الخلاص والفاكهة المُحرّمة “الثورة”

أفكار, قضايا

10  يونيو  2018

“هو النيزك إمتى؟”، “نيزك يا رب” وغيرها العديد من الجُمل التي نسمعها من شباب القرن الحادي والعشرين الحداثي الذين يستقون جلّ أفكارهم من الميديا والأفلام والمسلسلات الغربية التي بدورها الإيديولوجي تصيغ مثل تلك الأفكار لتقاربها لجموع المتلقين -الذين عادةً ما يمتازون بالتماهي التام مع المعطيات السائدة، ولعل واحدةً من تلك المعطيات السائدة هي فكرة “الخلاص”، ولكن أي خلاص؟

دعونا نتناول مفردات الخلاص خاصتهم:

في أحد الأفلام الشهيرة بعنوان “2012” علي سبيل المثال وغيره من عشرات الأفلام التي تتناول كارثة تضرب الكوكب فتدمّر سبل الحياة تماماً أو تلك الأفلام التي تتناول مجموعة من الكائنات المصوّرة خيالياً تهاجم الكوكب وتفتك بالجنس البشري مثلاً … الخ.

ليست السذاجة والسطحية في تناول هذا المشهد، ولكن الكارثة الأطغى هي تناول فكرة الخلاص من ذلك الدمار الشامل، فإما يطرحوا المُخلّص في هيئة سوبرمان/باتمان/سبايدرمان/كابتن أمريكا … الخ من التجسيدات الشخصية للصياغة النيتشوية الشهيرة “الإنسان المتفوق المُفارق”، وإما أن يطرحوا الخلاص بكونه مشيئة إلهية أرادت تدمير الكوكب بسبب كثرة الافتراءات والأخطاء والخروج عن درب الإله.

وهذا ما هو إلا غض البصر تماماً عن دور الإنسان التاريخي في المقاومة والنجاة، ونسف للتراث الإنساني المليء بالبطولات الكبرى نحو الارتقاء والتقدم والسيطرة على الطبيعة، وغرس جذره التاريخي في الزمان والمكان، فهكذا أطروحات تقف موقف العجز أمام الإنسان مُكتشف النار ومروّض الحيوان والنابش في بنية الطبيعة ليُخرج ما يريده من ثمارها ومعادن.

وعلي منوال “نيزك يارب” ونخلص/نفني، الفكرة ذاتها تتردد في أوساط علميين أكاديميين يغلب على أفكارهم الطابع الأبوكاليبسي -أبوكاليبس هو سفر الرؤية أو يوم القيامة في التوراة- فنجد أفكار مثل توقع الفناء للكون بإذابة الجليد أو باتساع ثقب الأوزون أو باستخدام القنبلة النووية أو المخلفات البيئية السامة … الخ، وبالتالي فناء الكائنات والبشرية والتاريخ، وهؤلاء يتناسوا أيضاً فكرة النجاة “surviving” التي لازمت تاريخ الإنسان وإلا ما بقي !

وبما إننا نتحدث عن علميين وأكاديميين فبالرجوع لأرشيف الجيولوجيا العظيم الذي يخبرنا أن ثاني أكبر ما يسمى بالفناء الجماعي “Mass Extinction” عرفته الأرض كان بعصر جيولوجي اسمه العصر الطباشيري أو الـ”Cretaceous” وتم فيه فناء حوالي 80% من الكائنات والحياة على الأرض، ولم تبقى غير النسبة الباقية من الحياة المائية التي استطاعت أن تنجو “survive” وتتطور “evolve”، ويمكن أصل الحياة المائية ليس فقط موجود في نظريات العلوم الكبرى، بل سنجدها في أصل الأديان والأساطير الأولي مثل أسطورة الخلق البابلية “الإينيوما إيليش”، ومن قبل العصر الطباشيري حدث في العصر البرمي أو الـ”permian” والذي يعتبر عصر أكبر فناء جماعي لحق بالكوكب، وماذا حدث بعده؟

صعود للحياة وركود ثم دمار فنجاة فبقاء فتطور فحياة فارتقاء إيجابي/سلبي، وهكذا هي العملية التي نعرّفها بالصيرورة. ولعل في تفسير كلمة “صيرورة” باللغة العربية صعوبة وإطالة في المفردات إلا أننا نجد لها تعريفًا بسيطًا باللغة الإنجليزية -التي أصبحت أكثر وقعًا علي مسامع الأفراد- بجانب اللغة العربية، فالصيرورة هي البناء الكُلّي الجامع للعناصر الثلاث الآتية: Nothing / Being / Becoming.

* وعلى منوال النيزك والأبوكاليبس العلمي والنظريات الفلسفية الوجودية سنجد امتداد الأفكار الخلاصية في أوجها وبالأخص على المستوى الفرداني/الذاتي، فناءه الدنيوي وخلوده الأخروي، فكل تلك النظريات تقزّم من واقع الإنسان وإمكانية تغييره بل وتحوّل تلك الإمكانية لاستحالة حتمية، وترجئ واقع الإنسان لشتي الأفكار الفردانية المعتمدة على “استغل الفرصة – اصبر وستجد -الحياة هكذا ولن تتغير فماذا نحن فاعلون – لن تسير الحياة إلا هكذا … الخ من العبارات والأكليشيهات التي تلغي مستقبل الإنسان أو بمعنى أدق تجعل الماضي والحاضر والمستقبل معادلة خطية تسير ناحية النيزك/يوم القيامة/الأبوكاليبس/اللاشيء!

لنخلص إلى حقيقتهم السائدة “لا يوجد مستقبل”!وحقيقتهم تلك تسري على كافة الأصعدة، فلا يوجد مستقبل إلا في ظل هذا النظام/المجتمع/الواقع/سلّة الأخلاق/العادات والتقاليد والأصول. لذلك حين نصل إلى كلمة “المستقبل” يلزمنا أولاً وضع تعريف فاصل لتناول مفهوم “المستقبل”، لنصيغ بالنهاية طريقنا الخاص نحو الخلاص.

في البدء هناك مفردتين/كلمتين في اللغة الفرنسية لمصطلح “المستقبل”:

* كلمة ” futur ” التي تعني المستقبل كاستمرارية للحاضر، كتحقق كامل للنزوع الموجود في الحاضر.

* بينما كلمة ” avenir ” تشير نحو الانقطاع الراديكالي/الجذري، أي عدم الاتصال بالحاضر، إنّها تعبر عمّا سيأتي وليس فقط ما سيحدث.

لذلك يكمن التفريق بين كل الأطروحات الخَلاصية اللاهوتية/الدينية، الأبوكاليبسية -نهاية العالم- وبين أطروحاتنا الخاصة الواقعية التي تعتمد على فاعلية الإنسان -وأقصد بالإنسان هنا الإنسان الاجتماعي وليس الفرداني- في تبيان نوعية أنواع الخلاص التي يبتغيها أرباب المجتمع الحاليون ونوعية الخلاص الذي نبتغيه نحن.

لذلك فإننا في أطروحاتنا نحنُ كثوريين، مازلنا نقرّ بكامل أطروحاتنا للمستقبل، فتأسيسنا لمفهوم “المستقبل” يرتكز على إطار جديد، نظام اجتماعي جديد، حياة جديدة، عمل جديد، روح وأخلاق جديدة، أفكار جديدة، لن ولم ننسي أن جلّ أطروحاتنا محشور في رحم النظام الحالي، لكنّ ما سيجلب الانتصار هو “فعل القطيعة مع الماضي”، ليس بنبذه بل بتجاوزه -على حسب مفهوم ألتوسير- لذلك لا تعنينا كلمة “futur” بل تعنينا كلمة “avenir”.

علي هذا النسق في التمييز نجد أنّ ماركس مثلا لم يكن يوتوبي/مثالي حالم واهم، بقدر ما كانت شيوعيّته مستقبلية جدًا -مستقبلية بالمعنى المذكور سابقًا- بمعنى أنّ مستقبل الشيوعية التي قصدها ماركس ليست تلك الشيوعية التي ستعيش في المستقبل بجانب الرأسمالية، ولكن الشيوعية المستقبلية هي التي ستقوم على أنقاض المجتمع البائد بأفكاره وإيديولوجياته وأنماطه السائدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

وبما أننا نتحدث عن المستقبل وننسب له خصوصية لنا فنقول: مستقبلنا، فهذا يستدعي التدخّل من أجل حسم هذا المستقبل لصالحنا، وهذا لن يتأتّى إلا بتناول وتحليل الواقع ومشكلاته والمعوّقات الإيديولوجية الكبرى التي تعيق حركتنا وحركة معطياتنا الخاصة.فليس كل تدخّل هو قفزٌ للمجهول -على حسب قول هيجل- وإلا ما كان تدخّل لينين الصارم والحاسم قد جلب له انتصار ثورته -روسيا أوكتوبر1917- وإلا أنكرنا كافة التدخّلات الحالمة بشأن المستقبل، مستقبل القطيعة.

لذلك لن نقف موقفهم الساذج، فإما أن تقول خيرًا -والخير هنا هو مُحدد مُسبقا مع ما يتماشى مع المعطيات السائدة- أو لتصمت ! هكذا يخيّرونا دوماً، بل بالأحرى إنّهم دوماً يخبرونا بأن نعيش هكذا أو نفنى!

لذلك فالعدميّون وأتباع المذاهب المثالية والأخلاقية والدينية والليبرالية الديمقراطية وبمعنى أشمل: “الأبوكاليبسيون” لا يعرفون شيئًا عن مصطلحات مثل: التدخل، التنظيم، الطرح، الثورة، التغيير الراديكالي، فقط ينظرون للموضوع بنظرة الراغبين في شفقة/خلاص. ماذا ينتظرون؟؟ أقرب نيزك على حد قولهم!!

الخلاصة:

لو أننا مؤمنون بفلسفة أو طرح ما نطرحه في ظل حالات البؤس المعيشية والهزيمة الثورية والانحطاط الاجتماعي والأخلاقي ومعوقات العمل التنظيمي والسياسي، فسيكون طرحنا مُعنونا بـ ” How to survive “، ومن الممكن أن يكون هذا الطرح ليس بجديد ولكنه يختلف في نقطتين رئيسيتين:

أولهم: النجاة هي نجاة دنيوية وممكنة، وآليات خلقها متواجدة في قلب العالم الرأسمالي الحداثي، وإمكانية تحققه في معادلة جدلية مع إمكانية عدم تحققه.

ثانيهم: النجاة هي ليست نجاة فردية قائمة على انعزالية أو تصوّف أو رهبنة أو تقشّف، النجاة ليست خلاصا فرديا، وقلّما ما تطرح فلسفة نفسها بكونها تهتم بالإنسان الإجتماعي وخلاصه الجماعي، وهذا الخلاص في أدبياتنا يدعى: الثورة، وإن كانت الغالبية تريد صياغة أبوكاليبسية أخرى ولكن واقعية فلتكن:

” Revolution is a realizable and possible apocalypse “.

بالنهاية، لن نمل يوماً من الإشارة والعمل نحو الثورة. كلماتنا البسيطة تلك هي إشارة التمرّد الدائمة نحو قطف الفاكهة المُحرّمة -الثورة- والثورة هي الصراط المستقيم الوحيد للخلاص.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية… مستقبل الطب على صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة.

أيمن أحمد عياد

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

حول مفهوم الشر: "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو