن يصل بهم لشيء.

تمر دقائق، ودون إنذار يظهر من وسط المواطنين من ليسوا منهم، من كانوا يتربصون بزي مدني، يتبادلون الإشارات مع أصحاب الزي الرسمي، ينقض المخبرون على وجوه محددة وسط المحتجين، الوجوه الأكثر حضوراً وتأثيرا.

(وينص الدستور المصري في المادة 15: الاضراب السلمي حق ينظمه القانون)

حصل الشاب على نصيب الأسد من الاعتداء، حاولوا تكتيفه من الخلف وسحبه بعيداً وسط محاولات المحتجين إفلاته من أيديهم وصراخ السيدات، وتعدد الدعاء الغاضب بأصوات مختلفة.

أفلت الشاب في النهاية ولكن بعد أن نجحت إدارة محطة المترو في تحريك القطار المتوقف على الرصيف حوالي الساعة إثر الاحتجاج. ترنح الشاب على القضبان، ثم سقط مغشي عليه لدقائق.

أسرع إليه عدد من  المحتجين، سحبوه وألتف الجميع حوله فوق نفس المقعد، حاول أحد رجال الأمن بزيه المدني أخذه من بين أيديهم هذه المرة ولكن بالتفاوض وبترديد كلمة “مش هنعمله حاجة”، وكان الرد واحد “لا مش هانسيبه”.

مش هنمشي

رغم الدرس الساخن الذي حاولت الأيدي الخاطفة إرساله للجميع، تجرأ  شاب آخر،  سواء شارك بالثورة المصرية قبل 7 سنوات أو لم يشارك، واستدعى هتافا من الوعي الجمعي المصري المرتبط بميدان التحرير، فقال: “مش هانمشي.. مش هانمشي”. رددها خلفه العشرات قبل أن تبدأ موجة فض جديدة وتنتهي واقعة احتجاج “الرصيف”.

ما بعد حلوان

وصل القطار إلى المحطة التالية، جامعة حلوان، في حوالي الثامنة إلا ربع، وأكمل طريقه من بعدها بين همهمة وصراخ من هنا وهناك لم يرق أى منها لخلق مشهد جديد وسط تلاحق القطارات.

في محطة “المعادي” علت موجة الحنق والغضب. لكن الساعات القليلة التي مرت كانت قد ساعدت الأجهزة في السيطرة على الموقف، انتشرت قوات الأمن الخاصة وتم القبض على 10 شباب.

في محطة السادات المفضية إلى ميدان التحرير، كان مشهد ثالث، حيث قامت مجموعة من الناشطات السياسيات برفع لافتات إحتجاجية ضد رفع سعر تذكرة المترو. تم القبض عليهن ونجحت بعض كاميرات الموبايل في تصوير المشهد.
انتهى اليوم بحصاد عدد من مقاطع الفيديو توثق رد الفعل العفوي للمواطنين ضد قرار لا تحتمله جيوبهم مهما ساق المسئولون من  تبريرات وحلول.

انتهى أيضاً بفتح التحقيق في قضيتين. الأولى أمام نيابة حلوان وتضم 6 رجال و4 سيدات، أما الثانية فقد بدأت التحقيقات بها صباح اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة العليا، تحمل رقم 718 لسنة 2018، وضمت المحتجين في المعادي ومحيط محطات منطقة وسط البلد بالقاهرة، وفيما بعد أضيف إليها مجموعة من القيادات السياسية الشابة بتهمة التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، منهم الإشتراكي الثوري الحقوقي “هيثم محمدين”.

ردهات حارة وغرف مكيفة

في ردهة نيابة حلوان المكتظة بالحرارة، استمع المحامي  طارق “خاطر” إلى قصة الأشقاء وحيد وفاتن .

تعمل “فاتن” في أحد المحلات بحلوان المدينة ولا تخرج منها غالباً، تلقت اتصالا من غريب أخبرها أن أخيها تم توقيفه على رصيف المترو ويحتاج بطاقة رقمه القومي. أحضرتها وذهبت إلى المحطة التي لا تدخلها كثيرا فصعقها مشهد الاعتداء على أخيها. حاولت التدخل، فتم القبض عليها.

أمام جهة التحقيق الرسمية أنكر جميع المتهمين مشاركتهم بالاحتجاج لكن ـ وحسب المحامين ـ تطابقت أجوبتهم على نفس السؤال: “هل انت رافض لتلك الزيادات؟”.. الإجابة: “نعم، هي مجحفة، ولا استطيع تحملها”.

روى المتهم الأول لوكيل النيابة عن معادلته الشخصية التي لا يراها أقل أهمية عن حسابات قطاع النقل حول خسائر الهيئة العامة للمترو.

قال: “أنا عامل في أحد الشركات بشرق القاهرة براتب شهري لا يزيد عن 1580 جنيه. أعيش مع  أسرتي في بيت العائلة في إحدى ضواحي حلوان، ينتظرنا أتوبيس الشركة في تمام السابعة والنصف أمام محطة مترو رمسيس، وعليه  فأنا أشتري في بداية كل شهر 20 تذكرة مترو بـ 40 جنيه ولا أزيد عليها طوال الشهر لأنه “مفيش”. فلما أستيقط لأجد أن سعر التذكرة من حلوان لرمسيس بقى “7” جنيه يبقى لازم أقف على الرصيف وما أقدرش أركب… أجيب منين؟”

(وتنص المادة 8 من الدستور المصري: تلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي, بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين, علي النحو الذي ينظمه القانون(

انتهى الأمر بإخلاء سبيل المتهمين ممن لا زالوا على ذمة أولى قضايا التجمهر إعتراضا على قرار رفع سعر تذكرة مترو الانفاق.

في الجانب الآخر من المدينة، بإحدى الغرف المكيفة بالتجمع الخامس، حيث نيابة أمن الدولة العليا سمح وكلاء النيابة ـ على غير المعتاد ـ للمحامين المتطوعين بحضور التحقيقات مع المتهمين، وهناك شاهد المحامي “احمد هاشم” المتهم “محمد سمير”.

هو شاب في منتصف الثلاثينات، مصفف شعر حريمي، لا يعتاد ركوب المترو، لكن شاءت ظروفه في هذا اليوم أن يتخذ قرارا باستقلاله فإذا به يفاجأ بالاعتداء على مجموعة من الفتيات يحاولن الخروج من محطة مترو محمد نجيب. ظنها في البداية واقعة تحرش، فأسرع لإنقاذهن، ليكتشف بعد لحظات انه يحاول حمايتهن من إعتداء قوات الأمن، فكان مصيرهم جميعا واحدة من عربيات الترحيلات التي تكدست منذ الصباح أمام محطات المترو بمحيط وسط البلد. ليس هذا فقط بل تعرض الشاب للاعتداء البدني الشديد داخل إحدى المقار الأمنية مما تسبب في كسر بالأنف وتم إثبات ذلك أمام الجهات الرسمية.

انتهى التحقيق مع “سمير” و14 غيره بتجديد الحبس لمدة 15 يوم، وتكرر المشهد في العرض الثاني، ليكون موعد العرض الثالث بتاريخ  الحادي عشر من يونيو القادم.

“بتوع المترو”

بعد مرور يومين من تطبيق القرار أكد المتحدث الرسمي باسم هيئة تشغيل المترو زيادة نسبة الاشتراكات 300%، فقال: عدد المقبلين على استخراج الاشتراكات زاد بنسبة تتعدى 300% يومى بسبب التخفيضات التى منحتها الشركة على الاشتراكات والتى تصل إلى 50%، موضحاً أن مكاتب الاشتراكات بالمحطات سجلت يوم السبت الموافق 6 مايو عدد 1255 اشتراك مقارنة بـ 8495 اشتراكا السبت الموافق 13 مايو بعد تطبيق الزيادات، هذا بينما لم يقارن المتحدث نسبة الاشتراكات إلى عدد المستخدمين المترو باليوم الواحد الذي يتخطي الـ 2مليون.

من بين هؤلاء الملايين، لا زالت السجون تضم عشرات المحتجين منهم ليحملوا اسم “بتوع المترو”، بينما لا زالت الأغلبية منهم يعتمدون عليه كوسيلة انتقال رئيسية دون إمكانية خلق بديل، مما يجعل مسمى “بتوع المترو” قابلا للانسحاب والتطوير بأشكال مختلفة.

كل هذا مر ولا زال يمر من أسفل عجلات مترو الأنفاق منذ القرار المثير للجدل للحكومة المصرية. والعجلة قد تدك نفس الحجر مئات المرات.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد