فقدان ذاكرة الاحتجاج وعودتها: الأردن؟

قضايا

10  يونيو  2018

كتب: لمياء الراعي

 

عادت أنباء الاحتجاجات في المنطقة العربية لتتصدر الواجهة بعد 7 سنوات من خنق المجال العام و التنكيل بالناشطين  السلميين وتدهور حرية التعبير، في ظل أنظمة جرمت العمل العام وأطلقت إعلامها لتشويه ووسم أي نقاش  يتناول الشأن العام والسياسة بالعمالة والخيانة. هذه المرة اشتعلت الاحتجاجات في الأردن، البلد الذي يقطنه ما يقارب من 9.5 نسمة، منهم 2.9 مليون غير أردني، يشكل اللاجئون السوريون %46 منهم.[1]

تعرض الأردن لسلسلة من الإجراءات الاقتصادية القاسية من تقليص للدعم وارتفاع كبير في كافة أنواع الضرائب على السلع والخدمات بشكل مس كافة شرائح المجتمع و قطاعاته. بدأت الاحتجاجات الأخيرة عندما قامت الحكومة الأردنية بطرح مشروع قانون خاص بضريبة الدخل، رأت فيه قطاعات عريضة مسا مباشرا بلقمة عيشها ومصالحها. حاول القانون التصدي لظاهرة التهرب الضريبي وتطبيق ضريبة تصاعدية، إلا أنه أغفل النظر إلى  المنظومة الضريبية الأوسع على مستوى الشرائح الأفقر من المواطنين وكيفية تأثير تطبيقه على الاقتصاد[2].

قادت نقابات المهنيين حوارا مع الحكومة الأردنية لسحب مشروع القانون قبل عرضه على مجلس الأمة للمصادقة عليه،إلا أن محاولاتها إثناء الحكومة عن تقديمه باءت بالفشل. كما عرضت النقابات سحب تعديلات قانون الخدمة المدنية [3]والذي نُظر إليه على أنه يعطي الحكومة الذرائع لإنهاء خدمات آلاف الموظفين بذريعة ان الموظف “الذي يكون تقديره ضعيف وفي السنة السابقة ضعيف أو متوسط” لا يصلح للعمل.

إلا ان مفاوضاتها مع الحكومة وصلت الى طريق مسدود مما أجبرها على الإضراب الذي ما بات ان تحولإلى حركة احتجاج في طول البلاد وعرضها بعد أن قررت الحكومة رفع أسعار الوقود والكهرباء- وهو اجراء تقوم به شهريا- في اليوم التالي للإضراب، في تحد واضح له وللقطاعات التي يمثلها. رفض الحكومة وخطوتها التصعيدية سحبت البساط من تحت أقدام النقابات إلى الشارع في العاصمة عمان و في المحافظات، واندلعت الاحتجاجات لتطالب النظام بمراجعة نهجه الاقتصادي ومنظومة ادارة الموارد والاقتصاد بالكامل، والسياسات الضريبية ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين.

كانت كل المؤشرات الإحصائية الخاصة بوضع الاقتصاد والفقر في المملكة تشير إلى ما حدث. لكن يبدو ان أحزاب المعارضة، كما الحكم، لم يعيروها التفاتا. ولم يتوقعوا ان تعبر الاحتجاجات الطبقات والمحافظات إلى الحد الذي وصلته،إذعمّت الاحتجاجات محافظات المملكة شمالا وجنوبا ولم تقتصر على العاصمة عمان . أما الاهتمام بعمان ومظاهرات الدوار الرابع (مقر رئاسة الوزراء) فكان لرمزيته ولقربه من دوائر الحكم.

اختلفت احتجاجات آيار- حزيران 2018 عن 2011.

رغم كثافة الاعتصامات والإضرابات والوقفات الاحتجاجية التي وصلت إلى 4,361 في عام 2011 وفقا لإحصائيات الأمن العام الأردني[4]،إلا أنها لم تتبنى مطالبا موحدة. كانت مطالبها تتراوح ما بين الملكية الدستورية إلى العودة إلى دستور 1952 والمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية للمناطق والجماعات المهمشة. قادت القوى والشخصيات التقليدية الاحتجاجات – من إخوان مسلمين إلى قوميين ويساريين- جنبا إلى جنب مع شباب الجماعات غير المؤطرة التي ظهرت في ذلك الوقت. إلا ان الحراك تشتت وتشرذم خاصة حول القضايا الإقليمية مثل سوريا، وتصدرته أصوات أقل مناكفة للمؤسسة الرسمية.

ثم شهدت السنوات السبع الماضية مزيدا من التشرذم للقوى السياسية المعارضة التقليدية، وغابت أي معارضة منظمة في ظل خوف حقيقي مما يحدث في سوريا والعراق، خاصة مع استضافة الأردن لأعداد كبيرة هربت من جحيم الصراعات في كلتا الدولتين. وتبنت المنابر الحزبية والرسمية رواية النظام الرسمي العربي الذي وصف انتفاضات الربيع العربي بكونها حركات مأجورة وعميلة !!!

كل هذه العوامل أطلقت يد المؤسسة الرسمية في وضع سياسات تلو الأخرى دونأن تتوقع رد فعل كذلك الذي رأيناه في أيار 2018.

ما تغير هو غياب كافة اللاعبين التقليديين من موالين حكوميين ومعارضة تقليدية عن المشهد. كانت مطالب الشارع محددة وواضحة وذات سقوف بعيدة كل البعد عن المطالبة بتغيير النظام أو طرح قضايا خلافية. واستمرت الاحتجاجات في انضباطها حول مطالب يصعب إعادة تأويلها سياسيا لتوسم الحراك بالشرذمة. و لم يترك الشارع مجالا لأحد، بما فيه النقابات، للمساومة حول مطالبه. فيما أُطلقت مطالبات شعبية لصياغة مشروع ضريبة جديد. ومع غياب القوى التقليدية من أحزاب وشخصيات ورجال دولة، غاب الإعلام الرسمي وظهرت التغطيات المباشرة من المنصات المستقلة أو المتظاهرين أنفسهم. واستمرت الاحتجاجات بنفس المطالب، وبمؤازرة واضحة من المحافظات والتي ظهرت بشكل جلي أدى إلى تصريح حكومي من رئيس الحكومة المكلف بنيته سحب القانون عند استلامه مهامه الدستورية.

من غير الواضح ما إذا كان الحراك الحالي سيستمر حتى تحقيق كافة المطالب وإذا ما كان سيطور آليات أبعد من الاحتجاج مع احتفاظه بتأييد شعبي واسع، خاصة عند طرح القانون الجديد للنقاش. إلا أنه من المؤكد أن هذه الاحتجاجات ستشكل علامة فارقة لدى الأردنيين في علاقتهم بالحقوق وتعاملهم مع الدولة.

عودة الى التاريخ: نشوء الدولة والاحتجاج:

أكثر ما بدا واضحا خلال أسبوع الاحتجاجات هذا كان غياب معرفة الأردنيين وأقرانهم المحتجين بتاريخ الأردن السياسي.. الصدام المسلح مابين النظام الأردني ومنظمة التحرير الأردنية عام 1970، خلق حالة من القطيعة مع تاريخ الأردن وحركاته الاجتماعية –السياسيةـ قادها مؤيدو الحقبة العرفية ورافضوها. وكأن الأردن غير الرسمي لم يكن موجودا لا قبلها ولا بعدها.  طمست الحقبة العرفية تاريخ الاحتجاج و التعامل مع القضايا التي استطاع الضغط الشعبي أن يحولها إلى أعراف. ومحي تماما تاريخ نشأة المؤسسات السياسية والوطنية والصراعات التي دارت حولها لصالح خطاب السلطة العرفي الذي خوّن الاحتجاج والاعتراض ووسمهما بالعمالة والتخريب.

رغم أن الحياة البرلمانية الحالية وانتهاء الأحكام العرفية جاء على يد هبة شعبية في 15 نيسان/أبريل 1989[5] والأيام التي تلته أثناء شهر رمضان، حيث بدأت في مدينة معان جنوب البلاد، وسرعان ما انتقلت إلى باقي المحافظات كالكركوالسلط وإربد، نتيجة للظروف الاقتصادية السيئة التي كانت البلاد تعاني منها، وانخفاض سعر صرف الدينار الأردني في نهاية حرب الخليج الأولى، بالإضافة إلى قرار الحكومة برفع الأسعار. ثم تطورت إلى المطالبة بالحريات العامة وإسقاط الحكومة، وبقانون للأحزاب بعد 18 عاما من حظرها.

انتهت الاحتجاجات بإقالة الحكومة الأردنية برئاسة زيد الرفاعي. كما تم إجراء انتخابات برلمانية وتشريع العمل للأحزاب الأردنية وإلغاء قانون الطوارئ الذي كانت تعيشه البلاد منذ نكسة 1967.

كما ينسى الأردنيون أن “هبة الكرك” عام 1910، وهي أول انتفاضة مسلحة ضد الحكم العثماني ونظام تجنيده الإجباري وضرائبه،كانت حجر أساس في قيام الدولة الأردنية فيما بعد، اذ نتج عنها إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921.[6]

لسنوات طويلة لم يولِ الباب العالي العثماني شرق الأردن اهتمامه إلا لغرض تأمين سلامة قوافل الحج. وقد حقق ذلك عبر دفع الأموال للقبائل البدوية في المناطق التي تمر بها هذه القوافل. بما أن مدينة الكرك في العصر القديم كانت ولازالت تعد من مدن المملكة الأردنية الهاشمية، وهي منبع القيادات المؤثرة في الدولة الأردنية ومن أبرز أحداثها في القرن العشرين: ثورة الكرك التي بدأت عام 1910 ضد الفساد الإداري للدولة العثمانية،وقادت عشائرها الكنانية أول ثورة حقيقية مسلحة ضد العثمانيون واستطاعوا السيطرة على المؤسسات التابعة للدولة العثمانية بعد استشهاد المئات من أبناء الكرك، وكانت ثورة الكرك الثورة التي مهدت الطريق لإعلان إمارة شرق الأردن عام 1921. كما أن الكرك كانت قائدا لحراك المعلمين عام 2010 الذي تزعمه المعلم مصطفى الرواشدة واستطاع حراك المعلمين في الكرك الحصول على نقابة للمعلمين في الأردن في أواخر عام 2011.[7]

_____________________________________

[1]https://bit.ly/1TuzATp

[2]https://bit.ly/2MbTkfm

[3]https://bit.ly/2JwUb91

[4]إحصائياتالأمن العام الأردني آذار(مارس) 2012

[5]هبّة نيسان هي فترة من الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة التي شهدها الأردن

[6]http://books.openedition.org/ifpo/7752

[7]http://www.ammonnews.net/article/77448

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة