خمسة طرق لتوليد الدخل في العالم العربي وزيادة الأزمة

أفكار, قضايا

11  يونيو  2018

تعاني دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الانقسام والاستبداد، لكن بمساعدة الغرب، فإنها، وبشكل مثير للدهشة، قادرة على توليد العائدات بطرق مبتكرة. فيما يلي تقييم ساخر لخمس طرق منها.

بدا لفترة وجيزة وكأن ثورات الربيع العربي يمكن أن تقطع بشكل حاسم مع إرث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الثقيل من الاستعمار والصراع والحكم السلطوي.

ولكن لحسن الحظ، استغل الغرب هذه الفرصة التاريخية بذكاء ووضع برنامجًا ضخمًا للاستثمار والتعليم والتبادل، بدلاً من تبنى سياسته التقليدية الأكثر شيوعا، القائمة على استخدام العبارات البلاغية لإدانة السلطوية في ليبيا وإدانة ضربها بالقنابل في نفس الوقت.

وقد تبع هذا النهج المدروس تغطية ناقدة للمملكة العربية السعودية في صحيفة نيويورك تايمز، وهجوم شديد على التعامل السياسي من قبل المملكة المتحدة والولايات المتحدة مع دول مثل مصر والسعودية بسبب الانتهاكات واسعة النطاق والمستمرة لحقوق الإنسان، مع الاحتفاظ بالطبع بموقف غربي ثابت من القضية الفلسطينية.

لكن على الرغم من هذه الجهود الضخمة من قبل الغرب إلا أن كل فرصة لتحقيق حكم أفضل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه بمزيجً من التشرذم و”عودة الاستبداد”.

ويبدو أن الانطباع العام السائد هو أن حالة التجزؤ والاستبداد ستستمر، على الرغم من التحديات الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة التي تواجهها المنطقة والتى تعجز هذه الأشكال من الحكم عن التعامل معها. ومع ذلك، لم يختف الأمل تماما.

فمثلما كانت الأحزاب القومية الشعبوية الغربية (مثل الجبهة الوطنية الفرنسية) والحكومات (كما هو الحال في المجر) ناجحة إلى حد الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي والتمويل الأجنبي في نفس الوقت الذي تزيد فيه من حالة الاستقطاب داخل مجتمعاتها وتتحدى سيادة القانون في الداخل، فإن أصدقاءهم السلطويين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قادرون على توليد الدخل بطرق مبتكرة. وهنا، وبأسلوب ساخر، نلقي نظرة عن قرب على خمس طرق منها جذبت انتباهنا بالفعل.

  • تنظيم حملة تطهير “ضد الفساد”

نحن نعطي الحملة الأخيرة التى شنتها السعودية “ضد الفساد” المركز الأول في قائمة الأكثر إبداعا. وقد أضافت هذه الاستراتيجية المدرة للايرادات مبلغا مذهلا قيمته 106 مليار دولار لخزائن المملكة في غضون أسابيع قليلة فقط، وذلك عن طريق القبض على عدد من أغنى رجال الشرق الأوسط ثم مقايضتهم على ثرواتهم في مقابل حريتهم. ولاحظ هنا أن هذا الرقم بشكل تقريبي يعادل الناتج المحلي الإجمالي للمغرب او أوكرانيا.

وبالنظر إلى عجز موازنة المملكة السنوي البالغ نحو 50 مليار دولار، يمكن لها الآن أن تتنفس الصعداء بسهولة لعامين أخريين على الأقل دون أي حاجة إلى ربط الأحزمة والتقشف. وعلى الرغم من أن بعض المحللين الأجانب تساءلوا عما إذا كانت حملة القمع لم تكن في الحقيقة استيلاء مقنعا على السلطة، فإن المخاوف الرئيسية لدى الغرب، الذي بدا غير منزعج أصلا، كانت  بسبب تأثير هذه الاجراءات على ثقة المستثمرين وأثر اعتقال الأمير الوليد على أسهمه في تويتر.

التقييم: نتوقع دفعة لمرة واحدة وبصعوبة بحد أقصى 106 مليار دولار وهو ما يجعل درجة صعوبة التنفيذ تحصل على 7 من عشرة

المطلوب لتحسين النتائج: فرع محلي لانتزاع “الاعترافات” في فندق الريز كارلتون.

  • ادعاء ايرادات وهمية

ثانياً. من الممارسات الشائعة أن تنفق الحكومات في الدول ذات الحكم السيئ وكأن غدا لن يأتي أبدا، وأن تتقدم هذه الحكومات بطلب لنادي باريس‏ لتخفيف الديون عندما ينفد صبر أسواق الإقراض الدولية. وتدعم الدول الغربية هذه الممارسة من خلال قبول إصلاحات مالية رمزية مقابل الإقراض، وهي إصلاحات سرعان ما تُنسى. وعلى اعتبار أن هذه الاجراءات تتم من أجل الاستقرار العالمي، فأفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي من بين المستفيدين منها. وبفضل براعة اللبنانيين المعروفة في مجال التجارة، نقلت الحكومة اللبنانية هذه الاستراتيجية إلى مستوى جديد بادعائها أنها حققت بالفعل ايرادات تقدر بـ200 مليار دولار من التنقيب عن الغاز البحري، وهي لم تبدأ حتى في حفر بئر استكشاف واحد.

ومن الابتكارات المالية المثيرة للإعجاب أن يحصل بنك عودة – كمؤسسة مالية مستقلة – على  تقدير “موثوق به” لمصدر إيرادات غير مثبت، يقع جزئيا على حدود متنازع عليها، ليبدأ استغلال هذا المال على الفور “للنهوض بالاقتصاد”.

التقييم: نتوقع تدفق 200 مليار دولار لمرة واحدة مع تصنيف درجة صعوبة تحقيق ذلك ب9 من 10.

المطلوب لتحسين النتائج: مندوب مبيعات جيد وقصة يرغب الناس في تصديقها.

  • تأجير الأرض للجيوش الأجنبية

نعطي المركز الثالث لاستراتيجية مختلفة وهي “التفكير بشكل عالمي، والتصرف بشكل محلي”. يجب أن تكون الدول الصغيرة مبدعة لتوليد إيرادات معتبرة. وقد وجدت بعض الدول الأوروبية مثل ليختنشتاين ولوكسمبورج وحتى في هولندا تميزها بكونها “ملاذات ضريبية آمنة”. ولكن حوافز كهذه لا تكون فاعلة في دول هشة أو أوتوقراطية. وقد ابتكرت جيبوتي حلا رائدا لهذا المشكلة. فعلى الرغم من افتقارها إلى الأراضي الصالحة للزراعة، إلا أن جيبوتي تتميز بساحل رملي على طول خليج عدن المزدحم، كما أنها قريبة جدا من مناطق الصراع في اليمن والصومال وجنوب السودان. وقد استفادت جيبوتي من موقعها عن طريق تأجير الأراضي للجيوش الأجنبية. والآن تستضيف جيبوتى قواعد فرنسية وإيطالية ويابانية وسعودية وأمريكية وصينية.  ويبدو أن الهند وروسيا وتركيا أصبحوا مهتمين أيضا بتأجير مواقع لهم حتى لا يكونوا مستبعدين من المشهد. وفي الوقت الذي تقدر الشائعات قيمة القواعد الأعلى إيجارا بما بين 20 إلى 100 مليون دولار سنويا، فإن إجمالي الإيرادات التى تحققها جيبوبي من هذا الأمر يمكن أن تقدر بنصف الإيرادات السنوية للحكومة. وبالطبع فإن البديل للدول الأكبر هو أن تصبح حليفا عسكريا للولايات المتحدة – كما هو الحال مع باكستان وإسرائيل ومصر – وهو ما يضمن تأمين مليارات الدولارات في صورة مساعدات عسكرية مباشرة بغض النظر عن طبيعة الحكم في هذه الدول.

التقييم: نتوقع تدفق مبلغ محدود ولكنه منتظم يتراوح ما بين 10و300 مليون دولار سنويا مع تقييم معدل صعوبة تحقيقه ب 4 من 10.

المطلوب لتحسين النتائج: عقارات ملائمة من الناحية الجيوستراتيجية

  • تنظيم مؤتمر للمانحين

تتمثل الاستراتيجية الرابعة في تنظيم “مؤتمر للمانحين” في محاولة لجعل المجتمع يتحمل تكاليف إعادة الإعمار بعد صراع كانت الحكومة المضيفة هي السبب فيه ولو بشكل جزئي. وعادة ما تؤمن هذه المؤتمرات مزيجًا من الوعود المبهمة بالمساعدات، والإقراض بشروط ميسرة، والقروض التجارية التي تستفيد منها الشركات الغربية بشكل رائع. وقد ابتكرت الدولة العراقية هذا النمط الكلاسيكي المعد بعناية لمؤتمرها المنعقد في الكويت من خلال وضع إطار لإعادة الإعمار يبدو وكأن من كتبه هو البنك الدولي. فمن خلال تبني لغة براقة جاذبة للمنظمات التى تقدم المساعدات يتجاهل التقرير مشكلات محورية كتهميش السنة والحكم الذاتي للأكراد. على سبيل المثال قال بعض المشاركين في مؤتمر الكويت لكاتبي المقال، في مخاطبات سرية، أن الحكومة العراقية تتعمد تركيز الاستثمارات في المناطق الشيعية وأن رئيس الوزراء العبدي في الحقيقة يمنع اجراءات ضرورية لمواجهة الفساد قد تؤدي إلى خفض هيمنة النخب الشيعية على الدولة العراقية. ومع ذلك نجحت العراق، من خلال هذا التقرير المفتعل، أن تؤمن 30 مليار دولار من المساعدات. نتيجة ليست سيئة، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن هذا الرقم يساوي نصف عائدات العراق من النفط في عام 2017.

التقييم: نتوقع تدفق ما بين 4 و 30 مليار دولار كل عشر سنوات مع تقييم معدل صعوبة حدوث ذلك ب 4 من 10.

المطلوب لتحسين النتائج: اقتتال أو كارثة انسانية قبل انعقاد المؤتمر

  • انتاج او بيع او نقل المخدرات

إذا فشلت كل الأمور الأخرى، يمكن لأي بلد أن يستخدم دائما امتيازات الدولة لكسب المال من تجارة المخدرات العالمية غير المشروعة التي يرجع الفضل في وجودها إلى حد كبير إلى الطلب الغربي. ويمكن للأقلية المحظوظة، مثل أفغانستان (أفيون) أو لبنان (الحشيش)  أو المغرب (قنب الحشيش) ـ أن تنخرط في الانتاج بشكل مباشر.

في أفغانستان ‏على سبيل المثال، يتم فرض ضرائب على الكثير من مزارعي الخشخاش في عملية “تورطت فيها الحكومة بكاملها تقريباً”.  ولكن هناك ايضا فرص لاستخدام قوات الدولة وجوازات السفر الدبلوماسية وسجلات الشحن في توريد المخدرات عالميا. فعلى سبيل المثال، أكدت وزارة العدل الأمريكية مؤخرا أن كلا من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله يشاركان في عمليات تهريب مخدرات هائلة إلى الولايات المتحدة. إذا كان هذا الاتهام صحيحًا، فإن هذه الطريقة لها فائدة إضافية كونها ثغرة للالتفاف حول العقوبات الاقتصادية. وسيجد كل من الوسطاء الإجراميين والشركات الخارجية المحترمة في أماكن مثل بربادوس وبرمودا سعادة كبيرة بمساعدتهم. وللحصول على تأثير إضافي، يمكن للمرء أن ينسخ كتالوج اللعب الخاص بمالي ويهبط بطائرة بوينغ 727 مملوءة بالكوكايين في الصحراء مع قيام السلطات بمنع أي تحقيقات في الأمر.

التقييم:  نتوقع دخل سنوي يتراوح ما بين نصف مليار وخمسة مليارات بمعدل صعوبة 3 من عشرة.

المطلوب لتحسين النتائج: توفر أصول تسمح بالإنتاج أو النقل

من الواضح إذا أنه لا يوجد نقص في استراتيجيات مبتكرة لجمع الأموال للدول التي تعاني من ضائقة مالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إن المصالح التجارية العالمية والمنافسة الجيوسياسية والطلب الغربي على المواد الأفيونية يجعلون من الحكم الفردي والاستبداد شركاء نافعين. إن أزدواجية الإدارة الدولية للأزمات وبناء السلام – القائمة على عمل ما يكفي فقط لتجنب تهمة الوقوف والمشاهدة دون عمل شيء – يكرس دورة من البؤس تغذي نفسها بنفسها، مع قليل من الاسعافات السطحية. وعلى ما يبدو فإن هذا الوضع ملائم بالنسبة للكثير من أنظمة الشرق الأوسط والحكومات الأوروبية بشكل كبير.

نشر المقال باللغة الانجليزية على موقع أورينت 21

اضافة تعليق جديد